لبنان يعتمد على المبادرات الأهلية والدعم الدولي لتأمين مياه الشرب لسكانه

وعود أميركية بإعادة تأهيل محطة ضخّ دمرها قصف إسرائيلي بالجنوب

كبيرة مستشاري التنمية في القيادة المركزية الأميركية أليكسيو باتلر تتفقد محطة مجدل عنجر في يوليو الفائت (سي إس بي)
كبيرة مستشاري التنمية في القيادة المركزية الأميركية أليكسيو باتلر تتفقد محطة مجدل عنجر في يوليو الفائت (سي إس بي)
TT

لبنان يعتمد على المبادرات الأهلية والدعم الدولي لتأمين مياه الشرب لسكانه

كبيرة مستشاري التنمية في القيادة المركزية الأميركية أليكسيو باتلر تتفقد محطة مجدل عنجر في يوليو الفائت (سي إس بي)
كبيرة مستشاري التنمية في القيادة المركزية الأميركية أليكسيو باتلر تتفقد محطة مجدل عنجر في يوليو الفائت (سي إس بي)

منذ الاستهداف الإسرائيلي لمحطة توليد مياه الشفة في بلدة طيرحرفا الحدودية في الجنوب في مطلع نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، لم تعرب أي جهة رسمية لبنانية عن استعدادها لإعادة تأهيل المحطة، بينما بادر مكتب دراسات يتعاون مع «الوكالة الأميركية للتنمية الدولية» (USAID) إلى إجراء الدراسات، وفق ما يقول رئيس بلدية البلدة قاسم حيدر، لافتاً إلى أن المكتب قدّم وعوداً بتمويل الـ«USAID» لإنشائها مرة أخرى، وزيارة الموقع عندما تسمح الأوضاع الأمنية بذلك.

ومحطة طيرحرفا التي دخلت العمل في مطلع عام 2023، ودُمرت في خريفه، تعكس صورة معاناة اللبنانيين مع السلطة التي عجزت عن تأمين الخدمات الأساسية للسكان، ما اضطرهم للجوء إلى المبادرات الفردية والمساعدات الدولية لتأمين مياه الشفة والطاقة الكهربائية لتشغيل محطات الضخّ، كما تعجز الآن عن إعادة تأهيل ما دمره القصف الإسرائيلي في المناطق الحدودية في الجنوب، ولم يجدوا أمامهم إلا اللجوء إلى المساعدات الدولية وفي مقدمتها دول «الاتحاد الأوروبي» و«الوكالة الأميركية للتنمية الدولية» لتحسين الخدمات الأساسية، وتأمين وصول المياه إلى عشرات آلاف السكان، وإدارة مياه الصرف الصحي.

آثار التدمير في محطة طيرحرفا لتوليد الكهرباء لمحطة ضخ المياه (الوكالة الوطنية)

ويقول حيدر إن محطة توليد الكهرباء على الطاقة الشمسية لمحطة ضخ المياه في بلدة طيرحرفا، كانت قبل تدميرها تتألف من 200 لوح طاقة شمسية، ومولتها مساهمات أبناء البلدة، قبل أن يكتشف السكان أن المضخة المثبتة على نبع عين الزرقاء في البلدة، لا تكفي احتياجات السكان، فتبرعت الوحدة الإيطالية العاملة ضمن قوات «اليونيفيل» بتمويل مضخة أكبر تضخ أكثر من 45 متراً مكعباً بالساعة، ودخلت الخدمة في يوليو (تموز) الماضي، وما لبثت أن تعرضت المضخة كما ألواح الطاقة الشمسية «لتدمير كامل إثر قصف إسرائيلي» في 3 نوفمبر الماضي، ما جعل البلدة الآن بلا مياه ولا كهرباء أيضاً، إثر قصف إسرائيلي أدخل من تبقى من السكان في البلدة في العتمة.

