حرب غزة: «حماس» حققت «نصرها»... الكرة الآن في ملعب إسرائيل

كلما طالت الحرب توسعت دائرة التدخل من الخارج

دبابة ميركافا إسرائيلية ضمن قافلة تتجه إلى حدود قطاع غزة اليوم الجمعة (أ.ف.ب)
دبابة ميركافا إسرائيلية ضمن قافلة تتجه إلى حدود قطاع غزة اليوم الجمعة (أ.ف.ب)
TT

حرب غزة: «حماس» حققت «نصرها»... الكرة الآن في ملعب إسرائيل

دبابة ميركافا إسرائيلية ضمن قافلة تتجه إلى حدود قطاع غزة اليوم الجمعة (أ.ف.ب)
دبابة ميركافا إسرائيلية ضمن قافلة تتجه إلى حدود قطاع غزة اليوم الجمعة (أ.ف.ب)

يقول المثل العاميّ «لا ينسى الإنسان كارثة ما، إلا بعد أن تأتي كارثة أكبر منها». مسكينة أفغانستان، حتى ولو سُمّيت بمقبرة الإمبراطوريّات. فقد حصد فيها الزلزال مؤخراً أكثر من 3000 ضحيّة، بالإضافة إلى الآلاف ممن أصبحوا دون مأوى. فهل انتبه العالم لهذه المأساة؟ مرّ الخبر بشكل عاديّ إلى حد كبير، الأمر الذي يؤكّد أن الأولويّة اليوم في العالم هي للصراعات الجيوسياسيّة.

يقول الخبراء العسكريّون إن لكلّ عصر حربه الخاصة، كما تكنولوجيّته التي تُعسكر بسرعة. فكم من الاختراعات التي عرفتها البشريّة كان الهدف منها الاستعمال العسكريّ، وبعدها تحوّلت إلى القطاع الخاص. الجديد اليوم مع هذه التكنولوجيا أنها بيد الشركات الخاصة. فعلى سبيل المثال لا الحصر، تندرج الإنترنت في هذا الإطار. كما أن الذكاء الاصطناعي الذي نعرفه اليوم، كان قد بدأ أوّل ما بدأ خلال الحرب العالميّة الثانية مع العالِم آلان تورينغ وآلته (The Bombe) التي فكّكت رموز الآلة الحربيّة الألمانيّة «أنيغما».

كل شيء في التكتيك

يقول المفكّر الاستراتيجيّ الأميركي كولن غراي إن أيّ سلاح تكتيكي له حتماً تأثير استراتيجيّ، خاصة إذا استعمل بطريقة صحيحة، ومن ضمن خطّة سليمة. فالنجاح التكتيكي لمعارك متعدّدة سوف يتراكم حتى يؤدّي إلى النصر الاستراتيجيّ.

قافلة إسرائيلية على الحدود مع قطاع غزة اليوم استعداداً لعملية برية محتملة (أ.ف.ب)

البساطة مقابل التعقيد

كلمّا أصبحت القوى العسكريّة متقدّمة تكنولوجياً، ارتفعت نسبة هشاشتها وإمكان إعطابها، وأصبح لدى القوّة الأخرى العدوّة خيارات متعدّدة لا تماثليّة (Asymmetric) للتعويض في موازين القوى. يقول المفّكر الأميركي ستيفن بيدل إن كلّ شيء في الحرب هو في الـ«كيف» (How). أي كيف تستعمل ما لديك من وسائل، وبأيّة طريقة مُبتكرة لتحقيق الأهداف وخلق واقع استراتيجيّ جديد. وإذا كان القرن الـ21 هو قرن نزع الغمامة أو السحابة (Fog of War) عن حقل المعركة لمعرفة أسرارها، وذلك بسبب التقدّم التكنولوجيّ، خاصة في المراقبة المستمرّة للعدو ولمسرح الحرب، فإن هذا التقدّم سيضرب حتماً عنصر المفاجأة. لذلك يُعتبر الـ«كيف» العامل الأساسيّ لخلق وإعادة إحياء عنصر المفاجأة. وقد حصل هذا الأمر مؤخراً في عملية «حماس» المسماة «طوفان الأقصى» ضدّ إسرائيل.

