«شغّلوا المحركات»... ماذا تعني انفراجة «هرمز» للاقتصاد العالمي؟

سفن في مضيق هرمز كما تُرى من مسندم عُمان (رويترز)
سفن في مضيق هرمز كما تُرى من مسندم عُمان (رويترز)
TT

«شغّلوا المحركات»... ماذا تعني انفراجة «هرمز» للاقتصاد العالمي؟

سفن في مضيق هرمز كما تُرى من مسندم عُمان (رويترز)
سفن في مضيق هرمز كما تُرى من مسندم عُمان (رويترز)

بعد أكثر من ثلاثة أشهر ونصف من الشلل التام الذي جمّد حركة التجارة في أحد أخطر الممرات المائية حول العالم، عاد الأمل مجدداً للاقتصاد العالمي عقب إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن توصُّل واشنطن وطهران إلى اتفاق سلام أولي يقضي بإنهاء الحرب وإعادة فتح مضيق هرمز فوراً.

وجاءت كلمات ترمب الحماسية عبر منصته الرقمية: «يا سفن العالم، شغّلي محركاتك... ودعي النفط يتدفق!»، بمثابة ضوء أخضر طال انتظاره لأسواق المال والطاقة التي عانت من ارتدادات عنيفة منذ اندلاع الصراع في 28 فبراير (شباط) الماضي.

ومع تحديد يوم الجمعة المقبل موعداً للتوقيع الرسمي على مذكرة التفاهم في سويسرا، بدأت الأسواق العالمية في تسعير الانفراجة الجيوسياسية فوراً؛ حيث هبطت العقود الآجلة لخام برنت القياسي بنسبة تجاوزت 4.5 في المائة لتستقر دون مستوى 84 دولاراً للبرميل، مسجلة أدنى مستوياتها منذ الأيام الأولى للحرب في مارس (آذار)، بينما قفزت مؤشرات الأسهم الآسيوية في طوكيو وسيول بنحو 5 في المائة، واستعادت سوق العملات المشفرة زخمها مع تحليق «البتكوين» فوق مستوى 65600 دولار.

آسيا... الرابح الأكبر

تُمثل إعادة فتح المضيق طوق نجاة عاجل لمنطقة آسيا، وهي المنطقة التي تحملت العبء الأكبر من التداعيات الاقتصادية نظراً لاعتمادها الهائل على إمدادات الطاقة الخليجية؛ إذ تتجه عادة أكثر من 80 في المائة من كميات النفط والغاز الطبيعي المسال التي تعبر المضيق إلى الأسواق الآسيوية. وخلال أشهر الحرب، هوت العملات الآسيوية وتفاقم التضخم، وضغطت أزمة النقص الحاد في المعروض المادي للطاقة على التوقعات الاقتصادية للدول النامية مثل باكستان وفيتنام والفلبين، التي اضطرت الأخيرة لإعلان حالة الطوارئ الوطنية في قطاع الطاقة.

وحتى القوى الصناعية الكبرى ذات الاحتياطيات العميقة مثل اليابان وكوريا الجنوبية، عانت من ضغوط غير مسبوقة على عملاتها الوطنية جراء فواتير الاستيراد المتضخمة. ومن هنا، سارع القادة في المنطقة إلى الترحيب بالاتفاق؛ حيث وصفت رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي الاتفاق بأنه «خطوة كبرى نحو الحل»، معربة عن أملها في ضمان ملاحة حرة وآمنة فعلياً في المضيق، وهو ما أيَّده رئيس الوزراء الأسترالي أنتوني ألبانيز، معتبراً استعادة هذا الممر الحيوي أمراً أساسياً لتخفيف الضغوط عن كاهل الاقتصادات الإقليمية.

