بنوك أميركية تتأهب لتمويل خطة اليابان الاستثمارية في الولايات المتحدة

يقودها «جيه بي مورغان» بعد تردد المصارف اليابانية لارتفاع التكلفة

علما الولايات المتحدة الأميركية واليابان (رويترز)
علما الولايات المتحدة الأميركية واليابان (رويترز)
TT

بنوك أميركية تتأهب لتمويل خطة اليابان الاستثمارية في الولايات المتحدة

علما الولايات المتحدة الأميركية واليابان (رويترز)
علما الولايات المتحدة الأميركية واليابان (رويترز)

أفاد شخصان مطَّلعان على المحادثات بين البنوك والحكومة اليابانية بأن بنك «جيه بي مورغان» وبنوك أميركية أخرى على وشك الموافقة على تقديم تمويل جزئي في إطار تعهد اليابان بالاستثمار في الولايات المتحدة بقيمة 550 مليار دولار.

من شأن هذا التمويل أن يساعد طوكيو على الوفاء بالتزاماتها تجاه الرئيس الأميركي دونالد ترمب. وترددت البنوك اليابانية في المشاركة؛ إذ إن قاعدة تمويلها بالين، والحصول على مبالغ ضخمة من الدولارات لمشاريع البنية التحتية الكبيرة طويلة الأجل قد يكون مكلفاً للغاية بالنسبة لها.

وأعلنت اليابان حتى الآن عن دفعتين من المشاريع بقيمة إجمالية تتجاوز مائة مليار دولار ضمن برنامج الاستثمار، وهو اتفاق أبرمته في يوليو (تموز) 2025 لضمان فرض تعريفات جمركية أميركية بنسبة 15 في المائة. وكان ترمب قد هدد بفرض رسوم جمركية بنسبة 25 في المائة على معظم الصادرات اليابانية.

وقالت المصادر إن طوكيو حريصة على إظهار أنها تحرز تقدماً في تنفيذ تعهداتها. وفي يناير (كانون الثاني) من هذا العام، تعهد ترمب برفع التعريفات الجمركية الأميركية على الواردات من كوريا الجنوبية، مدعياً أنها لم تفِ بالتزاماتها في الاتفاقية التجارية، إلا أنه تراجع لاحقاً عن هذا التهديد.

وأفادت مصادر مطلعة -من بينها مصدران رفضا الكشف عن هويتهما نظراً لسرية المناقشات- بأن واشنطن أرسلت أيضاً إلى حكومة رئيسة الوزراء ساناي تاكايتشي قائمة بأسماء مرشحين لمشاريع إضافية ضمن برنامج الاستثمار.

ولم تتمكن «رويترز» من معرفة حجم التمويل الذي يمكن أن توفره البنوك الأميركية أو المشاريع التي ستُخصص لها. كما لم يتضح ما إذا كانت الحكومة الأميركية مشاركة في المناقشات المتعلقة بالبنوك الأميركية التي يمكنها تقديم التمويل.

وفي بيان لوكالة «رويترز»، صرَّحت وزارة الاقتصاد والتجارة والصناعة اليابانية بأنه لم يتم اتخاذ أي قرارات بشأن مشاركة البنوك الأميركية، وأن القرارات ستُتخذ من قبل هذه البنوك. وأضافت الوزارة أن الحكومة اليابانية لم تُحدد بعدُ قائمة ثالثة بالمشاريع المرشحة، مشيرة إلى استمرار المحادثات الثنائية، وأن من حقها -كقاعدة عامة- طرح الأفكار ورفضها.

ولم يتم تخصيص سوى 2.2 مليار دولار أميركي لتمويل الدفعة الأولى من الاستثمارات التي تم الكشف عنها في فبراير (شباط). ويُقدَّم التمويل لشركات ذات أغراض خاصة أُنشئت لإدارة كل مشروع.

ومن هذا المبلغ، يُقدم بنك اليابان للتعاون الدولي، المدعوم من الدولة، ما يقارب الثلث، بينما يُشارك في تمويل البقية البنوك اليابانية الكبرى: مجموعة «ميتسوبيشي يو إف جيه» المالية، ومجموعة «سوميتومو ميتسوي» المالية، ومجموعة «ميزوهو» المالية.

