حرب غزة: «حماس» حققت «نصرها»... الكرة الآن في ملعب إسرائيل

كلما طالت الحرب توسعت دائرة التدخل من الخارج

دبابة ميركافا إسرائيلية ضمن قافلة تتجه إلى حدود قطاع غزة اليوم الجمعة (أ.ف.ب)
دبابة ميركافا إسرائيلية ضمن قافلة تتجه إلى حدود قطاع غزة اليوم الجمعة (أ.ف.ب)
TT

حرب غزة: «حماس» حققت «نصرها»... الكرة الآن في ملعب إسرائيل

دبابة ميركافا إسرائيلية ضمن قافلة تتجه إلى حدود قطاع غزة اليوم الجمعة (أ.ف.ب)
دبابة ميركافا إسرائيلية ضمن قافلة تتجه إلى حدود قطاع غزة اليوم الجمعة (أ.ف.ب)

يقول المثل العاميّ «لا ينسى الإنسان كارثة ما، إلا بعد أن تأتي كارثة أكبر منها». مسكينة أفغانستان، حتى ولو سُمّيت بمقبرة الإمبراطوريّات. فقد حصد فيها الزلزال مؤخراً أكثر من 3000 ضحيّة، بالإضافة إلى الآلاف ممن أصبحوا دون مأوى. فهل انتبه العالم لهذه المأساة؟ مرّ الخبر بشكل عاديّ إلى حد كبير، الأمر الذي يؤكّد أن الأولويّة اليوم في العالم هي للصراعات الجيوسياسيّة.

يقول الخبراء العسكريّون إن لكلّ عصر حربه الخاصة، كما تكنولوجيّته التي تُعسكر بسرعة. فكم من الاختراعات التي عرفتها البشريّة كان الهدف منها الاستعمال العسكريّ، وبعدها تحوّلت إلى القطاع الخاص. الجديد اليوم مع هذه التكنولوجيا أنها بيد الشركات الخاصة. فعلى سبيل المثال لا الحصر، تندرج الإنترنت في هذا الإطار. كما أن الذكاء الاصطناعي الذي نعرفه اليوم، كان قد بدأ أوّل ما بدأ خلال الحرب العالميّة الثانية مع العالِم آلان تورينغ وآلته (The Bombe) التي فكّكت رموز الآلة الحربيّة الألمانيّة «أنيغما».

كل شيء في التكتيك

يقول المفكّر الاستراتيجيّ الأميركي كولن غراي إن أيّ سلاح تكتيكي له حتماً تأثير استراتيجيّ، خاصة إذا استعمل بطريقة صحيحة، ومن ضمن خطّة سليمة. فالنجاح التكتيكي لمعارك متعدّدة سوف يتراكم حتى يؤدّي إلى النصر الاستراتيجيّ.

قافلة إسرائيلية على الحدود مع قطاع غزة اليوم استعداداً لعملية برية محتملة (أ.ف.ب)

البساطة مقابل التعقيد

كلمّا أصبحت القوى العسكريّة متقدّمة تكنولوجياً، ارتفعت نسبة هشاشتها وإمكان إعطابها، وأصبح لدى القوّة الأخرى العدوّة خيارات متعدّدة لا تماثليّة (Asymmetric) للتعويض في موازين القوى. يقول المفّكر الأميركي ستيفن بيدل إن كلّ شيء في الحرب هو في الـ«كيف» (How). أي كيف تستعمل ما لديك من وسائل، وبأيّة طريقة مُبتكرة لتحقيق الأهداف وخلق واقع استراتيجيّ جديد. وإذا كان القرن الـ21 هو قرن نزع الغمامة أو السحابة (Fog of War) عن حقل المعركة لمعرفة أسرارها، وذلك بسبب التقدّم التكنولوجيّ، خاصة في المراقبة المستمرّة للعدو ولمسرح الحرب، فإن هذا التقدّم سيضرب حتماً عنصر المفاجأة. لذلك يُعتبر الـ«كيف» العامل الأساسيّ لخلق وإعادة إحياء عنصر المفاجأة. وقد حصل هذا الأمر مؤخراً في عملية «حماس» المسماة «طوفان الأقصى» ضدّ إسرائيل.