سفن في مضيق هرمز كما تُرى من مسندم عُمان (رويترز)

الأثر يمتد لنهاية العام

رغم التفاؤل المفرط الذي ساد الأسواق، يرفع خبراء الاقتصاد ومحللو قطاع الطاقة راية الحذر؛ مؤكدين أن عودة التدفقات التجاريّة إلى طبيعتها ستستغرق أسابيع أو ربما أشهراً. ويرى جوشوا نغو، نائب رئيس منطقة آسيا والمحيط الهادئ في استشارية الطاقة «وود ماكنزي»، أن النبأ السار يتمثل في عودة تدفق النفط والغاز فور فتح المضيق، لكن النبأ السيئ هو أن كل يوم قضاه المضيق مغلقاً ضاعف من حجم الأضرار الهيكلية وأدَّى إلى تفشي الاضطرابات عميقاً في قطاع اللوجستيات.

وتبرز أزمة الغاز الطبيعي المسال كإحدى أكثر القضايا تعقيداً؛ فأسعار الغاز في آسيا ترتبط عادة بأسعار النفط مع فجوة زمنية تتراوح بين ثلاثة إلى ستة أشهر. وهذا يعني أن أسعار النفط المرتفعة التي بلغت 100 دولار في مارس الماضي لن تنعكس بالكامل على أسواق الغاز إلا خلال الأشهر المقبلة، وبالتالي ستبقى أسعار الغاز الطبيعي والكهرباء مرتفعة ومؤرقة للمستهلكين حتى نهاية العام الجاري على أقل تقدير.

الأسمدة والبتروكيميائيات

لا تتوقف أهمية مضيق هرمز عند حدود براميل النفط، بل تمتد إلى سلع استراتيجية تدير عصب الحياة اليومية. وتعد دول الخليج مصدراً لأكثر من ثلث المعروض العالمي من سماد «اليوريا»، وهو المكون الأساسي للأسمدة النيتروجينية. وقد تسبب إغلاق المضيق في إفساد ذروة موسم الزراعة في جنوب شرق آسيا الممتد من مايو (أيار) إلى يوليو (تموز). وحذر ألبرت بارك، كبير اقتصاديي بنك التنمية الآسيوي، من أن هذا الخلل سيهدد الأمن الغذائي العالمي، ولن تظهر الآثار الحادة لانخفاض إنتاجية المحاصيل إلا في وقت لاحق من هذا العام.

وعلى الجانب الصناعي، واجهت المصانع في اليابان وكوريا الجنوبية نقصاً حاداً في «النافتا» - وهي مشتق نفطي حيوي يُستخدم في صناعة البلاستيك وتغليف المواد الغذائية - إلى جانب شح إمدادات الهيليوم الضروري لإنتاج أشباه الموصلات. وشبّه هاروهيكو ساكاينو، مستشار وكالة الموارد الطبيعية والطاقة اليابانية، في تصريح لـ«بلومبرغ» تضرر سلاسل الإمداد بـ«الشعيرات الدموية التي تم تدميرها وتتطلب وقتاً طويلاً للشفاء»، مؤكداً أن الأمر لن يكون ببساطة استئناف الاستيراد، بل سيتطلب عاماً كاملاً لتستعيد الشركات الصغيرة قدراتها الإنتاجية.

سفن في مضيق هرمز كما تُرى من مسندم عُمان (رويترز)

الهند: انتعاش مرتقب وفاتورة أقل

بالنسبة للهند - التي تصنف كواحدة من أكبر مستوردي الخام في العالم - يمثل الاتفاق انفراجة مالية ضخمة؛ إذ سيسهم العبور الآمن لناقلات النفط والغاز من الموردين الرئيسيين في خفض تكاليف الشحن الفلكية وأقساط تأمين المخاطر التي فرضتها شركات الملاحة الدولية. وكان من أبرز ملامح هذا التراجع المباشر، عبور ناقلة الغاز الطبيعي المسال «ديشا» المحملة بشحنة قطرية للمضيق متجهة شرقاً نحو محطة داهيج الهندية بعد أن ظلت محتجزة غرب المضيق منذ مطلع مارس.

وينعكس كل تراجع مستدام في أسعار النفط إيجابياً على موازنة الهند؛ حيث يسهم في تقليص فاتورة الواردات الضخمة، ودعم استقرار الروبية، وتضييق عجز الحساب الحالي، فضلاً عن كبح جماح التضخم المحلي. وستمتد هذه المنافع لتنعش قطاعات الطيران، والبتروكيماويات، والأسمدة، واللوجستيات التي عانت شركاتها وتكبدت خسائر فصلية فادحة تعادل أرباح عام كامل بسبب تكاليف الوقود المرتفعة.

