«هدنة غزة»... المكاسب والخسائر بين «حماس» وإسرائيل

الدخان يتصاعد بعد قصف إسرائيلي في قطاع غزة (أ.ب)
الدخان يتصاعد بعد قصف إسرائيلي في قطاع غزة (أ.ب)
TT

«هدنة غزة»... المكاسب والخسائر بين «حماس» وإسرائيل

الدخان يتصاعد بعد قصف إسرائيلي في قطاع غزة (أ.ب)
الدخان يتصاعد بعد قصف إسرائيلي في قطاع غزة (أ.ب)

بعد قتال دام 47 يوماً، وبوساطة مصرية - قطرية، ودعم أميركي، تدخل أول هدنة إنسانية في قطاع غزة موضع التطبيق صباح الخميس، ولمدة 4 أيام قابلة للتمديد، وسط حالة من الترقب الإقليمي والدولي، وحسابات متباينة لدى كل من طرفي الصراع (إسرائيل وحركة حماس) للمكاسب والخسائر التي أمكن ويمكن تحقيقها من تلك الهدنة التي تبدو «مجرد خطوة على طريق طويلة وشائكة نحو وقف إطلاق النار».

واتفقت إسرائيل وحركة «حماس»، الأربعاء، على هدنة، تحمل أول انفراجة بعد سبعة أسابيع من قصف غير مسبوق للجيش الإسرائيلي على قطاع غزة أودى بحياة ما يزيد على 14 ألف شهيد، أغلبهم من الأطفال والنساء، بحسب إحصاءات وزارة الصحة في غزة، إضافة إلى إصابة أكثر من 33 ألف شخص ونزوح ما يقرب من 1.7 مليون من سكان القطاع الذي دُمرت أجزاء كبيرة منه.

بنود «الهدنة الإنسانية» التي اتفق عليها الطرفان، وتدخل حيز النفاذ في العاشرة من صباح الخميس، بحسب تصريحات متطابقة من جانب مسؤولين بالحكومة الإسرائيلية وقيادات بحركة «حماس»، تتضمن هدنة تستمر 4 أيام تتوقف خلالها أعمال القتال، وتفرج «حماس» عن 50 من المحتجزين في غزة من النساء والأطفال، بحيث يتم الإفراج عن 10 محتجزين يومياً. في المقابل ستطلق إسرائيل سراح 150 فلسطينياً من السجون، معظمهم سيكونون من النساء والأطفال، كما سيتم السماح بدخول مئات الشاحنات من المساعدات الإنسانية والطبية والوقود إلى قطاع غزة.

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال مباحثات مع أمير قطر الشيخ تميم بن حمد في القاهرة الشهر الحالي (الرئاسة المصرية)

الطريق إلى الهدنة

الطريق إلى تلك الهدنة بدأ منذ الساعات الأولى لاندلاع المواجهات العسكرية بين إسرائيل و«حماس» في 7 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي عندما أعلنت مصر وقطر استعدادهما لبدء وساطة بين طرفي الصراع، وهو ما أثنت عليه الإدارة الأميركية، وعززته باتصالات متكررة مع قادة البلدين.

واستقبلت القاهرة والدوحة على مدى الأسابيع الماضية عشرات اللقاءات والاتصالات بين الأطراف المعنية؛ فبالإضافة إلى زيارة وزير الخارجية الأميركي، أنتوني بلينكن، لكل من مصر وقطر، استقبل البلدان مدير وكالة المخابرات المركزية الأميركية، ويليام بيرنز. وتخللت تلك اللقاءات اتصالات مكثفة مع الجانب الإسرائيلي، حيث زار رئيس جهاز الأمن الداخلي الإسرائيلي (الشاباك)، رونين بار، مصر منتصف الشهر الحالي، للقاء كبار المسؤولين المصريين، لمناقشة «صفقة الإفراج» عن محتجزين لدى حركة «حماس»، وفق ما أفادت تقارير صحفية إسرائيلية.