المفاجأة مقابل الروتين

يقول الزعيم السوفياتي جوزف ستالين بما معناه إن حالة موت واحدة هي كارثة، أما مليون حالة موت فهي مجرّد إحصاء. يأخذنا هذا الأمر إلى القول إن كلّ الحروب تبدأ بمفاجأة إلى حدّ ما. لكنها وبعد أن يكشف المتحاربون أوراقهم، فهي تنتقل إلى ما يُسمّى بـ«الروتين». في مرحلة الروتين، يصبح القتل أمراً طبيعيّاً، يرافق مسار الحياة اليوميّة. وتأخذ الحرب مداها الدمويّ. وعليه، تتأقلم المجتمعات مع الحرب وبكلّ الأبعاد، السياسيّة، الاقتصاديّة كما الاجتماعيّة. لكن الحرب تخلق جيلها الخاص، العسكريّ منه أو السياسيّ. تعيد الحرب توزيع الثروة والسلطة في أي بلد زارته.

هجوم «حماس» على المواقع الإسرائيلية على حدود قطاع غزة حقق عنصر المفاجأة

بدأ الروتين في حرب غزّة. ومن حقّق نصراً يريد الحفاظ عليه. ومن خسر يريد استرداد خسارته، أو بالحدّ الأدنى تقليل هذه الخسارة. تحدّث خبراء عن مفاجأة استراتيجيّة لإسرائيل من قبل «حماس». كما حلّلوا الفشل الاستخباراتيّ لأهم مؤسسات استخباراتيّة تتغنّى بها إسرائيل. فهل فعلاً هنا فشل استراتيجيّ كامل وشامل؟ بالطبع كلاّ؛ لأن بعض مؤشرات التحضير للعملية كان معروفاً. لكن الخلل يندرج بأمرين أساسيين: الغطرسة الإسرائيليّة والتقليل من قدرة حماس (Hubris) على تغيير قواعد الاشتباك التي تمأسست بين الطرفين منذ أوّل صدام بينهما، كما يندرج في الخطأ في تحليل الداتا الاستخباراتيّة وتقييمها.

الصورة الصغرى مقابل الصورة الكبرى

كلما طالت الحرب توسعت دائرة التدخل من الخارج. سيسعى كل من له مصلحة إلى الاستفادة من الديناميكيّة التي خلقتها هذه الحرب. روسيا مستفيدة لأنها تلهي أميركا عن أوكرانيا.

إن لم تكن مهتماً بالحرب فالحرب مهتمة بك. هكذا قال الزعيم والمفكّر الشيوعي ليون تروتسكي. وإن لم تكن أميركا مهتمّة بالشرق الأوسط، فإن الشرق الأوسط مهتم بها إلى درجة العشق والذوبان فيها. فكلما حاولَت الخروج من المنطقة أعادتها قوّة جذب المنطقة إلى حضنها.

وإذا كان بعض المحللين يقارن «حرب أكتوبر (تشرين الأول) 1973» بعملية «طوفان الأقصى» اليوم، لجهة عنصر المفاجأة والفشل الاستخباراتيّ، فهناك بعض آخر يعتبر أن عملية «حماس» قد تكون مفتاحاً للحلّ كما فتحت أبواب حرب تشرين لمصر استرداد شبه جزيرة سيناء. وهنا تتظهّر الفوارق الكبرى المتمثّلة بالأسئلة التالية: هل تقبل «حماس» بما تسميه «الكيان الصهيوني» كي تتفاوض معه على جزء من فلسطين؟ وماذا عن السلطة الفلسطينيّة بعد أوسلو؟ وماذا عن العاصمة القدس؟ وهل ستكون «حماس» هي المحاوِر الأساسيّ؟ وماذا عن راعيها الإقليمي؟

في الختام، أصوات المدافع تدوّي حالياً في السماء. والحوار الآن مستحيل. وللجلوس حول الطاولة، لا بد لكلّ من الأفرقاء أن يحقّق شيئاً يُسوّقه على أنه نصر ما. حقّقت «حماس» المفاجأة واعتبرتها نصراً. حالياً تنتقل الكرة إلى ملعب إسرائيل كي تحقّق شيئاً ما. وهنا بيت القصيد، فما هو هذا «الشيء ما»؟


مقالات ذات صلة

غزة تستعد لأول انتخابات محلية منذ عقدين

خاص صبي فلسطيني يمر قرب لافتات لمرشحي الانتخابات المحلية في دير البلح بوسط غزة الثلاثاء (أ.ف.ب)

غزة تستعد لأول انتخابات محلية منذ عقدين

تشهد مدينة دير البلح وسط قطاع غزة، أول انتخابات محلية على مستوى القطاع منذ عقدين تقريباً؛ في مشهد انتخابي ينطلق السبت، بالتزامن مع الضفة الغربية.