دعم محلي ودولي

ويعاني لبنان منذ عام 2020 من تراجع في التغذية الكهربائية، بالتزامن مع أزمة اقتصادية ومعيشية يرزح تحتها قسم كبير من اللبنانيين، وحالت دون قدرة الدولة على توفير الخدمات الأساسية؛ ما دفع السكان للبحث عن بدائل. وبينما يسعى الناس لتوفير بدائل متوافرة «ضمن الإمكانات الفردية»، برز دور التدخل الدولي لتأمين الاحتياجات الأساسية، ومن ضمنها ضخ المياه، وتوفير إمدادات الطاقة لمحطات الضخ، ومعالجة مياه الصرف الصحي، إلى جانب خدمات أخرى مثل إعادة تأهيل مراكز الرعاية الصحية والمدارس وتمكين المعلمين، وغيرها من الأساسيات التي تعجز الدولة عن توفيرها.

وبينما لجأ أبناء القرى إلى جمع التبرعات من المتمكنين مادياً، أسهمت المبادرات الدولية في تمويل مشاريع مشابهة لتوفير مياه الشفة للسكان، خصوصاً في البلدات التي تتخطى فيها هذه التكلفة قدرات السكان المحليين، وذلك ضمن استراتيجية دعم اللبنانيين الذين يعانون جراء الأزمة، والمساهمة في رفع أعباء عنهم في ظل استضافتهم للاجئين سوريين.

دعم أميركي

ويمثل تأمين الخدمات الأساسية مثل المياه وصيانة محولات الكهرباء ومعالجة الصرف الصحي، جزءاً مهماً من تدخلات «الوكالة الأميركية للتنمية الدولية» (USAID) وبعثة الاتحاد الأوروبي في لبنان. ووضع برنامج دعم المجتمعات في لبنان «سي إي بي (CSP)» الممول من الوكالة الأميركية للتنمية الدولية، خطة استراتيجية بتمويل يبلغ 100 مليون دولار، يجري تنفيذها بين عامي 2018 و2025 لتوفير مجموعة واسعة من الدعم للمجتمعات الضعيفة، ولتحسين تقديم الخدمات الأساسية، وتعزيز الفرص الاقتصادية، وتحسين سبل العيش في مناطق شمال لبنان وجنوبه والبقاع.

وتشمل التدخلات العاجلة، كما يقول القيمون على البرنامج، إصلاح وإعادة تأهيل البنية التحتية وشراء المعدات مثل خزانات المياه والمولدات والمحولات الكهربائية التي تعمل على تحسين الخدمات الأساسية وتوفير الإغاثة للمجتمعات الضعيفة. أما التدخلات طويلة المدى، فتشمل إدارة النفايات الصلبة القابلة لإعادة التدوير، وإدارة مياه الصرف الصحي، وحلول الطاقة الشمسية، والمعدات الزراعية، ودعم سبل العيش، وتنمية القوى العاملة من خلال تحسين التعليم الفني والمهني لثلاثة قطاعات واعدة وتنمية الروابط المستدامة مع فرص التدريب العملي والوظائف داخل القطاع الخاص.

وتشير بيانات برنامج «سي إس بي (CSP)» الذي حصلت «الشرق الأوسط» على نسخة منه، إلى تنفيذ أكثر من 100 تدخل للمساعدة البلدية والمجتمعية حتى الآن، ويستفيد منها أكثر من مليون شخص في أكثر من 150 قرية.

ونفّذ البرنامج أكثر من 20 مشروع تركيب ألواح الطاقة الشمسية «لتعزيز توفير الخدمات الأساسية مثل الوصول إلى إمدادات المياه والكهرباء المنزلية وإنارة الشوارع»، كما نفّذ بناء 3 خزانات مياه مرتفعة لضخ مياه الشفة لأكثر من 21 ألف مستفيد، فضلاً عن بناء وإعادة تأهيل 3 محطات لمعالجة مياه الصرف الصحي، قادرة على معالجة أكثر من 12 ألف متر مكعب من المياه الآسنة يومياً، إلى جانب مشاريع أخرى لتوفير فرص عمل، ومساعدة المتضررين من انفجار مرفأ بيروت.

