الأرباح التشغيلية تقود شركات البتروكيميائيات السعودية لقفزة تاريخية بـ111 %

نمت 5 أضعاف لتصل إلى 548 مليون دولار في الربع الأول

موقع «سابك» للتصنيع في الجبيل (موقع الشركة الإلكتروني)
موقع «سابك» للتصنيع في الجبيل (موقع الشركة الإلكتروني)
TT

الأرباح التشغيلية تقود شركات البتروكيميائيات السعودية لقفزة تاريخية بـ111 %

موقع «سابك» للتصنيع في الجبيل (موقع الشركة الإلكتروني)
موقع «سابك» للتصنيع في الجبيل (موقع الشركة الإلكتروني)

حقق قطاع البتروكيميائيات المدرج في السوق المالية السعودية (تداول) قفزة نوعية في أدائه المالي خلال الربع الأول من عام 2026. وجاء هذا الأداء مدفوعاً بنمو استثنائي في الكفاءة التشغيلية، ليقفز صافي أرباح القطاع بنسبة 111.75 في المائة متجاوزاً 92.57 مليون دولار (374.36 مليون ريال).

يعكس هذا التحول نجاح الشركات الكبرى في التكيف مع المتغيرات العالمية؛ إذ تضاعفت الأرباح التشغيلية للقطاع بنحو 5 أضعاف لتصل إلى 548.97 مليون دولار.

وجاء هذا الزخم الاستثنائي مدفوعاً بارتفاع متوسط أسعار البيع لمعظم المنتجات، والانخفاض الملحوظ في المصاريف التشغيلية والإدارية، إلى جانب تحسن الأثر الاستثماري وتراجع التكاليف غير المتكررة التي ضغطت على نتائج العام الماضي.

ومن بين 9 شركات تعمل في مجال البتروكيميائيات مدرجة في «تداول»، حققت 6 منها ربحاً صافياً، وهي: «سابك»، و«سابك للمغذيات»، و«ينساب»، و«المجموعة السعودية»، و«المتقدمة»، و«اللجين»، في حين تكبدت 3 شركات خسائر، وهي: «سبكيم»، و«التصنيع»، و«كيان».

وبحسب إعلاناتها لنتائجها المالية في «السوق المالية السعودية»، حققت «سابك للمغذيات» أعلى أرباح بين شركات القطاع، حيث صعدت أرباحها خلال الربع الأول 2026 إلى 1.23 مليار ريال، وبارتفاع بنسبة 24.57 في المائة، مقارنةً بأرباح 985 مليون ريال في الربع المماثل من العام السابق. وعزت الشركة ارتفاع صافي أرباحها إلى ارتفاع متوسط أسعار البيع لمعظم منتجاتها.

وحلت «المجموعة السعودية» ثانيةً في أعلى صافي أرباح، بتحقيقيها لأرباح بلغت 252 مليون ريال خلال الربع الأول من 2026، مقابل أرباحها خلال الربع المماثل من العام السابق والتي بلغت 18 مليون ريال، ولتقفز نسبة نمو أرباحها إلى 1300 في المائة. وأشارت الشركة إلى أن ارتفاع أرباحها جاء نتيجة الارتفاع الملحوظ لحصة المجموعة في صافي أرباح شركاتها المدارة بصورة مشتركة، نتيجة تحسن استثنائي في أسعار بيع المنتجات، وانخفاض مصروف الإهلاك بسبب إعادة تقييم العمر الافتراضي للأصول الثابتة.

في حين، جاءت «المتقدمة»، ثالثةً في أعلى صافي ربحية بين الشركات الرابحة، رغم تراجع أرباحها بنسبة 58.33 في المائة، بعد أن سجلت صافي ربح بلغ 30 مليون ريال في الربع الأول لعام 2026، مقابل أرباح بلغت 72 مليون ريال في العام السابق. وعزت الشركة انخفاض أرباحها إلى تسجيل مصاريف الاستهلاك، والتكاليف الثابتة وتكاليف التمويل في قائمة الدخل نتيجة البدء بالأعمال التشغيلية للشركة المتقدمة للبولي أوليفينات للصناعة.