«الشرق الأوسط» (غزة)
يوميات الشرق بائع فلسطيني يبيع سجائر مصنوعة من أوراق الملوخية المجففة كبديل للتبغ (رويترز)

في مواجهة شحّ التبغ في القطاع... الغزيون يدخنون الملوخية

لم تعد الملوخية مجرد طبق تقليدي على موائد السكان في قطاع غزة، بل تحوّلت، تحت وطأة الحرب وشحّ التبغ، إلى بديل غير مألوف للسجائر.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي طفل يسير في مقبرة خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

غزو القوارض والحشرات يفاقم معاناة النازحين في غزة

يواجه النازحون في غزة داخل المخيمات المكتظة الكثير من المشاكل والتحديات قد يتمثل أكثرها إلحاحاً في غزو القوارض والحشرات لخيامهم الرثة.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي فلسطينيون نازحون يحملون جثمان أيمن أبو حسنة خلال جنازته في مخيم البريج للاجئين وسط قطاع غزة أمس والذي أفادت التقارير بمقتله ليلاً في غارة إسرائيلية أثناء قيادته دراجة نارية (أ.ف.ب)

مقتل 5 في غارات إسرائيلية متفرقة على قطاع غزة

مسعفون يفيدون بمقتل 5 في غارات إسرائيلية منفصلة، وسكان يفيدون بوقوع اشتباك بين «حماس» ومجموعة مسلحة مدعومة من إسرائيل.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي جانب من الدمار في قطاع غزة جراء الحرب (رويترز - أرشيفية)

«مجلس السلام»: خطة غزة تحتاج إلى إحراز تقدم سريع والمحادثات «ليست سهلة»

قال كبير مبعوثي «مجلس السلام» إلى غزة، اليوم (الاثنين)، إنه «متفائل إلى حد ما» بإمكان التوصل إلى اتفاق بشأن خطة نزع سلاح حركة «حماس».

«الشرق الأوسط» (غزة)

إسرائيل و«حزب الله» يخوضان مناوشات «قواعد الاشتباك»


فرق الإنقاذ تزيل الأنقاض أمس من مبنى قصفه الجيش الإسرائيلي في بلدة حناويه بجنوب لبنان (أ.ف.ب)
فرق الإنقاذ تزيل الأنقاض أمس من مبنى قصفه الجيش الإسرائيلي في بلدة حناويه بجنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

إسرائيل و«حزب الله» يخوضان مناوشات «قواعد الاشتباك»


فرق الإنقاذ تزيل الأنقاض أمس من مبنى قصفه الجيش الإسرائيلي في بلدة حناويه بجنوب لبنان (أ.ف.ب)
فرق الإنقاذ تزيل الأنقاض أمس من مبنى قصفه الجيش الإسرائيلي في بلدة حناويه بجنوب لبنان (أ.ف.ب)

يخوض الجيش الإسرائيلي و«حزب الله» مناوشات «قواعد الاشتباك»، إذ يُظهر تبادل إطلاق النار في جنوب لبنان محاولات لحصر نطاق المواجهات في منطقة جنوب نهر الليطاني الحدودية مع إسرائيل، حيث تواصل القوات الإسرائيلية عملياتها العسكرية ضمن المناطق التي تسيطر عليها، في مقابل اقتصار عمليات الحزب على هذه المنطقة مترافقة مع ردود محدودة على خروق الهدنة ضمن نطاق شمال إسرائيل.

وأعلن «حزب الله»، أمس، أنه استهدف بمسيّرة، مربض مدفعية للجيش الإسرائيلي في بلدة البياضة داخل لبنان، «ردّاً على الخروق الإسرائيلية لوقف إطلاق النار».