مخاوف ومستقبل غامض

يبقى التفاؤل الحالي مشروطاً باستقرار المشهد الجيوسياسي وعدم تجدد الصراع في الشرق الأوسط، خصوصاً مع وجود تفاصيل شائكة لم تُعلن بعد حول من سيتولى إدارة الملاحة في المضيق. فقد أشارت وكالة الأنباء الإيرانية «فارس» إلى أن حركة المرور ستخضع لتنظيم مشترك بين طهران وسلطنة عمان، وهي خطوة قد تثير حفيظة واشنطن التي يعتبر رئيسها حرية الملاحة حجر الزاوية للاتفاق. يضاف إلى ذلك أن الاتفاق الحالي يطلق مهلة 60 يوماً فقط للتفاوض بشأن مستقبل برنامج إيران النووي، مما يضفي صبغة «مؤقتة» على المشهد.

ويرى مراقبون أن الأزمة الحالية، حتى وإن انتهت بفتح المضيق، قد سرّعت بشكل غير قابل للتراجع من استراتيجيات الدول المستوردة والمصدرة على حد سواء لتنويع طرق التجارة ومصادر الطاقة، لكي لا يقع الاقتصاد العالمي مجدداً رهينة لـ«ممر الثلاثين كيلومتراً».


مقالات ذات صلة

رئيس «إيفاد» لـ«الشرق الأوسط»: العقوبات أكبر تحدٍ لقنوات التحويلات

خاص رئيس الصندوق الدولي للتنمية الزراعية ألفارو لاريو (الشرق الأوسط)

رئيس «إيفاد» لـ«الشرق الأوسط»: العقوبات أكبر تحدٍ لقنوات التحويلات

بلغت التحويلات إلى الدول منخفضة ومتوسطة الدخل 728.6 مليار دولار في 2025، وسط دعوات لتوسيع القنوات الرقمية وخفض كلفة وصول الأموال للأسر.

فتح الرحمن يوسف (الرياض)
الاقتصاد ناقلة نفط عملاقة تابعة لشركة «هين ليونغ» في المياه قبالة جزيرة جورونغ بسنغافورة (رويترز)

النفط يبحث عن سفن... شح الناقلات يقلب حسابات تجارة الخام

بعد أشهر من الحرب، ظهرت أزمة جديدة في سوق الطاقة: شح الناقلات العملاقة القادرة على نقل الخام لمسافات طويلة.

«الشرق الأوسط» (لندن) «الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد رجل يمر أمام بنك إنجلترا في الحي المالي بمدينة لندن (إ.ب.أ)

صناديق الأسهم العالمية تسجل أكبر نزوح أسبوعي في 2026

تزايد حذر المستثمرين تجاه الأسهم العالمية مع ارتفاع أسعار النفط وتصاعد مخاوف التضخم وأسعار الفائدة.

«الشرق الأوسط» (نيويورك، لندن)
الاقتصاد أوراق نقدية من الين الياباني والدولار الأميركي (رويترز)

الدولار قرب أعلى مستوى في 7 أسابيع بدعم من تشدد «الفيدرالي»

حافظ الدولار على مكاسبه قرب أعلى مستوى له في 7 أسابيع، الخميس، بعدما رفع الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة.

«الشرق الأوسط» (سيدني)
الاقتصاد لوحات إعلانية تعرض أسعار الوقود خارج محطات البنزين في طوكيو (رويترز)

الأسهم الآسيوية تلتقط أنفاسها بعد رفع «الفيدرالي» الفائدة

ارتفعت الأسهم الآسيوية بشكل طفيف، الخميس، بعد أن رفع الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة.

