وزارة المال والمصارف اللبنانية أمام نزاع ضريبي بـ600 مليون دولار

اجتماعات تنسيقية وشيكة لحسم الخلاف حول أرباح «محاسبية» من سندات «اليوروبوندز»

جابر أثناء لقائه وفداً من جمعية المصارف في أكتوبر من عام 2025 (الوكالة الوطنية)
جابر أثناء لقائه وفداً من جمعية المصارف في أكتوبر من عام 2025 (الوكالة الوطنية)
TT

وزارة المال والمصارف اللبنانية أمام نزاع ضريبي بـ600 مليون دولار

جابر أثناء لقائه وفداً من جمعية المصارف في أكتوبر من عام 2025 (الوكالة الوطنية)
جابر أثناء لقائه وفداً من جمعية المصارف في أكتوبر من عام 2025 (الوكالة الوطنية)

على أرباح لم تدخل خزائنها، تجد المصارف اللبنانية نفسها أمام مطالبة ضريبية قد تصل إلى 600 مليون دولار، على خلفية فروقات محاسبية في تقييم سندات الدين الدولية (اليوروبوندز). وبينما تتمسك وزارة المال بحقها في احتساب هذه الفروقات ضمن الأرباح الخاضعة للضريبة، تعد المصارف أن التكليف يستند إلى أرباح دفترية غير محققة، وأن تحميلها هذه المبالغ في ظل أزمة الودائع وتراجع ملاءتها سيعمّق الضغوط على سيولتها وقدرتها على الوفاء بالتزاماتها.

ومع انتقال الخلاف من تبادل المراسلات القانونية إلى اجتماعات تقنية مباشرة مرتقبة بين الطرفين، وتمديد مهلة تنفيذ المطالبات إلى منتصف الشهر المقبل بدلاً من نهاية الشهر الماضي، تتجه الأنظار إلى مدى إمكان التوصل إلى تسوية بشأن تكليفات ضريبية تتصل بمحافظ المصارف من سندات «اليوروبوندز»، وتشمل فروقات أسعار الصرف عن سنوات سابقة.

وتكتسب المطالبة أهمية إضافية بالنظر إلى أن هذه السندات لا تزال مجمّدة منذ قرار الحكومة اللبنانية في ربيع عام 2020 تعليق سداد أصولها وفوائدها، فيما يجري تداولها في الأسواق بنحو 25 في المائة من قيمتها الدفترية. وتقدّر المصارف المبالغ المتوجبة بموجب التكليفات الضريبية بما يتراوح بين 500 و600 مليون دولار، وهو ما تعده عبئاً كبيراً على قطاع تراجعت أمواله الخاصة من نحو 20.6 مليار دولار عشية الأزمة المالية والنقدية في خريف 2019 إلى نحو 5.4 مليار دولار حالياً، وسط تأخير متماد في إقرار التشريعات اللازمة لاستعادة الانتظام المالي، والشروع بإصلاحات هيكلية للقطاع العام، والتقدم في آليات عقد اتفاق تمويلي مع صندوق النقد الدولي.

مبنى جمعية مصارف لبنان في بيروت (رويترز)

مؤونات قانونية

ويتركز اعتراض المصارف على المعالجة الضريبية للمؤونات التي خصصتها لمواجهة خسائر سندات الدين الدولية، والتي تقول إنها أُنشئت بموافقة لجنة الرقابة على المصارف، ما يجعلها مؤونات قانونية يجوز تنزيلها من الأرباح، وفقاً للمادة السابعة من قانون ضريبة الدخل.

كما تعترض على احتساب الخسائر وفق سعر الصرف الرسمي السابق للأزمة، البالغ 1515 ليرة للدولار، في مقابل احتساب الأرباح الخاضعة للضريبة وفق السعر الحالي البالغ 89.5 ألف ليرة للدولار، عادّةً أن هذا التفاوت ينطوي على ازدواجية مجحفة ترفع معدل الضريبة الفعلي بصورة غير قانونية. وترى المصارف أن المطالبة تتعارض أيضاً مع إصلاحات تشريعية وقرار لمصرف لبنان يحظر توزيع أنصبة أرباح دفترية ناتجة عن هذه المعالجات.