المفاجأة مقابل الروتين

يقول الزعيم السوفياتي جوزف ستالين بما معناه إن حالة موت واحدة هي كارثة، أما مليون حالة موت فهي مجرّد إحصاء. يأخذنا هذا الأمر إلى القول إن كلّ الحروب تبدأ بمفاجأة إلى حدّ ما. لكنها وبعد أن يكشف المتحاربون أوراقهم، فهي تنتقل إلى ما يُسمّى بـ«الروتين». في مرحلة الروتين، يصبح القتل أمراً طبيعيّاً، يرافق مسار الحياة اليوميّة. وتأخذ الحرب مداها الدمويّ. وعليه، تتأقلم المجتمعات مع الحرب وبكلّ الأبعاد، السياسيّة، الاقتصاديّة كما الاجتماعيّة. لكن الحرب تخلق جيلها الخاص، العسكريّ منه أو السياسيّ. تعيد الحرب توزيع الثروة والسلطة في أي بلد زارته.

هجوم «حماس» على المواقع الإسرائيلية على حدود قطاع غزة حقق عنصر المفاجأة

بدأ الروتين في حرب غزّة. ومن حقّق نصراً يريد الحفاظ عليه. ومن خسر يريد استرداد خسارته، أو بالحدّ الأدنى تقليل هذه الخسارة. تحدّث خبراء عن مفاجأة استراتيجيّة لإسرائيل من قبل «حماس». كما حلّلوا الفشل الاستخباراتيّ لأهم مؤسسات استخباراتيّة تتغنّى بها إسرائيل. فهل فعلاً هنا فشل استراتيجيّ كامل وشامل؟ بالطبع كلاّ؛ لأن بعض مؤشرات التحضير للعملية كان معروفاً. لكن الخلل يندرج بأمرين أساسيين: الغطرسة الإسرائيليّة والتقليل من قدرة حماس (Hubris) على تغيير قواعد الاشتباك التي تمأسست بين الطرفين منذ أوّل صدام بينهما، كما يندرج في الخطأ في تحليل الداتا الاستخباراتيّة وتقييمها.

الصورة الصغرى مقابل الصورة الكبرى

كلما طالت الحرب توسعت دائرة التدخل من الخارج. سيسعى كل من له مصلحة إلى الاستفادة من الديناميكيّة التي خلقتها هذه الحرب. روسيا مستفيدة لأنها تلهي أميركا عن أوكرانيا.

إن لم تكن مهتماً بالحرب فالحرب مهتمة بك. هكذا قال الزعيم والمفكّر الشيوعي ليون تروتسكي. وإن لم تكن أميركا مهتمّة بالشرق الأوسط، فإن الشرق الأوسط مهتم بها إلى درجة العشق والذوبان فيها. فكلما حاولَت الخروج من المنطقة أعادتها قوّة جذب المنطقة إلى حضنها.

وإذا كان بعض المحللين يقارن «حرب أكتوبر (تشرين الأول) 1973» بعملية «طوفان الأقصى» اليوم، لجهة عنصر المفاجأة والفشل الاستخباراتيّ، فهناك بعض آخر يعتبر أن عملية «حماس» قد تكون مفتاحاً للحلّ كما فتحت أبواب حرب تشرين لمصر استرداد شبه جزيرة سيناء. وهنا تتظهّر الفوارق الكبرى المتمثّلة بالأسئلة التالية: هل تقبل «حماس» بما تسميه «الكيان الصهيوني» كي تتفاوض معه على جزء من فلسطين؟ وماذا عن السلطة الفلسطينيّة بعد أوسلو؟ وماذا عن العاصمة القدس؟ وهل ستكون «حماس» هي المحاوِر الأساسيّ؟ وماذا عن راعيها الإقليمي؟

في الختام، أصوات المدافع تدوّي حالياً في السماء. والحوار الآن مستحيل. وللجلوس حول الطاولة، لا بد لكلّ من الأفرقاء أن يحقّق شيئاً يُسوّقه على أنه نصر ما. حقّقت «حماس» المفاجأة واعتبرتها نصراً. حالياً تنتقل الكرة إلى ملعب إسرائيل كي تحقّق شيئاً ما. وهنا بيت القصيد، فما هو هذا «الشيء ما»؟


