«رؤية 2030» و«أميركا أولاً»... نقاط التلاقي تُتوّج المباحثات السعودية - الأميركية

هيكل وغوس لـ«الشرق الأوسط»: خطة واشنطن للمنطقة مستوحاة من توجهات الرياض

ولي العهد السعودي والرئيس الأميركي في الرياض يوم 13 مايو 2025 (رويترز)
ولي العهد السعودي والرئيس الأميركي في الرياض يوم 13 مايو 2025 (رويترز)
TT

«رؤية 2030» و«أميركا أولاً»... نقاط التلاقي تُتوّج المباحثات السعودية - الأميركية

ولي العهد السعودي والرئيس الأميركي في الرياض يوم 13 مايو 2025 (رويترز)
ولي العهد السعودي والرئيس الأميركي في الرياض يوم 13 مايو 2025 (رويترز)

اختار الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، السعودية محطّته الخارجية الأولى في ولايتيه الرئاسيتين الأولى والثانية، فيما يبدأ الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد السعودي، زيارة رسمية هي الثانية له إلى الولايات المتّحدة يُتوقع أن تنقل العلاقة، التي بدأت في منتصف الأربعينات من القرن الماضي، إلى آفاق مستقبلية جديدة ونحو «شراكة استراتيجية».

وتخدم هذه الزيارة، وفقاً لاثنين من كبار خبراء العلاقات السعودية - الأميركية، المصالح المشتركة؛ سواء أكانت ضمن شعار «أميركا أولاً» أم «رؤية 2030» السعودية، كما تدعم إرساء الاستقرار والسلام الإقليميين والدوليين.

وقال أستاذ دراسات الشرق الأدنى مدير «معهد دراسات الشرق الأوسط المعاصر وشمال أفريقيا وآسيا الوسطى» بجامعة برينستون، البروفسور برنارد هيكل، في حوار مع «الشرق الأوسط»، إن زيارة الأمير محمد بن سلمان لواشنطن «بالغة الأهمية؛ لأنها تتوّج سنوات من المفاوضات بين السعودية والولايات المتحدة بشأن سلسلة من الاتفاقيات» تخص الأمن المتبادل والدفاع المشترك، وإنتاج الطاقة النووية المدنية، والتعدين والمعادن النادرة، والذكاء الاصطناعي، وتبسيط المبيعات العسكرية.

وأضاف هيكل أن هذه الاتفاقيات تشير إلى أن السعودية والولايات المتحدة «حليفان استراتيجيان»، وهي «تُضفي طابعاً رسمياً على هذا النوع من التحالف»، فضلاً عن أنها «تطوي فصلاً مهماً» من بعض التوتر الذي شاب العلاقات الأميركية - السعودية في الماضي القريب.

أبعد من النفط والأمن

يرى رئيس «دائرة الشؤون الدولية» في جامعة تكساس «إيه آند إم»، البروفسور غريغوري غوس، في حديث مع «الشرق الأوسط»، أن الزيارة «مؤشر على ترسيخ دور الأمير محمد بن سلمان القيادي سواء في البلاد وفي المنطقة، وحتى على الساحة العالمية». ولكنه أكّد في الوقت ذاته أن القضايا التي تناقشها الزيارة «قائمة منذ فترة طويلة».

غريغوري غوس (جامعة تكساس إي آند إم)

ولم يكن غوس يتحدث هنا عن العلاقة التي نشأت بين السعودية والولايات المتحدة على أثر الاجتماع الشهير بين المؤسس الملك عبد العزيز والرئيس تيودور روزفلت عام 1945 من القرن الماضي، بل عن «ثبات» هذه العلاقة رغم ما شابها بين الحين والآخر من «تقلبات»، عازياً ذلك إلى أن «لكل طرف مصالح كثيرة تتداخل مع الطرف الآخر؛ لذا أعتقد أن العلاقة السعودية - الأميركية ستستمر»، ليس فقط كما يحاول البعض اختصارها أو تبسيطها بالمعادلة التبادلية بين الأمن والنفط.

وبالفعل، لا يعتقد هيكل أن العلاقة السعودية - الأميركية كانت قائمة أصلاً على «مسألة النفط مقابل الأمن»، مضيفاً أن «هذا وهْم». وأشار إلى توطّد العلاقة الثنائية بمرور الوقت، وارتكازها على «المصالح المشتركة بين البلدين، بالإضافة إلى رؤية مشتركة للعالم». وأوضح أن الولايات المتحدة والسعودية «لطالما أرادتا شرق أوسط مستقراً»، تتدفق فيه التجارة بحرية. ولفت إلى أن «لدى البلدين رؤى متشابهة للغاية للنظام العالمي»؛ مما أتاح نضوج العلاقة بينهما وإنشاء تحالف بشأن قضايا الأمن، والحرب على الإرهاب... وغيرهما من الملفات.