ويفترض أن تبتّ الاجتماعات التقنية، التي تم الاتفاق على انطلاقها في «أقرب وقت ممكن» بعد لقاء جمع وزير المال ياسين جابر، ورئيس جمعية المصارف سليم صفير، بالصوابية القانونية للمطالبة الضريبية، والواردة أساساً بموجب كتاب رسمي تبلغته البنوك، قبل شهرين، من دائرة كبار المكلفين في وزارة المال، وتم تعزيزه بكتاب ثان أوائل الشهر الماضي، ردت عليهما جمعية المصارف بمطالعة قانونية مفصّلة، قبل 10 أيام من انتهاء المهلة الأولى، لتختم المراسلات بعد الاجتماع الثنائي، بكتاب من وزير المال يؤكد الجاهزية للتباحث المباشر في «النقاط المثارة».

وبموجب هذه المراسلات المتبادلة، التي اطلعت عليها «الشرق الأوسط»، فإن طلب تعديل التصاريح الضريبية والتثبت من صحتها، يركز على بنود مؤونات «اليوروبوندز» واستردادها، وخسائر التقييم غير المحققة، ومخصصات هبوط القيمة الناتجة عن التفرغ عن سندات دين، إلى جانب أسعار الصرف المعتمدة في تسجيل بعض الإيرادات بالعملات الأجنبية، وفروقات الصرف والقطع، ووجوب مراجعة المعالجات الضريبية.

وفي سياق اعتراضها القانوني، تستند المصارف إلى المادتين 81 و82 من الدستور، اللتين تحصران فرض الضرائب وزيادتها بالقانون الصادر عن مجلس النواب، ولا تجيزان للإدارة استحداث ضرائب أو تعديلها بموجب قرارات تنظيمية. وتقول مطالعة المصارف إن ما تصفه الوزارة بأنه ربح محاسبي ناتج عن انهيار سعر صرف العملة الوطنية واحتساب الفارق بالليرة بين سعر التكلفة والسعر الفعلي، يمثل في الواقع خسارة فعلية، ولا يجوز بالتالي إدراجه ضمن الأرباح الخاضعة للتكليف الضريبي.

وفي المقابل، تحذّر المصارف من أن حصيلة الضريبة المطلوبة، التي تقدر بنحو 600 مليون دولار، ستؤدي إلى استنزاف سيولة القطاع بالمبلغ نفسه، بما يحدّ من قدرته على الوفاء بالتزاماته تجاه المودعين ورد حقوقهم. وتؤكد في مطالعتها أن القطاع المصرفي «لا قدرة له على تحمّل هذا المبلغ الضخم في ظل الظروف الحالية».

وزير المال ياسين جابر (رويترز)

في المقابل، يستند موقف وزارة المال إلى قرارات تنظيمية صادرة عن وزير المال، فضلاً عن رأي صادر عن هيئة التشريع والاستشارات مطلع عام 2025. وترى الوزارة، استناداً إلى هذه القرارات والرأي القانوني، أن من حقها تكليف المصارف ضريبياً عن الربح المحاسبي الناجم عن الفارق بين سعر التكلفة التاريخي وسعر صرف الدولار المعتمد بتاريخ التكليف.

أما فيما يتعلق بالأساس القانوني لموقفها، فتقول المصارف إن المؤونات المخصصة لمواجهة خسائر الديون المشكوك في تحصيلها لا تستلزم إعلان إفلاس المدين، بل يكفي أن تكون قد حظيت بموافقة لجنة الرقابة على المصارف.

وتعترض كذلك على إخضاعها لضريبة تُسدّد بالدولار النقدي (Fresh) على فوائد القروض التي قدمتها لمصرف لبنان، في حين أن المصرف المركزي لم يسدد هذه الفوائد بالدولار النقدي، بل بالدولار المصرفي، عادّةً أن ذلك يحمّلها عبئاً غير عادل ويفرض عليها، عملياً، ضرائب مقنّعة.

وفي خلفية هذا النزاع، تحمّل المطالعة المصرفية الدولة المسؤولية الأساسية عن الأزمة المالية، على خلفية استهلاكها الودائع الموظفة لدى مصرف لبنان، بما حال دون تمكّنه من إعادتها إلى المصارف لتتولى بدورها سداد حقوق المودعين. كما تشير إلى تخلّف الدولة عن سداد ديونها المباشرة للمصرف المركزي، والبالغة نحو 16.5 مليار دولار، واستمرارها في عدم الوفاء بالتزامها تغطية خسائره، وفقاً للمادة (113) من قانون النقد والتسليف.