وأفادت مصادر منفصلة بأن هذه البنوك الثلاثة أبلغت الحكومة بأنه على الرغم من ضمان الحكومة قروضها، فإن تأمين تمويل طويل الأجل بالدولار مكلف، ويحد من قدرتها على تقديم قروض من جهات أخرى. وللحصول على الدولار، يتعين على البنوك اليابانية عادة إصدار سندات بالدولار، أو الاقتراض من أسواق الجملة، أو استخدام سوق المقايضة، وكل ذلك ينطوي على تكاليف.

وتتفاقم هذه التكاليف بسبب الفجوة الكبيرة في أسعار الفائدة بين الولايات المتحدة واليابان، بالإضافة إلى تكلفة التحوط من مخاطر تقلبات العملة.

وذكرت مصادر أن حكومة تاكايتشي تدرس سبل مساعدة البنوك المحلية الكبرى في الحصول على الدولار الأميركي لتمويل مشاريعها في الولايات المتحدة. وأفادت وكالة «كيودو» للأنباء بأن أحد المقترحات هو استخدام الدولارات الموجودة في احتياطيات النقد الأجنبي للحكومة اليابانية.

وتشمل الدفعة الأولى من المشاريع التي كُشف عنها في فبراير منشأة لتصدير النفط في تكساس، ومصنعاً للألماس الصناعي في جورجيا، ومحطة لتوليد الطاقة تعمل بالغاز الطبيعي في أوهايو.

وتضمنت الدفعة الثانية التي أُعلن عنها في مارس (آذار) خططاً لبناء مفاعلات نووية معيارية صغيرة من قِبل شركة «جي إي فيرنوفا هيتاشي» في ولايتَي تينيسي وألاباما، بالإضافة إلى محطات توليد طاقة تعمل بالغاز الطبيعي في ولايتَي بنسلفانيا وتكساس.

وأفادت مصادر بأنه على الرغم من أن مشاركة البنوك الأميركية الكبرى في تمويل هذه المشاريع من شأنها أن تُسهم في دعمها، فإن مخاطر كبيرة لا تزال قائمة؛ إذ قد تستغرق مشاريع البنية التحتية عقوداً لتحقيق عوائد وسداد الديون كاملة.


مقالات ذات صلة

أوروبا تصعّد ضغوطها التجارية على الصين

الاقتصاد سيارات صينية معدة للتصدير في ميناء تايساتغ شرق الصين (أ.ف.ب)

أوروبا تصعّد ضغوطها التجارية على الصين

تدخل العلاقات التجارية بين الصين والاتحاد الأوروبي مرحلة جديدة من المفاوضات المعقدة، مع اجتماع قادة الدول الأوروبية السبع والعشرين في بروكسل

«الشرق الأوسط» (بروكسل - بكين)
الاقتصاد الرئيس الأميركي دونالد ترمب في لقاء الشهر الماضي مع رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي في نيويورك (أ.ف.ب)

اليابان تستثمر 21 مليار دولار في صناعة الرقائق الأميركية

تعتزم اليابان استثمار ما يصل إلى 21 مليار دولار لإنشاء مصنعين لأشباه الموصلات في ولاية نيويورك الأميركية، ضمن شراكة مع الحكومة الأميركية.

«الشرق الأوسط» (طوكيو - نيويورك)
الاقتصاد رجل يمر أمام شاشة تعرض حركة الأسهم في العاصمة اليابانية طوكيو (إ ب أ)

«نيكي» يخسر 4.9 % وسط مخاوف الذكاء الاصطناعي والفائدة الأميركية

شهدت الأسواق المالية اليابانية اضطرابات حادة، الخميس، مع هبوط مؤشر «نيكي» بنحو 5 % تحت وطأة موجة بيع واسعة في أسهم شركات التكنولوجيا المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.

«الشرق الأوسط» (طوكيو)
الاقتصاد شاشة إلكترونية تعرض حركة الأسهم على جسر للمشاة في مدينة شنغهاي الصينية (إ.ب.أ)

السندات الصينية تنتعش والأسهم تهبط تحت ضغوط التكنولوجيا

تراجعت عوائد السندات الحكومية الصينية طويلة الأجل إلى أدنى مستوياتها في 15 شهراً، بينما تعرضت الأسهم لخسائر حادة بقيادة شركات التكنولوجيا.

