البنك الدولي لـ«الشرق الأوسط»: السعودية تنتقل من تطوير النمو إلى تصدير المعرفة التنموية

دونوهو: «مستشفى صحة الافتراضي» يجسّد اقتصاد المعرفة... والقطاع الخاص مفتاح وظائف المستقبل

TT

البنك الدولي لـ«الشرق الأوسط»: السعودية تنتقل من تطوير النمو إلى تصدير المعرفة التنموية

المدير الإداري وكبير مسؤولي المعرفة في مجموعة البنك الدولي باسكال دونوهو يتحدث لـ«الشرق الأوسط» (تركي العقيلي)
المدير الإداري وكبير مسؤولي المعرفة في مجموعة البنك الدولي باسكال دونوهو يتحدث لـ«الشرق الأوسط» (تركي العقيلي)

لم يعد التحول الذي تشهده السعودية في سوق العمل يُقاس فقط بتراجع البطالة إلى مستوى تاريخي بلغ 2.8 في المائة، أو بانتقال نصف المواطنين العاملين إلى القطاع الخاص، بل أصبح يُقاس أيضاً بقدرة المملكة على تحويل الاستثمار في رأس المال البشري والتقنية إلى نماذج تنموية تستقطب اهتمام المؤسسات الدولية. ويبرز «مستشفى صحة الافتراضي»، الذي يعد أكبر مزود لخدمات الرعاية الصحية الافتراضية في العالم، بوصفه نموذجاً لهذا التحول، بعدما نجح في توظيف التقنيات الرقمية والذكاء الاصطناعي لتوسيع نطاق الخدمات الصحية ورفع كفاءتها، في تجربة يرى البنك الدولي أنها تجسد ملامح اقتصاد المستقبل القائم على المعرفة والابتكار.

وتدعم هذه القراءة ما وثّقه التقرير المشترك الصادر عن البنك الدولي ووزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية السعودية، بعنوان «عقد من التقدم: نظرة عميقة داخل تحول سوق العمل السعودي»، الذي أظهر انتقال الاقتصاد إلى مرحلة أكثر اعتماداً على رأس المال البشري والقطاع الخاص والاقتصاد الرقمي، مع ارتفاع معدل المشاركة في القوى العاملة إلى 67.1 في المائة، وانتقال نصف السعوديين العاملين إلى القطاع الخاص، وارتفاع مساهمة الاقتصاد الرقمي إلى نحو 15 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي.

وفي حديث لـ«الشرق الأوسط»، يرى المدير الإداري وكبير مسؤولي المعرفة في مجموعة البنك الدولي، باسكال دونوهو، أن ما تحقق في المملكة يتجاوز تحسين المؤشرات الاقتصادية إلى بناء نموذج تنموي يربط بين الوظائف والمهارات والابتكار وتوظيف المعرفة في تطوير الخدمات العامة، بما يجعل النمو أكثر استدامة وشمولاً.

نموذج صحي يجذب اهتمام العالم

وجاءت إشادة دونوهو عقب زيارته يوم الأحد «مستشفى صحة الافتراضي» في الرياض، حيث اطّلع على تجربة المستشفى وخدماته الرقمية، واصفاً إياه في حديثه لـ«الشرق الأوسط» بأنه «من أكثر النماذج إبهاراً» التي شاهدها في توظيف التكنولوجيا لخدمة الإنسان، وبأنه يقدم نموذجاً عملياً لدمج الذكاء الاصطناعي في الرعاية الصحية ضمن رؤية تنموية متكاملة.

ويرى أن ما يميز التجربة السعودية في المجال الصحي ثلاثة عناصر جوهرية تمنح النموذج السعودي ريادته العالمية؛ أولها النجاح الفائق في توظيف أدوات الذكاء الاصطناعي لتمكين التواصل الفوري والفعال بين المرضى وأدق المتخصصين، وثانيها مرونة المنظومة في مد هذا الربط الرقمي ليشمل الرعاية داخل المستشفيات وخارجها على حد سواء، وثالثها دقة أنظمة المتابعة والرقابة اللحظية التي تسمح للجهات المختصة بقياس الأثر بدقة علمية عالية.