كذلك زار مدير جهاز الاستخبارات الإسرائيلي (الموساد)، ديفيد بارنيا، قطر، في نهاية أكتوبر الماضي، لمناقشة الجهود الجارية لإطلاق سراح المحتجزين من قبل حركة «حماس»، وعاد إليها في التاسع من نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي برفقة مدير المخابرات المركزية الأميركية، لعقد اجتماع مع رئيس الوزراء القطري، الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني.

وعلى المسار الفلسطيني أجرت القاهرة والدوحة اتصالات مكثفة مع قيادات حركة «حماس»، فإلى جانب وجود مكتب دائم للحركة في الدوحة وإقامة كثير من أبرز قيادات المكتب السياسي بها، زار وفد من قادة «حماس»، برئاسة إسماعيل هنية، مصر في التاسع من الشهر الحالي، حيث عقدوا اجتماعاً مع رئيس جهاز المخابرات العامة المصرية لبحث الأوضاع الراهنة في قطاع غزة.

زيارة وفد حركة «حماس» جاءت عشية قمة مصرية - قطرية في القاهرة، حملت دلالات واضحة بشأن التنسيقات الجارية، سواء من جانب حركة المقاومة الفلسطينية مع الوسطاء المصريين والقطريين، أو التنسيق بين القاهرة والدوحة من جانب آخر.

تنسيق مصري - قطري

يشير مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، السفير حسين هريدي، إلى أهمية هذا التنسيق، والدور الذي لعبه في «عدم تعارض الأدوار بل تكاملها»، موضحاً أن «التنسيق والسعي الدؤوب لاستكمال العمل من أجل الهدنة يُحسب لحكومتي البلدين».

وأشار هريدي لـ«الشرق الأوسط» إلى أن الدعم الأميركي لمسار الوساطة المصرية القطرية «كان له تأثير واضح»، خاصة في ظل تراجعات إسرائيلية متكررة عن إتمام الاتفاق على مدى الأسابيع الماضية، مشدداً على أهمية تنفيذ الاتفاق والتزام طرفي الصراع بجميع بنوده، مشيراً إلى أن الاتفاق «يخدم جميع الأطراف»، فهو يعطي فسحة إنسانية لسكان قطاع غزة وفرصة لإدخال المساعدات بكميات أكبر، وفي الوقت ذاته يسمح لقيادات «حماس» السياسية والعسكرية بوضع ترتيبات للتعامل مع ما هو قادم.

وعلى مستوى إسرائيل، يرى هريدي أن «الهدنة قد تكون فرصة لممارسة مزيد من الضغوط على الحكومة الإسرائيلية من جانب أسر المحتجزين في غزة عندما يرون من سيفرج عنهم ويتحدثون عن تأثير عمليات القصف المتواصل على من تبقى من المحتجزين، وبالتالي يمكن توفير فرصة للضغط من أجل تمديد الهدنة لضمان الإفراج عن مزيد من المحتجزين».

ويُعتقد مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق أن «حماس» تحتجز أكثر من 240 شخصاً اقتادتهم إلى غزة عندما تسلل مقاتلوها إلى إسرائيل في هجوم مباغت في 7 أكتوبر الماضي، والذي أسفر عن مقتل 1200 شخص؛ وفقا للإحصاءات الإسرائيلية.

وكانت وساطة مصرية - قطرية الشهر الماضي نجحت في إطلاق سراح محتجزتين إسرائيليتين لدى «حماس»، كما نجحت قطر قبلها بثلاثة أيام في إطلاق سراح أم وابنتها من حملة الجنسية الأميركية.