مقالات ذات صلة

«فاتف» تُبقي لبنان على «القائمة الرمادية» وتطالبه باستكمال إصلاحاته

الاقتصاد اجتماع الهيئة العامة لمجموعة العمل المالي في باريس (المجموعة)

«فاتف» تُبقي لبنان على «القائمة الرمادية» وتطالبه باستكمال إصلاحاته

أبقت مجموعة العمل المالي «فاتف» لبنان على قائمتها الرمادية للدول الخاضعة للمتابعة المعززة، رغم إقرارها بالخطوات التي اتخذتها السلطات اللبنانية منذ أكتوبر 2024.

«الشرق الأوسط» (باريس)
المشرق العربي صورة متداولة لمؤسسة «كهرباء لبنان» (الوكالة الوطنية للإعلام)

فواتير الكهرباء تهدد المرافق العامة في لبنان

تنتهي، الاثنين، المهلة التي منحتها مؤسسة «كهرباء لبنان» للإدارات والمؤسسات العامة والبلديات المتخلّفة عن تسديد مستحقاتها، على أن تعمد لقطع التيار الكهربائي عنها

بولا أسطيح (بيروت)
الاقتصاد مبنى «المركزي» اللبناني بمنطقة الحمرا في بيروت (أ.ب)

«المركزي» اللبناني يبحث مع المصارف في باريس إعادة الرسملة وآليات استرداد الودائع

بحث مصرف لبنان المركزي مع عدد من المصارف اللبنانية، خلال اجتماعات تشاورية مغلقة عقدت في باريس، متطلبات إعادة رسملة القطاع المصرفي.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي صورة تجمع مفتي الجمهورية اللبنانية الشيخ عبد اللطيف دريان والسفير السعودي لدى لبنان فهد الدوسري (الشرق الأوسط)

الأضاحي السعودية تمدّ جسور التضامن مع المحتاجين في لبنان بمشاركة دريان والدوسري

أطلقت سفارة السعودية في بيروت، الجمعة، حملتها السنوية لتوزيع لحوم الهدي والأضاحي على العائلات المحتاجة في لبنان.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
خاص الوفد اللبناني برئاسة رئيس الحكومة خلال اجتماعه في واشنطن بالمديرة العامة لصندوق النقد الدولي كريستالينا غورغييفا في سبتمبر (إكس)

خاص شرط الـ15 % يعقّد إعادة هيكلة المصارف اللبنانية

كشفت المناقشات بين مصرف لبنان ولجنة الرقابة على المصارف ومسؤولين من بنوك لبنانية، عن استمرار التباين في المقاربات المتعلقة بإعادة هيكلة القطاع المصرفي.

علي زين الدين (بيروت)

«فاتف» تُبقي لبنان على «القائمة الرمادية» وتطالبه باستكمال إصلاحاته

اجتماع الهيئة العامة لمجموعة العمل المالي في باريس (المجموعة)
اجتماع الهيئة العامة لمجموعة العمل المالي في باريس (المجموعة)
TT

«فاتف» تُبقي لبنان على «القائمة الرمادية» وتطالبه باستكمال إصلاحاته

اجتماع الهيئة العامة لمجموعة العمل المالي في باريس (المجموعة)
اجتماع الهيئة العامة لمجموعة العمل المالي في باريس (المجموعة)

أبقت مجموعة العمل المالي «فاتف» لبنان على قائمتها الرمادية للدول الخاضعة للمتابعة المعززة، رغم إقرارها بالخطوات التي اتخذتها السلطات اللبنانية منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2024 لتحسين نظام مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب. وطالبت المجموعة بيروت بمواصلة تنفيذ خطة العمل المتفق عليها، وحددت عشرة مجالات يتعين إحراز تقدم فيها لمعالجة أوجه القصور الاستراتيجية.

ويأتي موقف المجموعة عقب اجتماع هيئتها العامة في باريس أواخر أكتوبر، الذي بحث جهود مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وفي وقت شارك فيه حاكم مصرف لبنان كريم سعيد في لقاءات دولية بباريس تناولت مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب وإعادة دمج الدول المتضررة من سيطرة التنظيمات الإرهابية في النظام المالي العالمي، كما أجرى مباحثات مع حاكم المصرف المركزي الفرنسي ومسؤولين في وزارة الخزانة الأميركية معنيين بهذه الملفات.