مقالات ذات صلة

تصعيد ميداني إسرائيلي بمشاركة العصابات المسلحة في غزة

المشرق العربي فتيان فلسطينيون يشاركون في تشييع قتلى سقطوا بغارة إسرائيلية في مدينة غزة السبت (رويترز)

تصعيد ميداني إسرائيلي بمشاركة العصابات المسلحة في غزة

كشفت تحقيقات حصلت على نتائجها «الشرق الأوسط» أن عناصر من العصابات المسلحة التابعة لإسرائيل باتوا يتلقون تدريبات على أسلحة متطورة بينها الطائرات المسيرة.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي لاجئون فلسطينيون يحتمون في مخيم بمدينة غزة في يوم ممطر... 26 مارس 2026 (رويترز)

خطة «مجلس السلام» تنص على نزع سلاح «حماس» وتدمير أنفاق غزة خلال 8 أشهر

أظهرت وثيقة أن «مجلس السلام» قدّم خطة لحركة «حماس» تتطلب الموافقة على تدمير شبكة أنفاق تحت قطاع غزة والتخلي عن السلاح على مراحل خلال ثمانية أشهر.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي نيران تتصاعد من مكان استهدفته ضربة إسرائيلية قرب مخيم للنازحين في دير البلح وسط قطاع غزة الأربعاء الماضي (أ.ب)

«حماس» سترد على خطة نزع السلاح بطلب تعديلات

تسيطر حالة من التشاؤم على موقف الفصائل الفلسطينية، التي تنشط داخل القطاع، من الخطة التي قدمها المندوب السامي لـ«مجلس السلام»، نيكولا ميلادينوف.

«الشرق الأوسط» (غزة)
خاص فلسطينيون يلوحون بأعلام «حماس» خلال استقبال أسرى فلسطينيين في رام الله بالضفة الغربية نوفمبر 2023 (أ.ف.ب) p-circle

خاص «الحرب تُغير المنطقة»... «حماس» إلى تجميد مسار انتخاب رئيسها

بعدما كانت «حماس» بصدد انتخاب رئيس لمكتبها السياسي، تحدثت مصادر كبيرة في داخل وخارج غزة إلى «الشرق الأوسط» عن اتجاه «شبه نهائي» لتجميد المسار.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي فلسطينية تبكي لدى زيارة قبور أقاربها في خان يونس جنوب قطاع غزة... الجمعة (إ.ب.أ)

آثار الحرب تخيّم على أجواء عيدَي الفطر والأم في قطاع غزة

ظلَّت آثار الحرب حاضرةً وخيَّمت على أجواء العيد في قطاع غزة، خصوصاً بعد أن شدَّدت إسرائيل مجدداً من إجراءاتها على إدخال البضائع؛ بحجة الظروف الأمنية.

«الشرق الأوسط» (غزة)

بارو يحمّل «حزب الله» مسؤولية جرّ لبنان إلى الحرب

وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو (الوكالة الوطنية للإعلام)
وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو (الوكالة الوطنية للإعلام)
TT

بارو يحمّل «حزب الله» مسؤولية جرّ لبنان إلى الحرب

وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو (الوكالة الوطنية للإعلام)
وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو (الوكالة الوطنية للإعلام)

يتزايد الضغط الدولي والدعوات الداخلية لتحييد لبنان عن أتون الحرب، مع اتساع رقعة المواجهة، وتفاقم الخسائر البشرية والمادية، وهو ما عبَّر عنه وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، الذي حمّل «حزب الله» مسؤولية انجرار لبنان إلى الحرب، مؤكداً أن «لبنان لا يمكن أن يكون ساحة اقتتال لدول أخرى».

وأشار بارو إلى أن «لبنان لم يكن من المفترض أن ينجر إلى هذه الحرب»، معتبراً أن قرار الانخراط فيها «اتُّخذ من قبل الحزب»، وثمَّن في المقابل «قرارات الحكومة اللبنانية بشأنه».

ودعا بارو إسرائيل إلى «الامتناع عن شن أي عملية برية أو استهداف البنى التحتية المدنية والمناطق المكتظة بالسكان، لا سيما بيروت»، في محاولة فرنسية للموازنة بين الضغط السياسي والتحذير من تداعيات التصعيد العسكري.