فرصة لالتقاط الأنفاس

من جانبه، عدّ الدبلوماسي الفلسطيني، السفير السابق لدى مصر، الدكتور بركات الفرا، سكان قطاع غزة «الكاسب الأول من اتفاق الهدنة»، مشيراً إلى أن الهدنة حتى وإن كانت مؤقتة ستكون فرصة لالتقاط الأنفاس بعد 47 يوماً من القصف «الوحشي وغير المسبوق» على القطاع، إضافة إلى زيادة أعداد شاحنات المساعدات للقطاع إلى 300 يوميا، وتوزيعها على مناطق بالقطاع باتت على حافة المجاعة، خاصة في الشمال.

وأضاف الفرا لـ«الشرق الأوسط» أن حسابات المكاسب الميدانية قد تكون لصالح طرفي الصراع؛ إسرائيل والفصائل الفلسطينية، موضحاً أنه يمكن لكل منهما إعادة ترتيب أوراقه لما بعد انتهاء الهدنة، التي «يتوقع أن تسعى إسرائيل لعدم تمديدها، لأن ذلك سيكون من وجهة نظر المسؤولين العسكريين الإسرائيليين اعترافاً بالهزيمة».

أما فيما يتعلق بالمكاسب السياسية، فالأمر، بحسب الفرا، يميل لصالح المقاومة الفلسطينية التي نجحت في الاحتفاظ بالأسرى والمحتجزين كل هذا الوقت على الرغم من المساعي الإسرائيلية للوصول إليهم بالقوة وبالأدوات الاستخباراتية، وإجبار حكومة الحرب في تل أبيب على قبول الهدنة رغم الرفض الصارم في البداية لإبرام أي هدنة أو وقف لإطلاق النار قبل استكمال الأهداف العسكرية وتحرير جميع الأسرى.

على المستوى الإسرائيلي الداخلي، يعتقد الفرا أن الهدنة ستكون «سلاحاً ذا حدين»، فقد تسهم في تخفيف الضغوط من جانب ذوي الأسرى والمحتجزين على الحكومة، لكنها في الوقت ذاته قد تؤدي إلى «تشققات في التشكيلة الحكومية»، خاصة في ظل رفض وزراء اليمين المتطرف للاتفاق، وهو ما يدفع باتجاه ألا تجدد الحكومة الإسرائيلية الهدنة لإعادة إطلاق العمليات العسكرية «بحثاً عن انتصار يمكن تسويقه داخليا لإنقاذ مصير قيادات تلك الحكومة ومستقبلهم السياسي».


مقالات ذات صلة

مستوطنون إسرائيليون يضرمون النار في مسجد بالضفة الغربية المحتلة

المشرق العربي مجموعة من المستوطنين خلال مهاجمتهم قاطفي الزيتون بقرية بيتا جنوب نابلس (أرشيفية-إ.ب.أ)

مستوطنون إسرائيليون يضرمون النار في مسجد بالضفة الغربية المحتلة

أضرم مستوطنون إسرائيليون النار، الأربعاء، في مسجد بالضفة الغربية المحتلة، وكتبوا شعارات على جدرانه الخارجية، وفق ما أفادت مصادر فلسطينية

«الشرق الأوسط» (مخماس (فلسطين))
المشرق العربي وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير في المحكمة العليا الإسرائيلية (أرشيفية - أ.ف.ب)

شاهد... بن غفير يشارك في عملية هدم مبنى سكني يضم 70 فلسطينياً بالقدس

شارك وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير اليوم في اقتحام بلدة الطور شرق القدس المحتلة، بالتزامن مع هدم قوات الاحتلال بناية سكنية يسكنها نحو 70 مواطناً.