اجتماع الهيئة العامة لمجموعة العمل المالي في باريس (المجموعة)

وقالت «فاتف»، في بيان صدر عقب اجتماعاتها، إن لبنان قدم في أكتوبر 2024 التزاماً سياسياً رفيع المستوى بالعمل مع المجموعة ومجموعة العمل المالي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا «مينافاتف» لتعزيز فاعلية نظامه لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، رغم التحديات الاجتماعية والاقتصادية والأمنية التي تواجه البلاد.

وأشارت إلى أن لبنان اتخذ منذ ذلك الحين خطوات لتحسين منظومته، شملت إصدار تعليمات بشأن التطبيق الفوري للعقوبات المالية المستهدفة، إلى جانب تنظيم برامج توعية وتدريب موجهة للمؤسسات المالية والأنشطة والمهن غير المالية المحددة، التي لا يزال مستوى فهمها لالتزاماتها في هذا المجال منخفضاً.

لكن المجموعة دعت لبنان إلى مواصلة تنفيذ خطة العمل، وحددت عشرة مجالات رئيسية يتعين عليه إحراز تقدم فيها. وتشمل هذه المجالات إجراء تقييمات للمخاطر المحددة المتعلقة بغسل الأموال وتمويل الإرهاب، ووضع السياسات والتدابير اللازمة للحد منها، وتعزيز آليات تنفيذ طلبات المساعدة القانونية المتبادلة وتسليم المطلوبين واسترداد الأصول في الوقت المناسب وبفاعلية.

كما تطالب الخطة برفع مستوى فهم الأنشطة والمهن غير المالية المحددة للمخاطر، وتطبيق عقوبات فعالة ومتناسبة ورادعة على الجهات المخالفة، وضمان تحديث بيانات المستفيدين الحقيقيين من الشركات والكيانات القانونية، وتعزيز استفادة السلطات المختصة من المعلومات والمنتجات التي توفرها وحدة المعلومات المالية.

وفي الجانب القضائي، شددت «فاتف» على ضرورة إظهار زيادة مستدامة في التحقيقات والملاحقات القضائية والأحكام المتعلقة بجرائم غسل الأموال بما يتناسب مع طبيعة المخاطر، وتحسين آليات استرداد الأصول، ورصد وضبط التحركات غير المشروعة للعملات والمعادن والأحجار الثمينة عبر الحدود.

وفيما يتعلق بتمويل الإرهاب، دعت المجموعة إلى مواصلة التحقيقات وتبادُل المعلومات بشأنها مع الشركاء الأجانب، وتعزيز التطبيق الفوري للعقوبات المالية المستهدفة، خصوصاً لدى الأنشطة والمهن غير المالية وبعض المؤسسات المالية غير المصرفية. كما طالبت بإخضاع المنظمات غير الربحية عالية المخاطر لرقابة موجهة تستند إلى تقييم المخاطر، من دون تعطيل أنشطتها المشروعة أو تثبيطها.

لقاءات باريس

وفي سياق هذه الملفات، شارك حاكم مصرف لبنان كريم سعيد في لقاء رفيع المستوى استضافه المصرف المركزي الفرنسي في باريس، وركز على سبل إعادة دمج الدول المتضررة من سيطرة التنظيمات الإرهابية في النظام المالي الدولي، وتعزيز نزاهة الأنظمة المالية ومكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.

وضم اللقاء مسؤولين وحكاماً من دول بينها السعودية ومصر وسوريا وفلسطين ونيجيريا وجنوب أفريقيا، إلى جانب ممثلين عن «فاتف» ووزارات الخزانة في الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا، والبنك المركزي الأوروبي والاتحاد الأوروبي، فضلاً عن ممثلين عن القطاع المالي الخاص.

حاكم مصرف لبنان مشاركاً في اجتماعات بنك فرنسا (مصرف لبنان)

وتناولت المناقشات التحديات المؤسسية والتنظيمية والمالية التي تواجه الدول المتضررة، وسبل تعزيز الرقابة على التدفقات المالية، واستعادة الثقة بالمؤسسات المصرفية، وإعادة بناء العلاقات مع المصارف المراسلة بما يسهل عودة الدول المعنية إلى التعامل مع النظام المالي العالمي.

كما أجرى سعيد مباحثات منفصلة مع حاكم المصرف المركزي الفرنسي ومسؤولين في وزارة الخزانة الأميركية يتولون ملفات مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب. وشهدت باريس، في الفترة نفسها، اجتماعات الهيئة العامة لـ«فاتف» بين 28 و30 أكتوبر (تشرين الأول)، بمشاركة ممثلين عن أكثر من 200 دولة وجهة دولية.