من التمويل إلى تبادل المعرفة

ويشير دونوهو إلى أن العلاقة بين السعودية والبنك الدولي دخلت مرحلة جديدة، لم تعد تقوم على التمويل أو تقديم الاستشارات الفنية، بل أصبحت ترتكز على إنتاج المعرفة وتبادل الخبرات. ويصف افتتاح «مركز المعرفة» في الرياض، وهو الأول من نوعه في المنطقة، بأنه نقطة تحول في مسار هذه الشراكة؛ إذ سيتولى توثيق التجارب السعودية الناجحة، وتطويرها، وتحويلها إلى نماذج يمكن الاستفادة منها في دول أخرى.

ويؤكد أن المملكة لم تعد مجرد مستفيد من الخبرات الدولية، بل أصبحت شريكاً في إنتاج المعرفة التنموية ونقلها. ومن هذا المنطلق، يتطلع البنك الدولي إلى العمل مع الجهات السعودية، ولا سيما في القطاع الصحي، للاستفادة من تجربة «مستشفى صحة الافتراضي»، وتكييفها مع احتياجات الدول النامية والمناطق التي تعاني نقصاً في الكفاءات الطبية، بما يعزز تبادل الخبرات ودعم التنمية على المستوى الإقليمي والدولي.

واقع هيكلي جديد

ولم يأتِ اهتمام البنك الدولي بنقل التجربة السعودية إلى الخارج من فراغ، بل يستند إلى قناعة بأن ما حققته المملكة يعكس تحولاً هيكلياً واسعاً في الاقتصاد، وليس نجاحاً في مشروع أو قطاع بعينه. فالإصلاحات التي قادتها «رؤية 2030» لم تقتصر على خلق فرص عمل جديدة، وإنما أعادت تشكيل العلاقة بين التعليم وسوق العمل، وعززت دور القطاع الخاص، ورفعت مساهمة الأنشطة القائمة على المعرفة والابتكار، بما يجعل النمو أكثر استدامة وقدرة على التكيف مع التحولات التكنولوجية.

ويرى دونوهو أن هذا التحول يكتسب أهمية خاصة؛ لأنه يربط بين الاستثمار في الإنسان والإنتاجية والابتكار، وهو ما أفرز نماذج رائدة في قطاعات متعددة، من بينها الرعاية الصحية الرقمية، التي أصبحت تجسد ثمرة الإصلاحات المتكاملة في التعليم وتنمية المهارات والتحول الرقمي، وليس مجرد مشروعات تقنية منفصلة.

المدير الإداري وكبير مسؤولي المعرفة في مجموعة البنك الدولي باسكال دونوهو يتحدث لـ«الشرق الأوسط» (تركي العقيلي)

تحدي الذكاء الاصطناعي

وفي وقت يثير فيه التطور المتسارع للذكاء الاصطناعي مخاوف عالمية بشأن مستقبل الوظائف، في ظل توقعات البنك الدولي بدخول نحو 1.2 مليار شاب إلى أسواق العمل مقابل توفير نحو 400 مليون وظيفة فقط، يرى دونوهو أن التجربة السعودية تقدم مقاربة مختلفة، تقوم على توظيف الذكاء الاصطناعي بوصفه أداة لتعزيز الإنتاجية وخلق فرص عمل جديدة، لا بديلاً عن العنصر البشري.

ويشير إلى أن الاستثمار المبكر في تنمية المهارات الرقمية، وربط التقنيات الحديثة ببرامج التعليم والتدريب، أسهم في بناء قاعدة واسعة من الكفاءات المؤهلة، بالتوازي مع تنامي مساهمة الاقتصاد الرقمي في الناتج المحلي الإجمالي. ويرى أن التجارب السعودية في تطبيقات الذكاء الاصطناعي، وفي مقدمتها الرعاية الصحية الرقمية، توضح كيف يمكن للتكنولوجيا أن ترفع جودة الخدمات وكفاءتها، وفي الوقت نفسه تفتح مجالات جديدة للوظائف المتخصصة والمهارات المستقبلية.

