الحصاد الاقتصادي لقمة ترمب وشي... ضجيج بلا طحن

أكبر الصفقات يحبط الأسواق... والنجاح الأكبر في «إدارة التوتر»

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يحيي مودعيه قبل مغادرة العاصمة الصينية عقب انتهاء القمة الأميركية - الصينية الجمعة (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يحيي مودعيه قبل مغادرة العاصمة الصينية عقب انتهاء القمة الأميركية - الصينية الجمعة (رويترز)
TT

الحصاد الاقتصادي لقمة ترمب وشي... ضجيج بلا طحن

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يحيي مودعيه قبل مغادرة العاصمة الصينية عقب انتهاء القمة الأميركية - الصينية الجمعة (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يحيي مودعيه قبل مغادرة العاصمة الصينية عقب انتهاء القمة الأميركية - الصينية الجمعة (رويترز)

اختتم الرئيس الأميركي دونالد ترمب قمة بكين مع نظيره الصيني شي جينبينغ، الجمعة، بإعلان ما وصفه بـ«صفقات تجارية رائعة»، لكن رد فعل الأسواق والمستثمرين كشف سريعاً عن أن الحصيلة الاقتصادية الفعلية للقمة جاءت أقل بكثير من التوقعات التي سبقتها، في وقت نجح فيه الجانبان سياسياً في تثبيت هدنة هشة بين أكبر اقتصادين في العالم دون معالجة الخلافات البنيوية العميقة بينهما.

القمة، التي انعقدت وسط اضطرابات عالمية متصاعدة بفعل الحرب الإيرانية وضغوط أسواق الطاقة والتباطؤ الاقتصادي العالمي، كانت تُعدّ اختباراً حقيقياً لقدرة واشنطن وبكين على إعادة ضبط علاقتهما الاقتصادية بعد سنوات من الرسوم الجمركية والعقوبات والقيود التكنولوجية المتبادلة.

وبالنسبة إلى ترمب، حملت الزيارة أهمية داخلية استثنائية؛ إذ سعى الرئيس الأميركي إلى العودة من بكين بإنجازات اقتصادية ملموسة تدعم شعبيته المتراجعة قبل انتخابات التجديد النصفي، خصوصاً مع الضغوط الناجمة عن ارتفاع أسعار النفط والتضخم وتداعيات الحرب في الشرق الأوسط.

أما الصين، فقد تعاملت مع القمة بوصفها فرصة لإظهار نفسها قوة استقرار اقتصادي عالمي في مواجهة الاضطرابات الدولية، مع السعي للحفاظ على الهدنة التجارية الحالية ومنع عودة المواجهة الاقتصادية المفتوحة مع الولايات المتحدة.

• أجواء ودية

وخلال القمة، طغت أجواء الود الشخصي والاستعراض الدبلوماسي على المشهد. فقد حرص ترمب على الإشادة المتكررة بشي جينبينغ، واصفاً إياه بأنه «قائد عظيم» و«صديق»، بينما تحدث شي عن «علاقة استراتيجية مستقرة وبنَّاءة» بين البلدين، عادَّاً الزيارة «محطة مفصلية» في العلاقات الثنائية. كما تبادل الزعيمان جولات خاصة وحديثاً مطولاً داخل حدائق مجمع تشونغنانهاي التاريخي في بكين.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ونظيره الصيني شي جينبينغ في حدائق مجمع تشونغنانهاي التاريخي في بكين (أ.ف.ب)

لكن، خلف هذا الدفء السياسي، جاءت النتائج الاقتصادية محدودة نسبياً مقارنة بالتوقعات الضخمة التي سبقت القمة، خاصة بعد مرافقة وفد كبير من كبار التنفيذيين الأميركيين للرئيس الأميركي، بينهم مسؤولون من «بوينغ» و«إنفيديا» وشركات طاقة ومال وتكنولوجيا كبرى.