وعشية لقاء سفيري لبنان وإسرائيل في واشنطن، في لقاء ثانٍ، اليوم (الخميس)، حدّد الرئيس اللبناني جوزيف عون شرطه الأساسي لبدء المفاوضات، قائلاً إنه يتمثل بتثبيت وقف النار، ودعا إلى وحدة الموقف الوطني لتقوية الفريق اللبناني المفاوض، كما حثّ الأجهزة الأمنية والعسكرية على دهم مواقع تخزين الأسلحة ومنع المظاهر المسلحة.


واشنطن توقف «شحنة مالية» إلى بغداد

عناصر من «كتائب حزب الله» العراقي يحملون راية الفصيل وسط بغداد (أ.ف.ب)
عناصر من «كتائب حزب الله» العراقي يحملون راية الفصيل وسط بغداد (أ.ف.ب)
TT

واشنطن توقف «شحنة مالية» إلى بغداد

عناصر من «كتائب حزب الله» العراقي يحملون راية الفصيل وسط بغداد (أ.ف.ب)
عناصر من «كتائب حزب الله» العراقي يحملون راية الفصيل وسط بغداد (أ.ف.ب)

ذكرت مصادر أن الولايات المتحدة أوقفت «شحنة مالية» تُقدَّر قيمتها بنصف مليار دولار كانت متجهة إلى العراق، وأنها علّقت أجزاء من تعاونها الأمني مع بغداد، في خطوة تهدف إلى الضغط على الحكومة العراقية بشأن تصرفات الميليشيات المدعومة من إيران، وفق «رويترز». وقالت مصادر غربية، لـ«الشرق الأوسط»، إن التنسيق بين واشنطن وبغداد «في أدنى مستوياته خلال الوقت الراهن».

واتهمت حركة «عصائب أهل الحق»، أحدُ أبرز أقطاب التحالف الحاكم، واشنطن بالسعي لعرقلة صرف رواتب الموظفين، مشيرة إلى أن «الأميركيين يتبعون أساليب ضغط مباشرة وغير مباشرة؛ بهدف جعل الحكومة العراقية تابعة لهم».

وأفادت تقارير بأن الولايات المتحدة «هددت في وقت سابق بوقف التعاون مع بغداد في حال لم تُقدِم الحكومة على اعتقال مسلحين ينتمون إلى فصيل موالٍ لإيران، كان قد نفّذ هجوماً قرب مطار بغداد مطلع الشهر الحالي استهدف دبلوماسيين أميركيين».


«داعش» يراهن على «تناقضات» في سوريا


نقل عائلات تنظيم «داعش» من الباغوز إلى مراكز احتجاز بإدارة «قسد» في 2019 (أ.ف.ب)
نقل عائلات تنظيم «داعش» من الباغوز إلى مراكز احتجاز بإدارة «قسد» في 2019 (أ.ف.ب)
TT

«داعش» يراهن على «تناقضات» في سوريا


نقل عائلات تنظيم «داعش» من الباغوز إلى مراكز احتجاز بإدارة «قسد» في 2019 (أ.ف.ب)
نقل عائلات تنظيم «داعش» من الباغوز إلى مراكز احتجاز بإدارة «قسد» في 2019 (أ.ف.ب)

باتت منطقة الجزيرة السورية بين دير الزور والرقة والحسكة، الساحة الرئيسية، لاختبار قدرات تنظيم «داعش»، في ظل تغيير أولوياته وسباقه غير المعلن مع الحكومة السورية على اكتساب الحواضن الاجتماعية والجغرافيا.

فبعد الانسحاب الأميركي الأخير والتفاهمات الرامية لدمج قوات «قسد»، يراهن التنظيم على «التناقضات» التي قد تنجم عن عودة سلطة دمشق إلى مناطق كانت لسنوات تحت إدارة ذاتية أو نفوذ دولي، ويستغل المخاوف العشائرية من السياسات المركزية، ويعمل على التجنيد داخل المخيمات.

وإذا كان التنظيم دخل اليوم في مرحلة «كمون»، فلأنه اعتاد استغلال فترات الانكماش لإعادة التموضع والاستفادة من أي ثغرات تمهيداً لاستئناف النشاط.

وبذلك يبدو أنه مهما بذلت السلطات من جهود، تبقى قدرة «داعش» على «إزعاج» دمشق، ولو بالحد الأدنى، قائمة.