وشهد الربع الأول ارتفاع إجمالي الأرباح التشغيلية لشركات البتروكيميائيات بنحو 5 أضعاف وبنسبة وصلت إلى 492 في المائة، لتصل إلى 548.97 مليون دولار (2.06 مليار ريال)، مقابل ربح تشغيلي بلغ 92.62 مليون دولار (347.56 مليون ريال) خلال الفترة نفسها من 2025، بارتفاع نسبته 492 في المائة.

«سابك» في صدارة الأرباح التشغيلية

وجاءت «سابك» في الصدارة من حيث الأرباح التشغيلية، بربح تشغيلي بلغ 1.4 مليار ريال خلال الربع الأول من العام الحالي، وبنسبة نمو تجاوزت 383 في المائة. وحلّت «سابك للمغذيات» ثانيةً بأرباح تشغيلية بلغت 1.17 مليار ريال، وبارتفاع وصلت نسبته إلى 36.29 في المائة. بينما جاءت «المجموعة السعودية» ثالثةً بأرباح تشغيلية بلغت 252 مليون ريال خلال الربع الأول، ولتحقق قفزة كبيرة في نمو أرباحها التشغيلية وصلت إلى نسبة 1160 في المائة.

مبنى سابك في الجبيل (موقع الشركة الإلكتروني)

وفي تعليق على النتائج الربعية، قال محلل الأسواق المالية وعضو «جمعية الاقتصاد» السعودية، الدكتور سليمان آل حميد الخالدي، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إن قطاع البتروكيميائيات شهد خلال الربع الأول تحولاً لافتاً في الأداء المالي، وأن الشركات الكبرى نجحت في استعادة جزء مهم من زخم الربحية، مدفوعة بتحسن أسعار المنتجات، وارتفاع كفاءة التشغيل، وتراجع بعض الضغوط الاستثنائية التي أثقلت النتائج خلال العام الماضي.

وأشار إلى أن هذه القفزة القوية في الأرباح تعود إلى عدة عوامل رئيسية، في مقدمتها، تحسن متوسط أسعار بيع عدد من المنتجات البتروكيميائية والأسمدة، خصوصاً لدى «سابك للمغذيات الزراعية» التي استفادت من قوة الطلب العالمي واستقرار أسواق الأسمدة، مما انعكس مباشرة على هوامش الربحية رغم تراجع بعض الكميات المباعة. كما لعب انخفاض المصروفات التشغيلية دوراً محورياً في تعزيز النتائج، خاصة لدى «سابك» التي عادت إلى الربحية بعد تراجع التكاليف غير المتكررة، إلى جانب خفض المصروفات الإدارية والبحثية، وهو ما أعاد التوازن لأكبر شركة بتروكيماويات في المنطقة بعد فترة من الضغوط.

وشرح أن «المجموعة السعودية للاستثمار الصناعي» استفادت من التحسن الاستثنائي في أسعار المنتجات وارتفاع مساهمة الشركات المشتركة، إضافة إلى انخفاض مصروفات الإهلاك، لتسجل واحدة من أقوى القفزات الربحية في القطاع. كما واجهت بعض شركات القطاع مثل «كيان السعودية» و«التصنيع الوطنية»، استمرار عدد من التحديات، رغم تقليص خسائرها وهو ما يعكس بداية تحسن تدريجي في البيئة التشغيلية، خصوصاً مع انخفاض تكاليف بعض مدخلات الإنتاج وعودة المصانع للعمل بعد فترات الصيانة والتوسعات.

أحد مصانع «ناتبت» التابعة لشركة «اللجين» (موقع الشركة الإلكتروني)

ويرى الخالدي أن القطاع مقبل على مرحلة أكثر استقراراً مقارنة بعامي 2024 و2025، وزيادةً في مستوى الأرباح مدعوماً بتحسن الطلب الصناعي العالمي، وعودة النشاط الاقتصادي في عدد من الأسواق الكبرى، إضافة إلى استمرار المشروعات السعودية المرتبطة بالصناعة والتحول الاقتصادي، مضيفاً أن أي تحسن إضافي في أسعار النفط والطاقة سيدعم هوامش الربحية لشركات البتروكيميائيات، في وقت تركز فيه الشركات على رفع الكفاءة التشغيلية، وتقليل التكاليف، والتوسع في المنتجات ذات القيمة المضافة الأعلى.