وكانت الأسواق تراهن على اختراقات كبيرة في ملفات الطيران والذكاء الاصطناعي والطاقة والزراعة، إلى جانب احتمال تخفيف القيود الأميركية على صادرات التكنولوجيا المتقدمة إلى الصين... إلا أن معظم هذه الملفات انتهت بتفاهمات عامة أو وعود سياسية أكثر من كونها اتفاقات تفصيلية قابلة للتنفيذ الفوري.

• أبرز الصفقات أقل من التوقعات

الصفقة الأبرز التي أعلنها ترمب تمثلت في موافقة الصين على شراء 200 طائرة من شركة «بوينغ»، في أول طلبية صينية كبيرة للطائرات الأميركية منذ نحو عقد... لكن الأسواق كانت تتوقع رقماً أكبر بكثير، بعدما تحدثت تسريبات سابقة عن احتمال توقيع صفقة تصل إلى 500 طائرة. ولذلك؛ جاء رد فعل المستثمرين سلبياً، وتراجعت أسهم «بوينغ» بأكثر من 4 في المائة بعد الإعلان مباشرة.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يحيي مودعيه قبل مغادرة العاصمة الصينية عقب انتهاء القمة الأميركية - الصينية الجمعة (رويترز)

كما أعلن ترمب أن الصين أبدت اهتماماً متزايداً بشراء النفط الأميركي وفول الصويا، في خطوة تهدف إلى تقليص اعتمادها على واردات الشرق الأوسط وتنشيط الصادرات الزراعية والطاقة الأميركية. وتمثل هذه النقطة أهمية خاصة بالنسبة للرئيس الأميركي؛ لأن صادرات الطاقة والزراعة ترتبط مباشرة بالولايات الأميركية التي تشكل قاعدة انتخابية رئيسية للحزب الجمهوري.

لكن حتى هذه التفاهمات بقيت حتى الآن في إطار النوايا السياسية أكثر من العقود التنفيذية الواضحة. فوزارة الخارجية الصينية امتنعت عن تأكيد تفاصيل الاتفاقات التجارية التي تحدث عنها ترمب؛ ما عزز حالة الحذر في الأسواق بشأن مدى جدية أو سرعة تنفيذها.

وفي ملف التكنولوجيا، جاءت النتائج أكثر تواضعاً. فعلى الرغم من مشاركة الرئيس التنفيذي لشركة «إنفيديا» جنسن هوانغ ضمن الوفد الأميركي، لم تظهر أي مؤشرات على انفراج حقيقي في أزمة الرقائق الإلكترونية المتقدمة والذكاء الاصطناعي.

ولا تزال واشنطن تمنع الشركات الصينية من الحصول على أكثر رقائق «إنفيديا» تطوراً، بحجة حماية الأمن القومي الأميركي ومنع الصين من تسريع قدراتها العسكرية والتكنولوجية. ومع ذلك، كشف وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت عن مناقشات أولية بين البلدين لوضع «ضوابط وقواعد» لاستخدامات الذكاء الاصطناعي، عادَّاً أن «القوتين العظميين في الذكاء الاصطناعي بدأتا الحوار»، لكن لم تُعلن أي تفاهمات عملية حتى الآن.

• الإنجاز الأكبر

وفي الواقع، بدا أن الإنجاز الاقتصادي الحقيقي للقمة لم يكن في الصفقات نفسها، بل في منع تدهور العلاقة الاقتصادية بين البلدين والحفاظ على الهدنة التجارية الحالية.

فمنذ اللقاء السابق بين الزعيمين في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، تم تعليق الرسوم الجمركية الأميركية المرتفعة على السلع الصينية، في حين تراجعت بكين عن تهديداتها المتعلقة بتقييد صادرات المعادن والعناصر الأرضية النادرة الحيوية للصناعات الأميركية.