الوظائف الجيدة... لا الوظائف فقط

ويرى دونوهو أن نجاح أسواق العمل لا يُقاس بعدد الوظائف التي تُستحدث فحسب، بل بجودة هذه الوظائف وقدرتها على توفير دخل مستدام وفرص للتطور المهني ورفع الإنتاجية. ويشير إلى أن السنوات الأخيرة، بما شهدته من تباطؤ اقتصادي وارتفاع في تكاليف المعيشة، جعلت التركيز على «الوظائف الجيدة» أحد أهم التحديات التي تواجه صانعي السياسات حول العالم.

ويضيف أن البنك الدولي يعمل مع الحكومات على تهيئة أكثر القطاعات قدرةً على خلق وظائف ذات قيمة مضافة، مثل الرعاية الصحية، والسياحة، والزراعة، بالتوازي مع تطوير الأطر التنظيمية التي تشجع استثمارات القطاع الخاص وتدعم نمو الشركات. ويرى أن المملكة تمثل نموذجاً متقدماً في هذا المسار، وأن «مركز المعرفة» في الرياض سيشكل منصة لتبادل الخبرات وصياغة سياسات تسهم في رفع جودة الوظائف وتعزيز إنتاجيتها، وليس مجرد زيادة أعدادها.

القطاع الخاص... محرك المرحلة المقبلة

ويرى دونوهو أن تحقيق هذا الهدف، المتمثل في زيادة جودة الوظائف لا أعدادها فقط، يرتبط ارتباطاً وثيقاً بقدرة القطاع الخاص على قيادة الاستثمار وخلق فرص العمل في المرحلة المقبلة.

ويرى دونوهو أن استمرار خلق الوظائف في المرحلة المقبلة سيعتمد بدرجة أكبر على قدرة القطاع الخاص على قيادة الاستثمار والنمو، أكثر من اعتماده على الإنفاق الحكومي. ويؤكد أن تحليلات البنك الدولي تشير إلى أن القطاع الخاص السعودي يؤدي بالفعل دوراً محورياً في عدد من القطاعات الحيوية، إلا أن المرحلة المقبلة تتطلب توفير مزيد من المحفزات التي تمكّنه من توسيع استثماراته وخلق فرص عمل جديدة.

ويضيف: «لا يمكن لأي دولة، مهما كانت ثروتها، أن تعتمد بالكامل على رأس المال العام للقيام بكل شيء». ومن هذا المنطلق، يركز البنك الدولي على دعم الحكومات في تطوير الأطر التنظيمية التي تعزز ثقة المستثمرين، وتشجع رأس المال الخاص على الاستثمار طويل الأجل. ويرى أن هذا هو أحد أبرز عناصر قوة «رؤية 2030»، التي نجحت في بناء بيئة استثمارية وبنية تحتية تتيح للقطاع الخاص أداء دور أكبر في قيادة النمو الاقتصادي.

مرونة النمو في ظل التوترات الماكرواقتصادية

وتتزامن هذه الإصلاحات الهيكلية المحلية مع بيئة اقتصادية عالمية وإقليمية شديدة التعقيد؛ إذ تشير توقعات البنك الدولي إلى تأثر آفاق النمو في المنطقة بالتبعات الاقتصادية الناجمة عن الصراعات الجيوسياسية والتجارية، وهو ما تسبب في تراجع معدل النمو المتوقع للمنطقة من نحو 4 في المائة إلى نطاق يتراوح بين 1.5 و2.5 في المائة.

ورغم صدمات سلاسل الإمداد، وضغوط التضخم، وارتفاع أسعار الغذاء العالمية، أكد دونوهو أن الاقتصاد السعودي يواصل نموه بمرونة عالية وقدرة واضحة على الصمود، معتبراً أن بناء القدرة على التكيف في مجالات الصحة والتعليم والوظائف هو الكفيل بتمكين الاقتصادات من امتصاص الصدمات بمرور الوقت.