أما البرنامج الثاني المختص بتوفير مشروع مياه الشفة وإدارة الصرف الصحي، وهو الممول أيضاً من الوكالة الأميركية للتنمية الدولية (USAID)، فتبلغ قيمته 44 مليون دولار وينفذ بين العامين 2021 و2024، ويساعد مرافق المياه في البلاد على التعامل مع هذه المشكلة.

الاتحاد الأوروبي

وإلى جانب المساعدات الأميركية، خصصت بعثة الاتحاد الأوروبي في لبنان، جزءاً من مساعداتها لتوفير مياه الشفة ومعالجة المياه الآسنة أيضاً، وبدأت منذ أغسطس (آب) 2020، دعم مؤسسات المياه من خلال ضمان تشغيل وصيانة جميع مرافق البنية التحتية الرئيسية للمياه في البلاد، وذلك لتوفير الحد الأدنى من الخدمات لغالبية السكان في لبنان.

وتشير بيانات بعثة الاتحاد الأوروبي التي اطلعت عليها «الشرق الأوسط»، إلى إصلاح أكثر من 700 موقع لضخ المياه في الفترة من 2020 وحتى نهاية 2022، ما يضمن تغذية لفترة تتراوح بين ساعة وساعتين من المياه يومياً لنحو 500 ألف شخص شهرياً.

وتقول بعثة الاتحاد الأوروبي في لبنان، إن هذا التدخل كان أساسياً لضمان الحد الأدنى من جهود الحدّ من انتشار مرض «الكوليرا». وتشير البيانات إلى أنه منذ يونيو (حزيران) 2023، كثف الاتحاد الأوروبي دعمه لاستمرارية تشغيل 11 محطة رئيسية لمعالجة مياه الصرف الصحي في لبنان. وسيجري تقديم هذا الدعم «لقطاعي المياه والصرف الصحي حتى نهاية خطة الوزارة الخمسية لتعافي القطاع (2021 - 2026)».

ومن المتوقع أن تبلغ تكلفة هذا الدعم لقطاع المياه فقط (من أغسطس 2020 إلى ديسمبر (كانون الأول) 2026) نحو 70 مليون يورو (أُنْفِق 35 مليون يورو بالفعل)، كما تتوقع أن تبلغ تكلفة هذا الدعم لقطاع الصرف الصحي فقط (من يونيو (حزيران) 2023 إلى ديسمبر 2026) نحو 50 مليون يورو.

وإضافة إلى هذا الدعم للعمليات، قدم الاتحاد الأوروبي المساعدة الفنية والاستثمارات في البنية التحتية لتحسين أداء مؤسسات المياه، ومن ضمنها جرى تزويد بعض محطات الضخ بالطاقة الشمسية.

وموّل الاتحاد خلال السنوات الثلاث الماضية 22 محطة عاملة بالطاقة الشمسية لاستخراج وضخ المياه في لبنان. وبهدف تأمين الاستمرارية، سيجري تنفيذ مشاريع بنية تحتية عدة تهدف إلى تحسين الأداء، وخفض تكاليف العمليات، بما في ذلك 12 مشروعاً للطاقة الشمسية، بقيمة مالية تقارب الـ30 مليون يورو. كما سيجري تنفيذ مشروع لتحسين إدارة الموارد المائية بتمويل يناهز الـ17 مليون يورو.


مقالات ذات صلة

«حزب الله» يتمسك بسلاحه ويتحدّى محاولات تجريده

المشرق العربي أمين عام «حزب الله» نعيم قاسم يتحدث في خطاب متلفز السبت (إعلام حزب الله)

«حزب الله» يتمسك بسلاحه ويتحدّى محاولات تجريده

جدد أمين عام «حزب الله» نعيم قاسم، السبت، تمسكه بسلاحه، وتحدّى محاولات تجريده منه.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي عناصر من الجيش اللبناني على متن آلية عسكرية إلى جانب الحدود مع إسرائيل (أرشيفية - رويترز)

انفراج بملف الموقوفين السوريين في لبنان

توقع مصدر وزاري بارز بداية انفراج في ملف المحكومين، والموقوفين السوريين في السجون اللبنانية يقضي بالإفراج عنهم على مراحل