وخلال القمة الحالية، لم يُحسم رسمياً بعد ما إذا كانت هذه الهدنة ستمدد بعد انتهاء مدتها لاحقاً هذا العام، لكن مجرد استمرارها يُعدّ بالنسبة للأسواق تطوراً إيجابياً في ظل هشاشة الاقتصاد العالمي الحالية.

ويرى محللون أن الطرفين يدركان أن العودة إلى الحرب التجارية المفتوحة ستكون مكلفة جداً في الظروف الراهنة. فالاقتصاد الصيني يواجه تباطؤاً ملحوظاً وضغوطاً في قطاع العقارات والاستثمار، في حين تواجه الولايات المتحدة مخاطر تضخم مرتفع وأسعار طاقة متقلبة وضغوطاً انتخابية داخلية.

ولهذا؛ بدا واضحاً أن القمة ركزت على «إدارة التنافس» أكثر من السعي إلى إعادة بناء شراكة اقتصادية عميقة كما كان الحال قبل سنوات.

وفي الخلفية، فرضت الحرب الإيرانية نفسها بقوة على المناقشات الاقتصادية، خصوصاً بسبب تأثيرها المباشر على أسواق النفط وسلاسل الإمداد العالمية. فقد أشار ترمب إلى أن شي أبدى استعداداً للمساعدة في إعادة فتح مضيق هرمز، الذي تمر عبره نسبة ضخمة من صادرات النفط والغاز العالمية.

وفي المحصلة، خرجت قمة بكين بنتيجة يمكن وصفها بأنها «استقرار مؤقت بلا اختراقات كبرى». فالجانبان نجحا في تهدئة الأجواء ومنع التصعيد الاقتصادي، لكنهما لم يقتربا فعلياً من حل الخلافات الجوهرية المتعلقة بالتكنولوجيا والتجارة والأمن الاقتصادي.

وبالنسبة للأسواق، فإن الرسالة الأهم من القمة ليست حجم الصفقات المعلنة، بل حقيقة أن واشنطن وبكين لا تزالان حريصتين على إبقاء المنافسة تحت السيطرة، حتى وإن بقيت العلاقة بينهما محكومة بمزيج معقد من التعاون الاقتصادي والصراع الاستراتيجي.

ولهذا؛ تبدو الهدنة الحالية أقرب إلى إدارة حذرة للتوتر، لا إلى مصالحة اقتصادية شاملة، في وقت يبقى فيه مستقبل الاقتصاد العالمي مرتبطاً إلى حد كبير بمسار العلاقة بين أكبر قوتين اقتصاديتين على الكوكب.


مقالات ذات صلة

«إس كيه هاينكس» الكورية تستثمر 64 مليار دولار في مصانع رقائق الذاكرة

الاقتصاد شعار «إس كيه هاينكس» (رويترز)

«إس كيه هاينكس» الكورية تستثمر 64 مليار دولار في مصانع رقائق الذاكرة

أعلنت شركة «إس كيه هاينكس» الكورية الجنوبية، يوم الخميس، أنها تعتزم استثمار 100 تريليون وون لبناء مصانع جديدة لإنتاج رقائق الذاكرة «ناند».

«الشرق الأوسط» (سيول)
الاقتصاد شاشات تعرض مؤشر «كوسبي» وسعر صرف العملات الأجنبية بين الدولار الأميركي والوون الكوري الجنوبي في غرفة تداول تابعة لبنك هانا بسيول (أ.ب)

الأسهم الآسيوية تتراجع مع موجة بيع لأسهم الرقائق

تراجعت الأسهم الآسيوية، يوم الخميس، مع اتجاه المستثمرين لجني الأرباح في أسهم شركات الرقائق الإلكترونية بعد مكاسب قوية سجلتها بالربع الماضي.