«الشرق الأوسط» (طوكيو)

«ساما» لـ«الشرق الأوسط»: مشاركتنا في «إم بريدج» انتهت في 2025

مبنى «البنك المركزي السعودي» في العاصمة الرياض (الشرق الأوسط)
مبنى «البنك المركزي السعودي» في العاصمة الرياض (الشرق الأوسط)
TT

«ساما» لـ«الشرق الأوسط»: مشاركتنا في «إم بريدج» انتهت في 2025

مبنى «البنك المركزي السعودي» في العاصمة الرياض (الشرق الأوسط)
مبنى «البنك المركزي السعودي» في العاصمة الرياض (الشرق الأوسط)

أكّد البنك المركزي السعودي (ساما) أن مشاركته في مشروع «إم بريدج» (mBridge) للعملات الرقمية للبنوك المركزية المخصصة للمؤسسات المالية انتهت في عام 2025، موضحاً أنه أكمل تجربة إثبات المفهوم (PoC) في 13 مايو (أيار) من ذلك العام، وأن التجربة نُفذت في بيئة اختبارية دون معاملات مالية حقيقية، وفقاً للنطاق المخطط لمشاركته في المشروع منذ انضمامه إليه.

وجاء توضيح «ساما»، في تصريح خاص لـ«الشرق الأوسط»، عقب تقرير نشرته صحيفة «فاينانشال تايمز» البريطانية، يوم الأحد، أفاد بانسحاب السعودية من منصة «إم بريدج». ووصفت الصحيفة هذه المنصة بأنها مشروع تقوده الصين، وأنه يأتي ضمن جهود بكين لتطوير نظام للمدفوعات العابرة للحدود أقل اعتماداً على الدولار.

وقال «ساما» لـ«الشرق الأوسط» إن البنك المركزي انضم إلى مشروع بنك التسويات الدولية «إم بريدج» كعضو مراقب في 11 يونيو (حزيران) 2023، إلى جانب أكثر من 25 بنكاً مركزياً ومنظمة دولية أخرى، من بينها البنك المركزي الأوروبي، ومركز نيويورك للابتكار التابع للاحتياطي الفيدرالي (NYIC)، وبنك إيطاليا، وصندوق النقد الدولي، والبنك الدولي.

شعار البنك المركزي السعودي في أحد المؤتمرات (الشرق الأوسط)

وفي 5 يونيو 2024، أصبح البنك المركزي السعودي مشاركاً ضمن نطاق محدود في المشروع بهدف إجراء تجربة إثبات مفهوم (PoC)، أي اختبار عملي لمدى جدوى الفكرة والتقنية، إلى جانب اختبار منتج الحد الأدنى (MVP)، وهو النسخة الأولية من المنصة التي تتضمن وظائفها الأساسية.

وأوضح «ساما» أن التجربة نُفذت في بيئة اختبارية دون معاملات مالية حقيقية، وجرى خلالها فحص وظائف المنصة لتقييم جدوى استخدام العملات الرقمية للبنوك المركزية المخصصة للمؤسسات المالية (Wholesale CBDC) في تحسين كفاءة المدفوعات العابرة للحدود وعمليات التسوية بين البنوك التجارية.

وأضاف البنك أنه، وفقاً للنطاق المخطط لمشاركته منذ انضمامه إلى المشروع، أكمل تجربة إثبات المفهوم في 13 مايو 2025، وباكتمال التجربة انتهت مشاركة البنك المركزي السعودي في المشروع، ولم ينضم بعدها إلى مراحله التالية.

وأوضح «ساما» أن هذه الخطوة تأتي استكمالاً لجهوده المستمرة الرامية إلى دراسة الاستخدامات المحتملة للعملات الرقمية للبنوك المركزية وتقنيات الترميز واختبارها، بما يشمل بحث المسائل والتحديات المرتبطة بالسياسات والجوانب القانونية والفنية التي تواجهها البنوك المركزية والتجارية فيما يتعلق باستخدام العملات الرقمية للبنوك المركزية المخصصة للمؤسسات المالية في المدفوعات العابرة للحدود، إضافة إلى تقييم انعكاساتها المحتملة على مستقبل أنظمة المدفوعات والبنى التحتية للأسواق المالية.