برنارد هيكل (جامعة برينستون)

وذكر هيكل أن «القيادة السعودية تريد أن تكون العلاقة أكبر رسميةً، وأن تنظر إليها الولايات المتحدة بالطريقة التي تنظر بها، على سبيل المثال، إلى العلاقة باليابان أو كوريا الجنوبية». وأضاف أنه «بقدر ما يظلّ النفط سلعة عالمية مهمة، فإن الولايات المتحدة ترغب في إقامة علاقة جيدة بأكبر مصدر للنفط في العالم»، مُذكّراً بلحظة متوترة في بداية عهد الرئيس السابق جو بايدن، الذي عاد ليدرك أهمية السعودية «عندما اندلعت حرب أوكرانيا وارتفع سعر النفط بشكل كبير». وعبّر عن اعتقاده بأن «من الخطأ عدّ (العلاقة) مجرد مقايضة للأمن بالنفط... إنها أوسع من ذلك بكثير»، لافتاً في الوقت نفسه إلى أن «هذين العنصرين: الأمن والنفط، لا يزالان أساسيين للمصالح التي تحافظ على تماسك هذه العلاقة».

«أميركا أولاً» و«رؤية 2030»

وعن التحوّل الذي تشهده الولايات المتّحدة ضمن سياسات «أميركا أولاً» والسعودية ضمن «رؤية 2030»، عدّ هيكل أن «واشنطن والرياض تعتمدان رؤية للعالم تكون فيها المصالح المتبادلة أساس العلاقات الدولية». وتابع أن «مصالح المملكة والولايات المتحدة تتقارب الآن، وقد تقاربت لعقود طويلة بشأن بعض المبادئ»، ومنها «الاستقرار والنظام، والازدهار، ومكافحة التطرف، والآيديولوجيات الثورية، والتجارة الحرة»، فضلاً عن النظام الاقتصادي الذي يكون فيه الدولار العملة الاحتياطية.

ولفت هيكل إلى أن «العلاقة بين السعودية والولايات المتحدة، من وجهة نظر الرياض، جلبت الرخاء والتنمية إلى المملكة». كما لاحظ أن كل رئيس أميركي «يدرك عند توليه منصبه أنه إذا أردنا نظاماً اقتصادياً عالمياً مستقراً، فنحن بحاجة إلى المملكة العربية السعودية شريكاً». وعبّر عن اعتقاده أن «الرئيس ترمب يدرك ذلك جيداً».

التزام سعودي بدولة فلسطينية

شدّد هيكل على أن «السعودية كانت ولا تزال تهتم بالقضية الفلسطينية»، موضحاً أن «للمملكة رؤية لإنهاء النزاع الفلسطيني - الإسرائيلي من خلال حل الدولتين، وهو أمر دأبت القيادة السعودية على الدفع به لعقود طويلة، وليس أخيراً فحسب».

بدوره، أشار غوس إلى أن الرئيس ترمب «يرغب بالتأكيد في مشاركة مزيد من الدول العربية، والسعودية على وجه الخصوص، في (اتفاقات إبراهيم)»، موضحاً أن «ولي العهد السعودي لديه رؤية للمملكة لشرق أوسط أفضل استقراراً، ولسعودية تُشكّل جسراً في الاقتصاد العالمي بمجالات أخرى غير الطاقة، كالتجارة والنقل وكذلك السياحة».

وقال هيكل إن «لدى الرئيس ترمب بالتأكيد رؤية للشرق الأوسط»، وإنها «مستوحاة ومتأثرة جداً بالرؤية السعودية» للمنطقة. وإذ أشار إلى أن ترمب يود الفوز بجائزة «نوبل» لإحلاله السلام في الشرق الأوسط، خصوصاً للصراع الفلسطيني - الإسرائيلي، رأى أن «القادة السعوديين سيكونون سعداء للغاية بحصوله على هذه الجائزة»، لكنهم «وضعوا شروطاً واضحة للغاية بشأن ما يريدونه ويحتاجون إليه»؛ فلا يمكنهم رؤية النظام والاستقرار والسلام من دون حصول الفلسطينيين على دولة.

