لبنان يبدأ رحلة التعافي من الأزمة الاقتصادية

رصد دولي إيجابي... ونمو الناتج المحلي مشروط بعدم اندلاع حرب

مصرف لبنان المركزي (أرشيف - رويترز)
مصرف لبنان المركزي (أرشيف - رويترز)
TT

لبنان يبدأ رحلة التعافي من الأزمة الاقتصادية

مصرف لبنان المركزي (أرشيف - رويترز)
مصرف لبنان المركزي (أرشيف - رويترز)

يُرتقب أن تشكل المؤشرات المالية والنقدية الواعدة، محفزات مناسبة لإعادة وضع الاقتصاد الوطني اللبناني على مسار النمو الإيجابي بعد أربع سنوات ونيف من التدهور الحاد الذي أفضى في حصيلته التراكمية إلى خسارة تناهز 35 مليار دولار في احتساب القيمة التقديرية لإجمالي الناتج المحلي، عقب انحدارها الحاد من مستوى 55 إلى نحو 20 مليار دولار.

ومن المتوقع، حسب التقرير السنوي الأحدث للأمم المتحدة، أن يعود الاقتصاد اللبناني للنمو بنسبة 1.7 في المائة خلال العام الحالي، لترتفع النسبة إلى 3.8 في المائة في العام المقبل، بينما عمد البنك الدولي إلى حجب ترقباته لمؤشرات لبنان الاقتصادية بسبب حالة «عدم اليقين» السياسية الطاغية داخلياً، التي زادت ضبابية بالفعل، ربطاً باحتمالات توسع العمليات العسكرية على الحدود الجنوبية للبلاد.

حقائق

1.7 % نمو متوقع

أن يسجله لبنان خلال عام 2024

وفي المقابل، يحتفظ مؤشر التضخم بقوة الاندفاع السلبي، ليسجل وفق الترقبات الدولية، مستوى 78 في المائة هذا العام، لتنخفض النسبة إلى نحو 31 في المائة خلال العام المقبل، علماً بأن مستويات التضخّم قد ارتفعت من 171.2 في المائة المسجلة في عام 2022 إلى 230.4 في المائة في عام 2023.

مخاطر الحرب وأزمات سياسية

وتتقاطع الترقبات المحلية والدولية على بلوغ لبنان قعر الانهيارات وترجيح الانطلاق التلقائي إلى النمو الإيجابي رغم الضبابية الكثيفة التي تكتنف الأجواء العامة، سواء في أبعادها المرتبطة بمخاطر توسّع الحرب والمترافقة مع تهديدات إسرائيلية متوالية، أو في وقائعها الداخلية الهشة في ظل الفراغات السياسية واستمرار تنامي العجز والشلل في أداء السلطات، وبما يشمل خصوصاً التمادي بتأخير الإصلاحات الهيكلية التي يشترطها «صندوق النقد الدولي» لإبرام اتفاق نهائي مع الحكومة يتضمن البرنامج التمويلي بقيمة 3 مليارات دولار، وفق مندرجات الاتفاق الأولي الذي يشرف بعد شهرين على ختام السنة الثانية لتوقيعه.

ويمثل النمط المستمر لتدفق تحويلات اللبنانيين العاملين في الخارج والمغتربين، النواة المتينة والمستدامة لإعادة الاقتصاد إلى مسار النمو. وقد اكتسبت قيمة مضافة كبيرة في ظل جفاف التدفقات الاستثمارية الوافدة إلى البلاد، والارتفاع الصاروخي في احتساب حجمها قياساً بالناتج المحلي، إذ أصبحت، ورغم ثباتها قريباً من رقم 7 مليارات دولار سنوياً، تناهز 33 في المائة القيمة التقديرية للناتج القائم، مقارنة بنحو 13 في المائة، قبل انفجار الأزمات المالية والنقدية في خريف عام 2019.