الحقيل: سوق إدارة المرافق في السعودية تتجاوز 50 مليار دولار

وزير البلديات والإسكان في كلمته الافتتاحية للمعرض والمؤتمر الدولي لإدارة المرافق (الشرق الأوسط)
وزير البلديات والإسكان في كلمته الافتتاحية للمعرض والمؤتمر الدولي لإدارة المرافق (الشرق الأوسط)
TT

الحقيل: سوق إدارة المرافق في السعودية تتجاوز 50 مليار دولار

وزير البلديات والإسكان في كلمته الافتتاحية للمعرض والمؤتمر الدولي لإدارة المرافق (الشرق الأوسط)
وزير البلديات والإسكان في كلمته الافتتاحية للمعرض والمؤتمر الدولي لإدارة المرافق (الشرق الأوسط)

أكد وزير البلديات والإسكان، ماجد بن عبد الله الحقيل، أن سوق إدارة المرافق في المملكة يتجاوز حجمها 50 مليار دولار، مشيراً إلى أن حجم المنظومة يعكس الفرص المتاحة لتعظيم قيمة الأصول، ورفع كفاءة المدن، وتطوير قطاع وطني قادر على المنافسة عالمياً.

وافتتح وزير البلديات والإسكان ماجد بن عبد الله الحقيل، اليوم، أعمال المؤتمر والمعرض الدولي الثالث لإدارة المرافق 2026، الذي يُقام تحت شعار «مرافق ذكية... مدن ذكية»، بمشاركة نخبة من المختصين والخبراء والجهات الحكومية والخاصة والمهتمين بقطاع إدارة المرافق.

وأوضح أن انعقاد المؤتمر يأتي في مرحلة تتوسع فيها المدن السعودية وتتنامى أصولها وخدماتها، بالتزامن مع استحقاقات وطنية وعالمية كبرى، في مقدمتها «إكسبو الرياض 2030» و«كأس العالم 2034»، ما يعزز الحاجة إلى تطوير أساليب إدارة الأصول والمرافق ورفع كفاءتها.

تشغيل المرافق

وأشار وزير البلديات والإسكان إلى أن إدارة المرافق أصبحت عنصراً مؤثراً في قدرة المدن على الحفاظ على مواردها وتحسين خدماتها واتخاذ القرارات في الوقت المناسب، مؤكداً أهمية الانتقال من تشغيل المرفق إلى إدارة قيمة الأصل طوال دورة حياته، ومن معالجة الأعطال بعد وقوعها إلى التنبؤ بالاحتياج قبل حدوثها.

وبيّن أن البيانات والذكاء الاصطناعي والتوائم الرقمية توفر أدوات عملية لرفع كفاءة إدارة الأصول، من خلال قراءة أدائها، والتنبؤ باحتياجاتها، ودعم اتخاذ القرار، بما يسهم في تقديم خدمات أكثر موثوقية، ورفع كفاءة الأصول، وتعزيز كفاءة استخدام الموارد.

ولفت إلى أن الوزارة تركز في هذا المجال على أولويتين رئيسيتين؛ تتمثل الأولى في إدارة الأصول بالبيانات والنتائج، من خلال ربط إدارة الأصل بمراحل التصميم والتخطيط والتشغيل والصيانة والتحسين، وتطوير عقود تربط مقدم الخدمة بالنتائج، ومؤشرات أداء تقيس القيمة الفعلية.

الابتكار والاستثمار

فيما تتمثل الأولوية الثانية في بناء سوق سعودية تنافسية تصنع الحلول والمهارات، بما يتيح للشركات الوطنية النمو، ويعزز فرص الابتكار والاستثمار في القطاع الخاص، ويدعم تأهيل الكفاءات السعودية في مجالات الهندسة والتقنية وإدارة الأصول وتحليل البيانات.

الوزير الحقيل خلال جولته في المعرض المرافق للمؤتمر (الشرق الأوسط)

وبحسب الوزير الحقيل، فإن دور وزارة البلديات والإسكان يتمثل في تطوير بيئة تنظيمية واضحة ومحفزة، وتعزيز الشراكات التي تسهم في رفع مستوى الممارسة وتوسيع أثرها، لافتاً إلى أن تطوير قطاع إدارة المرافق مسؤولية مشتركة بين الجهات الحكومية والقطاع الخاص والجامعات ومراكز المعرفة والخبراء.

وأكمل أن المؤتمر والمعرض الدولي الثالث لإدارة المرافق 2026 يستهدف الانتقال من تبادل الأفكار إلى شراكات ومشروعات وحلول قابلة للتوسع، بما يعزز تطور القطاع ويرفع جاهزيته للمرحلة المقبلة.