«احتواء» إيران

على الرغم من الضربة الكبيرة التي وجهتها إسرائيل ثم الولايات المتحدة لإيران خلال «حرب الـ12 يوماً» في يونيو (حزيران) الماضي، فإن غوس رأى أنه «من المبالغة القول إن الإيرانيين قد هُزموا، إن صح التعبير، بشأن طموحاتهم الإقليمية»، عادّاً أن «إيران ليست خارج اللعبة» وأنها «ستكون على جدول الأعمال، لكن إدارة ترمب والسعوديين لديهما وجهة نظر مختلفة نوعاً ما بشأن إيران».

ويؤيده في ذلك هيكل، الذي قال إن «السعودية ترى إيران جارةً، ودولةً كبيرةً ذات تعداد سكاني ضخم وكفاءات عالية، وأنها يجب أن تكون مسالمة ومزدهرة، وأن تكون جزءاً من هذا الشرق الأوسط الجديد، الذي يسعى السعوديون إلى تأسيسه». ولكنه رجح أن تواجه إيران «سياسة احتواء، وتقييد». ورأى أنه «لهذا السبب؛ يعدّ وجود تحالف أمني قوي مع الولايات المتحدة أمراً بالغ الأهمية، فهو شكل من أشكال الردع»، وهو «محاولة لإبلاغ الإيرانيين أن مهاجمة السعودية ستكون باهظة الثمن».

السودان واليمن

وبشأن حرب السودان، التي حصدت عشرات آلاف الضحايا، رأى غوس أن «السودان ليس على رأس أجندة إدارة ترمب» على الرغم من أنها «تريد سوداناً ينعم بالسلام»، موضحاً أن الرئيس ترمب «لا يبدو مستعداً لاستخدام رصيده السياسي لمحاولة جمع الأطراف، ليس فقط المحلية في السودان، بل أيضاً جمع الداعمين والرعاة الخارجيين لمحاولة تحقيق نوع من الاستقرار في السودان».

صورة نشرها المبعوث الأميركي مسعد بولس على حسابه بمنصة «إكس» لجانب من اجتماع ممثلي «الرباعية» بشأن أزمة السودان يوم 25 أكتوبر 2025

ولكن هيكل لديه رأي آخر؛ إذ يرى أن «النزاعين في اليمن والسودان بالغا الأهمية»؛ لأنهما يمثلان «تهديداً استراتيجياً وأمنياً للسعودية»، مؤكداً أن «السعوديين يرغبون في إنهاء النزاعين».


مقالات ذات صلة

خالد بن سلمان يُقلد كوريلا «وسام المؤسس»

الخليج الأمير خالد بن سلمان لدى تقليده الفريق الأول المتقاعد مايكل كوريلا وسام الملك عبد العزيز (وزارة الدفاع السعودية)

خالد بن سلمان يُقلد كوريلا «وسام المؤسس»

قلّد وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان الفريق الأول المتقاعد مايكل كوريلا قائد القيادة المركزية الأميركية السابق وسام الملك عبد العزيز من الدرجة الممتازة

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الخليج ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان لدى اجتماعه مع السيناتور الأميركي ليندسي غراهام في الرياض الخميس (واس)

محمد بن سلمان وغراهام يستعرضان علاقات الصداقة بين البلدين

استعرض الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي، مع السيناتور الأميركي ليندسي غراهام، علاقات الصداقة بين البلدين.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الخليج الأمير خالد بن سلمان بن عبد العزيز وزير الدفاع السعودي (الشرق الأوسط)

وزير الدفاع السعودي يزور واشنطن

وصل الأمير خالد بن سلمان بن عبد العزيز، وزير الدفاع السعودي، إلى واشنطن، في زيارةٍ رسمية، لبحث تعزيز العلاقات الثنائية ومناقشة الموضوعات المشتركة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد لقاء الطاولة المستديرة السعودي - الأميركي (الهيئة العامة للتجارة الخارجية)

الرياض تحتضن الطاولة المستديرة السعودية - الأميركية بهدف تعميق الشراكة

عُقدت في الرياض أعمال لقاء الطاولة المستديرة السعودي - الأميركي، تزامناً مع الدورة التاسعة لمجلس التجارة والاستثمار.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الخليج الوزير ماركو روبيو مستقبلاً الأمير فيصل بن فرحان في واشنطن الأربعاء (الخارجية السعودية)