«الشرق الأوسط» (بكين)
الاقتصاد أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (أرشيفية- رويترز)

صندوق النقد يتوقع تعافي اقتصادات الشرق الأوسط إلى 6.6% في 2027

توقّع صندوق النقد الدولي تعافي اقتصادات الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وباكستان إلى نمو بنسبة 6.6 في المائة في عام 2027.

«الشرق الأوسط» (بانكوك)

أوروبا تصعّد ضغوطها التجارية على الصين

سيارات صينية معدة للتصدير في ميناء تايساتغ شرق الصين (أ.ف.ب)
سيارات صينية معدة للتصدير في ميناء تايساتغ شرق الصين (أ.ف.ب)
TT

أوروبا تصعّد ضغوطها التجارية على الصين

سيارات صينية معدة للتصدير في ميناء تايساتغ شرق الصين (أ.ف.ب)
سيارات صينية معدة للتصدير في ميناء تايساتغ شرق الصين (أ.ف.ب)

تدخل العلاقات التجارية بين الصين والاتحاد الأوروبي مرحلة جديدة من المفاوضات المعقدة، مع اجتماع قادة الدول الأوروبية السبع والعشرين في بروكسل، الخميس، لبحث سبل الحد من تدفق الواردات الصينية، وسط مخاوف متزايدة بشأن إغلاق المصانع وفقدان الوظائف، بينما أكدت بكين أن الاتفاق الأخير بشأن تجارة السيارات الهجينة من شأنه حماية مصالح الشركات الصينية ومنع تصاعد الخلافات.

وتأتي القمة الأوروبية بعد أقل من أسبوع على توصل المفوضية الأوروبية والصين إلى تفاهم بشأن الحد من واردات السيارات الهجينة الصينية، في خطوة تعتبرها بروكسل بداية لمعالجة اختلالات تجارية أوسع تشمل قطاعات صناعية متعددة.

وقالت وزارة التجارة الصينية، الخميس، إن التوافق الذي جرى التوصل إليه مع الاتحاد الأوروبي بشأن تجارة السيارات الهجينة يساعد على حماية مصالح الشركات الصينية وتجنب التصعيد التجاري.

ويعكس الموقف الصيني رغبة بكين في الحفاظ على قنوات التفاوض مع أوروبا، في وقت تتزايد فيه الضغوط داخل الاتحاد لاتخاذ إجراءات أكثر صرامة لحماية الصناعات المحلية.

وكان الطرفان قد توصلا الأسبوع الماضي إلى اتفاق قد يؤدي إلى خفض صادرات السيارات الهجينة الصينية إلى الاتحاد الأوروبي بأكثر من النصف، بعد مشاورات مكثفة بشأن تنظيم تدفقات هذه المركبات إلى السوق الأوروبية.

وأكدت وزارة التجارة الصينية في وقت سابق أن الاتفاق يسمح باستمرار نمو الصادرات ضمن ترتيبات متفق عليها، ويضمن حصة تصديرية تتماشى مع الحصص الممنوحة لدول أخرى.

لكن الاتفاق، رغم أهميته، لا يعالج سوى جانب محدود من الخلاف التجاري المتصاعد بين الجانبين.

فقد بلغ عجز الاتحاد الأوروبي في تجارة السلع مع الصين نحو 360 مليار يورو، أي ما يعادل 400.4 مليار دولار، خلال عام 2025، بينما تشير التوقعات إلى تجاوزه هذا المستوى في 2026.

ويمثل اتساع العجز أحد أبرز مصادر القلق لدى الحكومات الأوروبية، التي تواجه ضغوطاً من الشركات الصناعية والنقابات العمالية لاتخاذ إجراءات تحد من المنافسة الصينية المتزايدة.

وتتهم مجموعات صناعية أوروبية الواردات الصينية بالمساهمة في إغلاق مصانع وفقدان وظائف، خصوصاً في القطاعات التي تواجه منافسة سعرية شديدة.

وقال دبلوماسي أوروبي بارز إن الاختلالات التجارية لا تقتصر على قطاع واحد، محذراً من أن استمرار الوضع الحالي يؤدي إلى فقدان آلاف الوظائف شهرياً.

