علامات استفهام حول «براعة الاستخبارات الإسرائيلية» بعد هجوم «حماس»

جنرال متقاعد: عناصر الحركة «عادوا إلى العصر الحجري» بلا هواتف أو كومبيوتر

جنود إسرائيليون يحملون نعش جندي قتل على يد مسلحي «حماس» باتجاه المقبرة العسكرية بتل أبيب الاثنين (أ.ب)
جنود إسرائيليون يحملون نعش جندي قتل على يد مسلحي «حماس» باتجاه المقبرة العسكرية بتل أبيب الاثنين (أ.ب)
TT

علامات استفهام حول «براعة الاستخبارات الإسرائيلية» بعد هجوم «حماس»

جنود إسرائيليون يحملون نعش جندي قتل على يد مسلحي «حماس» باتجاه المقبرة العسكرية بتل أبيب الاثنين (أ.ب)
جنود إسرائيليون يحملون نعش جندي قتل على يد مسلحي «حماس» باتجاه المقبرة العسكرية بتل أبيب الاثنين (أ.ب)

لطالما اكتسبت وكالات الاستخبارات الإسرائيلية سُمعة بأنها لا تُقهر على مَر العقود بسبب سلسلة من الإنجازات التي حققتها، إذ أحبطت إسرائيل مخططات في الضفة الغربية، وطاردت نشطاء «حماس» في دبي، كما اتُهمت بقتل علماء نوويين إيرانيين في قلب طهران، وحتى عندما كانت تتعثر جهودها، حافظت وكالات استخباراتية مثل الموساد، والشين بيت، والاستخبارات العسكرية، على غموضها.

ولكن الهجوم الذي شنته «حماس» مطلع الأسبوع، والذي فاجأ إسرائيل في عطلة يهودية مهمة، يلقي بظلال من الشك على هذه السُمعة، ويثير تساؤلات حول مدى استعداد البلاد لمواجهة هذا العدو الأضعف، بحسب تقرير وكالة «أسوشييتد برس» للأنباء.

يقول ياكوف أميدرور، وهو مستشار الأمن القومي السابق لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو: «ما حدث يمثل فشلاً كبيراً»، مضيفاً أن «هذه العملية تثبت فعلياً أن القدرات الاستخباراتية في غزة لم تكن جيدة». ولكن أميدرور رفض تقديم تفسير لهذا الفشل، مشدداً على أنه «يجب تعلم الدروس عندما تهدأ الأوضاع».

فلسطينيون يحتفلون على ظهر دبابة إسرائيلية قرب الجدار العازل بخان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ب)

من جانبه، اعترف الأدميرال دانييل هاغاري، وهو كبير المتحدثين العسكريين في إسرائيل، بأن الجيش مدين للجمهور بتفسير، لكنه قال إن «الوقت الحالي غير مناسب لذلك، سنقاتل أولاً، ثم نحقق في الأمر».

يقول البعض إنه من السابق لأوانه إلقاء اللوم على حدوث خطأ استخباراتي فقط، مشيرين إلى موجة العنف في الضفة الغربية، باعتبارها سبباً أدى إلى نقل بعض الموارد العسكرية إلى هناك، وكذلك الفوضى السياسية التي تعصف بإسرائيل بسبب الخطوات التي اتخذتها حكومة نتنياهو اليمينية المتطرفة لإصلاح السلطة القضائية، وهي الخطة المثيرة للجدل التي هددت تماسك الجيش الإسرائيلي.

ولكن من المرجح أن يُنظر إلى الافتقار الواضح إلى المعرفة المسبقة بهجوم «حماس»، باعتباره السبب الرئيسي في سلسلة الأحداث التي أدت إلى الهجوم الأكثر دموية ضد الإسرائيليين منذ عقود.