ورأى بن المرحلة المقبلة تبدو أقرب إلى التعافي التدريجي الذكي لشركات قطاع البتروكيميائيات أكثر من كونها طفرة مؤقتة، وهو ما قد يمنح القطاع قدرة أكبر على تحقيق نتائج مالية أكثر توازناً واستدامة خلال الأرباع القادمة من 2026.

تحسن انتقائي

من جانبه، يرى الرئيس التنفيذي لشركة «جي وورلد»، محمد حمدي عمر، خلال تصريح له لـ«الشرق الأوسط»، أن النتائج المالية لشركات القطاع تحسنت بشكل انتقائي وليست بشكل متجانس، معللاً ذلك بأن الشركات المرتبطة بمنتجات قوية التسعير أو بعوامل تشغيلية أفضل حققت نتائج أعلى، بينما بقيت الشركات ذات التكاليف الثابتة المرتفعة أو المتأثرة بالصيانة والتوسعات تحت الضغط، ودلل على ذلك باستفادة «سابك للمغذيات الزراعية» من ارتفاع متوسط أسعار البيع لمعظم منتجاتها، رغم تراجع الكميات المباعة وبعض أثر المشروعات المشتركة، مما يعني أن التسعير كان أهم من الحجم في دعم الربح.

مبنى «كيان السعودية» (موقع الشركة الإلكتروني)

وزاد بأن «المجموعة السعودية» حققت قفزة كبيرة بسبب تحسن حصة الأرباح من الشركات المدارة بصورة مشتركة، إلى جانب انخفاض مصروف الإهلاك بعد إعادة تقييم العمر الافتراضي للأصول، وهو ما عزَّز صافي الربح بصورة واضحة.

أضاف أن عودة «سابك» للربحية تبدو مدفوعة بدرجة كبيرة بانخفاض المصاريف غير المتكررة التي أثقلت نتائج فترة المقارنة من العام السابق، إضافة إلى تراجع المصروفات العمومية والبحث والتطوير.

وأرجع عمر أسباب نمو أرباح شركات القطاع إلى 3 أسباب، تتمثل في تحسن أسعار البيع لعدد من المنتجات، خصوصاً لدى «سابك للمغذيات الزراعية»، وهذا عادة يكون العامل الأكثر تأثيراً في شركات البتروكيميائيات عندما تكون الأسواق العالمية أكثر دعماً للأسعار، والسبب الثاني هو تحسن الأثر التشغيلي والاستثماري لدى بعض الشركات، مثل انخفاض الإهلاك أو تحسن نتائج الشركات الشقيقة والمشاريع المشتركة، كما ظهر في «المجموعة السعودية»، بينما عزا السبب الثالث إلى تراجع بعض التكاليف غير المتكررة، وهو ما استفادت منه «سابك» بشكل أساسي عند المقارنة مع الربع الأول 2025.

جناح «سبكيم» في أحد المؤتمرات (موقع الشركة الإلكتروني)

وأوضح أن الشركات التي سجلت خسائر واجهت ضغطاً من انخفاض الكميات المباعة، وتراجع الأسعار، وارتفاع مصروفات التمويل، وأعباء الصيانة أو التوسعة، كما حدث في «التصنيع الوطنية» و«كيان السعودية».

ويتوقع عمر أن يبقى قطاع البتروكيميائيات خلال الفصول المقبلة حساساً جداً لحركة الأسعار العالمية للبتروكيميائيات والأسمدة والطاقة، «لذلك قد تستمر التذبذبات بين شركة وأخرى، حتى لو ظل الاتجاه العام إيجابياً»، وأن تبقى الشركات الأقوى من حيث التسعير والكفاءة، مثل «سابك للمغذيات الزراعية»، الأقدر على الحفاظ على هوامش جيدة إذا استمرت ظروف السوق الداعمة، بينما ستحتاج الشركات الخاسرة إلى وقت أطول حتى ينعكس أثر خفض التكاليف واستكمال المشروعات والتوسعات.