وتندرج مواقف بارو ضمن سياق أوسع من التحرّك الدبلوماسي الفرنسي الهادف إلى منع توسّع الحرب، في ظل مخاوف من انهيار الاستقرار الهش في لبنان، وما قد يرافقه من تداعيات أمنية وإنسانية على الداخل اللبناني وعلى المنطقة كلها، في وقت تتقاطع فيه التحذيرات من انزلاق البلاد إلى مواجهة مفتوحة يصعب احتواؤها.

أطفال لبنان يحتفلون بأحد الشعانين (إ.ب.أ)

الراعي: نداء للسلام

داخلياً، ارتفعت نبرة التحذير من التكلفة الإنسانية للحرب؛ إذ أطلق البطريرك الماروني بشارة الراعي نداءً صريحاً لوقف العنف، قائلاً: «كفى حرباً وقتلاً وتدميراً»، مشدداً على أن «قوة الإنسان في تمسكه بالحق والسلام».

وفي عظة أحد الشعانين من الصرح البطريركي في بكركي، رسم الراعي صورة قاتمة للواقع الميداني، متحدثاً عن «أطفال قصفت أعمارهم صواريخ الحرب»، وعن عائلات مشرّدة تعاني البرد والمطر من دون مقومات الحياة الأساسية، في مشهد يعكس عمق الأزمة الإنسانية المتفاقمة.

وأشاد بالدور الإغاثي الذي تقوم به المؤسسات والأفراد، مع إشارة خاصة إلى المساعدات التي وصلت من مصر، في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى الدعم الإنساني مع استمرار النزوح من المناطق الحدودية.

كما توقف عند سلسلة الخسائر البشرية، مشيراً إلى سقوط مدنيين وصحافيين وعناصر من الطواقم الطبية والجيش اللبناني، مستحضراً حادثة مقتل مواطن ونجله في جنوب البلاد، في دلالة على اتساع دائرة الاستهدافات، وتداخل المدني بالعسكري في مسرح العمليات.

قداس الشعانين في مقر البطريركية المارونية في بكركي برئاسة البطريرك الراعي (الوكالة الوطنية للإعلام)

الشعانين في مواجهة الحرب

وربط الراعي بين رمزية أحد الشعانين والواقع اللبناني، معتبراً أن أغصان الزيتون التي يحملها المؤمنون «ليست مجرد رمز، بل موقف وخيار واضح للسلام»، في مواجهة تصاعد خطاب العنف والانقسام، داعياً اللبنانيين إلى التمسك بالأمل رغم قسوة المرحلة، وإلى اختيار السلام نهجاً ثابتاً، في مقابل «الانزلاق نحو مزيد من التوتر».

وأكد أن «قوة الإنسان لا تكمن في العنف، بل في قدرته على التمسك بالسلام والثبات في الحق»، معتبراً أن «هذه المرحلة تتطلب شهادة حقيقية للسلام على مستوى الأفراد والمجتمع».

ودعا إلى الصلاة من أجل حماية لبنان وأبنائه، ومن أجل تحقيق «سلام عادل وشامل ودائم»، يحفظ البلاد من مزيد من الانهيار.

الجميّل: رجاء بقيامة لبنان

سياسياً، انضم رئيس حزب «الكتائب» سامي الجميّل إلى موجة الدعوات للتهدئة، مؤكداً أن لبنان «سيقوم من جديد رغم كل الألم». وفي رسالة لمناسبة أحد الشعانين، توجّه الجميّل إلى أهالي الجنوب، كاتباً على منصّة «إكس»: «في أحد الشعانين، عيد الرجاء والسلام، نتشبّث أكثر بإيماننا بأنّ النور أقوى من الظلام، وأنّ لبنان سيقوم من جديد رغم كل الألم».

وقال: «في هذه المناسبة، نتوجّه بقلوبنا إلى أهلنا في الجنوب، إلى العائلات التي حُرمت، هذا العام، من الاجتماع حول مائدة واحدة، ومن عيش فرحة العيد كما اعتادت كل سنة. نصلّي أن تعود هذه الأيام محمّلة بالسلام، وأن يجتمع كل بيت من جديد، وأن تبقى العائلة مصدر قوّتنا وصمودنا».