وكانت إسرائيل قد سحبت قواتها ومستوطنيها من قطاع غزة عام 2005، مما جردها من السيطرة الوثيقة على القطاع. ولكن حتى بعد سيطرة حركة «حماس» على القطاع عام 2007، كان يبدو أن إسرائيل تستمر في المحافظة على تفوقها باستخدام الذكاء التكنولوجي والبشري، إذ زعمت أنها تعرف مواقع قيادات الحركة بشكل دقيق، وقد أثبتت ذلك من خلال اغتيال بعض هؤلاء القادة، وأحياناً أثناء نومهم. كما عرفت إسرائيل أماكن الأنفاق الموجودة تحت الأرض التي تستخدمها «حماس» لنقل المقاتلين والأسلحة، وضربتها؛ الأمر الذي أدى إلى تدمير كيلومترات من الممرات المخفية.

ورغم هذه القدرات، تمكنت «حماس» من إبقاء خطتها طي الكتمان، ويبدو أن الهجوم الشرس الذي استغرق على الأرجح شهوراً من التخطيط والتدريب الدقيق، وشمل التنسيق بين مجموعات مسلحة متعددة، قد وقع بعيداً عن أعين المخابرات الإسرائيلية.

أمير أفيفي جنرال إسرائيلي متقاعد (مواقع)

تحايل على التكنولوجيا

وقال أمير أفيفي، وهو جنرال إسرائيلي متقاعد، إنه في ظل غياب الوجود الإسرائيلي داخل غزة، أصبحت أجهزة الأمن الإسرائيلية تعتمد بشكل متزايد على الوسائل التكنولوجية للحصول على المعلومات الاستخباراتية، وقد وجد المسلحون في القطاع طرقاً للتهرب من جمع المعلومات الاستخبارية التكنولوجية، ما أعطى إسرائيل صورة غير كاملة عن نواياهم.

وأضاف أفيفي، الذي عمل بوصفه قناة لنقل المواد الاستخباراتية في عهد أحد رؤساء أركان الجيش السابقين: «لقد تعلم الجانب الآخر كيفية التعامل مع هيمنتنا التكنولوجية وتوقفوا عن استخدام التكنولوجيا التي يمكن أن تكشفهم». وأفيفي هو رئيس ومؤسس «منتدى الدفاع والأمن الإسرائيلي»، وهو مجموعة متشددة من القادة العسكريين الإسرائيليين السابقين.

وقال: «لقد عادوا إلى العصر الحجري»، موضحاً أن المسلحين لم يكونوا يستخدمون الهواتف أو أجهزة الكومبيوتر، وكانوا يتولون إدارة أعمالهم الحساسة داخل غرف محصنة بوجه خاص من التجسس التكنولوجي أو كانوا يختبئون تحت الأرض.

تحمل لافتة خلال مظاهرة مؤيدة للفلسطينيين في لندن الاثنين (أ.ب)

ومع ذلك، يرى أفيفي أن الفشل يمتد إلى ما هو أبعد من مجرد جمع المعلومات الاستخبارية، وأن أجهزة الأمن الإسرائيلية فشلت في تكوين صورة دقيقة من المعلومات الاستخبارية التي كانت تتلقاها. وأعاد ذلك إلى ما اعتبره «فهماً خاطئاً» من جانب هذه الأجهزة تجاه نوايا «حماس».

خلال السنوات الأخيرة، نظرت المؤسسة الأمنية الإسرائيلية إلى «حماس»، على نحو متزايد، باعتبارها جهة فاعلة مهتمة بالحكم، وتنمية اقتصاد غزة، وتحسين مستوى معيشة سكان القطاع البالغ عددهم 2.3 مليون نسمة. وعبر أفيفي وآخرون، عن اعتقادهم بأن «حماس»، التي لطالما دعت إلى تدمير إسرائيل، لا تزال ترى في هذا الهدف أولوية لها.