أحد مصانع «ينساب» (موقع الشركة الإلكتروني)

ورأى أن شركة «سابك» ستظل عنصراً مهماً في اتجاه القطاع، لكن استدامة ربحيتها ستعتمد على تقليص البنود غير المتكررة وتحسن الدورة الصناعية العالمية أكثر من اعتمادها على عنصر واحد، معتبراً أن القطاع يدخل مرحلة تحسن في الجودة التشغيلية أكثر من كونه مجرد تعافٍ دوري سريع، لكن استدامة هذا التحسن ستبقى مرهونة بالأسعار، والطلب العالمي، وانضباط المصروفات الرأسمالية والتشغيلية.


مقالات ذات صلة

برنت يتجاوز 93 دولاراً بضغط تهديدات ترمب الجديدة

الاقتصاد حقل الرميلة النفطي في البصرة، العراق (رويترز)

برنت يتجاوز 93 دولاراً بضغط تهديدات ترمب الجديدة

واصلت أسعار النفط العالمية قفزاتها السريعة في التعاملات الفورية يوم الأربعاء، لتسجل مكاسب قوية فور صدور تصريحات وصفت بالمشددة من الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد تداعيات سياسات الرئيس الأميركي دونالد ترمب التجارية تؤثر سلباً على أسعار المحاصيل (رويترز)

المزارعون الأميركيون يعانون مع استمرار حرب إيران

تشكل تكاليف الطاقة المرتفعة عبئاً ثقيلاً على مزارعي الحبوب وفول الصويا في أنحاء الحزام الزراعي الأميركي؛ إذ تؤدي الحرب على إيران إلى ارتفاع أسعار الديزل.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الاقتصاد وزير البترول المصري خلال تفقده أعمال الحفر بأحد حقول الغاز (وزارة البترول)

«إنجاز استراتيجي»... مصر تنهي ملف المستحقات المتأخرة للشركات الأجنبية بقطاع البترول

أعلن وزير البترول المصري، كريم بدوي، أن بلاده نجحت في تحقيق «إنجاز استراتيجي غير مسبوق» بإنهاء ملف المستحقات المتأخرة لشركاء الاستثمار في إنتاج النفط، والغاز.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
الاقتصاد صهاريج التخزين ووحدات تبريد الغاز بشركة فريبورت للغاز الطبيعي المُسال بالقرب من فريبورت بولاية تكساس الأميركية (رويترز)

أميركا تعمل على تحرير احتياطات الطاقة وزيادة مبيعات الغاز لدول «آسيان»

قال نائب وزير الخارجية الأميركي إن الولايات المتحدة تسعى لتحرير بعض احتياطاتها الاستراتيجية من الطاقة وزيادة مبيعات الغاز الطبيعي المُسال لدول «آسيان».

«الشرق الأوسط» (هانوي)
الاقتصاد حقل نفط في ليبيا (إكس)

ليبيا: اتفاقية بين 4 شركات أجنبية لتشغيل حقل نفط

أعلنت المؤسسة الوطنية للنفط في ليبيا، الأربعاء، توقيع اتفاقية تشغيل موحدة لحقل «آي/آر» بمنطقتي الامتياز «إن سي 115» و«إن سي 186» في حوض مرزق بجنوب غربي البلاد.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

برنت يتجاوز 93 دولاراً بضغط تهديدات ترمب الجديدة

حقل الرميلة النفطي في البصرة، العراق (رويترز)
حقل الرميلة النفطي في البصرة، العراق (رويترز)
TT

برنت يتجاوز 93 دولاراً بضغط تهديدات ترمب الجديدة

حقل الرميلة النفطي في البصرة، العراق (رويترز)
حقل الرميلة النفطي في البصرة، العراق (رويترز)

واصلت أسعار النفط العالمية قفزاتها السريعة في التعاملات الفورية يوم الأربعاء، لتسجل مكاسب قوية فور صدور تصريحات وصفت بالمشددة من الرئيس الأميركي دونالد ترمب هدّد فيها بشن ضربات عسكرية جديدة ضد أهداف حيوية في إيران، مما أشعل المخاوف مجدداً في أسواق الطاقة العالمية من تفاقم الصراع الإقليمي وتعميق أزمة الإمدادات.

وصعدت العقود الآجلة لخام برنت القياسي بنسبة 1.8 في المائة، ليتجاوز سعره حاجز 93 دولاراً للبرميل. وفي السياق ذاته، عزز خام غرب تكساس الوسيط (الخام الأميركي الخفيف) من مكاسبه مسجلاً ارتفاعاً بنسبة 2 في المائة، ليصل إلى مستوى 90 دولاراً للبرميل، وسط إقبال واسع من المستثمرين على تحوط مراكزهم المالية لمواجهة أي قفزات مفاجئة في كُلف الطاقة.