ويخلص دونوهو إلى أن التجربة السعودية لم تعد تقتصر على تحقيق مؤشرات أفضل في سوق العمل أو الاقتصاد، بل أصبحت تقدم نموذجاً لكيفية توظيف المعرفة والابتكار والشراكة مع القطاع الخاص لبناء اقتصاد أكثر مرونة وقدرة على مواجهة التحولات العالمية، وهو ما يجعلها مرجعاً يمكن الاستفادة منه في كثير من الاقتصادات الأخرى.


مقالات ذات صلة

«سير» تطلق أولى سياراتها الكهربائية في السعودية 21 سبتمبر

الاقتصاد جانب من شكل السيارة التي تتطلع «سير» لتدشينها في وقت لاحق من سبتمبر الحالي (الشرق الأوسط)

«سير» تطلق أولى سياراتها الكهربائية في السعودية 21 سبتمبر

حددت شركة «سير» السعودية  للسيارات 21 سبتمبر (أيلول) الحالي موعداً للإطلاق العالمي لأول طرازاتها الكهربائية، التي تشمل فئتي السيدان والدفع الرباعي.

«الشرق الأوسط» (الرياض )
خاص البنية التحتية والحوسبة وحدهما لا تولدان قيمة اقتصادية ما لم يتحول الذكاء الاصطناعي إلى استخدام فعلي داخل المؤسسات (شاترستوك)

خاص «إرنست ويونغ» لـ«الشرق الأوسط»: سيادة الذكاء الاصطناعي في السعودية تتجاوز البيانات إلى بناء القدرات

ترى «إرنست ويونغ» أن سيادة الذكاء الاصطناعي في السعودية تتطلب قدرات محلية ومواهب وحوكمة لا توطين البيانات والبنية فقط.

نسيم رمضان (الرياض)
خاص تقيس «تحالف» أثر «Money20/20 الشرق الأوسط» بما ينتج عنه من عملاء واستثمارات وشراكات ودخول أسواق لا بعدد الاجتماعات وحده (الشركة)

خاص «تحالف» لـ«الشرق الأوسط»: الرياض تختبر قدرة الفعاليات العالمية على إنتاج أثر اقتصادي مستدام

تبحث «تحالف» في تحويل «Money20/20» إلى منصة ذات أثر مستدام عبر العملاء والاستثمارات والشراكات والتوسع المحلي والدولي للشركات.

نسيم رمضان (الرياض)
خاص تمنح المشروعات الجديدة في السعودية المملكة فرصة لبناء الحوكمة والأمن السيبراني والبيانات والذكاء الاصطناعي في البنية المؤسسية منذ اليوم الأول (أدوبي)

خاص «ديلويت» لـ«الشرق الأوسط»: السعودية تملك فرصة نادرة لبناء مؤسسات «مولودة للذكاء الاصطناعي»

تنتقل المؤسسات السعودية من تجارب الذكاء الاصطناعي إلى إعادة تصميم التشغيل مع أولوية للسيادة والمرونة والأمن والحوكمة منذ البداية.

نسيم رمضان (الرياض)
خاص طائرة من خطوط «أميركان إيرلاينز» (د.ب.أ)

خاص السعودية تمنح «دلتا إيرلاينز» تصريحاً لبدء الرحلات المباشرة بين أتلانتا والرياض

منحت الهيئة العامة للطيران المدني السعودية شركة «دلتا إيرلاينز» الأميركية تصريح مشغل جوي أجنبي، تمهيداً لبدء تشغيل رحلاتها الجوية المنتظمة المباشرة بين أتلانتا.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

«سير» تطلق أولى سياراتها الكهربائية في السعودية 21 سبتمبر

جانب من شكل السيارة التي تتطلع «سير» لتدشينها في وقت لاحق من سبتمبر الحالي (الشرق الأوسط)
جانب من شكل السيارة التي تتطلع «سير» لتدشينها في وقت لاحق من سبتمبر الحالي (الشرق الأوسط)
TT

«سير» تطلق أولى سياراتها الكهربائية في السعودية 21 سبتمبر

جانب من شكل السيارة التي تتطلع «سير» لتدشينها في وقت لاحق من سبتمبر الحالي (الشرق الأوسط)
جانب من شكل السيارة التي تتطلع «سير» لتدشينها في وقت لاحق من سبتمبر الحالي (الشرق الأوسط)

أعلنت شركة «سير» السعودية للسيارات، تحديد 21 سبتمبر (أيلول) الحالي، موعداً للإطلاق العالمي لأول طرازاتها الكهربائية، التي تشمل فئتي السيدان والدفع الرباعي.