«الشرق الأوسط» (رام الله)
المشرق العربي جثمان فلسطيني داخل كيس أزرق عقب مقتله برصاص الجيش الإسرائيلي في الضفة الغربية (أ.ف.ب)

مقتل فلسطيني وإصابة اثنين برصاص الجيش الإسرائيلي في الضفة الغربية

قتلت القوات الإسرائيلية فلسطينياً وأصابت آخرَين، الاثنين، بإطلاق النار على سيارة كانوا يستقلونها بجنوب الضفة الغربية المحتلة، وفق ما أفادت هيئة فلسطينية حكومية

«الشرق الأوسط» (رام الله)
المشرق العربي جنود إسرائيليون يقومون بدورية في أحد الشوارع عقب هجوم شنه مستوطنون إسرائيليون في قرية عورتا (أوسارين) جنوب نابلس بالضفة الغربية أمس (إ.ب.أ)

إسرائيل تقرر إغلاق الضفة ومعابر غزة في ذكرى «هجوم 7 أكتوبر»

قررت السلطات الإسرائيلية اليوم (الأحد)، فرض إغلاق على الضفة الغربية وإغلاق المعابر المؤدية إلى قطاع غزة يومي الاثنين والأربعاء المقبلين.

«الشرق الأوسط» (رام الله)
المشرق العربي فلسطينيون يشاركون في مراسم تأبين بمدينة غزة (أ.ف.ب) p-circle

«الصحة العالمية» تندد بتأخر دخول المساعدات إلى غزة

كشفت منظمة الصحة العالمية الجمعة عن أن إدخال المساعدات الإنسانية إلى غزة عبر إسرائيل يشهد «تأخيراً تلو الآخر»، منددة بـ«نقص مزمن» في الإمدادات الطبية.

«الشرق الأوسط» (غزة)

إسرائيل تهدد بإخلاء الضاحية وتهجير مليون شيعي لبناني

أرشيفية لوزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس في مخيم طولكرم بشمال الضفة (الجيش الإسرائيلي)
أرشيفية لوزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس في مخيم طولكرم بشمال الضفة (الجيش الإسرائيلي)
TT

إسرائيل تهدد بإخلاء الضاحية وتهجير مليون شيعي لبناني

أرشيفية لوزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس في مخيم طولكرم بشمال الضفة (الجيش الإسرائيلي)
أرشيفية لوزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس في مخيم طولكرم بشمال الضفة (الجيش الإسرائيلي)

صعّد وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، تهديداته، أمس، متوعداً بتوجيه ضربة قاسية إلى «حزب الله» وتوسيع نطاق السيطرة العسكرية في الجنوب، فضلاً عن إخلاء الضاحية الجنوبية لبيروت وتهجير أكثر من مليون لبناني من الطائفة الشيعية، في حال انضم الحزب إلى أي هجوم إيراني محتمل على إسرائيل، قائلاً إن «أكثر من مليون شيعي سيتحولون إلى نازحين داخل لبنان».

وفي موازاة ذلك، أثار إعلان «حزب الله» عن تقديم مساعدات مالية للنازحين والمتضرّرين، تساؤلات حول مصادر الأموال وآليات وصولها وتوزيعها، فيما شكّك متحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية للمرة الثانية في غضون أيام، في وجودها أصلاً.

وقال المتحدث باسم الخارجية الأميركية إن «الأموال المزعوم وصولها من إيران غير موجودة أساساً». وأضاف أنه «حتى لو امتلك الحزب الأموال، فسيستخدمها لشراء الأسلحة لتهديد إسرائيل وترهيب خصومه... أسلحته لم تجلب للبنان سوى البؤس والدمار».


لاكروا: يجب البدء بالمحادثات حول مستقبل بعثة حفظ السلام في لبنان قريباً

وكيل الأمين العام للأمم المتحدة لعمليات السلام جان بيير لاكروا خلال مقابلة مع وكالة «أسوشييتد برس» في بيروت يوم 14 أكتوبر 2026 (أ.ب)
وكيل الأمين العام للأمم المتحدة لعمليات السلام جان بيير لاكروا خلال مقابلة مع وكالة «أسوشييتد برس» في بيروت يوم 14 أكتوبر 2026 (أ.ب)
TT