وتشمل القطاعات المثيرة للقلق الصناعات الكيميائية والصلب والآلات، إلى جانب السيارات، مما يعكس اتساع نطاق الخلاف من المنتجات الاستهلاكية إلى الصناعات الأساسية والاستراتيجية.

وتشير مسودة نتائج القمة إلى أن القادة الأوروبيين سيطالبون المفوضية بمواصلة الحوار مع بكين، مع الاستفادة الكاملة من أدوات الدفاع التجاري القائمة، وتطوير إجراءات إضافية لحماية السوق الأوروبية.

ويعكس هذا التوجه محاولة للجمع بين المسار التفاوضي والقدرة على فرض قيود تجارية إذا لم تحقق المحادثات نتائج ملموسة.

وفي المقابل، ترفض الصين تصوير الفائض التجاري باعتباره دليلاً على ممارسات غير عادلة، وتعتبر أن تضخيم قضية الاختلالات الاقتصادية يوفر مبرراً لتبني سياسات حمائية والضغط على الشركات الصينية.

ومن المتوقع أن تحتل المقترحات الفرنسية الألمانية، التي صدرت الأسبوع الماضي، موقعاً بارزاً في المناقشات الأوروبية.

ودعت باريس وبرلين إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لمعالجة الواردات الصينية في قطاعي المواد الكيميائية والبولي إيثيلين تيريفثالات، المعروف اختصاراً باسم «بي إي تي»، وهو البلاستيك المستخدم على نطاق واسع في صناعة العبوات والتغليف.

كما طالبت الدولتان بتطوير آليات تسمح للاتحاد الأوروبي بالرد سريعاً على الدول التي تتخذ إجراءات تضر بمصالحه التجارية.

ومن المنتظر بدء تحقيق أوروبي بشأن واردات مادة «بي إي تي» قريباً، في خطوة قد تمهد لاتخاذ تدابير دفاعية إضافية.

وتكتسب المبادرة الفرنسية الألمانية أهمية خاصة لأنها تعكس تحولاً في موقف برلين، التي كانت قبل عامين من أبرز المعارضين لفرض رسوم أوروبية لمكافحة الدعم على السيارات الكهربائية الصينية.

ويشير تغير الموقف الألماني إلى تنامي القلق بشأن قدرة الصناعات الأوروبية على مواجهة المنافسة الخارجية، في ظل ارتفاع تكاليف الإنتاج وضعف بعض القطاعات الصناعية.

وبالنسبة إلى الشركات الصينية، فإن توسيع نطاق الإجراءات الأوروبية قد يفرض تحديات إضافية على خطط التصدير، ويدفع بعضها إلى إعادة النظر في استراتيجيات التسعير والاستثمار والتوسع داخل الأسواق الأوروبية.

أما الشركات الأوروبية، فقد تستفيد بعض قطاعاتها من إجراءات الحماية التجارية، لكن فرض قيود واسعة قد يرفع تكاليف المدخلات الصناعية ويؤثر في سلاسل التوريد.

ولا تنفصل هذه المخاوف عن أزمة أسعار الطاقة التي تشكل محوراً رئيسياً آخر في القمة الأوروبية.

فقد وضعت عدة دول أعضاء ارتفاع تكاليف الطاقة على جدول الأعمال، بينما تصف مسودة نتائج القمة القضية بأنها ذات «أهمية حاسمة» للقدرة التنافسية للاقتصاد الأوروبي.

وتواجه الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة، مثل الكيماويات والصلب، ضغوطاً متزايدة نتيجة ارتفاع أسعار الكهرباء والغاز، ما يزيد صعوبة منافسة المنتجين في الأسواق التي تتمتع بتكاليف طاقة أقل.

وتشير المسودة إلى مقترحات سبق أن قدمتها المفوضية الأوروبية، من بينها تأجيل تطبيق قواعد انبعاثات الميثان على واردات النفط والغاز لمدة عام.

كما يُتوقع أن يطلب القادة من المفوضية تقديم إجراءات إضافية قصيرة الأجل للتخفيف من أعباء الطاقة على الشركات والمستهلكين.

ومن الناحية الاقتصادية، يمثل الجمع بين معالجة المنافسة الصينية وخفض تكاليف الطاقة تحدياً رئيسياً للاتحاد الأوروبي، إذ لا تكفي الإجراءات التجارية وحدها لتعزيز القدرة التنافسية إذا استمرت تكاليف الإنتاج عند مستويات مرتفعة.