وقالت الشركة إن الإطلاق يمثل محطة في مسار تطوير قطاع صناعة السيارات في المملكة، في إطار مستهدفات «رؤية السعودية 2030» الرامية إلى تنويع الاقتصاد وتعزيز الصناعات المتقدمة.

وقال جيمس ديلوكا، الرئيس التنفيذي لشركة «سير»، إن عام 2026 يمثل عاماً مفصلياً للشركة، مضيفاً أن موعد الإطلاق يتوج مراحل التطوير والتصميم والهندسة، إلى جانب بناء منشأة التصنيع التابعة لها.

وتأسست «سير» عام 2022 كمشروع مشترك بين صندوق الاستثمارات العامة وشركة «فوكسكون»، وتتولى عمليات تصميم وهندسة واختبار وتصنيع السيارات، إلى جانب المبيعات وخدمات ما بعد البيع داخل المملكة.

نشرت شركة «سير» جزءاً من سيارتها التي تعتزم تدشينها (الشرق الأوسط)

وأفادت الشركة بأنها وسّعت فريقها من 20 موظفاً عند التأسيس إلى نحو 2300 موظف، كما أبرمت شراكات مع شركات عالمية، من بينها «بي إم دبليو» و«هيونداي ترانسيس» و«ريماك» و«سيمنز»، إلى جانب شركات سعودية، مثل مجموعة الزامل، ومجموعة عبد اللطيف جميل، و«أبيكو» التابعة لمجموعة بالبيد.

وتهدف هذه الشراكات إلى دعم سلاسل الإمداد المحلية ورفع نسبة المحتوى المحلي إلى 45 في المائة بحلول عام 2034.

وبحسب تقديرات الشركة، من المتوقع أن تسهم «سير» بنحو 30 مليار ريال (8 مليارات دولار) في الناتج المحلي الإجمالي للمملكة، وأن تدعم الميزان التجاري بنحو 80 مليار ريال (21.3 مليار دولار)، فضلاً عن توفير قرابة 30 ألف وظيفة مباشرة وغير مباشرة، مع استهداف أن يشغل السعوديون 80 في المائة من الوظائف المباشرة.

كما تربط الشركة خططها بتوجهات المملكة نحو النقل المستدام، ودعم مستهدفات «مبادرة السعودية الخضراء» للوصول إلى الحياد الصفري بحلول عام 2060.


«وول ستريت» ترتفع بعد تقرير التضخم الأميركي لشهر أغسطس

متداولون يعملون في بورصة نيويورك (أ.ب)
متداولون يعملون في بورصة نيويورك (أ.ب)
TT

«وول ستريت» ترتفع بعد تقرير التضخم الأميركي لشهر أغسطس

متداولون يعملون في بورصة نيويورك (أ.ب)
متداولون يعملون في بورصة نيويورك (أ.ب)

ارتفعت مؤشرات الأسهم الأميركية الرئيسية، يوم الجمعة، لتتجه نحو إنهاء أسبوع متقلب على ارتفاع، رغم بيانات أظهرت تسارع وتيرة تضخم أسعار المستهلكين في أغسطس (آب) الماضي، في وقت أسهم فيه تراجع أسعار النفط في دعم معنويات المستثمرين.

وقال مكتب إحصاءات العمل التابع لوزارة العمل إن مؤشر أسعار المستهلكين ارتفع بنسبة 0.4 في المائة، الشهر الماضي، بعد زيادة طفيفة بلغت 0.1 في المائة في يوليو (تموز). وعلى أساس سنوي، ارتفع تضخم أسعار المستهلكين بنسبة 3.4 في المائة في أغسطس، وهي النسبة نفسها المسجلة في يوليو، وفق «رويترز».

