حتى وقت قريب، كان صيد الأسماك عند كورنيش طرطوس البحري يعكس هواية عشقها سكان المدينة السورية المطلة على ساحل البحر المتوسط، على بعد 250 كيلومتراً شمال العاصمة دمشق، وفقاً لتقرير أعدته «وكالة أنباء العالم العربي». غير أن الأزمة الاقتصادية جعلت الهواية مصدر رزق لكثيرين في ظل التدهور المعيشي الناتج عن ارتفاع أسعار السلع الغذائية وزيادة معدلات الفقر والبطالة.
أحمد علي (47 عاماً)، الذي يعمل مدرّساً لمادة اللغة العربية في إحدى المدارس الحكومية بالمدينة، كان واحداً ممن يعشقون صيد الأسماك، وساعده شغفه بهذه الهواية على امتهان الصيد لتلبية احتياجاته اليومية.
وقال أحمد في حوار أجرته معه «وكالة أنباء العالم العربي»: «كل شيء غالٍ. الأسعار لا تعرف الاستقرار؛ تطير وتقفز كأنها في ماراثون. وراتبي اليوم لا يلبي 20 في المائة من احتياجاتي الأساسية؛ لذلك حوّلت هوايتي إلى مهنة لكسب الرزق واستكمال تلبية متطلبات الحياة في ظل الغلاء الحاصل».
وأضاف: «اعتدت منذ فترة المجيء إلى الشاطئ عند الانتهاء من دوام المدرسة؛ أجلس على صخرة خلف سنارتي وأنتظر حظّي في صيد السمك. ومهما كانت غلتي خلال الأيام التي أصطاد فيها، فإنها تبقى أفضل من اللجوء إلى المتاجرة بإعطاء الدروس الخصوصية لطلاب المدارس، وهو ما أرفضه كليّاً».
وتابَع: «علينا العمل بأكثر من مهنة لنتمكن من العيش. راتبي على سبيل المثال 250 ألف ليرة (نحو 18.38 دولار أميركي) ومطلوب مني أن أعيش بمفردي بمليوني ليرة. كيف يكون ذلك؟!».
وسجلت أسعار السلع الغذائية والاستهلاكية في سوريا ارتفاعاً كبيراً بعد قرار زيادة الرواتب الذي أعلنت عنه الحكومة السورية بداية أغسطس (آب)، والذي صاحبه قرار آخر بزيادة أسعار الوقود بنسب مضاعفة، ما أدى إلى ارتفاع أسعار جميع السلع والخدمات.
وتشير دراسات أجرتها صحيفة «قاسيون» المحلية إلى أن متوسط تكاليف المعيشة لأسرة سورية مكونة من خمسة أفراد قفز خلال النصف الثاني من أغسطس إلى نحو 10.38 مليون ليرة، مقارنة مع نحو 6.56 مليون ليرة في بداية يوليو (تموز).
أما الحد الأدنى لتكاليف المعيشة، بحسب «قاسيون»، فقد وصل في أغسطس إلى نحو 6.45 مليون ليرة من نحو 4.1 مليون ليرة في الشهر السابق. في المقابل، ارتفع الحد الأدنى للأجور إلى 185.9 ألف ليرة سورية؛ أي أقل من 13.6 دولار شهرياً.
لا تعطني سمكة لكن علمني الصيد
يجلس الخمسيني أبو يامن أمام البحر ممسكاً بيده سنارة يدوية بسيطة وإلى جانبه سلة، ينتظر أن يملأها بما يجود به اليم من كرم البحر.
«لا تعطني سمكة ولكن علمني كيف أصطادها»... قال أبو يامن إنه يجد هذه المقولة تنطبق هذه الأيام على من يريد أكل لحوم الأسماك في بلاده، «كما هي لمن يريد تعلم الصيد كمهنة».
وأضاف: «منذ سنوات أُحلت إلى التقاعد، وخلال تلك الفترة اقترح عليّ جاري الخروج معه في رحلة صيد على الشاطئ القريب بمنطقة بصيرة بدلاً من الجلوس في المنزل... عندما ذهبنا، جلست أراقبه كيف يضع الطعم ويرمي سنارته في المياه إلى أن تعلق السمكة ويخرجها بهدوء، حتى اصطاد ثلاث سمكات، فجعل واحدة منها للغداء والثانية للعشاء والثالثة أهداها لي».
في اليوم التالي، طلب أبو يامن من جاره أن يعلمه الصيد، ومنذ ذلك الحين، كلما أرادت العائلة وجبة سمك يذهب إلى الشاطئ ويقضي يومه هناك، إلى أن يتمكّن من صيد كمية مناسبة تكفي لأفراد العائلة. «إنه أمر متعب؛ لكنه يبقى خياراً أنسب من الشراء، نظراً لضيق الحال المادية»، بحسب الرجل.