محمد شقير (بيروت)
تحليل إخباري شعارات داعمة للجيش اللبناني مثبتة على طريق مطار رفيق الحريري الدولي في بيروت (أرشيفية - أ.ب)

تحليل إخباري المجتمع الدولي يُصر على نزع السلاح في لبنان... لا تثبيت وقف النار فقط

يزداد التناقض بين ما يعلنه لبنان الرسمي من تمسك بتطبيق القرار «1701» الصادر عام 2006 والمعدّل عام 2024، وما تطلبه القوى الدولية لناحية حصرية السلاح.

صبحي أمهز (بيروت)
المشرق العربي الرئيس اللبناني جوزيف عون يترأس اجتماعاً أمنياً (الرئاسة اللبنانية)

مواكبة لبنانية ودبلوماسية لتأمين نجاح مؤتمر دعم الجيش

يمضي لبنان في التحضير لمؤتمر باريس لدعم الجيش في 5 مارس (آذار) المقبل، على المسارين الدبلوماسي والأمني بمسعى لإنجاح المؤتمر وتلبية شروط الدول المانحة

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي الرئيس اللبناني جوزيف عون يستقبل رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع في القصر الرئاسي يونيو 2025 (أرشيفية-الرئاسة اللبنانية)

اتصال جعجع بعون يبدّد التقديرات عن خلافات بينهما

بدّد اتصال رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع، بالرئيس اللبناني جوزيف عون، الجمعة، المعلومات عن خلافات جوهرية بين الطرفين.

نذير رضا (بيروت)

ملك الأردن يتلقى دعوة من ترمب للانضمام إلى «مجلس السلام» لغزة

فتيات فلسطينيات يمررن بين أنقاض مبانٍ سكنية دُمرت خلال الحرب (رويترز)
فتيات فلسطينيات يمررن بين أنقاض مبانٍ سكنية دُمرت خلال الحرب (رويترز)
TT

ملك الأردن يتلقى دعوة من ترمب للانضمام إلى «مجلس السلام» لغزة

فتيات فلسطينيات يمررن بين أنقاض مبانٍ سكنية دُمرت خلال الحرب (رويترز)
فتيات فلسطينيات يمررن بين أنقاض مبانٍ سكنية دُمرت خلال الحرب (رويترز)

​قالت وزارة الخارجية الأردنية، اليوم الأحد، إن الملك عبد الله الثاني تلقى ‌دعوة من الرئيس ‌الأميركي ‌دونالد ⁠ترمب ​للانضمام ‌لمجلس السلام في غزة.

وذكرت الوزارة في بيان: «يجري حالياً دراسة ⁠الوثائق المرتبطة بالدعوة ‌وفق الإجراءات ‍القانونية ‍الداخلية».

ومن المقرر ‍أن يشرف المجلس على الإدارة المؤقتة لقطاع ​غزة، في ظل اتفاق هش لوقف ⁠إطلاق النار منذ أكتوبر (تشرين الأول).

وأعلن البيت الأبيض، مساء الجمعة، تشكيل «مجلس السلام» في غزة والمجلس التنفيذي، بعد يومين من تشكيل لجنة إدارة القطاع، معتبراً ذلك «خطوة حيوية نحو تنفيذ المرحلة الثانية من خطته الشاملة لإنهاء الصراع في غزة».

ويضم المجلس التنفيذي التأسيسي، وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، والمبعوث الخاص للشرق الأوسط ستيف ويتكوف، وصهر ترمب، جاريد كوشنر، ورئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير، ورجل الأعمال الأميركي مارك روان، ورئيس البنك الدولي أجاي بانجا، إلى جانب نائب كبير موظفي البيت الأبيض روبرت جابرييل.