لاكروا: يجب البدء بالمحادثات حول مستقبل بعثة حفظ السلام في لبنان قريباً

وكيل الأمين العام للأمم المتحدة لعمليات السلام جان بيير لاكروا خلال مقابلة مع وكالة «أسوشييتد برس» في بيروت يوم 14 أكتوبر 2026 (أ.ب)
وكيل الأمين العام للأمم المتحدة لعمليات السلام جان بيير لاكروا خلال مقابلة مع وكالة «أسوشييتد برس» في بيروت يوم 14 أكتوبر 2026 (أ.ب)

حث وكيل أمين عام الأمم المتحدة لعمليات السلام، جان بيير لاكروا، اليوم الأربعاء، مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة على بدء مفاوضات حول مستقبل قوات حفظ السلام المنتشرة في لبنان، في الوقت الذي تسعى فيه بيروت إلى تمديد تفويضها المقرر أن ينتهي في نهاية هذا العام، وفق ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء.

وتنتشر قوة حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة، المعروفة باسم «يونيفيل»، في جنوب لبنان منذ 1978، لكن مجلس الأمن أمر البعثة العام الماضي بالبدء في الانسحاب في نهاية 2026.

ومنذ اندلاع حرب جديدة في مارس (آذار) بين إسرائيل وجماعة «حزب الله» اللبنانية المدعومة من إيران، تحشد الحكومة اللبنانية الجهود من أجل تمديد تفويض «يونيفيل»، مشيرة إلى دورها في مراقبة الأعمال القتالية وتسهيل إيصال المساعدات إلى القرى الواقعة في المناطق التي تحتلها إسرائيل.

وقدّم الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش هذا العام مقترحات لاستمرار وجود قوات الأمم المتحدة في لبنان، لكن لاكروا قال لوكالة «رويترز» في بيروت إنه لم يتم اتخاذ أي إجراء حتى الآن.

وأضاف: «هذه المقترحات معروضة على طاولة مجلس الأمن. لم تحدث أي تحركات في مجلس الأمن حتى الآن، لكنني أعتقد أن المفاوضات ستبدأ... قريباً وبجدية».

وتابع: «أعتقد أنه من الأفضل اتخاذ قرار قريباً بدلاً من تأجيله، أليس كذلك؟ لأن ذلك سيوضح لنا الرؤية المستقبلية أيضاً، وبالتأكيد من وجهة نظر أكثر محدودية تتعلق بتخطيطنا».


رئيس «العدالة الانتقالية» ينفي وصول مسودة القانون إلى الصيغة النهائية

شاركت «الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية» في 5 أكتوبر في إحياء الذكرى الثانية عشرة لمجزرة قرية المتراس بريف طرطوس التي وقعت عام 2013 وراح ضحيتها أكثر من 100 شخص (الهيئة)
شاركت «الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية» في 5 أكتوبر في إحياء الذكرى الثانية عشرة لمجزرة قرية المتراس بريف طرطوس التي وقعت عام 2013 وراح ضحيتها أكثر من 100 شخص (الهيئة)
TT

رئيس «العدالة الانتقالية» ينفي وصول مسودة القانون إلى الصيغة النهائية

شاركت «الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية» في 5 أكتوبر في إحياء الذكرى الثانية عشرة لمجزرة قرية المتراس بريف طرطوس التي وقعت عام 2013 وراح ضحيتها أكثر من 100 شخص (الهيئة)
شاركت «الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية» في 5 أكتوبر في إحياء الذكرى الثانية عشرة لمجزرة قرية المتراس بريف طرطوس التي وقعت عام 2013 وراح ضحيتها أكثر من 100 شخص (الهيئة)

نفى رئيس «الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية» في سوريا، عبد الباسط الويس، ما تداولته بعض المواقع عن إنجاز قانون العدالة الانتقالية ورفعه إلى الأمانة العامة لرئاسة الجمهورية، لافتاً إلى أن «المشروع لا يزال قيد التداول والمناقشات، ولم يصل إلى صيغته النهائية».