فيصل بن فرحان وروبيو يناقشان جهود تحقيق أمن واستقرار المنطقة

بحث الأمير فيصل بن فرحان وزير الخارجية السعودي، مع نظيره الأميركي ماركو روبيو، مستجدات الأوضاع في المنطقة والجهود المبذولة لتحقيق الأمن والاستقرار فيها.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

السعودية تشارك في الاجتماع الوزاري لتنسيق إعادة فتح مضيق هرمز

المهندس وليد الخريجي خلال مشاركته في الاجتماع الوزاري لتنسيق إعادة فتح مضيق هرمز (الخارجية السعودية)
المهندس وليد الخريجي خلال مشاركته في الاجتماع الوزاري لتنسيق إعادة فتح مضيق هرمز (الخارجية السعودية)
TT

السعودية تشارك في الاجتماع الوزاري لتنسيق إعادة فتح مضيق هرمز

المهندس وليد الخريجي خلال مشاركته في الاجتماع الوزاري لتنسيق إعادة فتح مضيق هرمز (الخارجية السعودية)
المهندس وليد الخريجي خلال مشاركته في الاجتماع الوزاري لتنسيق إعادة فتح مضيق هرمز (الخارجية السعودية)

شارك المهندس وليد الخريجي، نائب وزير الخارجية السعودي، الخميس، في الاجتماع الوزاري لتنسيق إعادة فتح مضيق هرمز برئاسة بريطانيا، وذلك نيابةً عن الأمير فيصل بن فرحان وزير الخارجية.

وتناول الاجتماع، الذي ضم 35 دولة، عبر الاتصال المرئي، الجهود العملية لضمان حماية حرية الملاحة في باب المندب والمياه الدولية، وسلامة العبور في مضيق هرمز لتحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة والعالم.

كما جدَّد الاجتماع إدانة أي أعمال أو تهديدات من قبل إيران تهدف إلى عرقلة أو التدخل في الملاحة الدولية عبر مضيق هرمز، أو تهدِّد الأمن البحري في «باب المندب».

انعقد الاجتماع الوزاري الذي ضمّ 35 دولة عبر الاتصال المرئي (الخارجية السعودية)

وأكد المجتمعون أن المساس بحرية الملاحة يُشكِّل تهديداً خطيراً للسلم والأمن الدوليَّين، ويستوجب تحركاً جماعياً لحماية الأمن البحري وضمان سلامة العبور.

حضر الاجتماع من الجانب السعودي، الأمير الدكتور عبد الله بن خالد بن سعود الكبير مدير عام إدارة تخطيط السياسات بوزارة الخارجية.


فيصل بن فرحان ولافروف يبحثان مستجدات المنطقة

الأمير فيصل بن فرحان والوزير سيرغي لافروف (الخارجية السعودية)
الأمير فيصل بن فرحان والوزير سيرغي لافروف (الخارجية السعودية)
TT

فيصل بن فرحان ولافروف يبحثان مستجدات المنطقة

الأمير فيصل بن فرحان والوزير سيرغي لافروف (الخارجية السعودية)
الأمير فيصل بن فرحان والوزير سيرغي لافروف (الخارجية السعودية)

بحث الأمير فيصل بن فرحان وزير الخارجية السعودي، مع نظيره الروسي سيرغي لافروف، مستجدات الأوضاع في المنطقة.

جاء ذلك خلال اتصال هاتفي أجراه وزير الخارجية السعودي بنظيره الروسي، الخميس.


وزير الخارجية السعودي يبحث مع نظيريه الصيني والياباني الأحداث في المنطقة

الأمير فيصل بن فرحان وزير الخارجية السعودي (واس)
الأمير فيصل بن فرحان وزير الخارجية السعودي (واس)
TT

وزير الخارجية السعودي يبحث مع نظيريه الصيني والياباني الأحداث في المنطقة

الأمير فيصل بن فرحان وزير الخارجية السعودي (واس)
الأمير فيصل بن فرحان وزير الخارجية السعودي (واس)

بحث الأمير فيصل بن فرحان وزير الخارجية السعودي، مع نظيريه الصيني وانغ يي، والياباني توشيميتسو موتيغي، مستجدات الأوضاع في المنطقة.

حيث ناقش الأمير فيصل بن فرحان في اتصالَين هاتفيَّين منفصلَين، مع عضو المكتب السياسي للجنة المركزية للحزب الشيوعي وزير الخارجية في جمهورية الصين الشعبية وانغ يي، ووزير خارجية اليابان توشيميتسو موتيغي، علاقات التعاون الثنائية، وتطورات الأوضاع في المنطقة.