كما يضم المجلس التنفيذي لغزة، المبعوث الدولي السابق للشرق الأوسط نيكولاي ملادينوف، ووزير الخارجية التركي هاكان فيدان، ومستشار رئيس مجلس الوزراء القطري للشؤون الاستراتيجية علي الذوادي، ورئيس المخابرات العامة المصرية حسن رشاد، ووزيرة دولة للتعاون الدولي الإماراتية ريم الهاشمي، ورجل الأعمال القبرصي الإسرائيلي ياكير جاباي، وكبيرة منسقي الشؤون الإنسانية بالأمم المتحدة سيغريد كاج.

وسيتولى ملادينوف مهام «الممثل الأعلى» لغزة، حيث سيعمل حلقة وصل ميدانية بين «مجلس السلام» و«اللجنة الوطنية لإدارة غزة».

وأعلنت مصر وتركيا والأرجنتين وكندا تلقي زعمائها أيضاً دعوات من الرئيس الأميركي للانضمام إلى المجلس.


أوجلان يعدّ معارك سوريا «محاولة تخريب» لعملية السلام في تركيا

جنود أميركيون من التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة ضد تنظيم «داعش» يقفون في حالة تأهب خلال اجتماع مع «قوات سوريا الديمقراطية» بدير حفر بسوريا أول من أمس (أ.ب)
جنود أميركيون من التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة ضد تنظيم «داعش» يقفون في حالة تأهب خلال اجتماع مع «قوات سوريا الديمقراطية» بدير حفر بسوريا أول من أمس (أ.ب)
TT

أوجلان يعدّ معارك سوريا «محاولة تخريب» لعملية السلام في تركيا

جنود أميركيون من التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة ضد تنظيم «داعش» يقفون في حالة تأهب خلال اجتماع مع «قوات سوريا الديمقراطية» بدير حفر بسوريا أول من أمس (أ.ب)
جنود أميركيون من التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة ضد تنظيم «داعش» يقفون في حالة تأهب خلال اجتماع مع «قوات سوريا الديمقراطية» بدير حفر بسوريا أول من أمس (أ.ب)

وصف زعيم «حزب العمال الكردستاني»، عبد الله أوجلان، القتال الدائر بين الجيش السوري والقوات الكردية في شمال شرقي سوريا بأنه «محاولة لتخريب عملية السلام»، التي بدأت في تركيا مع مقاتلي الحزب.

وأفاد وفد من حزب «المساواة وديمقراطية الشعوب» (حزب اليسار الأخضر) المؤيد للأكراد، الأحد، بأن «أوجلان يرى في هذا الوضع محاولة لتخريب عملية السلام وإرساء مجتمع ديمقراطي».

وكان الوفد قد زار، السبت، مؤسس حزب «العمال» الكردستاني المسجون في إسطنبول منذ عام 1999.

في 27 فبراير (شباط) 2025، دعا زعيم «حزب العمال الكردستاني» الحركة إلى حلّ نفسها وإلقاء السلاح لإنهاء أكثر من 4 عقود من القتال الذي أودى بحياة ما لا يقل عن 50 ألف شخص، وذلك استجابة لمبادرة من أنقرة.

وبعدما أمضوا «ساعتين ونصف الساعة» معه، نقل أعضاء في حزب «المساواة وديمقراطية الشعوب»، ثالث أكبر الأحزاب في البرلمان التركي، عن أوجلان تجديد «التزامه بعملية السلام والمجتمع الديمقراطي، وإشارته إلى أن رؤية 27 فبراير لا تزال قائمة». كما دعا أوجلان إلى «اتخاذ الخطوات اللازمة للمضي قدماً» في المسار السلمي.

وفي منتصف يناير (كانون الثاني)، ندَّدت القيادة العسكرية لـ«حزب العمال الكردستاني» بمحاولة «تقويض وقف إطلاق النار» مع أنقرة من خلال هجوم القوات السورية على آخر حيَّين كانا لا يزالان تحت سيطرة الأكراد في حلب، واللذين انسحب منهما لاحقاً المقاتلون الأكراد.