وأوضح الويس لـ«الشرق الأوسط» أن الهيئة تتبنى «مساراً ديناميكياً في تطوير مسودات قانون العدالة الانتقالية المقترحة، عبر لقاءات تشاورية مستمرة مع المؤسسات المعنية التي تتقاطع معها، مثل وزارات الداخلية والعدل و(هيئة المفقودين)، بهدف تحديث وتجديد بنوده، قبل إحالته رسمياً للأمانة العامة لرئاسة الجمهورية ومجلس الشعب».

تصريحات الويس جاءت بعد تداول الحديث عن إنجاز الهيئة لمشروع قانون العدالة الانتقالية ووصوله إلى البرلمان، بعد ما أثارته مسودة المشروع الأخيرة من ردود فعل داخل الأوساط الحقوقية التي وضعت بنوده تحت مجهر التحليل، لتفتح أبواب النقاش والتحذير من وجود ثغرات بنيوية تمس جوهر القانون.

وركزت الانتقادات حول «عمومية النصوص»، خاصة المتعلقة بمساري «الإصلاح المؤسسي وكشف الحقيقة»، الواردة ضمن المسودات السابقة، إلى جانب حفظ الذاكرة الوطنية، ونطاق ملاحقة الانتهاكات الجسيمة، إلى جانب آليات المحاسبة وعدم الإفلات من العقاب وحصرها بين الفترة من 1970 حتى سقوط نظام بشار الأسد 2024، واستقلال الهيئات القضائية المختصة، وتداخل البنود المتعلقة بالعزل السياسي.

جلسة تشاورية في محافظة درعا بمشاركة عائلات المفقودين والناجين والمتضررين ومنظمات المجتمع المدني (الهيئة الوطنية للمفقودين)

الباحث في مجال القانون الجنائي الدولي المعتصم الكيلاني، يرى من جهته أن الإبقاء على مفاهيم أساسية مثل كشف الحقيقة والإصلاح المؤسسي، بصياغة عامة دون تحديد مضمونها القانوني وآليات تنفيذها، يشكل خطراً على فاعلية القانون وقدرته على تحقيق أهدافه، «فالمشكلة لا تكمن في استخدام هذه المفاهيم، وإنما في غياب الالتزامات القانونية الواضحة المترتبة، وترك تفسيرها وتطبيقها للسلطة التقديرية»، معتبراً أن التحدي الأساسي أمام أي قانون شامل للعدالة الانتقالية في سوريا، لا يتمثل فقط بالاعتراف بالانتهاكات الماضية، إنما في بناء منظومة قانونية قادرة على منع تكرارها، وضمان خضوع جميع المسؤولين عن الجرائم للمساءلة وفق القانون، وإعادة الاعتبار للضحايا، واستعادة الثقة بالمؤسسات العامة.

ويوضح الكيلاني أن «النصوص العامة لا توفر حماية كافية للضحايا، ولا تمنع إساءة استخدام السلطة، ولهذا يجب تحويل المبادئ العامة إلى حقوق قابلة للإنفاذ والتقاضي والتزامات محددة على المؤسسات، وإجراءات واضحة للمساءلة والرقابة».

لجنتا «ضحايا الثورة السورية» و«هيئة العدالة الانتقالية» تبحثان مشروع قانون العدالة الانتقالية بحضور عبد الباسط الويس (الهيئة)

الإصلاح والعزل السياسي

ويرى الكيلاني أن كشف الحقيقة ليس مجرد جمع للشهادات أو إعداد تقارير توثيقية، بل هو حق للضحايا وذويهم وللمجتمع في معرفة الوقائع المتعلقة بالانتهاكات الجسيمة، وظروف ارتكابها، والجهات المسؤولة عنها، ومصير المفقودين والمختفين قسرياً، وإذا لم يتضمن القانون ضمانات واضحة للوصول إلى الوثائق والأرشيفات الرسمية، وحماية الشهود، وإلزام المؤسسات بالتعاون، وتحديد العلاقة بين نتائج لجان الحقيقة والإجراءات القضائية، «فقد يتحول كشف الحقيقة إلى عملية توثيق رمزية لا تنتج آثاراً قانونية فعلية».