وتعكس هذه المواقف تقاطعاً واضحاً بين الضغوط الدولية والتحذيرات الداخلية، في لحظة دقيقة يمر بها لبنان، حيث تتزايد المخاوف من تحوّل المواجهة الحالية إلى حرب مفتوحة. وفيما تتواصل الاتهامات بشأن مسؤولية التصعيد، تتقدم في المقابل الدعوات إلى حماية المدنيين، ووقف استهداف البنى التحتية، والعمل على تحييد لبنان عن صراعات المحاور، في ظل إدراك متزايد بأن تكلفة الانزلاق الكامل إلى الحرب ستكون باهظة على المستويات كافة.


من بين الأنقاض... متطوعون يُخاطرون لإنقاذ حيوانات في ضاحية بيروت الجنوبية

عضو من فريق إنقاذ تابع لمنظمة «أنيمالز ليبانون» يتجه إلى ضاحية بيروت الجنوبية في 26 مارس (أ.ف.ب)
عضو من فريق إنقاذ تابع لمنظمة «أنيمالز ليبانون» يتجه إلى ضاحية بيروت الجنوبية في 26 مارس (أ.ف.ب)
TT

من بين الأنقاض... متطوعون يُخاطرون لإنقاذ حيوانات في ضاحية بيروت الجنوبية

عضو من فريق إنقاذ تابع لمنظمة «أنيمالز ليبانون» يتجه إلى ضاحية بيروت الجنوبية في 26 مارس (أ.ف.ب)
عضو من فريق إنقاذ تابع لمنظمة «أنيمالز ليبانون» يتجه إلى ضاحية بيروت الجنوبية في 26 مارس (أ.ف.ب)

يقفز كمال وخليل وريم على دراجتين ناريتين، يرتدون قفازات سميكة، ويحملون صناديق بلاستيكية صغيرة، ويتّجهون نحو ضاحية بيروت الجنوبية في محاولة لإنقاذ الحيوانات الأليفة من بين الركام التي تركها أصحابها خلفهم حين فرّوا على عجل من الغارات الإسرائيلية.

ومنذ بدء الحرب بين «حزب الله» وإسرائيل، والتي أرغمت أكثر من مليون شخص على النزوح، يجوب فريق الإنقاذ التابع لمنظمة «أنيمالز ليبانون» غير الحكومية على الدراجات النارية شوارع ضاحية بيروت الجنوبية التي ضاقت بركام المباني المهدمة بفعل الغارات، محاولين البحث عن الحيوانات العالقة.

تحت المطر، يتوجه الفريق من أحياء بيروت التي اكتظت بالنازحين نحو ضاحيتها الجنوبية المهجورة، للاستجابة إلى نداءين، الأول بحثاً عن قطة منزل قفزت من نافذة محطمة في الطابق الأرضي خوفاً من القصف، وأخرى تبدو عليها أعراض الشلل ربما نتيجة القصف.

عضو من فريق إنقاذ تابع لمنظمة «أنيمالز ليبانون» ينقل قطة تم إنقاذها إلى مستشفى بيطري في بيروت (أ.ف.ب)

يقول المتطوع خليل حمية (45 عاماً) حين كان يستعدّ للتوجه إلى عمله: «لا نفقد الأمل حين لا نجد القط، لأنه سيعود، فهذا ملجؤه».

على أطراف حارة حريك في ضاحية بيروت الجنوبية، معقل «حزب الله»، يركن عصام عطار سيارة دفع رباعي بانتظار خروج الدراجات النارية التي استقلها زملاؤه لإنقاذ الحيوانات الأليفة، استعداداً لنقلها إلى المستشفى.

وفي ظلّ القصف الإسرائيلي وتقييد «حزب الله» التصوير في الضاحية الجنوبية، لم يكن من الممكن لصحافيي «وكالة الصحافة الفرنسية» الدخول برفقة الفريق إلى الداخل. ويقول عطار عن الحيوانات: «إنها أرواح... لا ذنب لها في الحرب».

«هلع»

منذ بدء الحرب بين إسرائيل و«حزب الله» مطلع مارس (آذار)، أنقذت فرق «أنيمالز ليبانون» أكثر من 241 حيواناً من جنوب لبنان وضاحية بيروت الجنوبية.