وجاء هذا الاشتعال المفاجئ في الأسواق عقب تصريحات أدلى بها ترمب في مقابلة هاتفية مع شبكة «فوكس نيوز» الإخبارية ونقلتها وكالة «رويترز»، أشار فيها إلى أنه قد يصدر أوامر بشن ضربات عسكرية جديدة تستهدف محطات الطاقة والجسور الحيوية في إيران.

وعزا ترمب لجوءه إلى هذا الخيار التحذيري الصارم إلى أن طهران تستغرق وقتاً أطول مما ينبغي وتتباطأ في المضي قدماً نحو إبرام اتفاق نهائي لإنهاء الصراع الجاري، وهو ما اعتبره المتابعون مؤشراً على دخول حرب الخليج الثالثة مرحلة جديدة من التصعيد التشغيلي الذي قد يطال البنية التحتية الأساسية للطاقة في المنطقة.


«سبايس إكس» على أعتاب أكبر اكتتاب في التاريخ

إعلان الاكتتاب العام لشركة «سبايس إكس» على مقر «مورغان ستانلي» في نيويورك (رويترز)
إعلان الاكتتاب العام لشركة «سبايس إكس» على مقر «مورغان ستانلي» في نيويورك (رويترز)
TT

«سبايس إكس» على أعتاب أكبر اكتتاب في التاريخ

إعلان الاكتتاب العام لشركة «سبايس إكس» على مقر «مورغان ستانلي» في نيويورك (رويترز)
إعلان الاكتتاب العام لشركة «سبايس إكس» على مقر «مورغان ستانلي» في نيويورك (رويترز)

تستعد شركة «سبايس إكس»، التابعة للملياردير الأميركي إيلون ماسك، لدخول التاريخ المالي العالمي من أوسع أبوابه، بعدما اجتذب اكتتابها العام الأولي طلبات شراء تجاوزت 250 مليار دولار، في حين لا تستهدف الشركة جمع أكثر من 75 مليار دولار؛ مما يجعل الطرح مرشحاً ليصبح الأكبر في تاريخ أسواق المال العالمية.

وتشير مصادر مصرفية ومستثمرون مشاركون في عملية التسويق إلى أن الاكتتاب تجاوز حجمه المستهدف بما يتراوح بين 3.5 ضعف و4 أضعاف، وهو مستوى طلب نادر حتى في أكبر الطروحات العالمية، ويعكس الرهان الاستثنائي للمستثمرين على مستقبل الشركة التي أعادت رسم ملامح صناعة الفضاء خلال العقدين الماضيين.

وتتوقع الأسواق أن يتم تسعير الطرح النهائي الخميس، على أن تُحدد بعد ذلك الحصص النهائية للمستثمرين المؤسسيين والأفراد، في وقت لا تزال فيه طلبات جديدة تتدفق على مديري الاكتتاب بقيادة «مورغان ستانلي».

ووفق مصادر مطلعة تحدثت إلى «رويترز»، فإن صناديق استثمار طويلة الأجل قدمت طلبات شراء ضخمة، فيما شارك ماسك شخصياً لفترات وجيزة في اجتماعات افتراضية مع مستثمرين محتملين خلال الجولة الترويجية للاكتتاب. كما استضاف «مورغان ستانلي» اجتماع غداء موسعاً في مانهاتن حضره نحو 300 مستثمر مؤسسي، بمشاركة رئيسة «سبايس إكس» غوين شوتويل، والمدير المالي بريت جونسون، في مؤشر على حجم الاهتمام غير المسبوق بالطرح.

إطلاق صاروخ «فالكون 9» التابع لشركة «سبايس إكس» من قاعدة «كيب كانفيرال» بولاية فلوريدا الأميركية (أ.ف.ب)

طلب استثنائي رغم اضطراب الأسواق

يأتي هذا الإقبال في وقت تشهد فيه الأسواق العالمية حالة من التقلب الحاد. فقد تعرض مؤشر «ناسداك» لضغوط بيعية قوية خلال الأيام الماضية، كما تراجع سعر «بتكوين» إلى مستويات تقل بنحو 37 في المائة عن الذروة التي سجلها مطلع العام... بل إن بعض المحللين ربطوا جانباً من موجة البيع الأخيرة في الأسواق بعمليات تسييل أصول من قبل مستثمرين يسعون لتوفير السيولة اللازمة للمشاركة في اكتتاب «سبايس إكس».