وفي ملف آخر، يناقش القادة الموازنة الأوروبية للفترة من 2028 إلى 2034، وسط خلافات واسعة بشأن حجم الإنفاق وأولوياته وتوزيع الأعباء بين الدول الأعضاء.

وتتطلب الموافقة على الموازنة إجماع الدول السبع والعشرين، ما يجعل المفاوضات معقدة بين الدول المساهمة الصافية في التمويل والدول المستفيدة من البرامج الأوروبية.

ومن المتوقع عقد قمة استثنائية في أواخر نوفمبر (تشرين الثاني) لمحاولة تضييق الخلافات والتوصل إلى اتفاق.

وتكتسب الموازنة الجديدة أهمية خاصة في ظل الحاجة إلى تمويل برامج التنافسية الصناعية والتحول في الطاقة والدفاع والبنية التحتية، إلى جانب الالتزامات الأوروبية تجاه أوكرانيا.

ومن المقرر أن يناقش القادة، الجمعة، التحديات التي تواجه أوكرانيا، بحضور الرئيس فولوديمير زيلينسكي، مع التركيز على احتياجات كييف التمويلية لعام 2027.

وتشير مسودة النتائج أيضاً إلى اعتزام القادة التعبير عن أسفهم لقرار الولايات المتحدة رفع العقوبات مؤقتاً عن الديزل الروسي.

وفي المحصلة، تكشف القمة الأوروبية عن تداخل التحديات التجارية والمالية والطاقة في وقت تسعى فيه بروكسل إلى حماية قاعدتها الصناعية وتعزيز قدرتها على المنافسة.

وبينما يوفر اتفاق السيارات الهجينة مع الصين فرصة لاحتواء بعض التوترات، فإن اتساع العجز التجاري واستمرار الخلافات بشأن الصناعات الكيميائية والصلب والآلات يشيران إلى أن المفاوضات المقبلة ستكون أكثر تعقيداً.

وسيكون الاجتماع الأوروبي الصيني المقرر في مارس (آذار) محطة مهمة لتقييم قدرة الطرفين على تحقيق تقدم يتجاوز قطاع السيارات، والوصول إلى ترتيبات تحد من التصعيد وتحافظ على استقرار العلاقات الاقتصادية بين اثنين من أكبر الأسواق العالمية.


التضخم السعودي يحافظ على تماسكه رغم اضطرابات الملاحة

مجموعة متسوقين في أحد مراكز السلع الغذائية بالسعودية (واس)
مجموعة متسوقين في أحد مراكز السلع الغذائية بالسعودية (واس)
TT

التضخم السعودي يحافظ على تماسكه رغم اضطرابات الملاحة

مجموعة متسوقين في أحد مراكز السلع الغذائية بالسعودية (واس)
مجموعة متسوقين في أحد مراكز السلع الغذائية بالسعودية (واس)

استقر معدل التضخم السنوي في السعودية عند 1.9 في المائة خلال سبتمبر (أيلول)، بينما لم تسجل أسعار المستهلك تغيراً على أساس شهري، وسط مخاطر تحيط بحركة التجارة العالمية وإمدادات الطاقة جراء التوترات في الممرات البحرية، وما قد تترتب عليها من ضغوط على تكاليف الشحن وسلاسل الإمداد.

وأظهرت بيانات الهيئة العامة للإحصاء، الصادرة الخميس، ارتفاع مؤشر أسعار المستهلك بنسبة 1.9 في المائة على أساس سنوي، مدفوعاً بزيادة أسعار السكن والمياه والكهرباء والغاز وأنواع الوقود الأخرى بنسبة 3.6 في المائة، والأغذية والمشروبات بنسبة 1.4 في المائة، والنقل بنسبة 2.3 في المائة. وفي المقابل، استقر المؤشر مقارنة بأغسطس (آب)، مع تباين حركة الأسعار بين مكونات سلة المستهلك.