«الشرق الأوسط» (طوكيو)
الاقتصاد من اليسار: بيلي وماكليم ولاغارد ووارش خلال الجلسة (البنك المركزي)

رئيس «الفيدرالي» يرفض التلميح لقرار يوليو: التضخم لا يزال مرتفعاً جداً

بلغت المواجهة بين قادة المصارف المركزية الكبرى والإدارات السياسية ذروة تشددها في مدينة سنترا البرتغالية بينما رفض رئيس الاحتياطي الفيدرالي التلميح بشأن الفائدة.

«الشرق الأوسط» (سنترا (البرتغال))
الاقتصاد مارة أمام مقر البورصة في جزيرة هونغ كونغ الصينية (رويترز)

الأسهم الصينية تصعد بدعم بيانات التصنيع وخطاب شي

ارتفعت الأسهم الصينية الأربعاء مدفوعة ببيانات قوية عن نشاط المصانع وتأكيد الرئيس شي على وعده بتحقيق «تنمية عالية الجودة»

«الشرق الأوسط» (بكين)
الاقتصاد رواد في أحد المطاعم الفاخرة ببرج بمدينة شنغهاي الصينية (رويترز)

البنك الدولي يعتزم التوقف تدريجياً عن إقراض الصين

أفادت مصادر مطلعة بأن البنك الدولي سيتوقف تدريجياً عن إقراض الصين بحلول عام 2031

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

«إس كيه هاينكس» الكورية تستثمر 64 مليار دولار في مصانع رقائق الذاكرة

شعار «إس كيه هاينكس» (رويترز)
شعار «إس كيه هاينكس» (رويترز)
TT

«إس كيه هاينكس» الكورية تستثمر 64 مليار دولار في مصانع رقائق الذاكرة

شعار «إس كيه هاينكس» (رويترز)
شعار «إس كيه هاينكس» (رويترز)

أعلنت شركة «إس كيه هاينكس» الكورية الجنوبية، يوم الخميس، أنها تعتزم استثمار 100 تريليون وون (نحو 64.38 مليار دولار) لبناء مصانع جديدة لإنتاج رقائق الذاكرة من نوع «ناند» ومنشآت لتغليف الرقائق، ضمن برنامج استثماري ضخم يستهدف تلبية الطلب المتزايد الناتج عن طفرة الذكاء الاصطناعي.

وتشمل الاستثمارات إقامة المشاريع الجديدة في مدينة تشيونغجو وسط كوريا الجنوبية، وتندرج ضمن خطة استثمارية أوسع بقيمة 2.1 تريليون دولار كشفت عنها الشركة ومنافستها «سامسونغ إلكترونيكس» يوم الاثنين، وتتضمن أيضاً إنشاء مجمع جديد لصناعة الرقائق في جنوب غربي البلاد، إلى جانب مشاريع قائمة.

وتأمل كوريا الجنوبية أن تسهم هذه الاستثمارات في مضاعفة الطاقة الإنتاجية للبلاد من رقائق الذاكرة خلال خمس سنوات.

وخلال فعالية حضرها الرئيس الكوري الجنوبي لي جاي ميونغ، قال الرئيس التنفيذي لـ«إس كيه هاينكس»، كواك نوه جونغ، إن الشركة ستنفق 80 تريليون وون لبناء مصنع جديد لإنتاج رقائق «ناند» بحلول عام 2029، إضافة إلى 20 تريليون وون لإنشاء مصنع لتغليف الرقائق، من المقرر الانتهاء منه بحلول نهاية عام 2027 في مدينة تشيونغجو.

وكانت الشركة قد أعلنت، يوم الاثنين، عزمها استثمار 100 تريليون وون في تشيونغجو، لكنها لم تكشف آنذاك عن تفاصيل توزيع هذه الاستثمارات.

ويُعد التوسع الكبير في القدرات الإنتاجية لشركات الرقائق الكورية الجنوبية مكسباً سياسياً للرئيس لي جاي ميونغ، لكنه في الوقت نفسه يثير مخاوف من تعرض القطاع لضغوط إذا تراجع الإنفاق العالمي على الذكاء الاصطناعي.

