انتهى دور المجموعات في كأس العالم 2026. لقد شهد الجميع بالفعل عدداً من المباريات يفوق ما كانت تشهده أي نسخة سابقة من كأس العالم بأكملها، ومع ذلك لم يُقصَ سوى ثُلث المنتخبات المشارِكة فقط.
ومن الطبيعي أن تحاول المنتخبات المرشَّحة للقب استخلاص دلالات من أدائها حتى الآن، ومحاولة فهم ما يعنيه ذلك بالنسبة إلى حظوظها في بقية البطولة.
لكن، وبحسب شبكة «The Athletic»، هل يعني ذلك شيئاً فعلاً؟ هل يكفي في دور المجموعات أن تعبر فقط، ثم تبدأ التفكير في الأدوار الإقصائية لاحقاً؟ وهل توجد علاقة بين مستوى المنتخب في مرحلة المجموعات وقدرته لاحقاً على الفوز بالبطولة كاملة؟
للبحث عن الإجابة، يمكن العودة إلى التاريخ، واستعراض النسخ الـ22 السابقة من كأس العالم، لمعرفة ما إذا كان هناك ارتباط بين الطريقة التي يبدأ بها المنتخب البطولة، والطريقة التي ينهيها بها.
السؤال الأول هو: هل يهم أن تتصدر مجموعتك؟
الإجابة السريعة: نعم، يبدو أن ذلك مهم.
فإذا تمَّ استبعاد نسختَي 1934 و1938، اللتين أُقيمتا بنظام خروج المغلوب منذ البداية ولم تشهدا دور مجموعات، فإنَّ 16 بطلاً من أصل 20 بطلاً، في النسخ التي تضمَّنت مجموعات، أنهوا هذا الدور في صدارة مجموعاتهم.
وتصبح الصورة أوضح عند النظر إلى البطولات الحديثة؛ إذ إنَّ آخر 10 منتخبات تُوجِّت بكأس العالم كلها تصدَّرت مجموعاتها. أما آخر منتخب أنهى مجموعته في المركز الثاني ثم مضى في طريقه حتى اللقب، فكان منتخب إيطاليا في نسخة 1982.
وكان ذلك المنتخب حالةً استثنائيةً عموماً. فقد دخل البطولة من دون ترشيحات كبيرة، بعدما حرمته فضيحة مراهنات من أفضل مهاجميه، باولو روسي، لمدة عامين قبل البطولة. وعبر الدور الأول بصعوبة بعد 3 تعادلات. وهو المنتخب الوحيد في تاريخ كأس العالم الذي تُوِّج باللقب بعدما اجتاز مجموعته من دون أن يحقِّق أي فوز.
أما الوصول إلى النهائي، فلا يبدو أنَّ السيطرة المبكرة شرط حاسم له بالدرجة نفسها. فقد بلغ 7 منتخبات النهائي رغم أنَّها لم تتصدَّر مجموعاتها، وكان آخرها منتخب فرنسا في 2006.
وقد تجد المنتخبات التي عبرت في نسخة هذا العام ضمن أفضل أصحاب المركز الثالث شيئاً من الأمل في تجربتَي الأرجنتين عام 1990 وإيطاليا عام 1994. فالمنتخبان قدَّما دوراً أول ضعيفاً للغاية، وعبرا فقط ضمن «الخاسرين المحظوظين»، لكنهما في النهاية كانا على بعد مباراة واحدة فقط من المجد.
تَصدُّر المجموعة أمر مهم، لكن هل يجب أن تفوز بكل مبارياتك؟
الإجابة: لا.
فثلاثة أبطال فقط في تاريخ كأس العالم حقَّقوا العلامة الكاملة في الدور الأول: البرازيل عام 1970، وفرنسا عام 1998، والبرازيل عام 2002. ومن الناحية الفنية، فعلت أوروغواي ذلك أيضاً في نسختَي 1930 و1950، لكنها خاضت مباراتين فقط في الأولى، ومباراة واحدة في الثانية، لذلك يمكن استبعاد هاتين الحالتين من المقارنة.
كل بطل آخر تعثر في مرحلة ما. ولا يبدو أن خسارة مباراة في دور المجموعات تُمثِّل كارثةً بالضرورة؛ فإسبانيا في 2010 والأرجنتين في 2022 خسرتا مباراتيهما الافتتاحيتين أمام سويسرا والسعودية على التوالي، ثم تُوِّجتا باللقب.