عمال فلسطينيون يدخلون معبر «إيريز» الذي أعيد فتحه مع إسرائيل نهاية سبتمبر (رويترز)

يذكر أن إسرائيل سمحت في السنوات الأخيرة، لما يصل إلى 18.000 عامل فلسطيني من غزة بالعمل داخل أراضيها، حيث يمكنهم الحصول على رواتب أعلى بنحو 10 مرات من رواتبهم في القطاع الساحلي الفقير. واعتبرت المؤسسة الأمنية الإسرائيلية هذه «الجزرة» وسيلة للحفاظ على الهدوء النسبي.

في هذا السياق، كتب آموس هاريل، المعلق الدفاعي، في صحيفة «هاآرتس» اليومية: «من الناحية العملية، كان المئات، إن لم يكن الآلاف من رجال (حماس)، يستعدون لشن هجوم مباغت على مدار أشهر عدة، دون أن تتسرب أنباء ذلك. وجاءت النتائج كارثية».

تحذير من «شيء كبير»

من ناحية أخرى، اعترف حلفاء كانوا يتبادلون المعلومات الاستخباراتية مع إسرائيل، بأن الوكالات الأمنية أخطأت في قراءة الواقع.

ونقلت وكالة «أسوشييتد برس» عن مسؤول في الاستخبارات المصرية، أن بلاده، التي غالباً ما تضطلع بدور الوسيط بين إسرائيل و«حماس»، تحدثت مراراً وتكراراً إلى الإسرائيليين حول «شيء كبير»، دون الخوض في تفاصيل. وأضاف أن المسؤولين الإسرائيليين ركزوا اهتمامهم على الضفة الغربية، وقللوا من شأن التهديد القادم من غزة.

حرق برج مراقبة إسرائيلي على حدود قطاع غزة السبت (أ.ب)

وقال المسؤول، الذي اشترط عدم كشف هويته: «لقد حذرناهم من أن ثمة انفجاراً وشيكاً في الأوضاع، ووشيكاً للغاية، وسيكون كبيراً».

غير أن مصدراً مصرياً مطلعاً، قال لـ«الشرق الأوسط»، معلقاً عما ورد في تقرير الوكالة، إن جزءاً من الصراع السياسي في إسرائيل، محاولة بعض الأطراف «إظهار خصومهم في موقع الضعيف وعديم الكفاءة والمتعجرف».

وتابع أن «مصر واصلت التحذير من الإجراءات التصعيدية» منذ وصول الحكومة الإسرائيلية إلى السلطة. وأعلن المتحدث باسم الخارجية المصرية ذلك بوضوح، كما نشرت صحف إسرائيلية تقارير عن تلك التحذيرات.

وشدد المصدر على أن سياسة مصر واضحة، تقوم على محاولة تنفيذ مقررات الشرعية الدولية، ووقف التصرفات العدوانية والاستفزازية، وإيجاد سبل وآليات للتفاهم. والخطاب المصري في هذا الإطار علني، ويتم إيصاله لكل الأطراف.

من جهة أخرى، أصدر مكتب رئيس الحكومة الإسرائيلية، بياناً، قال فيه إن ما يتم تداوله عن تحذير مصري لإسرائيل من عملية في غزة «كاذب وغير صحيح».

خطة نتنياهو للإصلاح القضائي

علاوة على كل ذلك، كانت إسرائيل منشغلة وممزقة، جراء خطة نتنياهو للإصلاح القضائي. وكان نتنياهو قد تلقى تحذيرات متكررة من قبل قيادات المؤسسة الدفاعية لديه، بالإضافة إلى العديد من القادة السابقين لوكالات الاستخبارات في البلاد، من أن الخطة المثيرة للانقسام تقوض تماسك الأجهزة الأمنية الإسرائيلية.

في هذا السياق، قال مارتن إنديك، الذي عمل مبعوثاً خاصاً لشؤون المفاوضات الإسرائيلية - الفلسطينية خلال إدارة أوباما، إن «الانقسامات الداخلية حول التغييرات القانونية، كانت عاملاً فاقم من شعور الإسرائيليين بالمفاجأة».