وبينما يقدّر البنك الدولي حجم التحويلات الوافدة من «لبنانيي الخارج» بما يناهز 6.4 مليار دولار، أي بالمستوى عينه لأعوام سابقة التي يجري رصدها عبر قنوات القطاع المالي، فقد تكفلت المواسم السياحية، ولا سيما الصيفي بينها الذي سبق اندلاع حرب غزة، بتحقيق تدفقات دولارية زادت على مستوى 3 مليارات دولار.

 

حقائق

6.4 مليار دولار

قيمة المبالغ التي يحولها لبنانيو الخارج وفق تقديرات البنك الدولي

وساهمت هذه التدفقات فعلياً في تصويب مؤشرات الميزان التجاري وميزان المدفوعات اللذين عانيا من اختلالات حادة في السنوات الأخيرة، وخصوصاً جراء الزيادات الاستثنائية للمستوردات توخياً للاستفادة من الفوارق السعرية للدولار الجمركي، الذي شهد إرباكات لا تقل حدّة قبيل استقراره على سعر الصرف الساري على منصة البنك المركزي. كما حجزت هذه التحويلات دوراً مفصلياً في إرساء استقرار نقدي، رغم هشاشته عند حدود 90 ألف ليرة لكل دولار أميركي.

ووفق أحدث البيانات المالية التي رصدتها «الشرق الأوسط»، ارتفع صافي الموجودات الخارجيّة لدى القطاع المالي اللبناني (ميزان المدفوعات) بحوالي 1.65 مليار دولار حتى نهاية الشهر الحادي عشر من العام المنصرم، مقارنة بعجز بلغ نحو 3.2 مليار دولار في فترة القياس عينها من العام الأسبق.

ويعزى هذا الارتفاع إلى زيادة صافي الموجودات الخارجيّة لدى المصارف والمؤسَّسات الماليّة بمبلغ قدره 2.59 مليار دولار، مما طغى على انخفاض صافي الموجودات الخارجيّة لدى مصرف لبنان المركزي بنحو 944.5 مليون دولار.

ارتفاع موجودات «المركزي»

توازياً، أظهرت ميزانيّة البنك المركزي تقلصاً مشهوداً في حجم الانخفاض السنوي لموجوداته بالعملات الأجنبيّة، لتبلغ نحو 660 مليون دولار وما نسبته 4.3 في المائة بحصيلة العام المالي، مع التنويه بنجاح حاكمية البنك في عكس مؤشر مسار مخزون العملات الصعبة من الاستنزاف المستمر، إلى النمو المتواصل، بحصيلة ناهزت 750 مليون دولار خلال النصف الثاني من العام الماضي، لترتفع بذلك السيولة النقدية إلى نحو 9.32 مليار دولار، تُضاف إليها محفظة سندات دولية مصدرة من وزارة المال وتبلغ قيمتها الاسمية نحو 5.2 مليار دولار، فيما تنحدر قيمتها السوقية إلى 6 سنتات للدولار الواحد.

وفي سياق متصل، زادت قيمة احتياطات الذهب لدى مصرف لبنان بنسبة 15.1 في المائة، لتناهز مستويات قياسية بلغت نحو 19.2 مليار دولار، ولتحقّق زيادة نوعية في القيمة التقديرية بنحو 2.51 مليار دولار على صعيد سنوي، عند مقارنتها بالمستوى المُسَجَّل للقيمة السوقية المخزون في الفترة نفسها من عام 2022، والبالغ حينها 16.65 مليار دولار، علماً بأنه ممنوع التصرف أو الاستخدام بأي وسيلة لهذا الاحتياط الثمين بموجب تشريع صادر منتصف الثمانينات من القرن الماضي.