خط غير واضح يفصل بين الحياة والموت في غزة

تظهر في جباليا شمال قطاع غزة كتلة صفراء تحدد «الخط الأصفر» الذي يفصل بين المناطق الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية والمناطق الفلسطينية منذ وقف إطلاق النار في أكتوبر (أ.ب)
تظهر في جباليا شمال قطاع غزة كتلة صفراء تحدد «الخط الأصفر» الذي يفصل بين المناطق الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية والمناطق الفلسطينية منذ وقف إطلاق النار في أكتوبر (أ.ب)
TT

خط غير واضح يفصل بين الحياة والموت في غزة

تظهر في جباليا شمال قطاع غزة كتلة صفراء تحدد «الخط الأصفر» الذي يفصل بين المناطق الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية والمناطق الفلسطينية منذ وقف إطلاق النار في أكتوبر (أ.ب)
تظهر في جباليا شمال قطاع غزة كتلة صفراء تحدد «الخط الأصفر» الذي يفصل بين المناطق الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية والمناطق الفلسطينية منذ وقف إطلاق النار في أكتوبر (أ.ب)

قد يُمثّل الخط الفاصل، الذي يكون أحياناً غير مرئي، مسألة حياة أو موت للفلسطينيين في غزة. ويقول مَن يحتمون قرب «الخط الأصفر» الذي انسحب إليه الجيش الإسرائيلي بموجب اتفاق وقف إطلاق النار في أكتوبر (تشرين الأول)، إنهم يعيشون في خوف دائم، إذ يُطلق الجنود الإسرائيليون النار بشكل شبه يومي على كل مَن يعبره أو حتى يوجد بالقرب منه.

ومن بين 447 فلسطينياً قُتلوا بين دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ ويوم الثلاثاء، قُتل 77 على الأقل بنيران إسرائيلية قرب الخط، من بينهم 62 عبروه، وفقاً لوزارة الصحة في غزة. ووجدت وكالة «أسوشييتد برس» أن من بين الضحايا مراهقين وأطفالاً صغاراً.

ورغم أن الجيش وضع بعض البراميل الصفراء والحواجز الخرسانية لتحديد حدود المنطقة الفلسطينية، فإن الخط لا يزال غير واضح في بعض الأماكن، وفي أماكن أخرى وُضع أعمق بنحو نصف كيلومتر (0.3 ميل) مما تم الاتفاق عليه في اتفاق وقف إطلاق النار، ما يُوسِّع الجزء من غزة الذي تسيطر عليه إسرائيل، بحسب فلسطينيين وخبراء في رسم الخرائط.

جثمان الطفلة همسة حوسو التي قتلها الجيش الإسرائيلي وتبلغ من العمر 11 عاماً بمستشفى الشفاء في جباليا (أ.ب)

وقال أحمد أبو جهال، أحد سكان مدينة غزة: «نبتعد عن البراميل. لا أحد يجرؤ على الاقتراب»، مشيراً إلى أن العلامات تبعد أقل من 100 متر (110 ياردات) عن منزله، بدلاً من 500 متر (546 ياردة) تقريباً كما هو موضح في خريطة نشرها الجيش الإسرائيلي.

وحتى يوم الثلاثاء، أقرّ الجيش الإسرائيلي بقتل 57 شخصاً حول الخط الأصفر، مُدّعياً أن معظمهم من المسلحين. وأوضح أن قواته تلتزم بقواعد الاشتباك لمواجهة الجماعات المسلحة، وأنها تُبلغ الفلسطينيين بموقع الخط وتضع علامات عليه على الأرض «لتقليل الاحتكاك ومنع سوء الفهم».

من السهل التيه

وبموجب وقف إطلاق النار، سحبت إسرائيل قواتها إلى منطقة عازلة يصل عمقها إلى 7 كيلومترات (4 أميال) وتشمل معظم الأراضي الزراعية في غزة، ومناطقها المرتفعة، وجميع معابرها الحدودية. وهذا يُحاصر أكثر من مليونَي فلسطيني في شريط على طول الساحل ووسط غزة.