وانخفض سهم «إس كيه هاينكس» 7.1 في المائة، فيما تراجع سهم «سامسونغ إلكترونيكس» 8.6 في المائة، متأثرين بموجة بيع واسعة لأسهم شركات الرقائق عالمياً، بعد تقارير عن اعتزام «ميتا بلاتفورمز» بيع فائض قدراتها الحاسوبية المخصصة للذكاء الاصطناعي، وهو ما أثار تساؤلات بشأن احتمال وجود فائض في قدرات الحوسبة المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.

ورغم ذلك، أبدى كواك نوه جونغ ثقته بآفاق سوق رقائق «ناند»، وهي رقائق لتخزين البيانات تحتفظ بالمعلومات حتى بعد إيقاف تشغيل الأجهزة، بخلاف رقائق «دي رام».

وقال: «الطلب على رقائق ناند ارتفع، ومن المتوقع أن يواصل نموه خلال السنوات المقبلة، في حين لا يزال المعروض منها محدوداً».

وأضافت الشركة أنها تعتزم بدء أعمال إنشاء مصنع «إم 17» الجديد لإنتاج رقائق «ناند» في مدينة تشيونغجو خلال العام المقبل.


«فاينانشال تايمز»: «أوبن إيه آي» تناقش منح الحكومة الأميركية حصة 5 % من الشركة

شعار «أوبن إيه آي» (رويترز)
شعار «أوبن إيه آي» (رويترز)
TT

«فاينانشال تايمز»: «أوبن إيه آي» تناقش منح الحكومة الأميركية حصة 5 % من الشركة

شعار «أوبن إيه آي» (رويترز)
شعار «أوبن إيه آي» (رويترز)

ذكرت صحيفة «فاينانشال تايمز»، نقلاً عن شخصين مطلعين على المحادثات، أن شركة «أوبن إيه آي» بدأت مناقشات بشأن منح الحكومة الأميركية حصة تبلغ 5 في المائة في الشركة المطورة لـ«شات جي بي تي».

وبحسب الصحيفة، اقترح الرئيس التنفيذي للشركة سام ألتمان وعدد من كبار مسؤوليها هذه الخطوة ضمن ترتيبات أوسع تقضي بامتلاك الحكومة الأميركية، عبر كيان حكومي مخصص، حصة تبلغ 5 في المائة في كل واحدة من كبرى شركات تطوير الذكاء الاصطناعي في الولايات المتحدة.

وأضافت الصحيفة أن المقترح قد يشمل شركة «أنثروبيك»، إضافة إلى الشركات المدرجة الرائدة في القطاع مثل «غوغل» و«ميتا بلاتفورمز»، إلا أنه لا يزال من غير الواضح ما إذا كانت هذه الشركات ستوافق على المقترح.

ونقلت «فاينانشال تايمز» عن ألتمان قوله إن منح الجمهور، عبر الحكومة، حصة في شركته يُعد أفضل وسيلة لتقاسم المكاسب التي قد تحققها طفرة الذكاء الاصطناعي.

ويأتي هذا المقترح في وقت تتزايد فيه الضغوط التي تمارسها إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب على كبرى شركات الذكاء الاصطناعي في الولايات المتحدة.

وكانت شركة «أنثروبيك» قد علّقت الشهر الماضي إتاحة أكثر نماذجها تطوراً، بعدما أمرتها الحكومة الأميركية بتقييد وصول المستخدمين الأجانب إليها، استناداً إلى مخاوف تتعلق بالأمن القومي.

وفي هذا الأسبوع، رفعت واشنطن القيود المفروضة على وصول المستخدمين الأجانب إلى نموذج «فابل 5» التابع لـ«أنثروبيك»، بعدما عالجت الشركة الناشئة، بحسب التقرير، المخاوف المتعلقة بالسلامة التي أثارتها إدارة ترمب، ما أتاح توزيع النموذج على نطاق أوسع.