 


مقالات ذات صلة

لبنان: تحديات قضائية وسياسية تتحكم بمعركة خليفة «النائب العام التمييزي»

المشرق العربي قصر العدل في بيروت (أرشيفية)

لبنان: تحديات قضائية وسياسية تتحكم بمعركة خليفة «النائب العام التمييزي»

دخل لبنان مرحلة حاسمة مع اقتراب موعد إحالة النائب العام التمييزي جمال الحجار إلى التقاعد، لتبدأ معركة اختيار الشخصية التي ستخلفه في واحد من أهم المواقع القضائية

يوسف دياب (بيروت)
المشرق العربي جانب من المباني المتضررة التي استُهدفت بغارات إسرائيلية في حارة حريك في الضاحية الجنوبية لبيروت (أ.ف.ب)

تصعيد إسرائيلي على لبنان: توسيع رقعة القصف بين الضاحية والجنوب والبقاع

شهد لبنان، السبت، تصعيداً عسكرياً واسع النطاق، مع سلسلة غارات إسرائيلية مكثفة طالت الضاحية الجنوبية لبيروت ومناطق واسعة في الجنوب والبقاع الغربي

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي رجلان على دراجة نارية يمران أمام أنقاض مبنى دمّرته غارة إسرائيلية (رويترز)

جنوب لبنان... من السيطرة العسكرية إلى الهندسة الأمنية للحدود

لم تعد المواجهة الدائرة في جنوب لبنان تُختزل في مشهد الدبابات أو خطوط التماس، بل تتخذ شكلاً أكثر تعقيداً وعمقاً.

المشرق العربي أطفال نازحون يلعبون في مدرسة تحولت إلى مركز للنزوح ومن خلفهم العلم اللبناني (رويترز)

حرب إسناد «حزب الله» لإيران: ساحة ضغط موازية وأثمان داخلية متصاعدة

بعد أكثر من شهر على بدء حرب «إسناد إيران» التي أطلقها «حزب الله» عبر 6 صواريخ باتجاه إسرائيل، بدأ يُطرح السؤال حول مدى نجاح هذا الإسناد عسكرياً وسياسياً.

كارولين عاكوم (بيروت)
المشرق العربي ملصق لرجل وطفلين قُتلوا جراء غارة جوية إسرائيلية استهدفت منزلهم جنوب لبنان (أ.ب)

تطويق ميداني لبلدة بنت جبيل في جنوب لبنان

تتسارع وتيرة التطورات الميدانية في جنوب لبنان، على وقع تصعيد إسرائيلي متدرّج يجمع بين الضغط العسكري المباشر وتوسيع نطاق الإنذارات والإخلاءات.

صبحي أمهز (بيروت)

إندونيسيا تحث مجلس الأمن على التحقيق بعد إصابة جنودها بقوات حفظ السلام في لبنان

مركبات تابعة لقوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة (يونيفيل) تسير في قرية الوزاني اللبنانية بالقرب من الحدود مع إسرائيل جنوب لبنان - 6 يوليو 2023 (رويترز)
مركبات تابعة لقوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة (يونيفيل) تسير في قرية الوزاني اللبنانية بالقرب من الحدود مع إسرائيل جنوب لبنان - 6 يوليو 2023 (رويترز)
TT

إندونيسيا تحث مجلس الأمن على التحقيق بعد إصابة جنودها بقوات حفظ السلام في لبنان

مركبات تابعة لقوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة (يونيفيل) تسير في قرية الوزاني اللبنانية بالقرب من الحدود مع إسرائيل جنوب لبنان - 6 يوليو 2023 (رويترز)
مركبات تابعة لقوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة (يونيفيل) تسير في قرية الوزاني اللبنانية بالقرب من الحدود مع إسرائيل جنوب لبنان - 6 يوليو 2023 (رويترز)

دعت إندونيسيا، اليوم (السبت)، مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة إلى إجراء تحقيق عاجل في الهجمات المتكررة ضد قوات حفظ السلام الدولية في لبنان، وذلك بعد إصابة 3 من أفرادها في انفجار وقع في الثالث من أبريل (نيسان) الحالي في منطقة العديسة بجنوب لبنان.