وشهدت الاجتماعات مشاركة سورية للمرة الأولى منذ أكثر من 15 عاماً، إذ حضر حاكم مصرف سوريا المركزي صفوت رسلان اجتماعات المجموعة، وأجرى لقاءات مصرفية تناولت إعادة بناء العلاقات مع المصارف المراسلة وتعزيز شفافية المعاملات والحوكمة المالية.

القائمة الرمادية لا تعني قطع التعاملات

وفي توضيح ذي أهمية بالنسبة إلى لبنان، أكدت «فاتف» أن إدراج الدول على قائمة المتابعة المعززة، المعروفة باسم «القائمة الرمادية»، يعني التزامها بمعالجة أوجه القصور الاستراتيجية ضمن أطر زمنية متفق عليها، وخضوعها لمتابعة إضافية من المجموعة.

لكنها شددت على أنها لا تدعو إلى فرض تدابير تدقيق معززة على هذه الدول، كما أن معاييرها لا تشجع على قطع التعاملات مع فئات كاملة من العملاء أو الانسحاب من أسواق بأكملها، بل تدعو إلى اعتماد نهج قائم على تقييم المخاطر.

ودعت المجموعة الدول الأعضاء والجهات المعنية إلى أخذ المعلومات المتعلقة بكل دولة في الاعتبار عند تقييم مخاطر التعاملات، مع ضمان عدم تعطيل تدفقات الأموال المخصصة للمساعدات الإنسانية، وأنشطة المنظمات غير الربحية المشروعة، والتحويلات المالية.

وبذلك، فإن استمرار إدراج لبنان على القائمة الرمادية لا يعني دعوة المصارف الأجنبية إلى قطع علاقاتها معه، لكنه يبقي السلطات اللبنانية أمام التزامات محددة لإثبات فاعلية إجراءاتها في مكافحة الجرائم المالية وتمويل الإرهاب، وهي متطلبات ترتبط باستعادة الثقة بالقطاع المصرفي وتعزيز علاقاته مع المؤسسات المالية الدولية.


مسؤول في «المركزي» الأوروبي: رفع أسعار الفائدة مجدداً بات ضرورياً لاحتواء التضخم

مبنى البنك المركزي الأوروبي في فرانكفورت (رويترز)
مبنى البنك المركزي الأوروبي في فرانكفورت (رويترز)
TT

مسؤول في «المركزي» الأوروبي: رفع أسعار الفائدة مجدداً بات ضرورياً لاحتواء التضخم

مبنى البنك المركزي الأوروبي في فرانكفورت (رويترز)
مبنى البنك المركزي الأوروبي في فرانكفورت (رويترز)

قال بيتر كازيمير، محافظ البنك المركزي السلوفاكي، إن البنك المركزي الأوروبي سيضطر إلى رفع أسعار الفائدة مجدداً، لمنع ترسُّخ التضخم المرتفع، محذراً من أن الأسواق قد تقلِّل من حجم التشديد النقدي اللازم لاحتواء الضغوط السعرية.

وأبقى البنك المركزي الأوروبي أسعار الفائدة دون تغيير الأسبوع الماضي، إلا أن عدداً من صانعي السياسة النقدية دعوا منذ ذلك الحين إلى استئناف رفعها في وقت أقرب، في ظل الارتفاع الحاد في تكاليف الطاقة، التي يرون أنها قد تؤدي في نهاية المطاف إلى ظهور آثار تضخمية من الجولة الثانية، وفق «رويترز».

وقال كازيمير، أحد الأصوات الأكثر تشدداً في مجلس محافظي البنك المؤلف من 27 عضواً، الاثنين: «بالنسبة إليَّ، لم يعد السؤال يتمحور بشكل متزايد حول ما إذا كانت هناك حاجة إلى مزيد من الإجراءات؛ بل حول حجم الزيادة المطلوبة».

وأضاف: «قد تكون الأسواق لا تزال تقلِّل من حجم الإجراءات اللازمة. فالمسألة لا تتعلق باجتماع واحد ولا خطوة واحدة؛ بل بالمسار المطلوب لإعادة التضخم إلى المستوى المستهدف والحفاظ عليه عند ذلك المستوى».