وأضاف: «لقد أزعج ذلك الجيش الإسرائيلي على نحو أعتقد أننا اكتشفنا لاحقاً أنه كان بمثابة مصدر كبير لتشتيت الانتباه».


مقالات ذات صلة

«فتح» تهيمن على نتائج المحليات وتراها «استفتاءً» على نهجها

المشرق العربي فلسطينيون بغزة يبكون على جثامين مدنيين سقطوا في غارة إسرائيلية شمال القطاع يوم الأحد (د.ب.أ)

«فتح» تهيمن على نتائج المحليات وتراها «استفتاءً» على نهجها

أظهرت نتائج الانتخابات المحلية الفلسطينية التي أجريت في الضفة، هيمنة لمرشحي حركة «فتح» على معظم المجالس البلدية، بينما غاب الحسم للمنافسة في دير البلح وسط غزة.

كفاح زبون (رام الله) «الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي فلسطينية تدلي بصوتها داخل مركز اقتراع في دير البلح وسط قطاع غزة السبت (إ.ب.أ)

دير البلح حاضرة في أول انتخابات محلية في قطاع غزة منذ 22 عاماً

شهدت مدينة دير البلح وسط قطاع غزة، أول انتخابات محلية تجري في القطاع منذ 22 عاماً، على خلفية الانقسام الفلسطيني الداخلي والعدوان الإسرائيلي المتواصل.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي عرب البرغوثي نجل القيادي الفلسطيني مروان البرغوثي خلال مقابلة مع «وكالة الصحافة الفرنسية» (أ.ف.ب) p-circle

عرب البرغوثي: والدي مروان يمكنه قيادة «تجديد ديمقراطي» في فلسطين

لا يزال مروان البرغوثي، رغم مُضيّ 24 عاماً على اعتقاله، يشكّل رمزاً جامعاً للشعب الفلسطيني وقضيّته، كما يقول نجله عرب، في مقابلة مع «وكالة الصحافة الفرنسية».

«الشرق الأوسط» (لندن)
شؤون إقليمية السفير الأميركي لدى تركيا توم براك أثار غضباً لدى المعارضة التركية وانتقادات أميركية بسبب تصريحات في منتدى «أنطاليا الدبلوماسي» (أ.ف.ب)

تركيا: السفير الأميركي يدافع عن تصريحات أثارت غضب المعارضة

قال السفير الأميركي لدى تركيا توم براك إن تصريحات مثيرة للجدل دفعت المعارضة إلى المطالبة بطرده تنبع من تقييم صادق للحقائق لا من أساس آيديولوجي.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
المشرق العربي فلسطينيون يتجمَّعون حول سيارة مُدمَّرة بعد استهدافها بغارة إسرائيلية في شارع صلاح الدين جنوب مخيم البريج بقطاع غزة (أ.ف.ب)

غارات إسرائيلية تقتل 10 أشخاص في غزة

 قال مسؤولون فلسطينيون في قطاع الصحة إن نيراناً إسرائيلية قتلت ما لا يقل ​عن 10 أشخاص، بينهم شرطيان، في أنحاء قطاع غزة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

وقف النار في جنوب لبنان يترنح

الدخان يتصاعد جراء غارات إسرائيلية استهدفت النبطية الفوقا في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
الدخان يتصاعد جراء غارات إسرائيلية استهدفت النبطية الفوقا في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

وقف النار في جنوب لبنان يترنح

الدخان يتصاعد جراء غارات إسرائيلية استهدفت النبطية الفوقا في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
الدخان يتصاعد جراء غارات إسرائيلية استهدفت النبطية الفوقا في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

يترنّح اتفاق وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل الذي مدده الرئيس الأميركي دونالد ترمب لثلاثة أسابيع إضافية، إثر تصعيد عسكري سُجّلت خلاله عشرات الضربات الجوية الإسرائيلية، وقصف أطلقه «حزب الله» باتجاه قوات إسرائيلية داخل الأراضي اللبنانية.