الاستقرار النسبي

وقال عضو مجلس الشورى فضل بن سعد البوعينين، لـ«الشرق الأوسط»، إن تماسك الرقم القياسي لأسعار المستهلك في السعودية عند مستوى 1.9 في المائة خلال سبتمبر الفائت، يُعد مؤشراً إيجابياً يعكس حالة من الاستقرار النسبي في مستويات الأسعار، ويعزز الثقة بقدرة الاقتصاد السعودي على التعامل مع المتغيرات الاقتصادية بكفاءة ومرونة.

وطبقاً لعضو مجلس الشورى، فاستقرار التضخم عند مستويات معتدلة يمنح المستهلكين قدراً أكبر من الوضوح في إدارة نفقاتهم، ويساعد الأسر على التخطيط لميزانياتها، كما يدعم استقرار بيئة الأعمال ويعزز ثقة المستثمرين في السوق المحلية.

وبيَّن فضل البوعينين أن الأهمية الحقيقية لهذا التماسك لا تكمن في ثبات الرقم وحده، بل في قدرته على الحفاظ على التوازن بين استمرارية النمو الاقتصادي والحد من الضغوط المعيشية على المواطنين والمقيمين.

كما أن استمرار التضخم عند مستويات معتدلة يعكس أهمية السياسات الاقتصادية التي تستهدف تعزيز كفاءة الأسواق واستدامة النمو، بما ينسجم مع مستهدفات «رؤية 2030»، وفق البوعينين الذي أشار إلى أنه يبقى من الضروري متابعة تحركات أسعار السكن والغذاء والخدمات، لضمان انعكاس الاستقرار العام على القوة الشرائية وجودة الحياة بصورة ملموسة.

أسعار الإيجارات

بدوره، أوضح الدكتور سالم باعجاجة، أستاذ الاقتصاد في جامعة الملك عبد العزيز، أن الأداء يعكس تبايناً في حركة الأسعار بين مكونات سلة المستهلك، مع استمرار السكن في تصدر القطاعات المساهمة في التضخم، إلى جانب ارتفاع أسعار الأغذية والمشروبات والنقل، مقابل تراجع أسعار بعض السلع والخدمات.

وواصل حديثه إلى «الشرق الأوسط»، قائلاً إن معدل التضخم عند 1.9 في المائة يعكس زيادة سنوية محدودة نسبياً في سلة المستهلك، لكنه لا يلغي تفاوت الضغوط بين القطاعات، وإن استمرار نمو الإيجارات بوتيرة أعلى من التضخم العام يجعل تطورات سوق الإيجار عاملاً حاسماً في قراءة تكاليف المعيشة.

وأضاف الدكتور باعجاجة أن الحكم على اتجاه التضخم يتطلب متابعة الأشهر المقبلة، لمعرفة ما إذا كان الاستقرار سيستمر أم أن ارتفاع الإيجارات ومكونات أخرى سيعيد تسريع المؤشر.

سعودي يتسوق في أحد المتاجر المتخصصة بالمواد الغذائية (واس)

أسباب التضخم

وبحسب الرقم القياسي الصادر عن الإحصاء، ارتفعت أسعار قسم السكن والمياه والكهرباء والغاز وأنواع الوقود الأخرى 3.6 في المائة، نتيجةً لارتفاع أسعار مجموعة الإيجارات الفعلية للسكن 3.5 في المائة، يليه قسم العناية الشخصية والحماية الاجتماعية والسلع والخدمات الأخرى 3.3 في المائة، مدفوعاً بارتفاع أسعار الأمتعة الشخصية الأخرى 11.9 في المائة، والتي تأثرت بزيادة أسعار قسم المجوهرات والساعات بنسبة 12.9 في المائة. ويليها قسم الترفيه والرياضة والثقافة بنسبة 2.5 في المائة، مدفوعةً بزيادة أسعار مجموعة عروض العطلات 4.5 في المائة.

من جهة أخرى، انخفضت أسعار قسم الأثاث والأجهزة المنزلية والصيانة الدورية للمنزل 0.5 في المائة، وقسم الملابس والأحذية 0.4 في المائة.