توقعات بتباطؤ نمو الوظائف الأميركية في يونيو مع استقرار البطالة

افتة توظيف لمندوبي مبيعات معروضة في متجر في فيرنون هيلز، إيلينوي (أ.ب)
افتة توظيف لمندوبي مبيعات معروضة في متجر في فيرنون هيلز، إيلينوي (أ.ب)
TT

توقعات بتباطؤ نمو الوظائف الأميركية في يونيو مع استقرار البطالة

افتة توظيف لمندوبي مبيعات معروضة في متجر في فيرنون هيلز، إيلينوي (أ.ب)
افتة توظيف لمندوبي مبيعات معروضة في متجر في فيرنون هيلز، إيلينوي (أ.ب)

من المرجح أن يكون نمو الوظائف في الولايات المتحدة قد تباطأ خلال يونيو (حزيران)، مع توقعات باستقرار معدل البطالة عند 4.3 في المائة للشهر الرابع على التوالي، في مؤشر على استمرار توازن سوق العمل رغم تباطؤ وتيرة التوظيف.

ومن المنتظر أن يُظهر تقرير الوظائف غير الزراعية، الصادر عن وزارة العمل الأميركية يوم الخميس، إضافة 110 آلاف وظيفة خلال يونيو، مقارنة مع 172 ألف وظيفة في مايو (أيار)، وفقاً لاستطلاع أجرته «رويترز» لآراء الاقتصاديين.

ويأتي هذا التباطؤ المتوقع بعد ثلاثة أشهر متتالية من نمو الوظائف بأرقام فاقت التوقعات، فيما يرى اقتصاديون أن التقرير سيُبقي احتمال رفع أسعار الفائدة من جانب مجلس الاحتياطي الفيدرالي في سبتمبر (أيلول) قائماً، في ظل استمرار الضغوط التضخمية المرتبطة بالحرب التي قادتها الولايات المتحدة ضد إيران.

ويصدر التقرير قبل يوم من موعده المعتاد بسبب عطلة رسمية في الولايات المتحدة، تسبق الاحتفال بالذكرى 250 للاستقلال الأميركي.

وقال دان نورث، كبير الاقتصاديين لدى «أليانز تريد الأميركتين»: «قبل بضعة أشهر كنت قلقاً لأن الاقتصاد فقد وظائف خلال خمسة أشهر، لكن سوق العمل أصبحت أكثر قوة خلال الأشهر الثلاثة الماضية، ولا أرى اختلالات واضحة. نحن في سوق عمل يمكن وصفها بأنها توظيف محدود وتسريح محدود».

تباطؤ... لكن سوق العمل لا تزال متماسكة

تراوحت توقعات الاقتصاديين لعدد الوظائف الجديدة بين 25 ألفاً و200 ألف وظيفة، بينما يقدر معظمهم أن الاقتصاد يحتاج إلى إضافة ما بين صفر و50 ألف وظيفة شهرياً فقط للحفاظ على استقرار سوق العمل، بعدما أدى تشديد القيود على الهجرة إلى تباطؤ نمو القوة العاملة.

وكان الاقتصاد الأميركي قد أضاف 214 ألف وظيفة في مارس (آذار) و179 ألفاً في أبريل (نيسان)، ليبلغ متوسط الزيادة الشهرية خلال الأشهر الثلاثة المنتهية في مايو 188 ألف وظيفة، مقارنة مع 63 ألف وظيفة فقط خلال الفترة نفسها من عام 2025.

ويرى اقتصاديون أن انخفاض وتيرة تسريح العاملين كان العامل الرئيسي وراء استمرار قوة بيانات التوظيف، إذ فضلت الشركات الاحتفاظ بموظفيها رغم الضبابية الاقتصادية، بعدما واجهت صعوبات كبيرة في التوظيف عقب جائحة «كوفيد-19».