المدن الذكية

واختتم وزير البلديات والإسكان كلمته بالتأكيد على أن المدن الذكية تُبنى بقدرتها على تحويل البيانات إلى قرار، والقرار إلى خدمة، والخدمة إلى قيمة يشعر بها الإنسان، مبيناً أن مستقبل إدارة المرافق في المملكة يقوم على التقنية بوصفها أداة، والبيانات كونها أساساً، والاستثمار بصفته محركاً، والكفاءة كونها معياراً، والإنسان اعتباره غاية.

وشهد المؤتمر، الذي تنظمه جمعية إدارة المرافق السعودية، مشاركة أكثر من 200 جهة حكومية وخاصة في نسخة 2026، إلى جانب حضور دولي من خبراء ومتخصصين وأساتذة جامعات، يناقشون مستقبل قطاع إدارة المرافق، ويستعرضون أبرز التجارب والممارسات والحلول والتقنيات الحديثة في هذا المجال.


«وول ستريت» تتوقع اقتراض واشنطن نحو تريليون دولار من الدين القصير

يسير الناس على طول شارع وول ستريت في الحي المالي بنيويورك (أ.ف.ب)
يسير الناس على طول شارع وول ستريت في الحي المالي بنيويورك (أ.ف.ب)
TT

«وول ستريت» تتوقع اقتراض واشنطن نحو تريليون دولار من الدين القصير

يسير الناس على طول شارع وول ستريت في الحي المالي بنيويورك (أ.ف.ب)
يسير الناس على طول شارع وول ستريت في الحي المالي بنيويورك (أ.ف.ب)

تتجه الولايات المتحدة إلى زيادة اعتمادها على أذون الخزانة قصيرة الأجل لتمويل احتياجاتها القياسية من الاقتراض، في وقت ترتفع فيه كلفة الدين طويل الأجل، ما يوفر للخزانة تمويلاً أرخص في الأجل القريب، لكنه يزيد في المقابل تعرض المالية العامة لمخاطر إعادة التمويل وتقلب أسعار الفائدة.

وذكرت صحيفة «فاينانشال تايمز» أن بنوك «وول ستريت» تتوقع أن تصل إصدارات أذون الخزانة إلى نحو تريليون دولار خلال العام المقبل. ويقدّر «بنك أوف أميركا» الإصدارات بنحو 1.07 تريليون دولار خلال السنة المالية المنتهية في سبتمبر (أيلول) 2027، باستثناء المبالغ المستخدمة لإعادة تمويل الديون المستحقة، فيما توقع «جي بي مورغان» نحو 1.09 تريليون دولار خلال عام 2027، مقابل 961 مليار دولار وفق تقديرات «غولدمان ساكس».

وتأتي هذه التوقعات مع ارتفاع عوائد السندات الأميركية طويلة الأجل إلى أعلى مستوياتها منذ 2007، وسط زيادة الدين العام، وتنامي احتياجات الشركات إلى الاقتراض لتمويل استثمارات الذكاء الاصطناعي، إلى جانب تحسن توقعات النمو الاقتصادي.

تريليون دولار إضافية

ويؤدي الاعتماد المتزايد على أذون الخزانة، التي تستحق خلال عام أو أقل، إلى رفع حجم الدين القصير القائم إلى نحو 8 تريليونات دولار، أو ما يعادل 24.3 في المائة من إجمالي الدين القابل للتداول بحلول سبتمبر 2027 وفق تقدير «بنك أوف أميركا».

ويقترب ذلك من المستويات المرتفعة التي سُجلت خلال جائحة «كوفيد-19»، ويتجاوز المستوى الذي تستهدفه لجنة استشارية تابعة لوزارة الخزانة، والبالغ نحو 20 في المائة من إجمالي الدين على المدى الطويل، باعتباره توازناً بين كلفة الفائدة ومخاطر تقلب تكاليف التمويل وإعادة تدوير الدين.