ويعكس ذلك حجم الجاذبية التي يمثلها الطرح بالنسبة إلى المؤسسات الاستثمارية العالمية، التي تنظر إلى الشركة ليس فقط بوصفها شركة إطلاق صواريخ، وإنما منصة تكنولوجية عملاقة قد تستفيد من عدد من أكبر التحولات الاقتصادية خلال العقود المقبلة.

من الصواريخ إلى الذكاء الاصطناعي

وخلال الوثائق والعروض الترويجية المقدمة للمستثمرين، ركزت «سبايس إكس» على 3 محركات رئيسية للنمو المستقبلي: خدمات الإنترنت الفضائي عبر «ستارلينك»، والذكاء الاصطناعي، والبنية التحتية الحاسوبية في الفضاء.

وتقول الشركة إنها أصبحت اللاعب المهيمن عالمياً في سوق الإطلاق الفضائي، بعدما استحوذت خلال السنوات الثلاث الماضية على أكبر حصة من الكتل المرسلة إلى المدار مقارنة بأي جهة أخرى في العالم. لكن الرهان الأكبر بالنسبة إلى المستثمرين لا يرتبط بالصواريخ وحدها؛ فالشركة تروج لرؤية تعدّ أن مستقبل الذكاء الاصطناعي العالمي سيحتاج إلى طاقات حوسبة وكهرباء تفوق بكثير ما تستطيع البنية التحتية الأرضية الحالية توفيره.

نماذج لصواريخ «ستارشيب» في قاعدة «سبايس إكس» بولاية تكساس الأميركية (رويترز)

وتشير «سبايس إكس» إلى أن الولايات المتحدة بدأت تتخلف عن الصين في وتيرة توسع قدرات توليد الكهرباء والبنية الحاسوبية اللازمة لتشغيل تطبيقات الذكاء الاصطناعي العملاقة. ومن هنا تطرح الشركة تصوراً طموحاً يقوم على بناء مراكز بيانات وبنى تحتية حاسوبية في الفضاء، مستفيدة من انخفاض تكاليف الإطلاق التي حققتها عبر إعادة استخدام الصواريخ.

وتقدّر الشركة أن الفرصة السوقية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي قد تصل إلى نحو 23 تريليون دولار مستقبلاً، مؤكدة أنها تمتلك موقعاً فريداً يؤهلها للاستفادة من هذا التحول. وفي الوقت نفسه، تواصل «ستارلينك» لعب دور أساسي في قصة النمو، حيث تؤكد الشركة أنها تسعى إلى ربط أكثر من 3 مليارات شخص حول العالم لا يزالون خارج نطاق خدمات الإنترنت عالية الجودة.

تمويل أحلام المريخ

لا يقتصر الطرح على تمويل عمليات الشركة الحالية، بل يرتبط أيضاً بأعلى مشروعات ماسك طموحاً. فوفق مصادر مطلعة، فإن من المتوقع أن تُستخدم حصيلة الطرح في تمويل تطوير مراكز البيانات الفضائية وتسريع برامج استكشاف الفضاء، بما في ذلك خطط إرسال البشر والبضائع إلى المريخ عبر صاروخ «ستارشيب». ويُعدّ «ستارشيب» أكبر صاروخ جرى تطويره في التاريخ، وتراهن عليه الشركة ليكون حجر الأساس في خطط الاستيطان البشري خارج الأرض.