والفوز بالمباريات الثلاث في دور المجموعات أمر نادر أصلاً. لم يحدث ذلك مطلقاً في 4 نسخ سابقة، من بينها نسخة 2022. وعلى امتداد تاريخ البطولة، حقَّق 32 منتخباً فقط العلامة الكاملة في دور المجموعات.
ومن بين هؤلاء، بلغ 4 منتخبات فقط النهائي، أو 5 إذا احتسبنا البرازيل في 1950، التي أنهت البطولة في المركز الثاني عندما حُسم اللقب من خلال مجموعة نهائية. أما بقية المنتخبات التي فازت بمبارياتها الثلاث، فقد خرجت من مراحل مختلفة، من أول دور إقصائي وحتى نصف النهائي.
كذلك يُنظر غالباً إلى حسم التأهل مبكراً بوصفه أفضلية. يفوز المنتخب في أول مباراتين، ثم يستطيع إراحة لاعبيه في المباراة الثالثة استعداداً للأدوار الإقصائية.
لكن التاريخ لا يقدِّم ارتباطاً قوياً هنا أيضاً، إذ إن 5 أبطال فقط في تاريخ كأس العالم حسموا تأهلهم بشكل نهائي بعد أول مباراتين. وحتى البرازيل في 1970، رغم فوزها بأول مباراتين، كان من الممكن نظرياً أن تخرج من البطولة.
وماذا عن «الزخم»؟ هل يهم الفوز في آخر مباراة من دور المجموعات؟
هنا تبدو الإجابة: نعم، هناك علاقة واضحة نسبياً.
فقد فاز 13 بطلاً بكأس العالم في مباراتهم الثالثة بدور المجموعات، من بينهم 6 من آخر 7 أبطال. والاستثناء الوحيد ضمن هذه السلسلة الحديثة هو فرنسا في 2018.
أما ألمانيا الغربية في 1954 فهي حالة رمادية بعض الشيء؛ فقد فازت فعلاً في آخر مباراة لها في الدور الأول، لكن تلك المباراة كانت فاصلة أمام تركيا، في زمن لم تكن فيه قواعد فارق الأهداف أو المواجهات المباشرة قد استُخدمت بعد لحسم الترتيب.
هناك أمر واحد يبدو واضحاً أنه لا يهم كثيراً: أن تعرف تشكيلتك الفائزة منذ البداية.
فالاختيارات تتطوَّر خلال البطولات. والدليل أن بطلاً واحداً فقط في تاريخ كأس العالم، وهو البرازيل في 1970، بدأ المباراة الافتتاحية بالتشكيلة نفسها التي خاض بها النهائي. وحتى ذلك المنتخب أجرى بعض التغييرات في مباراتيه الأخريين بدور المجموعات.
بعض المنتخبات غيَّرت طريقتها، وبعض الحلول ظهرت مع تقدم البطولة، وبعض التغييرات كانت كبيرة فعلاً.
ربما تعرف أنَّ جيف هيرست، أحد لاعبَين فقط إلى جانب كيليان مبابي سجَّلا ثلاثية في نهائي كأس العالم، لم يكن أساسياً مع إنجلترا في بداية نسخة 1966. كان جيمي غريفز، الأكثر غزارة تهديفية على امتداد مسيرته، هو رأس الحربة الأساسي، لكنه تعرَّض للإصابة، فدخل هيرست وبقي في التشكيلة.
وفي 1994، نُسب جزء من نجاح البرازيل إلى استبعاد القائد راي من التشكيلة الأساسية وتثبيت خط الوسط في منتصف البطولة.
وفي 2018، أدخلت فرنسا أوليفييه جيرو إلى التشكيلة بعد أن بدأت البطولة بمهاجم وهمي.
وقبل 4 سنوات، لم يكن خوليان ألفاريز لاعباً أساسياً مع الأرجنتين في بداية البطولة.
والأمثلة يمكن أن تطول.
أما تقييم طريقة اللعب في الدور الأول، فهو أكثر تعقيداً عند العودة إلى الماضي، كما أنَّ الانطباعات العامة يصعب قياسها بدقة. لكن الخلاصة أنَّ كثيراً مما يحدث في دور المجموعات لا يكون حاسماً في نهاية المطاف.
ومع ذلك، إذا تصدرت مجموعتك، وفزت في مباراتك الأخيرة، فإنَّ التاريخ يقول إنك ربما تكون على موعد مع الاحتفال بعد أسابيع قليلة.