وأعربت وزارة الخارجية الإندونيسية، في بيان لها، اليوم (السبت)، عن «قلقها البالغ» إزاء الحادث، مشيرة إلى أنه يمثل الهجوم الخطير الثالث الذي تتعرض له القوات الإندونيسية التابعة لـ«اليونيفيل» في أقل من أسبوع، وفقاً لـ«وكالة أنباء أنتارا الإندونيسية».

جنود حفظ السلام التابعون للأمم المتحدة من مختلف الوحدات الوطنية يسيرون خلال احتفال بمناسبة الذكرى السابعة والأربعين لتأسيس «يونيفيل» في مقر قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة في بلدة الناقورة بجنوب لبنان - 19 مارس 2025 (أ.ب)

وقالت الوزارة في بيانها: «تدعو إندونيسيا مجلس الأمن الدولي إلى معالجة هذا الأمر بشكل عاجل، كما تدعو الدول المساهمة بقوات عسكرية وشرطية في اليونيفيل إلى عقد اجتماع فوري لمراجعة وتعزيز تدابير حماية القوات».

وأكد البيان أن «سلامة وأمن قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة أمر غير قابل للتفاوض، وأن أي ضرر يلحق بهم يشكل انتهاكاً خطيراً للقانون الدولي ولا يجب أن يمر دون رد».


لبنان: تحديات قضائية وسياسية تتحكم بمعركة خليفة «النائب العام التمييزي»

قصر العدل في بيروت (أرشيفية)
قصر العدل في بيروت (أرشيفية)
TT

لبنان: تحديات قضائية وسياسية تتحكم بمعركة خليفة «النائب العام التمييزي»

قصر العدل في بيروت (أرشيفية)
قصر العدل في بيروت (أرشيفية)

دخل لبنان مرحلة حاسمة مع اقتراب موعد إحالة النائب العام التمييزي القاضي جمال الحجار، إلى التقاعد في 25 أبريل (نيسان) الحالي، لتبدأ معها معركة اختيار الشخصية التي ستخلفه في واحد من أهم المواقع القضائية وأكثرها حساسية وتأثيراً في البلاد. ولا تنحصر أهمية هذا المنصب في كونه رأس النيابات العامة ومرجعيّة الضابطة العدلية؛ بل تتجاوز ذلك إلى أبعاده السياسية والأمنية، حيث يشكّل نقطة تقاطع دقيقة بين السلطة التنفيذية والجسم القضائي، فضلاً عن كونه المرجع المخوّل إدارة التعاون القضائي الدولي.

ملفات كبرى ذات بعد دولي

في السنوات الأخيرة، تعاظم دور النائب العام التمييزي بشكل ملحوظ، خصوصاً في الملفات الكبرى ذات البعد الدولي، وفي مقدّمتها التحقيقات المرتبطة بانفجار مرفأ بيروت، حيث كان له دور محوري في تلقي الاستنابات القضائية من الخارج والرد عليها، كما برزت مهمته في التنسيق مع الأجهزة الأمنية اللبنانية ونظيراتها في الخارج، لا سيما في الدول العربية، في إطار مكافحة شبكات تهريب المخدرات، خصوصاً شحنات «الكبتاغون» التي شكّلت مصدر توتر دائماً بين لبنان ودول الخليج العربي.

موقع انفجار مرفأ بيروت - 4 أغسطس عام 2020 (أرشيفية)

والمرحلة المقبلة على النائب العام الجديد دقيقة ومعقّدة، في ظل ترقب القضاء اللبناني ورود طلبات تعاون قضائي وأمني من دول خليجية، عقب اكتشاف خلايا أمنية مرتبطة بـ«حزب الله» كانت تخطط لعمليات في عدد من هذه الدول، بينها الكويت والإمارات العربية المتحدة والبحرين وقطر، وتؤكد مصادر مواكبة لهذا الملفّ، أن المدعي العام الجديد «تنتظره كرة نار سيتلقفها، وتشكل اختباراً حقيقاً لأدائه، وترقب دوره في تتبع خيوط هذه الشبكات داخل لبنان، والتحقيق في صلات محتملة لأفراد مقيمين فيه بإدارة أو دعم تلك الخلايا». وشددت على أن «الامتحان الأهم يكمن في كيفية استكمال إدارة الملفات الأمنية والقضائية العائدة لعناصر ومسؤولين في (حزب الله)، بعد قرار الحكومة حظر نشاطات الحزب العسكرية والأمنية، واعتبارها خارجة عن القانون».