وتشير بيانات تاريخية إلى أن نسبة أذون الخزانة تجاوزت ربع إجمالي الدين القابل للتداول خلال فترات استثنائية، أبرزها الجائحة والأزمة المالية العالمية في 2008. أما متوسطها منذ ثمانينات القرن الماضي فيبلغ نحو 22.4 في المائة.

ويرى محللون أن استراتيجية التمويل القصير تمنح وزارة الخزانة ميزة واضحة في الوقت الحالي، إذ يبلغ عائد أذون الخزانة لأجل عام نحو 4.4 في المائة، مقارنة بنحو 5 في المائة للسندات لأجل 10 سنوات ونحو 5.3 في المائة للسندات لأجل 30 عاماً.

لكن انخفاض الكلفة الحالية يأتي مقابل الحاجة إلى إعادة تمويل هذه الديون بوتيرة أسرع. وحذر محللون، وفق «فاينانشال تايمز»، من أن زيادة الاعتماد على الآجال القصيرة تجعل فاتورة خدمة الدين أكثر تقلباً إذا ارتفعت أسعار الفائدة، فيما وصف آخرون ذلك بأنه زيادة في «مخاطر تدوير الدين»، وفق «فاينانشال تايمز».

تعرض الشاشات مؤتمراً صحافياً لرئيس الاحتياطي الفيدرالي كيفين وارش في قاعة بورصة نيويورك (أ.ب)

استراتيجية بيسنت

وتكتسب هذه السياسة أهمية إضافية في ظل مساعي وزير الخزانة سكوت بيسنت للحد من ارتفاع عوائد السندات طويلة الأجل. وكانت وزارة الخزانة قد فاجأت الأسواق الشهر الماضي بخطط لتوسيع مشترياتها من السندات التي تتراوح آجالها بين 10 و30 عاماً، في خطوة تهدف إلى المساعدة في احتواء تكاليف الاقتراض طويلة الأجل.

وفي الوقت نفسه، تواصل الوزارة زيادة إصدارات الدين القصير لتلبية احتياجات الحكومة التمويلية الكبيرة. ويأتي ذلك رغم أن بيسنت كان قد انتقد في السابق وزيرة الخزانة السابقة جانيت يلين بسبب زيادة الاعتماد على الدين القصير، معتبراً أن تلك السياسة ساهمت في تخفيف شروط التمويل قبل انتخابات 2024.

وتجد الخزانة الأميركية في المقابل قاعدة واسعة من المشترين لأذونها. وتبلغ أصول صناديق سوق النقد الأميركية نحو 8 تريليونات دولار، فيما اشترى الاحتياطي الفيدرالي نحو 250 مليار دولار من أذون الخزانة خلال النصف الأول من العام، وفق «فاينانشال تايمز». كما ينظر بيسنت إلى العملات المستقرة المرتبطة بالدولار باعتبارها مصدراً إضافياً للطلب على أدوات الدين القصيرة.

عجز مرتفع

وتأتي زيادة الاعتماد على الدين القصير في وقت لا تزال فيه المالية الأميركية تواجه عجزاً كبيراً. ويتوقع مكتب الموازنة في الكونغرس أن يبقى العجز عند نحو 6 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي طوال أفق توقعاته لعشر سنوات، وهو مستوى يزيد كثيراً على هدف بيسنت البالغ 3 في المائة بنهاية الولاية الثانية للرئيس دونالد ترمب.

ويراهن بيسنت على احتواء الإنفاق وتعزيز النمو الاقتصادي كوسيلة لتخفيف عبء الدين، وقال في وقت سابق من الشهر إن المشكلة الرئيسية في الولايات المتحدة تتعلق بالإنفاق وليس بالإيرادات، وإن تحقيق نمو عند 3 في المائة يمكن أن يساعد البلاد على «النمو للخروج» من عبء الدين.

لكن ارتفاع أسعار الفائدة يضع هذا الرهان أمام اختبار مزدوج: فالنمو الأقوى قد يدعم الإيرادات ويخفف نسبة الدين إلى الناتج، فيما يؤدي ارتفاع العوائد إلى زيادة كلفة خدمة الدين، خصوصاً إذا اضطرت الخزانة إلى إعادة تمويل جزء أكبر من محفظتها بوتيرة أسرع.