أما بالنسبة إلى الإصلاح المؤسسي فإن «ترك (المصطلح) دون تعريف ومعايير محددة قد يعيد إنتاج مؤسسات ساهمت بارتكاب الانتهاكات، أو استخدام الإصلاح وسيلة للإقصاء السياسي والإداري، ولذلك ينبغي أن يرتكز الإصلاح على تقييم فردي للمسؤوليات، ومعايير شفافة للنزاهة والكفاءة، وضمانات الاعتراض والطعن، مع إخضاع المؤسسات الأمنية والعسكرية والقضائية لرقابة قانونية مستقلة».

«الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية» تبحث مع أهالي جسر الشغور بمحافظة إدلب سبل تعزيز السلم الأهلي (الهيئة)

يستند الكيلاني في حديثه إلى الفقرات التي أشارت في نص المسودة إلى المادة الـ20 من إجراءات وتبعات فحص السجلات والمواد 19 و18 و17، من باب التقييم وضمان عدم التكرار التي تنص على إحداث لجنة ثلاثية لتقصي الحقائق لفحص جهازي أمني أو إداري، دون أن يمنح حق الطعن أو المراجعة للموظف الذي يعزل أو يطرد، إضافة إلى المادتين 21 و22 مدخل العزل السياسي التي تمنح لجنة تقصي الحقائق صلاحيات واسعة، وتفرض عقوبات دون وجود مستند قضائي.

قبل سقوط النظام وبعده

إلى جانب هذه البنود، فقد أثارت المدة الزمنية المحددة بفترة حكم نظام الأسدين، وربطها حصرياً بجهة سياسية أو أمنية معينة، إشكالية حقوقية تتعلق بمبدأ المساواة أمام القانون، وحق جميع الضحايا في الوصول إلى العدالة والإنصاف.

ولا يعني ذلك، بحسب الباحث، التقليل من حجم الانتهاكات التي ارتكبها النظام السابق، وإنما بترسيخ مبدأ العدالة فوق الجميع، وفق معيار قانوني واضح يكون بطبيعة الانتهاك وجسامته والمسؤولية الفردية عن ارتكابه، وبالتالي يجب أن يتوسع نطاق المساءلة ليشمل جميع الانتهاكات، بما فيها التي قد تكون ارتكبت بعد سقوط النظام السابق.

ويوضح أن معالجة هذه الإشكالية تشريعياً يكون من خلال اعتماد تعريف شامل للانتهاكات الجسيمة، وتحديد اختصاصات واضحة للتحقيق والملاحقة، بحيث لا يؤدي النطاق الزمني للعدالة الانتقالية إلى تعطيل اختصاص القضاء في الجرائم الواقعة خارجه، ويجب أن يتم ذلك مع احترام مبدأ الشرعية الجنائية، وعدم رجعية التجريم والعقوبة، وضمانات المحاكمة العادلة.

بدوره، يؤكد رئيس «الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية» في سوريا، عبد الباسط الويس، أن «ورقة المشروع لا تزال حية وقابلة للتعديل، وقد جرى عليها الكثير من التطوير والتحديث، حتى المسودة الأخيرة التي طرحت مؤخراً لا تزال المناقشات حول بنودها والتحسينات مستمرة».

ورغم الانتقادات المتزايدة حول المماطلة في تشريع قانون عدالة انتقالية شامل في سوريا، يجد حقوقيون وخبراء قانون أن تأخر صدور القانون ليس خطراً حقيقياً، بقدر ما يكون عليه وجود قانون يكرّس عدالة جزئية، أو يؤسس لمؤسسات تفتقر إلى الاستقلال، أو يمنح الضحايا اعترافاً رمزياً دون حقوق قابلة للإنفاذ.