أكياس تحتوي على حبوب «كبتاغون» معروضة على الأرض بمقر «شعبة المعلومات» في بيروت خلال سبتمبر الماضي إثر الإعلان عن إحباط عملية التهريب (إ.ب.أ)

تجاذب سياسي حول الشخصية

تتصاعد حدة التجاذب السياسي حول الشخصية القضائية التي ستتولى هذا المنصب، في ظل سعي كل طرف إلى ترجيح كفة مرشحه. ووفق المصادر المواكبة لهذا الملفّ، فإن رئيس الجمهورية جوزيف عون «يميل إلى دعم تعيين رئيس محكمة الجنايات في الشمال القاضي ربيع الحسامي، فيما يُنسب إلى مقربين من رئيس الحكومة نواف سلام، أن الأخير يفضّل تعيين المحامي العام لدى محكمة التمييز القاضي أحمد رامي الحاج». أما في كواليس مجلس القضاء الأعلى، فثمّة من يزكّي اسم القاضية رولا عثمان، التي تشغل حالياً منصب قاضي التحقيق الأول في بيروت، بوصفها خياراً محتملاً يعكس توجهاً نحو تعزيز حضور المرأة في المواقع القضائية العليا. لكن المصادر لفتت إلى أن تأثير مجلس القضاء الأعلى «يبقى محدوداً، خصوصاً بعد أن أبطل المجلس الدستوري قانون استقلالية السلطة القضائية، الذي كان يمنح مجلس القضاء حق اقتراح 3 أسماء لهذا الموقع، وتكون الحكومة ملزمة باختيار أحدهم».

وأمام غياب تأثير مجلس القضاء، يبقى التعيين رهن التوافق السياسي، على الأقل بين رئيسي الجمهورية والحكومة، مع مراعاة التوازنات الطائفية، إذ جرت العادة أن يكون النائب العام التمييزي من الطائفة السنيّة، ما يمنح رئيس الحكومة هامشاً أوسع في عملية الاختيار. ولا تستبعد المصادر بروز أسماء من خارج لائحة المرشحين الأساسيين، من بينها رئيس محكمة التمييز الجزائية القاضي أسامة منيمنة، ومدير عام وزارة العدل القاضي محمد المصري، إضافة إلى القاضي علي عواجي.

وتشير المعطيات المتداولة الأوساط القضائية إلى أن «حظوظ القاضي محمد المصري تقدمت نسبياً في الأيام الأخيرة، نظراً لكونه الأعلى درجة بين القضاة السنّة، وهو عامل يلعب دوراً في الترجيح داخل الجسم القضائي». وترجّح أن يكون القاضي أسامة منيمنة مرشحاً بارزاً لتولي رئاسة هيئة التفتيش القضائي، خلفاً للقاضي أيمن عويدات الذي سيحال إلى التقاعد في يوليو (تموز) المقبل.


تصعيد إسرائيلي على لبنان: توسيع رقعة القصف بين الضاحية والجنوب والبقاع

جانب من المباني المتضررة التي استُهدفت بغارات إسرائيلية في حارة حريك في الضاحية الجنوبية لبيروت (أ.ف.ب)
جانب من المباني المتضررة التي استُهدفت بغارات إسرائيلية في حارة حريك في الضاحية الجنوبية لبيروت (أ.ف.ب)
TT