ووسع الجيش الإسرائيلي، أمس، إنذارات إخلاء البلدات اللبنانية لتشمل 7 بلدات واقعة شمال نهر الليطاني للمرة الأولى منذ تطبيق الاتفاق قبل عشرة أيام، مما يهدد الهدنة.

واتهم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، «حزب الله»، بـ«تقويض» الاتفاق، وقال: «نحن نعمل بقوة وفق الترتيبات المتفق عليها مع الولايات المتحدة، وبالمناسبة أيضاً مع لبنان»، مشيراً إلى أن ذلك «يعني حرية العمل، ليس فقط للرد على الهجمات».

في المقابل، رفض «حزب الله» تلك الاتهامات، وتوعد بالرد العسكري، قائلاً: «لن ننتظر أو نراهن على دبلوماسية خائبة أثبتت فشلها».


العراق في «فراغ دستوري» حكومياً

العراق في «فراغ دستوري» حكومياً
TT

العراق في «فراغ دستوري» حكومياً

العراق في «فراغ دستوري» حكومياً

يدخل العراق اليوم فراغاً دستورياً على مستوى الحكومة، مع نهاية مهلة الـ15 يوماً اللازمة لتقديم مرشح لرئاسة الوزراء، وعدم تمكن «قوى الإطار التنسيقي» من الاتفاق على اسم واحد، في اجتماعها مساء السبت، رغم مرور أكثر من 5 أشهر على إجراء الانتخابات البرلمانية أواخر العام الماضي، ونحو نصف شهر على انتخاب نزار آميدي رئيساً للجمهورية.

ويتكون «الإطار التنسيقي» من 12 شخصية شيعية متفاوتة الثقل السياسي والانتخابي؛ مما أدى إلى تعقيد عملية اختيار رئيس وزراء جديد يخلف الحالي محمد شياع السوداني، رغم كثرة المرشحين لهذا المنصب وتجاوز عددهم الأربعين.

ويرى مراقبون أن دخول البلاد فراغاً دستورياً أوقع «الإطار» الشيعي في حرج سياسي كبير، فيما يحاول بعض قواه تبريره بالقول إنه لا شروط جزائية جرّاء هذا الفراغ.


«أطفال درعا» يتحدثون لـ«الشرق الأوسط» خلال محاكمة عاطف نجيب

نشطاء رفعوا صور أطفال قُتلوا في بداية الانتفاضة السورية خلال الجلسة الأولى لمحاكمة عاطف نجيب الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا خلال حكم بشار الأسد الأحد (أ.ب)
نشطاء رفعوا صور أطفال قُتلوا في بداية الانتفاضة السورية خلال الجلسة الأولى لمحاكمة عاطف نجيب الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا خلال حكم بشار الأسد الأحد (أ.ب)
TT

«أطفال درعا» يتحدثون لـ«الشرق الأوسط» خلال محاكمة عاطف نجيب

نشطاء رفعوا صور أطفال قُتلوا في بداية الانتفاضة السورية خلال الجلسة الأولى لمحاكمة عاطف نجيب الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا خلال حكم بشار الأسد الأحد (أ.ب)
نشطاء رفعوا صور أطفال قُتلوا في بداية الانتفاضة السورية خلال الجلسة الأولى لمحاكمة عاطف نجيب الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا خلال حكم بشار الأسد الأحد (أ.ب)

الشابة ذات الثمانية والعشرين عاماً كادت ترقص فرحاً وهي تشدو من خلف نقابها الأسود «جاييك الدور يا دكتور» وسط المتجمهرين أمام باب قاعة المحكمة في أثناء انعقاد أولى جلسات محاكمة عاطف نجيب رئيس فرع الأمن السياسي في درعا.

الشابة التي كانت عند اندلاع الاحتجاجات في درعا 2011، بعمر 15 عاماً لم تسعفها الكلمات للتعبير عن مشاعرها لـ«الشرق الأوسط»، ثم قالت: «أنا من عائلة الشيخ أحمد الصياصنة، كل أبناء عمومتي وكل أبناء درعا تعرضوا للاعتقال والملاحقة والقتل، الفرحة كبيرة بمحاكمة القاتل، اليوم انتصرنا، وأتمنى القصاص لكل من انتهك حقوق الإنسان في سوريا».