وقال جو سالوزي، الشريك المؤسس والرئيس المشارك لتداول الأسهم في شركة «ثيميس تريدينغ»: «لا تزال هذه الأرقام عنيدة. بالنسبة لي، هذه قراءة تتماشى مع التوقعات، ومن المرجح ألا ترضي أحداً، سواء المتفائلون الذين يتوقعون صعود السوق أو المتشائمون الذين يتوقعون هبوطه».

وأبقت التوقعات المتقلبة بشأن مسار أسعار الفائدة على خلفية السوق هشة، في وقت تواجه فيه الأسهم مجموعة من الرياح المعاكسة، من بينها تصاعد الصراع في الشرق الأوسط، وارتفاع عوائد سندات الخزانة.

وجاء تقرير مؤشر أسعار المستهلكين بعد صدور قراءة مؤشر أسعار المنتجين يوم الخميس، والتي جاءت أعلى قليلاً من المتوقع، ما لم ينجح في طمأنة المستثمرين بشأن مسار التضخم.

وقال سعيد حيدر، مؤسس شركة «حيدر كابيتال مانجمنت»: «نعتقد أن مجلس الاحتياطي الفيدرالي بحاجة إلى الاستجابة لهذه المعطيات على المدى القريب، وإلا فإنه يخاطر بتكرار موجة التضخم المرتفع التي شهدتها حقبة السبعينيات، وهو ما سيمثل فشلاً آخر للسياسة النقدية التقديرية».

وبحلول الساعة 9:38 صباحاً بتوقيت الساحل الشرقي للولايات المتحدة، ارتفع مؤشر داو جونز الصناعي 638.99 نقطة، أو 1.23 في المائة، إلى 52,703.09 نقطة. وصعد مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بمقدار 79.87 نقطة، أو 1.05 في المائة، إلى 7,671.57 نقطة، بينما زاد مؤشر «ناسداك» المجمع 280.58 نقطة، أو 1.08 في المائة، إلى 26,362.30 نقطة.

وانخفض مؤشر التقلب، المعروف باسم «مقياس الخوف» في «وول ستريت»، بمقدار 1.74 نقطة إلى 16.16 نقطة، في إشارة إلى تراجع قلق المستثمرين عقب صدور بيانات التضخم.

ويرى المتداولون احتمالاً نسبته 86 في المائة لرفع أسعار الفائدة في الاجتماع المقبل لمجلس الاحتياطي الفيدرالي، مقارنة بنحو 70 في المائة قبل صدور تقرير التضخم، وفقاً لأداة «سي إم إي فيدووتش».

وسجلت جميع القطاعات الأحد عشر المكونة لمؤشر «ستاندرد آند بورز 500» مكاسب، وتصدر قطاع التكنولوجيا الارتفاعات بزيادة بلغت 1.3 في المائة، بينما ارتفع قطاعا الصناعة والعقارات بنسبة 0.8 في المائة لكل منهما.

وكتب جيف شولز، كبير استراتيجيي الاستثمار في معهد «فرانكلين تمبلتون»: «يتساءل بعض المستثمرين عن مدى استمرارية موجة الصعود التي شهدتها السوق، هذا العام. لكن مما يبعث على التفاؤل أن التاريخ يشير إلى أن البدايات القوية غالباً ما تستمر».

وأضاف شولز أنه منذ عام 1950، وفي السنوات التي حقق فيها مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» مكاسب تجاوزت 10 في المائة بحلول أغسطس، واصل المؤشر صعوده خلال الفترة من سبتمبر (أيلول) إلى ديسمبر (كانون الأول) في 25 حالة من أصل 28 حالة.

وتراجعت العقود الآجلة لخام برنت بأكثر من 3 في المائة، لكنها ظلت فوق مستوى 104 دولارات للبرميل، بينما انخفضت العقود الآجلة لخام غرب تكساس الوسيط، لكنها ظلت قريبة من مستوى 100 دولار للبرميل.

وفي غضون ذلك، ارتفع سهم شركة «أوراكل» بنسبة 2.5 في المائة، بعدما تجاوزت نتائجها الفصلية، التي أُعلنت في وقت متأخر من يوم الخميس، توقعات المحللين؛ ما طمأن المساهمين إلى أن استثمارات الشركة في مجال الذكاء الاصطناعي بدأت تحقق عوائد.