تصعيد إسرائيلي على لبنان: توسيع رقعة القصف بين الضاحية والجنوب والبقاع

جانب من المباني المتضررة التي استُهدفت بغارات إسرائيلية في حارة حريك في الضاحية الجنوبية لبيروت (أ.ف.ب)
جانب من المباني المتضررة التي استُهدفت بغارات إسرائيلية في حارة حريك في الضاحية الجنوبية لبيروت (أ.ف.ب)

شهد لبنان، السبت، تصعيداً عسكرياً واسع النطاق، مع سلسلة غارات إسرائيلية مكثفة طالت الضاحية الجنوبية لبيروت ومناطق واسعة في الجنوب والبقاع الغربي، في تطور ميداني يعكس توسيع رقعة المواجهة. وبرز في هذا التصعيد استهداف البنى التحتية الحيوية، ولا سيما تدمير الجسر الرابط بين سحمر ومشغرة فوق نهر الليطاني، بالتوازي مع سقوط قتلى وجرحى في عدة مناطق، مقابل ردّ صاروخي من «حزب الله» استهدف مواقع وتجمعات إسرائيلية في الجليل الأعلى.

هذا في وقت استكمل فيه الجيش الإسرائيلي استهداف قوات الـ«يونيفيل» بتدمير 17 كاميرا مراقبة عائدة للمقر الرئيسي للقوة في جنوب لبنان، في غضون 24 ساعة، وفق ما أفاد مصدر أمني في الأمم المتحدة «وكالة الصحافة الفرنسية».

مبنى متضرر جراء قصف استهدف منطقة حارة حريك في الضاحية الجنوبية لبيروت (أ.ف.ب)

الضاحية الجنوبية: غارات مركّزة ورسائل تصعيدية

وتعرضت الضاحية الجنوبية لبيروت لسلسلة غارات عنيفة بلغ عددها ست غارات على الأقل خلال ساعات الفجر، في واحدة من أشد الضربات التي تستهدف المنطقة في الفترة الأخيرة. واستهدفت إحدى الغارات محطة وقود في تحويطة الغدير.

عناصر في الدفاع المدني في أحد المواقع التي استهدفت بقصف إسرائيلي في بلدة معركة في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

وتأتي هذه الضربات في سياق إنذارات إسرائيلية مسبقة تهدف بشكل أساسي إلى تهجير أبناء المنطقة ومنع عودتهم إلى منازلهم.

وأعلن الجيش الإسرائيلي أنه نفذ، الجمعة، موجة غارات في بيروت «استهدفت مقرات تُستخدم من قبل فيلق لبنان التابع لفيلق القدس».

الجنوب: دمار واسع واستهداف مستشفى

في الجنوب، توسّعت رقعة الغارات لتشمل عشرات البلدات في قضاء صور والنبطية، بعد تحذيرات من الجيش الإسرائيلي بالإخلاء قبل استهداف مبانٍ سكنية ومرافق مدنية، ما أدى إلى دمار كبير وسقوط ضحايا.

واستهدف منزل في عين بعال قضاء صور، ما أدى إلى مجزرة بحق عائلة قتل فيها اثنان وجرح آخر، فيما الزوجة مفقودة، بحسب «الوكالة الوطنية للإعلام»، مشيرة إلى أن فرق الإسعاف تتابع عمليات البحث، كما أعلنت وزارة الصحة اللبنانية عن وقوع مجزرة أيضاً في حبوش في قضاء النبطية، حيث قُتل طفلان وجرح 22 شخصاً.

وأدت الغارات إلى أضرار جسيمة في ميناء الصيادين في صور والمستشفى اللبناني الإيطالي، ما من شأنه أن يفاقم الوضع الإنساني في المنطقة والضغط على القطاع الصحي في لبنان بشكل عام.

مواطن يتفقد الأضرار في ميناء الصيادين في صور (أ.ف.ب)

تدمير جسر استراتيجي وتصعيد متبادل

في البقاع الغربي، دمّر الطيران الإسرائيلي الجسر الرابط بين سحمر ومشغرة فوق نهر الليطاني بعد استهدافه للمرة الثالثة، ما أدى إلى قطع شريان حيوي لحركة المدنيين بين القرى. كما طالت الغارات بلدات سحمر ويحمر ومشغرة، وسط تسجيل إصابات وأضرار مادية.