وقال مدير مستشفى الأهلي في مدينة غزة، فاضل نعيم، إن أشخاصاً من جميع الأعمار، بعضهم متوفون بالفعل، يتوافدون بشكل شبه يومي إلى غرفة الطوارئ مصابين بجروح ناجمة عن طلقات نارية؛ نتيجة تجولهم بالقرب من الخط الفاصل.

ووسط الدمار الهائل في غزة، يصعب في كثير من الأحيان تحديد خط الترسيم، كما قال نعيم. وروى كيف كان يشق طريقه عبر مسارات غير متضررة خلال زيارة قام بها مؤخراً إلى مدينة خان يونس الجنوبية. وقال إنه لم يلاحظ أنه كاد يعبر الخط حتى صرخ عليه السكان المحليون للعودة.

تظهر في جباليا شمال قطاع غزة كتلة صفراء تحدد «الخط الأصفر» الذي يفصل بين المناطق الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية والمناطق الفلسطينية منذ وقف إطلاق النار في أكتوبر (أ.ب)

وقال الجيش الإسرائيلي إن معظم من قتلهم في أثناء عبورهم الخط كانوا يُشكِّلون تهديداً لقواته. ووفقاً لمسؤول عسكري تحدَّث شريطة عدم الكشف عن هويته تماشياً مع القواعد العسكرية، فإن القوات تصدر تحذيرات صوتية، ثم تطلق طلقات تحذيرية كلما عبر أحدهم الخط. وأقرَّ المسؤول بأن كثيراً من المدنيين يتراجعون عند إطلاق الطلقات التحذيرية، على الرغم من مقتل بعضهم.

قُتل زاهر شاميا، البالغ من العمر 17 عاماً، في أثناء لعبه بالقرب من الخط. كان يعيش مع جده في خيمة تبعد 300 متر (330 ياردة) عن الخط في مخيم جباليا للاجئين شمال غزة. وفي 10 ديسمبر (كانون الأول)، كان يلعب مع ابن عمه وبعض أصدقائه بالقرب من الخط، وفقاً لمقطع فيديو صوره قبل وفاته.

وقُتل زاهر في أثناء لعبه بالقرب من الخط. فجأة، دوت طلقات نارية وتوقف الفيديو. وقال شاهد عيان إن جنوداً كانوا يقتربون من الخط بجرافة مدرعة أطلقوا النار على المراهقين، فأصابوا زاهر. وعثر أحد الجيران في نهاية المطاف على جثة زاهر، التي سُحقت تحت الجرافة، وقال جده كمال البيه: «لم نتعرَّف عليه إلا من رأسه». وأكد الطبيبان، محمد أبو سلمية ورامي مهنا، أن المراهق قُتل برصاص ثم دهسته جرافة. وقال مسؤول عسكري إنه كان على علم بأنَّ شاميا مدني، وأن الجيش يحقق في الأمر. وقالت مرام عطا إن ابنتها عهد البيوك، البالغة من العمر 3 سنوات، كانت تلعب مع إخوتها خارج خيمتهم، القريبة من الخط الأصفر على طول الساحل الجنوبي لغزة، في السابع من ديسمبر. وكانت عطا تُعدّ العدس عندما سمعت طائرات تحلق فوقها، ثم دويّ إطلاق نار. ومرّت قذيفة طائشة بالقرب منها وأصابت عهد، التي فارقت الحياة قبل وصولهم إلى العيادة. وقالت عطا وهي تبكي: «لقد فقدت ابنتي بسبب ما يسمونه (وقف إطلاق نار). أي وقف إطلاق نار يتحدثون عنه؟».

ونفى مسؤول عسكري وقوع عملية القتل.