وفي المقابل، تراجع سهم شركة «أدوبي» بنسبة 2.5 في المائة، بعدما جاء متوسط توقعات الشركة لإيرادات الربع الرابع دون توقعات السوق.

وقفز سهم شركة «إيه سي في أوكشنز» بنسبة 44.4 في المائة، بعد موافقة شركة «كوبارت»، المتخصصة في مزادات المركبات عبر الإنترنت، على الاستحواذ عليها في صفقة بلغت قيمتها نحو 1.9 مليار دولار.

وتجاوز عدد الأسهم الرابحة عدد الأسهم الخاسرة بنسبة 4.56 إلى واحد في بورصة نيويورك، وبنسبة 3.68 إلى واحد في بورصة ناسداك.

وسجل مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» مستوى قياسياً جديداً واحداً خلال 52 أسبوعاً، ومستوى منخفضاً جديداً واحداً، بينما سجل مؤشر «ناسداك» المجمع 27 مستوى قياسياً جديداً و45 مستوى منخفضاً جديداً.


تسارع التضخم الأميركي في أغسطس مع ارتفاع أسعار البنزين

مواطنة تتسوق الخضراوات في متجر كبير بمانهاتن (رويترز)
مواطنة تتسوق الخضراوات في متجر كبير بمانهاتن (رويترز)
TT

تسارع التضخم الأميركي في أغسطس مع ارتفاع أسعار البنزين

مواطنة تتسوق الخضراوات في متجر كبير بمانهاتن (رويترز)
مواطنة تتسوق الخضراوات في متجر كبير بمانهاتن (رويترز)

تسارع تضخم أسعار المستهلكين في الولايات المتحدة خلال أغسطس (آب)، مع عودة أسعار البنزين إلى الارتفاع بعد تراجعها لشهرين متتاليين، مما عزز توقعات الأسواق المالية بأن يرفع «الاحتياطي الفيدرالي» أسعار الفائدة الأسبوع المقبل.

وقال مكتب إحصاءات العمل التابع لوزارة العمل يوم الجمعة إن مؤشر أسعار المستهلكين ارتفع بنسبة 0.4 في المائة الشهر الماضي، بعد زيادة طفيفة بلغت 0.1 في المائة في يوليو (تموز). وعلى أساس سنوي، ارتفع تضخم أسعار المستهلكين بنسبة 3.4 في المائة خلال الاثني عشر شهراً المنتهية في أغسطس، وهي النسبة نفسها المسجلة في يوليو.

وكان اقتصاديون استطلعت «رويترز» آراءهم قد توقعوا ارتفاع مؤشر أسعار المستهلكين بنسبة 0.4 في المائة على أساس شهري و3.4 في المائة على أساس سنوي. وباستثناء مكونات الغذاء والطاقة المتقلبة، ارتفع المؤشر بنسبة 0.3 في المائة الشهر الماضي، بعد زيادة بلغت 0.2 في المائة في يوليو. كما ارتفع ما يُعرف بالمؤشر الأساسي لأسعار المستهلكين بنسبة 2.4 في المائة على أساس سنوي في أغسطس، مقارنة بزيادة بلغت 2.5 في المائة في يوليو.

ويعتمد «الاحتياطي الفيدرالي» مؤشرات أسعار نفقات الاستهلاك الشخصي لقياس مدى تحقيق هدف التضخم البالغ 2 في المائة.

وكانت الحكومة قد أعلنت يوم الخميس ارتفاع مؤشر أسعار المنتجين في أغسطس، مع تسجيل زيادات قوية في عدة مكونات رئيسية تدخل في حساب تضخم نفقات الاستهلاك الشخصي. وعززت هذه البيانات، إلى جانب تقرير التوظيف القوي لشهر أغسطس الصادر الأسبوع الماضي، احتمالات رفع أسعار الفائدة الأسبوع المقبل.