إغلاق شرطة مكافحة الشغب لقاعة المحكمة الجنائية في دمشق أمام الجمهور خلال الجلسة الأولى لمحاكمة عاطف نجيب الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا (أ.ب)

أمام باب القاعة وفي أروقة القصر العدلي الواقع في شارع النصر، انتشر عناصر حفظ النظام بكثافة، بينما احتلت كاميرات الإعلام معظم مساحة القاعة؛ ما أثار استنكار أطراف الادعاء الشخصي الذين جاءوا من محافظة درعا في ساعات الصباح الباكر، واضطروا إلى الانتظار خارج القاعة إلى أن يُنادى عليهم.

صرخ أحدهم: «هل الإعلاميون أولى بالحضور من أصحاب الادعاء؟ إلا أن أحداً لم يجب وسط ضوضاء القصر العدلي، حيث تابعت دوائره ومحاكمه سير أعمالها الاعتيادي، رغم الحضور الكثيف لعناصر حفظ النظام في الأروقة، وأمام باب القاعة لتنظيم دخول الراغبين بحضور لحظة تاريخية نادرة، يجتمع فيها المتهم مع ضحاياه تحت قوس العدالة».

علا أبا زيد كانت بين الأطفال الذين اعتُقلوا في قضية أطفال الحرية بدرعا 2011 (الشرق الأوسط)

أكثر من 50 شخصاً قدموا من درعا بينهم 6 شبان من الذين اعتقلهم عاطف نجيب في فبراير (شباط )2011 فيما عُرف حينها بقضية «أطفال الحرية»، وذلك بتهمة كتابة عبارة «أجاك الدور يا دكتور» على جدار إحدى المدارس.

في حينها، اعتُقل أكثر من 20 طفلاً بتهمة الكتابة على الجدران «أية كتابة حتى لو كانت اسم شخصي أو ذكرى طفولية بريئة»، وفق ما قالته علا أبا زيد لـ«الشرق الأوسط»، وقد جاءت مع شقيقها عبد الرحمن لحضور المحاكمة بصفة طرف الادعاء، حيث سيواجه شقيقها مع 5 آخرين منهم أحمد وإبراهيم رشيدات وسامر الصياصنة وإياد خليل، المتهم عاطف نجيب بالأدلة على اعتقالهم وتعذيبهم حين كانوا تلاميذ في المدرسة.

شابة من عائلة الشيخ أحمد الصياصنة في درعا تعرضت وأقرانها الصغار للاعتقال والقتل (الشرق الأوسط)

تقول علا إن نجيب ينكر اعتقال الأطفال وتعذيبهم، علماً أن كل من دخل سجون الأسد دون استثناء تعرض لشتى صنوف التعذيب الرهيب. كانوا أطفالاً أكبرهم أربعة عشر عاماً، منهم من استُشهد لاحقاً، ومنهم من هاجر، ومنهم من بقي وجاء ليشهد أمام المحكمة.

وطالبت علا السلطات السورية بالاهتمام أكثر بتنظيم وصول أصحاب الادعاء إلى قاعة المحكمة، متمنية أن ينال نجيب وكل من ارتكب انتهاكات من رموز النظام البائد بحق السوريين الجزاء العادل، وأن «يجربوا طعم المرار الذي تجرعه أهالي المعتقلين والشهداء والمفقودين».

إياد خليل أول معتقل بقضية أطفال الحرية في درعا عام 2011 (الشرق الأوسط)

إياد خليل الذي كان ينتظر مناداته لدخول القاعة والاستماع لشهادته، قال: «أنا أول معتقل في الثورة السورية في 8 فبراير 2011، كان عمري أربعة عشر عاماً»، مشيراً إلى إعاقة جسدية في ساقه: «هذه بسبب التعذيب... أذاقونا كل أنواع التعذيب لانتزاع اعتراف بأن جهات خارجية دفعتنا للكتابة على جدار المدرسة، لكني فعلت ذلك بسبب الظلم».