وتتوقع الأسواق المالية حالياً أن يرفع البنك المركزي الأوروبي أسعار الفائدة مرتين إلى 3 مرات خلال العام المقبل، قبل أن يبدأ خفضها تدريجياً، في ظل مؤشرات التضخم المستمدة من الأسواق التي تشير إلى احتمال بقاء نمو الأسعار أعلى بكثير من مستهدف البنك البالغ 2 في المائة لسنوات مقبلة.

وكان البنك المركزي الأوروبي قد أبقى أسعار الفائدة دون تغيير الخميس الماضي، مستنداً إلى أن الآثار التضخمية من الجولة الثانية لم تظهر بعد، وأن نمو الأجور لا يزال محدوداً، فضلاً عن احتمال تأثر النمو الاقتصادي سلباً بالارتفاع الحاد في تكاليف الاقتراض على المدى الطويل.

لكن كازيمير رأى أن هذه العوامل لا توفر بالضرورة القدر نفسه من الطمأنينة الذي يعتقده البعض.

وأوضح أن ضغوط التكاليف قد تتراكم قبل أن تنقل الشركات الزيادات إلى المستهلكين، كما قد تتغير توقعات التضخم قبل أن تظهر الضغوط السعرية الأوسع في البيانات الاقتصادية.

وقال: «إن انتظار اليقين لا يشكل بالضرورة نهجاً سليماً في رسم السياسات».

وأضاف أن تباطؤ النمو الاقتصادي لا يعني بالضرورة تراجع التضخم، نظراً إلى أن ضغوط التكاليف تتراكم منذ أشهر. كما أشار إلى أن النمو لا يزال متماسكاً نسبياً، بفضل الدور الذي تؤديه الموازنات الحكومية في دعم الاقتصاد، محذراً من أن غياب الانضباط المالي قد يسهم بدوره في استمرار الضغوط السعرية.

وختم كازيمير بالقول: «إن التوقف الذي شهده الأسبوع الماضي لم يكن خط النهاية. وينبغي أن نتحرك قبل أن يصبح التضخم المرتفع أمراً طبيعياً في نظر الجميع».


واشنطن تسعى لإعادة الغاز الروسي إلى أوروبا عبر أوكرانيا رغم العقوبات

الناس يسيرون على طول ساحل خليج فنلندا وخلفهم برج مركز لاختا مقر شركة «غازبروم» الروسية للغاز بمدينة سانت بطرسبرغ (إ.ب.أ)
الناس يسيرون على طول ساحل خليج فنلندا وخلفهم برج مركز لاختا مقر شركة «غازبروم» الروسية للغاز بمدينة سانت بطرسبرغ (إ.ب.أ)
TT

واشنطن تسعى لإعادة الغاز الروسي إلى أوروبا عبر أوكرانيا رغم العقوبات

الناس يسيرون على طول ساحل خليج فنلندا وخلفهم برج مركز لاختا مقر شركة «غازبروم» الروسية للغاز بمدينة سانت بطرسبرغ (إ.ب.أ)
الناس يسيرون على طول ساحل خليج فنلندا وخلفهم برج مركز لاختا مقر شركة «غازبروم» الروسية للغاز بمدينة سانت بطرسبرغ (إ.ب.أ)

تتحرك إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب باتجاه إعادة صادرات الغاز الطبيعي الروسي إلى الأسواق الأوروبية عبر خطوط الأنابيب العابرة للأراضي الأوكرانية، في مقترح يهدف إلى التوصل إلى تهدئة على جبهة الطاقة بين موسكو وكييف، وتهيئة الأجواء لاتفاق أوسع ينهي الحرب، لكنه يصطدم بموقف أوروبي يرفض العودة إلى الاعتماد على إمدادات الطاقة الروسية.

ووفقاً لما أوردته صحيفة «وول ستريت جورنال»، فإن المبعوثين الأميركيين ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر طرحا الفكرة خلال زيارتين إلى موسكو وكييف في سبتمبر (أيلول) الماضي. ويقوم التصور على استئناف بيع الغاز الروسي إلى أوروبا عبر وسيط أميركي، بما يتيح تجاوز العقوبات الأوروبية القائمة، ويخلق في الوقت نفسه فرصاً استثمارية أمام شركات ومستثمرين أميركيين.

وتتجاوز أهمية المقترح الجانب التجاري، إذ تراهن واشنطن على أن عودة روسيا إلى سوق الغاز الأوروبية ستشكل حافزاً اقتصادياً للرئيس فلاديمير بوتين للموافقة على اتفاق لوقف التصعيد في قطاع الطاقة، في حين يمكن أن تستفيد أوكرانيا من رسوم عبور الغاز عبر أراضيها، بما يوفر لها مورداً مالياً تحتاج إليه في ظل الحرب.