غموض قاتل

وأفادت وكالة «أسوشييتد برس» بأن الموقع الدقيق للخط غير واضح، ويختلف بين الخرائط التي نشرها الجيش الإسرائيلي والبيت الأبيض. ولا يتطابق أي منهما مع الخط الذي يبدو أن القوات تحدده على الأرض، وفقاً لفلسطينيين وخبراء في تحديد المواقع الجغرافية. وقام كريس أوسيك، محلل ومستشار استخبارات المصادر المفتوحة، بتحديد المواقع الجغرافية لعدد من المربعات الصفراء استناداً إلى مقاطع فيديو على وسائل التواصل الاجتماعي. ووجد 4 مناطق حضرية على الأقل وضعت فيها القوات المربعات على عمق مئات الأمتار داخل غزة، أبعد من الخط الأصفر المحدد في الخريطة العسكرية. قال أوسيك: «هذا ما يحدث عندما تسمح لترمب ببساطة بإنشاء صورة ونشرها على منصة (تروث سوشيال)، وتسمح للجيش الإسرائيلي بإنشاء صورته الخاصة». وأضاف: «إذا لم يكن النظام دقيقاً، بإحداثيات تسهل على الناس تحديد موقعه، فإنك تترك المجال مفتوحاً للجيش الإسرائيلي لتفسير الخط الأصفر كما يشاء».

أطفال فلسطينيون ينظرون إلى الدمار الذي أحدثه الجيش الإسرائيلي في دير البلح وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

ورفض المسؤول العسكري هذه الانتقادات، قائلاً إن أي انحرافات عن الخريطة لا تتجاوز بضعة أمتار. لكن بالنسبة للفلسطينيين المحاصرين بالدمار والتهجير الواسعَين، فإن كل بضعة أمتار مفقودة تعني منزلاً آخر لا يمكن الاحتماء به، منزلاً آخر يشكّون في إمكانية استعادته.

«الخط يقترب جداً»

بموجب وقف إطلاق النار، من المفترض أن تبقى القوات الإسرائيلية عند الخط الأصفر فقط حتى انسحاب كامل، على الرغم من أن الاتفاق لا يحدد جدولاً زمنياً لذلك. ومع تأخر الخطوات التالية في الاتفاق، وحفر القوات مواقعها على الجانب الإسرائيلي، يتساءل الفلسطينيون عمّا إذا كانوا يشهدون استيلاءً دائماً على الأرض.

في ديسمبر، وصف وزير الدفاع الإسرائيلي الخط الأصفر بأنه «خط حدودي جديد، بمثابة خط دفاعي أمامي لمجتمعاتنا وخط للعمليات».

وواصل الجيش هدم المباني داخل المنطقة التي تسيطر عليها إسرائيل، محولاً الأحياء المتضررة أصلاً إلى أراضٍ قاحلة. وقد سُوّيت مدينة رفح بأكملها تقريباً بالأرض، خلال العام الماضي. ويقول الجيش إن هذا ضروري لتدمير الأنفاق وتجهيز المنطقة لإعادة الإعمار. في بعض المناطق، تجاوزت عمليات الهدم منذ وقف إطلاق النار الخط الأصفر الرسمي.

جثمان الطفلة همسة حوسو التي قتلها الجيش الإسرائيلي وتبلغ من العمر 11 عاماً بمستشفى الشفاء في جباليا (أ.ب)

ومنذ نوفمبر (تشرين الثاني)، سوّت القوات الإسرائيلية مساحةً من حيّ طفة في مدينة غزة بالأرض، تمتدّ نحو 300 متر (330 ياردة) خارج المنطقة التي تسيطر عليها إسرائيل، وذلك وفقاً لصور الأقمار الاصطناعية التي التقطتها شركة «بلانيت لابز» في 14 أكتوبر و18 ديسمبر. وعاد أبو جهال إلى منزله المتضرر في طفة مع بداية وقف إطلاق النار. وقال إنه كان يرى باستمرار ظهور براميل صفراء جديدة، والجيش يُجبر كل من يسكن على جانبه من العلامات على إخلاء منزله. وفي 7 يناير (كانون الثاني)، أصابت نيران إسرائيلية منزلاً بالقرب منه، ما اضطرّ سكانه إلى الإخلاء، على حدّ قوله. وأضاف أبو جهال أن عائلته - بمَن في ذلك زوجته وطفله و7 من أقاربه - قد تضطرّ أيضاً إلى المغادرة قريباً. وقال: «الخط يقترب جداً».