ويأتي استهداف الجسر في سياق تكتيك عسكري يهدف إلى تعطيل خطوط الإمداد والتنقل لـ«حزب الله»، كما فرض نوعاً من العزل الجغرافي على المناطق المستهدفة، ويزيد في الوقت عينه الضغط على سكان المنطقة الذين يعتمدون عليه في تنقلاتهم.

في المقابل، أعلن «حزب الله» تنفيذ سلسلة هجمات صاروخية استهدفت مواقع وتجمعات للجيش الإسرائيلي في الجليل الأعلى، مؤكداً إصابة أهداف عسكرية بينها آليات ودبابة ميركافا.

ويعكس هذا التصعيد المتبادل اتساع رقعة الاشتباك وتزايد حدّته، في ظل مؤشرات إلى مرحلة مفتوحة على مزيد من التدهور الميداني.

تدمير 17 كاميرا مراقبة للـ«يونيفيل»

وفي تطور غير مسبوق، وفي سياق الضغط الإسرائيلي المستمر على قوات الـ«يونيفيل» بإبعادها عن المنطقة الحدودية، دمّرت القوات الإسرائيلية 17 كاميرا مراقبة عائدة للمقر الرئيسي لقوة الأمم المتحدة المؤقتة في جنوب لبنان (يونيفيل) في غضون 24 ساعة، وفق ما أفاد مصدر أمني في الأمم المتحدة «وكالة الصحافة الفرنسية»، السبت.

وقال المصدر، متحفظاً عن ذكر اسمه: «دمّر الجيش الإسرائيلي منذ يوم الجمعة 17 كاميرا تابعة للمقر العام لقوة (يونيفيل)» في بلدة الناقورة الساحلية. وفي وقت سابق، أبلغت المتحدثة باسم القوة الدولية، كانديس أرديل، الوكالة، الخميس، أن جنود حفظ السلام عاينوا منذ مطلع الأسبوع «جنوداً إسرائيليين ينفذون عمليات هدم واسعة النطاق» في الناقورة. وقالت إن تلك العمليات «لم تدمر منازل المدنيين ومتاجرهم فحسب، بل ألحق عصفها أضراراً بمقر قيادة (يونيفيل)».

دورية لـ«يونيفيل» على طريق بلدة القليعة في جنوب لبنان (رويترز)

مع العلم أنه منذ بدء الحرب بين «حزب الله» وإسرائيل في الثاني من مارس (آذار)، تحاصر النيران مقر ومواقع قوة حفظ السلام، مع شنّ «حزب الله» هجمات على مواقع وقوات إسرائيلية من جهة، وتوغل وحدات عسكرية إسرائيلية في بلدات حدودية.

ونعت القوة الدولية، في وقت سابق، ثلاثة جنود إندونيسيين قضوا في حادثين منفصلين، يومي الأحد والاثنين، في جنوب لبنان. كما أعلنت، الجمعة، جرح ثلاثة جنود، إصابة اثنين منهم خطيرة، جراء «انفجار» داخل أحد مواقعها قرب بلدة العديسة، من دون أن تحدد مصدره.

واتهم الجيش الإسرائيلي «حزب الله» بأنه «أطلق قذيفة صاروخية سقطت داخل موقع (يونيفيل)». ومنذ انتشارها عام 1978، قتل 97 من قوة «يونيفيل» جراء أعمال عنف في جنوب لبنان، بحسب الأمم المتحدة.

وقالت المتحدثة باسم القوة، في بيان، الجمعة: «لقد كان هذا الأسبوع صعباً على قوات حفظ السلام». وذكّرت «جميع الأطراف بالتزاماتها بضمان سلامة وأمن قوات حفظ السلام، بما في ذلك تجنب أي أنشطة قتالية قريبة قد تعرّضهم للخطر».