ظاهرة مالية عالمية

ولم يقتصر تأثير الاكتتاب على الأسواق الأميركية وحدها... ففي كوريا الجنوبية، كشفت مصادر مصرفية عن أن طلبات شراء الدولار المرتبطة بالمشاركة في اكتتاب «سبايس إكس» بلغت ما بين 1.2 و1.5 مليار دولار. وأدى هذا الطلب الاستثنائي على العملة الأميركية إلى ضغوط ملحوظة على الوون الكوري، الذي هبط إلى أدنى مستوياته في 17 عاماً خلال الأسابيع الأخيرة. ويُعدّ هذا الرقم ضخماً بالنسبة إلى سوق «الدولار/ وون»، الذي يبلغ متوسط التداول اليومي فيه نحو 14 مليار دولار فقط. وقال مصدر مطلع إن معظم عمليات شراء الدولار المرتبطة بالاكتتاب وصل إلى مراحله النهائية؛ مما خفف الضغوط على العملة الكورية وأعاد بعض الاستقرار إلى السوق. ويعكس ذلك مدى اتساع المشاركة الدولية في الطرح؛ إذ لم يعد الاكتتاب حدثاً أميركياً فقط، بل تحول ظاهرةً استثمارية عالمية تستقطب رؤوس الأموال من مختلف القارات.

شعار شركة «سبايس إكس» وظل إيلون ماسك (رويترز)

ماسك بين السياسة والأسواق

ويأتي الاكتتاب أيضاً في مرحلة مفصلية من مسيرة إيلون ماسك الشخصية والمهنية. فبعد سنوات من الجدل السياسي، ودوره المثير للانقسام داخل إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، والتراجع الملحوظ في أداء «تسلا»، يحاول ماسك إعادة تركيز اهتمام المستثمرين على مشروعاته التكنولوجية طويلة الأجل. وخلال العام الحالي، عزز ماسك حضوره في قطاع الذكاء الاصطناعي عبر شركته «إكس إيه آي (xAI)»، التي أصبحت جزءاً أساسياً من رؤيته المستقبلية. كما استحوذت «سبايس إكس» على أصول مرتبطة بأنشطة الذكاء الاصطناعي، في خطوة تهدف إلى دمج قدرات الحوسبة المتقدمة مع البنية التحتية الفضائية التي تطورها الشركة. ويرى مستثمرون أن الاكتتاب يمثل في جوهره تصويتاً على رؤية ماسك طويلة المدى أكثر من أنه استثمار في شركة فضاء تقليدية.

اختبار تاريخي

ورغم الزخم الهائل المحيط بالطرح، فإن التحديات لا تزال قائمة. فالتقييمات المرتفعة للغاية تفرض ضغوطاً على الشركة لتحقيق معدلات نمو

استثنائية لسنوات طويلة، كما أن كثيراً من المشروعات التي تروج لها، وعلى رأسها مراكز البيانات الفضائية واستيطان المريخ، لا تزال في مراحل مبكرة وتحتاج إلى استثمارات ضخمة قبل تحقيق عوائد ملموسة. لكن حجم الطلب الحالي يشير إلى أن الأسواق مستعدة لمنح ماسك وشركته هامشاً واسعاً من الثقة. فإذا تم الاكتتاب وفق الأرقام المتداولة حالياً، فلن يكون مجرد أكبر طرح عام أولي في التاريخ، بل قد يمثل لحظة فارقة في انتقال أسواق المال من الرهان على شركات التكنولوجيا التقليدية إلى الاستثمار في اقتصاد الفضاء والذكاء الاصطناعي بوصفهما المحركين الرئيسيين للنمو خلال العقود المقبلة.

وبالنسبة إلى «سبايس إكس»، فإن نجاح الاكتتاب لن يعني فقط جمع عشرات المليارات من الدولارات، بل سيمنح الشركة الموارد اللازمة لتحويل بعض أكبر الأفكار جرأة في عالم التكنولوجيا مشروعاتٍ قابلةً للتنفيذ؛ من الإنترنت الفضائي إلى الحوسبة المدارية، وصولاً إلى حلم ماسك الأكبر: جعل البشر يعيشون على كوكب آخر.


المزارعون الأميركيون يعانون مع استمرار حرب إيران

تداعيات سياسات الرئيس الأميركي دونالد ترمب التجارية تؤثر سلباً على أسعار المحاصيل (رويترز)
تداعيات سياسات الرئيس الأميركي دونالد ترمب التجارية تؤثر سلباً على أسعار المحاصيل (رويترز)
TT

المزارعون الأميركيون يعانون مع استمرار حرب إيران

تداعيات سياسات الرئيس الأميركي دونالد ترمب التجارية تؤثر سلباً على أسعار المحاصيل (رويترز)
تداعيات سياسات الرئيس الأميركي دونالد ترمب التجارية تؤثر سلباً على أسعار المحاصيل (رويترز)

تشكل تكاليف الطاقة المرتفعة عبئاً ثقيلاً على مزارعي الحبوب وفول الصويا في أنحاء الحزام الزراعي الأميركي؛ إذ تؤدي الحرب على إيران إلى خنق إمدادات الوقود عبر مضيق هرمز، ودفع أسعار الديزل إلى مستويات قياسية في الولايات الزراعية الرئيسية.