وأدّت هذه الحرب إلى مقتل أكثر من 1100 شخص، حسب إحصاءات السلطات اللبنانية.

وفي هذه المدينة التي لا صافرات إنذار فيها، يعلم الناس بوجود تحذيرات إسرائيلية تمهيداً لغارات عندما يبدأ إطلاق النار في الهواء بوصفها وسيلة تحذير شعبية.

وتقول مديرة العمليات في «أنيمالز ليبانون» ريم صادق إن إطلاق النار والانفجار الذي يليه يرعبان القطط التي تختبئ من الخوف، ولا تتمكن عائلاتها من العثور عليها بعد ذلك، فيما تهرع لإخلاء منزلها.

عضو من فريق إنقاذ تابع لمنظمة «أنيمالز ليبانون» ينقل قطة تم إنقاذها إلى مستشفى بيطري في بيروت (أ.ف.ب)

وتشرح ريم صادق: «القطط تصاب بالهلع من أصوات القصف، وقد تصبح عدائية» ومن ثم يصعب التقاطها.

وتضيف: «قد نكون الوحيدين الذين نملك الخبرة لنتمكن من العثور عليها».

ويستحيل إعادة بعض هذه القطط إلى أصحابها الذين باتوا مشردين وينامون تحت خيم في الشوارع أو داخل مراكز إيواء، ولذلك تبقى في عهدة المنظمة.

وزادت الحرب كذلك مهمات المنظمة تعقيداً، فهي تحاول إخراج شبلين من البلاد إلى قبرص، بعدما توقفت رحلات الطيران إلى جنوب أفريقيا.

ويواصل فريق «أنيمالز ليبانون» مهمات الإنقاذ، إلى جانب مهمات إطعام الحيوانات الشاردة وتوزيع الطعام والدواء البيطري في الأماكن التي يقيم فيها النازحون.

ولا تقتصر مخاطر هذا العمل على القصف، بل أحياناً على السلوك العدواني لبعض الحيوانات التي لا «تفهم أحياناً ما الذي نفعله» أثناء محاولة إنقاذها، كما يقول حمية.


التهديد الإيراني للمنشآت التعليمية يربك مجتمع «الأميركية» في بيروت

الجامعة الأميركية في بيروت (أرشيفية - رويترز)
الجامعة الأميركية في بيروت (أرشيفية - رويترز)
TT

التهديد الإيراني للمنشآت التعليمية يربك مجتمع «الأميركية» في بيروت

الجامعة الأميركية في بيروت (أرشيفية - رويترز)
الجامعة الأميركية في بيروت (أرشيفية - رويترز)

أربك التهديد الإيراني باستهداف منشآت أكاديمية أميركية في الشرق الأوسط، الأحد، القطاع التعليمي في لبنان، وهو ما دفع الجامعة الأميركية في بيروت، إلى إبلاغ طلابها بأنه «لا دليل على تهديدات مباشرة ضد جامعتنا»، لكنها اتخذت تدبيراً احترازياً يتمثل في تفعيل نظام التعليم عن بُعد بالكامل يومي الاثنين والثلاثاء.

وهدد «الحرس الثوري» الإيراني، فجر اليوم (الأحد)، باستهداف الجامعات الأميركية في الشرق الأوسط، بعدما أفاد بأن ضربات أميركية وإسرائيلية دمّرت جامعتين في إيران.

وقال «الحرس الثوري» في بيان نشرته وسائل إعلام إيرانية: «إذا أرادت الحكومة الأميركية ألا تتعرض هذه الجامعات في المنطقة لردود انتقامية، عليها إدانة قصف الجامعات في بيان رسمي قبل الاثنين 30 مارس (آذار) ظهراً».

ونصح «الحرس الثوري» موظفي وأساتذة وطلاب الجامعات الأميركية في المنطقة، بالبقاء على بُعد كيلومتر واحد على الأقل من الجامعات التي قد تُستهدف.

إجراء احترازي

بعد مزاعم عن اجراءات استثنائية، أبلغت «‏الجامعة الأميركية في بيروت» طلابها وموظفيها برسالة، قالت فيها: «لا يوجد لدينا أي دليل على تهديدات مباشرة ضد جامعتنا أو حرمها الجامعي أو مراكزها الطبية»، حسبما أفادت وكالة الأنباء «المركزية».