أما سمير تركماني، وهو أب لديه خمسة أبناء، فأوضح أنه «في السابق، كنت أشتري الكيلوغرام من سمك (غبّص)، وهو من أنواع الأسماك الشعبية الرخيصة، بخمسة آلاف ليرة... لكن السعر تضاعف ثماني مرات ليصبح الآن 40 ألف ليرة؛ بمعنى أنّ أكلة (وجبة) سمك لأولادي باتت تكلفتها 200 ألف ليرة، فهل يُعقل أن أدفع راتبي لشهر كامل من أجل وجبة واحدة؟!».
تشاركه معاناته هالة محمد، التي أشارت إلى أنّها تدفع نصف راتبها لشراء كيلوغرام واحد من الأسماك، لا يُشبع عائلتها المكونة من أربعة أفراد. وتقول: «السمك للأغنياء؛ حتى علبة التونة صار حقها 16 ألف ليرة».
ارتفاع في الأسعار وعدم وفرة
وأوضح طه صطوف، وهو صاحب محل للأسماك بالمدينة، أن أسعار الأسماك ارتفعت 50 في المائة خلال الشهر الأخير نتيجة لرفع الدعم عن المحروقات وتكاليف التبريد، لا سيما في ظل ما تشهده البلاد من تقنين قاسٍ لاستهلاك الكهرباء.
وأكد صطوف ضعف حركة البيع خلال هذه الفترة، في ظل تراجع القدرة الشرائية وضعف الرواتب والأجور، مشيراً إلى أن أقل سعر للأسماك يتراوح بين 19 ألف ليرة و25 ألفاً للكيلوغرام الواحد، في حين قد يصل ثمن بعض الأنواع، مثل (اللقوز الرملي)، إلى 600 ألف ليرة للكيلوغرام.
وسجلت بورصة أسعار الأسماك ارتفاعاً كبيراً؛ وهي في الغالب يحكمها قانون العرض والطلب، بحسب صطوف، الذي أوضح أن «هذه الأسعار جعلت المواطن أمام أمرين أحلاهما مرّ؛ فإمّا أن يمتنع عن شراء الأسماك نهائياً، أو أن يجازف ويشتري كيلوغراماً أو اثنين حسب عدد أفراد الأسرة».
أما خليل السيد، وهو صياد قديم من جزيرة أرواد الواقعة قبالة ساحل طرطوس، فيقول: «السمك لم يعد متوفراً بعرض الساحل، مثلما كان عليه الحال خلال السنوات الماضية».
وأضاف في حوار أجرته معه «وكالة أنباء العالم العربي»: «الثروة السمكية ضعيفة في المياه الإقليمية، والإنتاج لا يكفي حاجة السوق المحلية... عدد كبير من الصيادين توقفوا عن الصيد هذا الموسم لعدم توفر المازوت؛ فمخصصات كل مركب يتم تسليمها بحسب حجم المركب، وتبلغ ما بين 12 و24 لتراً يومياً، وهي لا تكفي لجولة صيد واحدة، ناهيك بعدم الالتزام بتوقيت التسليم».
بالإضافة إلى الأسباب السابقة، عزا خليل ارتفاع أسعار الأسماك إلى أن صيانة قوارب الصيادين وسعر زيت المحركات وصيانة الشباك؛ جميعها تكلفتها أصبحت مرتفعة. يتبع ذلك ارتفاع تلقائي في أسعار الأسماك ليستطيع الصيادون الاستمرار في مزاولة مهنتهم، بحسب قوله.
وفي نوفمبر (تشرين الثاني) من العام الماضي، كشف وزير الزراعة السوري محمد حسان قطنا عن أن حصة الفرد من لحوم الأسماك في بلاده «لا تتجاوز كيلوغراماً واحداً سنوياً، في حين نصيب الفرد الواحد من لحوم السمك عالمياً يتجاوز 20 كيلوغراماً».
وأوضح هيثم ديب، مدير الحماية والاستثمار بالهيئة العامة للثروة السمكية في سوريا، في حديث لـ«وكالة أنباء العالم العربي»، أن حجم الإنتاج المقدر من الثروة السمكية للعام الحالي يصل إلى أكثر من 14 ألف طن، منها 11 ألفاً و355 طناً من البحيرات والأنهار ومزارع المياه العذبة بكل أنواعها، و2700 طن من المياه البحرية.
وأشار ديب في الوقت ذاته إلى تقديم بعض التسهيلات للصيادين من خلال منح رخص الصيد في المياه العذبة، والسعي مع المنظمات الدولية والنقابات في سوريا لتقديم مستلزمات ومعدات حديثة لتسهيل عملهم.