لكن هذه القوة لم تنعكس على مؤشرات أخرى لسوق العمل، مثل خطط التوظيف لدى الشركات الصغيرة، كما أظهر استطلاع لـ«كونفرنس بورد» أن نسبة الأميركيين الذين يرون أن العثور على وظيفة أصبح صعباً ارتفعت في يونيو إلى أعلى مستوى لها في نحو خمس سنوات ونصف.

وقال جيمس نايتلي، كبير الاقتصاديين الدوليين في «آي إن جي»: «الأمر المحير هو أن بيانات الوظائف ظلت قوية، بينما لم تكن بقية مؤشرات سوق العمل بالقوة نفسها، لذلك لا يزال هناك قدر من الحذر من احتمال أن يبدأ هذا التباطؤ بالظهور في بيانات التوظيف في أي وقت».

تراجع المخاطر على سوق العمل

في المقابل، يرى عدد من الاقتصاديين أن التوصل إلى وقف لإطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران، وما نتج عنه من تراجع أسعار النفط إلى مستويات ما قبل الحرب، خفف المخاطر التي كانت تهدد سوق العمل.

وقالت شروتي ميشرا، الاقتصادية لدى «بنك أوف أميركا سيكيوريتيز»: «المخاطر السلبية التي كانت تهدد سوق العمل ولمبررات خفض الفائدة العام الماضي لم تتحقق، ومع استمرار التضخم عند مستويات مرتفعة نسبياً، فإن ذلك يعزز مبررات التراجع عن تلك التخفيضات».

وتُظهر بيانات أداة «سي إم إي فيد ووتش» أن الأسواق تسعر احتمالاً يبلغ نحو 50.7 في المائة لرفع أسعار الفائدة خلال اجتماع مجلس الاحتياطي الفيدرالي يومي 15 و16 سبتمبر (أيلول).

وكان الفيدرالي قد أبقى الشهر الماضي سعر الفائدة الرئيسي ضمن نطاق 3.50 في المائة إلى 3.75 في المائة، لكنه أشار في توقعاته الفصلية إلى إمكانية رفع تكاليف الاقتراض خلال العام الجاري.

كأس العالم والأجور

ويتوقع اقتصاديون أن يكون جزء من تباطؤ التوظيف في يونيو ناتجاً عن تراجع المكاسب الاستثنائية التي سجلتها بعض القطاعات، ولا سيما الحكومات المحلية، خلال الشهر السابق.

كما انقسمت الآراء بشأن تأثير بطولة كأس العالم لكرة القدم، التي تستضيفها الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، على سوق العمل.

ورجح محللو «غولدمان ساكس» أن تضيف البطولة نحو 40 ألف وظيفة خلال يونيو، تتركز في قطاعات الترفيه والضيافة والخدمات المهنية والتجارة والنقل.

في المقابل، رأى محللو «جيه بي مورغان» أن الارتفاع الكبير في وظائف قطاع الترفيه والضيافة خلال مايو كان مرتبطاً بعطلة يوم الذكرى أكثر من ارتباطه بالبطولة، لكنهم توقعوا أن يسهم تأثير كأس العالم في الحد من تباطؤ التوظيف خلال يونيو.

أما على صعيد الأجور، فمن المتوقع أن يرتفع متوسط الأجر في الساعة 3.5 في المائة على أساس سنوي خلال يونيو، مقارنة مع 3.4 في المائة في مايو، وهو معدل يراه كثير من الاقتصاديين غير كافٍ لإشعال موجة تضخم جديدة.

وقالت فيرونيكا كلارك، الاقتصادية لدى «سيتي غروب»: «اتجاهات نمو الأجور ومعدل البطالة سيكونان المؤشرين الأهم لمعرفة ما إذا كان تحسن التوظيف يؤدي إلى تشديد سوق العمل بصورة تدفع الأجور والأسعار إلى الارتفاع. وحتى الآن، لا توجد مؤشرات قوية على حدوث ذلك».