لكن الجامعة قالت في الرسالة نفسها: «حرصاً منا على سلامتكم، سنعمل بنظام التعليم عن بُعد بالكامل يومي الاثنين والثلاثاء باستثناء الموظفين الأساسيين»، وهو ما ظهر على أنه إجراء احترازي. وأضافت الرسالة الممهورة بتوقيع رئيس الجماعة فضلو خوري: «بناءً عليه، لن تُعقد أي أنشطة تعليمية أو امتحانات داخل الحرم الجامعي خلال هذين اليومين. لقد كانت وستبقى أولويتنا القصوى هي سلامة مجتمعنا والأشخاص الذين نخدمهم». وحثّ «جميع الأطراف، دون استثناء، على تحييد المؤسسات التعليمية وعدم استهدافها في صراعاتهم».

المركز الطبي التابع للجامعة اللبنانية - الأميركية يقدم خدمات عاجلة للنازحين من الحرب (رويترز)

مؤسستان في بيروت

هناك مؤسستان تعليميتان معنيّتان بشكل أساسي في بيروت؛ هما «الجامعة الأميركية في بيروت»، و«الجامعة اللبنانية - الأميركية». ونفت الأخيرة في رسالة للطلاب، أن تكون تلقت أي إشعار من السلطات اللبنانية حول تحذيرات أمنية، وتعهدت بمواصلة التركيز على مهمتها الأكاديمية والصحية، ضمن الخطط المعلن عنها.

وليل الجمعة - السبت، سُمع دوي انفجارات في طهران طالت جامعة العلوم والتكنولوجيا في شمال شرقي المدينة، وأدت إلى إلحاق أضرار بالمباني من دون وقوع إصابات، حسبما أفادت تقارير إعلامية.

مطار بيروت وأخبار مضللة

في غضون ذلك، ردّت وزارة الأشغال العامة والنقل على «الأخبار المضللة المتزايدة أخيراً عبر بعض وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، التي تتضمّن مزاعم بإقفال المطار أو توقّف الرحلات أو تعرّض الأجواء اللبنانية لمخاطر مباشرة»، مؤكدةً أنّ «مطار رفيق الحريري الدولي - بيروت يعمل بشكل طبيعي، ولا يوجد أي قرار بإقفاله أو تعليق حركة الملاحة الجوية فيه، كما لم تُلغَ الرحلات الجوية على النحو الذي يتم الترويج له».

ووفقاً للمعطيات الرسمية الصادرة عن الهيئة العامة للطيران المدني، لا يوجد أي إلغاء جديد لرحلات، وقد تم تسجيل 12 رحلة جوية حتى الساعة الثامنة من صباح الأحد، ما «يؤكد استمرار الحركة التشغيلية ضمن الأطر المعتادة، كما أنّ الأجواء اللبنانية غير مغلقة، وما يُشاع حول استخدام أجواء مطار بيروت لأغراض غير مدنية هو محض ادعاءات عارية تماماً عن الصحة»، بحسب وزارة الأشغال.

أما فيما يتعلق بتراجع عدد الرحلات، فأكدت الوزارة أنّ «ذلك يندرج ضمن السياق العالمي العام المرتبط بالظروف الراهنة التي تشهدها مختلف مطارات المنطقة، ولا يُشكّل مؤشراً استثنائياً خاصاً بلبنان».

وأضافت الوزارة: «تتابع وزارة الأشغال العامة والنقل من كثب، مع الهيئة العامة للطيران المدني، والأجهزة الأمنية المختصة في مطار رفيق الحريري الدولي، حسن سير عمله للحفاظ عليه بوصفه شرياناً أساسياً يربط لبنان بالعالم، ولتأمين التواصل بين اللبنانيين المقيمين والمغتربين، وتحذّر من خطورة تداول الأخبار غير الدقيقة أو المضلّلة، لما لذلك من تداعيات سلبية، وتدعو وسائل الإعلام والمواطنين إلى التحلّي بأعلى درجات المسؤولية، وتوخّي الدقة والحصول على المعلومات حصراً من المصادر الرسمية المعتمدة».