وبحسب مسؤول أميركي رفيع نقلت عنه الصحيفة، اقترح مسؤولون في البيت الأبيض إيداع عائدات مبيعات الغاز الروسي في حساب ضمان لدى جهة قضائية في دولة ثالثة، للحيلولة دون استخدام الكرملين هذه الأموال في تمويل الحرب. كما حاولت الإدارة الأميركية تسويق الفكرة أمام القادة الأوروبيين باعتبارها وسيلة لخفض أسعار الطاقة قبل الشتاء، في وقت تراجعت فيه مخزونات الغاز الأوروبية إلى مستويات موسمية متدنية مقارنة بالسنوات الماضية.

نموذج توضيحي لأنبوب الغاز نورد ستريم تحت سطح البحر يظهر عليه عَلَمَا الاتحاد الأوروبي وروسيا (إكس)

موقف أوروبي يصعب تغييره

لكن المقترح يواجه عقبة رئيسية تتمثل في الموقف الأوروبي، إذ أقر الاتحاد الأوروبي تشريعات تقضي بالتخلص التدريجي من واردات الغاز الطبيعي الروسي بحلول نهاية عام 2027. كما أكد قادة أكبر الدول الأوروبية عدم رغبتهم في العودة إلى الاعتماد على إمدادات الطاقة من روسيا، التي باتت تُعدّ تهديداً استراتيجياً لأمن القارة.

ونقلت «وول ستريت جورنال» عن مفوض الطاقة الأوروبي دان يورغنسن قوله، في مقابلة مع صحيفة مجرية خلال أكتوبر (تشرين الأول)، إن الحظر المفروض على واردات الغاز الروسي ينبغي أن يكون دائماً، مضيفاً أنه لا يثق بروسيا حتى في حال التوصل إلى اتفاق سلام.

وفي حين تراهن إدارة ترمب على أن الضغوط الاقتصادية وارتفاع تكاليف الطاقة قد يدفعان العواصم الأوروبية إلى إعادة النظر في موقفها، نقلت الصحيفة عن مسؤولين أوروبيين تحفظات شديدة على الفكرة. واعتبر مسؤول من إحدى دول الشمال الأوروبي أن استئناف شراء الغاز الروسي يتعارض مع المبادئ التي تتبناها أوروبا، بينما شبّه مسؤول رفيع من دولة أوروبية كبرى المقترح بتنازلات رئيس الوزراء البريطاني الأسبق نيفيل تشامبرلين أمام ألمانيا النازية مقابل الحفاظ على المصالح التجارية.

ويمثل هذا التوجه تحولاً لافتاً في موقف ترمب مقارنة بولايته الرئاسية الأولى، حين انتقد المستشارة الألمانية السابقة أنجيلا ميركل بسبب مشروع خط أنابيب «نورد ستريم 2»، محذراً من أن اعتماد ألمانيا عليه سيجعلها رهينة للإمدادات الروسية. وفرضت واشنطن آنذاك عقوبات على المشروع في أواخر عام 2019.

وترى الإدارة الأميركية الحالية أن إعادة فتح خطوط «نورد ستريم» مستقبلاً قد تكون جزءاً مهماً من تسوية أوسع، لا تقتصر على إنهاء الحرب في أوكرانيا، بل تشمل أيضاً معالجة الخلافات القائمة بين روسيا وحلفاء واشنطن الأوروبيين. ونقلت الصحيفة عن مسؤول أميركي قوله إن خطأ ميركل تمثل في السعي إلى تنفيذ المشروع من دون العمل أولاً على ترتيب أمني أوسع مع موسكو.

لافتة تُظهر مشروع «نورد ستريم» في ولاية غرب ماكلينبورغ بومرانيا شرق ألمانيا حيث تصل أنابيب «نورد ستريم» (د.ب.أ)

خطوط أوكرانيا أسرع في استئناف الضخ

وعلى المستوى العملي، تبدو خطوط الأنابيب العابرة لأوكرانيا أكثر قابلية لإعادة التشغيل السريع مقارنة بخطوط «نورد ستريم»، التي تعرضت لانفجارات تحت مياه بحر البلطيق في سبتمبر 2022، وألحقت أضراراً جسيمة بِخطَّي «نورد ستريم 1» و«نورد ستريم 2». وكان الأول قد توقف عن نقل الغاز في أغسطس (آب) 2022، بينما لم يدخل الثاني الخدمة أصلاً.