المقارنة الشهرية

وعلى أساس شهري، سجل مؤشر أسعار المستهلك في سبتمبر استقراراً مقارنةً بشهر أغسطس الماضي، ويعزى ذلك نتيجة تباين التغيرات في أسعار الأقسام التالية: ارتفاع السكن والمياه والكهرباء والغاز وأنواع الوقود الأخرى 0.1 في المائة، مدفوعةً بزيادة أسعار مجموعة الإيجارات الفعلية للسكن بنسبة 0.2 في المائة. كما ارتفعت أسعار قسم الأغذية والمشروبات 0.1 في المائة، والعناية الشخصية والحماية الاجتماعية والسلع والخدمات الأخرى 0.1 في المائة، وقسم خدمات التعليم 1.2 في المائة.

وفي المقابل، انخفضت أسعار قسم النقل 0.1 في المائة، والمطاعم وخدمات الإقامة بنسبة 0.5 في المائة، والترفيه والرياضة والثقافة 0.6 في المائة، والأثاث والأجهزة المنزلية والصيانة الدورية للمنزل بنسبة 0.2 في المائة.

ويعد قسم السكن والمياه والكهرباء والغاز وأنواع الوقود الأخرى المساهم الرئيسي في التضخم السنوي، حيث أسهم بمقدار 0.7 نقطة مئوية، يليها الأغذية والمشروبات بمساهمة قدرها 0.3 نقطة مئوية، بالإضافة إلى مساهمة قسم النقل 0.3 نقطة مئوية، والعناية الشخصية والحماية الاجتماعية والسلع والخدمات الأخرى بمقدار 0.2 نقطة مئوية، والأقسام الأخرى التي أسهمت بمقدار 0.3 نقطة مئوية.


صندوق النقد الدولي يوفد بعثة إلى لبنان في نوفمبر لمواصلة محادثات الإصلاح

الوفد اللبناني برئاسة وزير المالية المشارك في الاجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدوليين في بانكوك (وزارة المالية اللبنانية)
الوفد اللبناني برئاسة وزير المالية المشارك في الاجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدوليين في بانكوك (وزارة المالية اللبنانية)
TT

صندوق النقد الدولي يوفد بعثة إلى لبنان في نوفمبر لمواصلة محادثات الإصلاح

الوفد اللبناني برئاسة وزير المالية المشارك في الاجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدوليين في بانكوك (وزارة المالية اللبنانية)
الوفد اللبناني برئاسة وزير المالية المشارك في الاجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدوليين في بانكوك (وزارة المالية اللبنانية)

يعتزم صندوق النقد الدولي إيفاد بعثة إلى لبنان في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل؛ لمواصلة المناقشات بشأن معالجة الأزمة المصرفية واستعادة استدامة الدين، في وقت لا تزال فيه ملفات توزيع الخسائر المالية ومساهمة الدولة في المعالجة تتطلب مزيداً من التوافق، في حين يواجه قانون إصلاح المصارف، الذي أقرّ مجلس النواب تعديلاته في أغسطس (آب)، مراجعةً أمام المجلس الدستوري بعد طعن الرئيس جوزيف عون في إحدى مواده.

وقال نائب مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في الصندوق، تانوس أرفانيتيس، الخميس، إن مسؤولي الصندوق أجروا مناقشات جيدة مع السلطات اللبنانية خلال الاجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدوليين في بانكوك، واتفقوا على مواصلة المحادثات خلال الأسابيع المقبلة، على أن تزور بعثة من موظفي الصندوق لبنان في نوفمبر.

وكانت المديرة العامة لصندوق النقد الدولي، كريستالينا غورغييفا، قد أعلنت، عقب اجتماعها مع رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام ووزير المالية ياسين جابر في واشنطن أواخر سبتمبر (أيلول)، عن زيارة وفد من صندوق النقد الدولي إلى لبنان لمواصلة المفاوضات ودفعها نحو اتفاق. ورحّبت بالتقدم الذي أحرزته الحكومة في مسار الإصلاحات، مشيدةً بجهودها في إدارة المالية العامة وإعداد الموازنة، والخطوات المتخذة لإصلاح القطاع المصرفي وتعزيز الانضباط المالي، ومؤكدةً استعداد الصندوق لمواصلة العمل مع السلطات اللبنانية والبناء على ما تحقق.