وكان عدد كبير من المزارعين يعانون بالفعل من ضغوط قبل اندلاع الحرب، وباتوا الآن يواجهون تقلص هوامش الربح لديهم للعام الرابع على التوالي، متأثرين بعودة الجفاف وتكاليف المدخلات المرتفعة وتداعيات سياسات الرئيس الأميركي دونالد ترمب التجارية، التي أثرت سلباً على أسعار المحاصيل.

ودفعت الحرب أسعار الديزل في ولايات عدة عبر منطقة الغرب الأوسط -وهي المنطقة الرئيسية لإنتاج الذرة وفول الصويا في الولايات المتحدة- إلى مستويات قياسية جديدة في مايو (أيار) في وقت كثف خلاله المزارعون عمليات الزراعة والأعمال الميدانية الأخرى في الربيع.

ووصل سعر الديزل في ولاية ويسكونسن إلى 5.873 دولار للغالون، وفي ولاية إنديانا إلى 6.167 دولار، وفي ولاية إيلينوي إلى 6.14 دولار في منتصف مايو. وتشير بيانات جمعية السيارات الأميركية إلى تسجيل ولايتَي أوهايو وميشيغان أرقاماً قياسية.

وارتفع متوسط سعر الديزل على الصعيد الوطني بأكثر من 40 في المائة، منذ اندلاع الحرب في الشرق الأوسط. وقفزت أسعار النفط الخام العالمية التي تشكل أساس أسعار الديزل والبنزين بنحو 30 في المائة منذ أواخر فبراير (شباط).

مزارع يضخ وقود الديزل في صهريج وقود لنقله إلى مزرعته في هاربر بولاية كانساس (رويترز)

ويُستخدم الديزل في المزارع الأميركية لتشغيل المعدات اللازمة للعمليات الحيوية، بدءاً من رش المبيدات الحشرية وزرع البذور، إلى تسميد الحقول وحصاد المحاصيل.

وعلى عكس القطاعات الأخرى التي يمكنها التبديل بين أنواع الوقود، فإن معظم الآلات الزراعية في الولايات المتحدة مصممة لتعمل بالديزل، مما يجعل المزارعين معرضين بشدة لتقلبات أسعار الديزل.

وقال غلين برانكو الذي يزرع فول الصويا ويربي الماشية في واميغو بولاية كانساس «إنها تكلفة باهظة. ليس هناك كثير مما يمكننا فعله حيال ذلك، ولم نكن نضع ميزانية لذلك. جاء الأمر بغتة وفاجأنا».

وقال بن كليف المحلل لدى شركة «بنشمارك» مستشهداً بتقديرات جامعة إيلينوي، إن النفقات المتعلقة بالوقود كانت تمثل قبل الحرب نحو 3 إلى 4 في المائة من تكاليف مدخلات المزارع العادي في إيلينوي، أو ما يتراوح بين 16 و23 دولاراً للفدان.

وأضاف أن التكاليف المتعلقة بالوقود قد ترتفع إلى 5- 6 في المائة من إجمالي تكاليف المدخلات، أو من متوسط 20 دولاراً إلى 30 دولاراً للفدان على مزارعي محاصيل الحقول، إذا بقيت أسعار الديزل عند مستواها الحالي.

وتابع: «الوضع الحالي صعب للغاية بالنسبة لمزارعي محاصيل الحقول... انخفضت أسعار الحبوب التي يزرعونها انخفاضاً حاداً في الأسابيع القليلة الماضية، وهي في الواقع أقل من مستويات ما قبل الحرب مع إيران، في حين تظل تكاليف المدخلات مثل الديزل والأسمدة أعلى بكثير، مما يؤدي إلى تراجع أرباحهم بنحو متزايد».