في المقابل، استمرت تدفقات محدودة من الغاز الروسي عبر شبكة الأنابيب الأوكرانية حتى يناير (كانون الثاني) 2025، عندما توقفت عمليات العبور. وتمتد هذه الشبكة من حقول الغاز في سيبيريا إلى أوروبا عبر أوكرانيا، مع ارتباطات بسلوفاكيا ومنها إلى النمسا وألمانيا.

وكانت روسيا وألمانيا قد أنشأتا خط «نورد ستريم 1» لتجاوز شبكات نقل الغاز عبر أوكرانيا، وبدأ تشغيله في عام 2011، قبل أن يتوقف لاحقاً مع تصاعد الحرب وتدهور العلاقات بين موسكو والعواصم الأوروبية.

أنابيب خط أنابيب الغاز «نورد ستريم 2» في بحر البلطيق (رويترز)

وتشير بيانات أوردتها الصحيفة إلى أن الغاز الروسي يمثل حالياً نحو 11 في المائة من إجمالي استهلاك أوروبا من الغاز الطبيعي، مقارنة بنحو 45 في المائة قبل اندلاع الحرب. وفي المقابل، تشكل إمدادات الغاز الطبيعي المسال الأميركي نحو 30 في المائة من الاستهلاك الأوروبي، بينما تصل كميات من الغاز الروسي إلى بعض الأسواق الأوروبية عبر ناقلات الغاز المسال أو من خلال خطوط «ترك ستريم» التي تغذي المجر وسلوفاكيا.

حارس أمن يقف أمام منشأة وصول خط أنابيب الغاز «نورد ستريم 2» في لوبمين بألمانيا (رويترز)

حرب إيران تضغط على حسابات أوروبا

وتأتي التحركات الأميركية في وقت تواجه فيه أوروبا ضغوطاً إضافية على أمن الطاقة نتيجة الحرب على إيران، التي أدت إلى تعطل شحنات الغاز الطبيعي المسال القطري داخل الخليج، وأسهمت في موجة ارتفاع عالمية لأسعار الطاقة.

ووفقاً للاتحاد الأوروبي، تكبدت دوله إنفاقاً إضافياً على الطاقة بقيمة 100 مليار يورو (نحو 112 مليار دولار) نتيجة الحرب. كما بلغت نسبة امتلاء مخزونات الغاز الأوروبية تحت الأرض نحو 75 في المائة، مع توقعات بدخول القارة فصل الشتاء بمستويات تقل عن متوسط السنوات التسع الماضية.

وتقر أوساط أوروبية بأن تداعيات الحرب على إيران قد تزيد صعوبة التمسك بالموقف الرافض لاستئناف واردات الغاز الروسي، خصوصاً مع ارتفاع الأسعار وتراجع الإمدادات المتاحة من مصادر أخرى.

وفي ألمانيا، جعل حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف استئناف واردات الغاز الروسي منخفض التكلفة أحد المحاور الرئيسية في حملته استعداداً للانتخابات الوطنية المقررة عام 2028.

ومع ذلك، يرى دبلوماسيون أن تغيير الموقف الأوروبي قد يصبح أكثر قابلية للنقاش إذا أيَّدت كييف استئناف تدفقات الغاز في إطار اتفاق لوقف الهجمات على منشآت الطاقة، بما يحول دون انقطاع الكهرباء وحدوث أزمة إنسانية في المدن الأوكرانية قد تدفع موجة جديدة من اللاجئين إلى مغادرة البلاد.

ويكتسب هذا الاحتمال أهمية إضافية في ظل تراجع قدرات الدفاع الجوي الأوكرانية، والقيود الأميركية على إمدادات صواريخ الاعتراض «باتريوت»، وسط نقص عالمي في هذه الصواريخ نتيجة تداعيات الحرب على إيران.

وتتجه الأنظار إلى مفاوضات ثلاثية مرتقبة بين الولايات المتحدة وروسيا وأوكرانيا في أبوظبي خلال منتصف نوفمبر (تشرين الثاني)، وسط استمرار رفض موسكو حتى الآن محاولات واشنطن التوصل إلى اتفاق شامل لوقف الهجمات على منشآت الطاقة.