وكانت احتمالات رفع الفائدة قد تراجعت في وقت سابق عقب تصريحات عضو مجلس محافظي «الاحتياطي الفيدرالي» كريستوفر والر خلال فعالية «رويترز نكست» الأسبوع الماضي؛ إذ أشار إلى ميله لتأييد إبقاء أسعار الفائدة دون تغيير إذا أكدت البيانات أن الضغوط التضخمية بدأت في الانحسار.

وعادت أسعار النفط إلى الارتفاع متجاوزة حاجز 100 دولار للبرميل يوم الخميس، في حين سجلت أسعار الديزل مستويات قياسية، مما يشير إلى أن التضخم مرشح للبقاء عند مستويات مرتفعة والانتشار إلى قطاعات أوسع.

تزايد الاستياء بسبب التضخم

يرى بعض الاقتصاديين أن الضغوط السعرية ستستمر بسبب الرسوم الجمركية المفروضة على الواردات، وأحدثها تلك المفروضة على كندا، التي تُعد واحدة من أكبر الشركاء التجاريين للولايات المتحدة.

وأدى الاستياء من ارتفاع الأسعار، لا سيما أسعار البنزين والمواد الغذائية، إلى تراجع حاد في معدلات التأييد للرئيس دونالد ترمب، كما قد يكلف حزبه الجمهوري السيطرة على الكونغرس الأميركي في انتخابات التجديد النصفي المقررة في نوفمبر (تشرين الثاني).

وفي أعقاب صدور بيانات مؤشر أسعار المنتجين يوم الخميس، تراوحت تقديرات الاقتصاديين لمؤشر أسعار نفقات الاستهلاك الشخصي الأساسي لشهر أغسطس بين ارتفاع بنسبة 0.15 في المائة كحد أدنى و0.28 في المائة كحد أقصى. وكان معدل التضخم الأساسي لنفقات الاستهلاك الشخصي قد ارتفع بنسبة 0.2 في المائة في يوليو.

أما تقديرات الزيادة السنوية في هذا المؤشر فتراوحت بين 3.2 و3.3 في المائة، علماً بأنه سجل ارتفاعاً بنسبة 3.3 في المائة خلال الاثني عشر شهراً المنتهية في يوليو.

وسيتضمن تقرير تضخم نفقات الاستهلاك الشخصي لشهر أغسطس تغييرات في المنهجية، وهي خطوة يرى بعض الاقتصاديين أنها قد تؤدي إلى خفض معدل التضخم الأساسي بمقدار بضع نقاط أساس.

وبعد البيانات عزز المتعاملون يوم الجمعة رهاناتهم على أن «الاحتياطي الفيدرالي» سيرفع أسعار الفائدة قصيرة الأجل خلال اجتماعه الأسبوع المقبل، وتشير تقديرات المتعاملين حالياً إلى احتمال يبلغ نحو 85 في المائة لرفع أسعار الفائدة بمقدار ربع نقطة مئوية خلال اجتماع «الاحتياطي الفيدرالي» المقرر يومَي 15 و16 سبتمبر (أيلول)، ارتفاعاً من نحو 70 في المائة قبل صدور بيانات التضخم.

وكان كيفين وارش، رئيس مجلس «الاحتياطي الفيدرالي»، قد قال الشهر الماضي إن البنك المركزي «سيكون أمامه عمل يتعين عليه القيام به» إذا لم يحصل صنّاع السياسات على الثقة اللازمة بأن التضخم يتجه نحو الانخفاض إلى مستوى 2 في المائة. غير أن ترمب يمارس ضغوطاً على «الاحتياطي الفيدرالي» لخفض أسعار الفائدة؛ إذ كتب الأسبوع الماضي على وسائل التواصل الاجتماعي: «اخفضوا سعر الفائدة، وإلا فسأتوقف عن التجارة مع الدول التي لدينا عجز تجاري معها».

وعزا اقتصاديون الارتفاع الحاد في عوائد السندات الحكومية الأميركية طويلة الأجل إلى ما وصفوه بـ«الترهيب السياسي»، في حين توقع البعض أن يشدد «الاحتياطي الفيدرالي» السياسة النقدية يوم الأربعاء المقبل تأكيداً لاستقلاليته.