لا يبدو أياد فرحاً بالمحاكمة بقدر ما هو غاضب ومهتم برد الاعتبار: «عندما سمعت بنبأ اعتقال عاطف نجيب» بادرت فوراً إلى رفع دعوى قضائية عليه، وأنتظر صدور حكم الإعدام بحقه».

الجمهور الذي حضر لمتابعة جلسات محاكمة العميد عاطف نجيب المتهم بحملة القمع العنيفة ضد المتظاهرين بداية الصراع السوري في درعا (إ.ب.أ)

محامٍ من المراجعين للقصر العدلي انضم للحشود أمام قاعة محكمة الجنايات وهو يتابع البث المباشر لوقائع المحكمة عبر شاشة هاتفه المحمول، قال لزميله مستغرباً مشهد بكاء عاطف نجيب لدى وصوله إلى القصر العدلي: «عليه أن يبكي فرحاً؛ لأنه يساق إلى المحكمة باحترام». رد أحد الحضور: «لو أن هناك عقوبة أقسى من الإعدام لطالبنا بها».

العميد الركن عاطف نجيب المسؤول السابق في النظام السوري يدخل إلى جلسة محاكمته في دمشق الأحد (إ.ب.أ)

وتمنى عبد الحكيم السرحان أحد المدعين في قضية اقتحام الجامع العمري عام 2011 الذي تأذى منه كل سكان الحي، أن يكون تقرير مصير عاطف نجيب في الساحة أمام الجامع العمري، وقال: «لقد كان رئيس الفرع السياسي في درعا أي رجل الدولة الأول في محافظة درعا، وكل ما ارتُكب من انتهاكات في درعا حينها كان بأوامر منه».

أحد الحاضرين قال إن «نجيب ارتكب مجزرة أمام باب فرع الأمن السياسي عام 2011 قُتل فيها اثنا عشر شخصاً، وأصيب اثنان وثلاثون شخصا آخرون»، وطالب أن يحاسب عليها هو وكل رؤساء الأفرع الأمنية والشبيحة في درعا.

ياسر عطا عبد الغني من الجولان المحتل فقد اثنين من أشقائه في محافظة درعا (الشرق الأوسط)

أما باسل مريج، فأصيب في مجزرة النفق عام 2013، وقال إنه ضمن فريق الادعاء على رموز نظام الأسد. ويتألف الفريق من أكثر من 46 شخصاً من درعا، جاءوا جميعهم لحضور المحاكمة. رفع باسل كفاً مبتورة الأصابع نتيجة إصابته: «قُتلت عائلتي، زوجة وطفلان، في مجزرة النفق في درعا، مع أكثر من 24 مدنياً بينهم نساء وأطفال». وشدد على وجوب محاكمة كل من أعطى أوامر بالقصف والتدمير والقتل.

في حين أن ياسر عطا عبد الغني المنحدر من الجولان المحتل، ويسكن في حي القدم جورة الشرباتي، رأى أن القبض على المتهم الرئيسي في مجزرة حي التضامن أمجد يوسف، والبدء بمحاكمة رموز النظام المخلوع «فرحة كبيرة لكل أهالي الشهداء والمفقودين والمهجّرين»، متمنياً القصاص من كل من تسبب في تدمير سوريا.

عبد الغني فقد اثنين من أشقائه منذ عام 2012، ولا يعرف عنهما شيئاً، ولا يعرف ماذا يفعل، هل يقوم بإصدار شهادة وفاة لهما أم ينتظر، مؤكداً أن بدء مسار العدالة «يهدئ قلوب المكلومين»، وطالب السلطات السورية بتسريع مسار العدالة الانتقالية رأفة بذوي الضحايا.