وكان جابر قد قال، في تصريحات أواخر سبتمبر، إن بلاده تسعى إلى التوصل إلى اتفاق على مستوى الموظفين مع صندوق النقد الدولي، يمهّد للانتقال إلى برنامج تمويلي متكامل. وأشار إلى أن إقرار قانون إصلاح وإعادة هيكلة القطاع المصرفي شكّل خطوة مهمة في مسار الإصلاحات، لكنه شدد على أن التوصل إلى اتفاق شامل يبقى مرتبطاً بإقرار قانون الفجوة المالية، الذي يحدد آلية توزيع الخسائر الناجمة عن الأزمة المالية.

وأوضح أرفانيتيس أن لبنان يواجه أزمة مالية واقتصادية غير مسبوقة، في حين تعرضت البلاد لصدمات استثنائية خلال السنوات الأخيرة. وقال إن الحكومة التي تولت مهامها في فبراير (شباط) 2025 سعت إلى تسريع جهودها لوضع استراتيجية لمعالجة الأزمة، وإن الصندوق أجرى جولات عدة من المناقشات لمساعدتها في صياغة برنامج يعيد البلاد إلى مسار التعافي.

نائب مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في صندوق النقد الدولي تانوس أرفانيتيس يتحدث في مؤتمر صحافي (أ.ف.ب)

وأضاف أن تركيز الصندوق انصبّ، في المقام الأول، على القطاع المصرفي، وتحديداً على معالجة الأزمة المصرفية وإعادة تأهيل القطاع، بما يعيد ثقة الناس في إيداع مدخراتهم في النظام المصرفي، ويمنح المصارف القدرة على توفير الائتمان للاقتصاد، وهو أمر بالغ الأهمية لتحقيق النمو وتعافي البلاد.

وفي الوقت نفسه، ركّز الصندوق على استعادة القدرة على تحمّل الديون، لا سيما أن لبنان متخلّف عن سداد ديونه الخارجية، مشيراً إلى وجود ترابط فعلي بين معالجة الأزمة المصرفية واستعادة القدرة على تحمّل الديون.

وأوضح أرفانيتيس أن المناقشات المتعلقة بالأزمة المصرفية ركزت على قانون معالجة أوضاع المصارف وقانون الفجوة المالية، اللذين يشكلان إطاراً للمضي قدماً في إعادة هيكلة النظام المصرفي. وأشار إلى أن أحد المحاور الرئيسية تمثّل في ضمان توافق قانون الفجوة المالية مع إطار معالجة أوضاع المصارف، وتطبيقه على جميع الحالات بصورة منظمة، بدلاً من ترك الحلول للتقديرات العشوائية.

وأضاف أن الصندوق يحتاج إلى مزيد من الوضوح بشأن مساهمة الدولة في معالجة الأزمة؛ نظراً إلى ارتباطها باستدامة الدين، وضرورة أن تبقى هذه المساهمة ضمن حدود يمكن تحمّلها بما يمكّن لبنان من خدمة ديونه.

وشدد أرفانيتيس على أهمية احترام المعايير الدولية المعترف بها، بما في ذلك التسلسل الهرمي للمطالبات المالية؛ لضمان عدم تحميل المودعين الخسائر قبل الدائنين الذين يتمتعون بأولوية أعلى.

وقال إن هذه هي مجمل المسائل التي يناقشها الصندوق مع السلطات اللبنانية، مؤكداً أن المناقشات مع الوفد اللبناني خلال الاجتماعات السنوية كانت جيدة جداً، وأن الطرفين اتفقا على مواصلتها خلال الأسابيع المقبلة.

وفي هذا السياق، شدد وزير المالية ياسين جابر من بانكوك على أن حماية حقوق المودعين، ولا سيما صغار المودعين، تُشكل حجر الزاوية في التشريعات المالية كافة الجاري بحثها، وفي مقدمتها مشروع قانون معالجة الفجوة المالية وإعادة هيكلة القطاع المصرفي. وأكد جابر أن الانضباط المالي ينبغي أن يمهّد الطريق لإقرار تشريعات عادلة تعيد الثقة بالجهاز المصرفي وتُعزّز قدرته على دعم الاقتصاد، مشيراً إلى أن الوفد اللبناني يُواصل التنسيق المكثف مع صندوق النقد والبنك الدوليين لتأمين التمويل الطارئ ودعم شبكات الحماية الاجتماعية والتعافي الاقتصادي، بما يخفف من الأعباء المعيشية والضغوط الناجمة عن أزمة النازحين والاعتداءات الراهنة في الجنوب.