لماذا أخفقت أكبر عملية إطلاق نفطي بالتاريخ في تهدئة الأسواق؟

العالم يواجه أكبر اضطراب في الإمدادات بسبب حرب الشرق الأوسط

سفينة الشحن "مايوري ناري" التي ترفع العلم التايلاندي تحترق بعد إصابتها بصواريخ إيرانية في مضيق هرمز (إ.ب.أ)
سفينة الشحن "مايوري ناري" التي ترفع العلم التايلاندي تحترق بعد إصابتها بصواريخ إيرانية في مضيق هرمز (إ.ب.أ)
TT

لماذا أخفقت أكبر عملية إطلاق نفطي بالتاريخ في تهدئة الأسواق؟

سفينة الشحن "مايوري ناري" التي ترفع العلم التايلاندي تحترق بعد إصابتها بصواريخ إيرانية في مضيق هرمز (إ.ب.أ)
سفينة الشحن "مايوري ناري" التي ترفع العلم التايلاندي تحترق بعد إصابتها بصواريخ إيرانية في مضيق هرمز (إ.ب.أ)

فشلت محاولات كبح جماح أسعار النفط عبر إطلاق كميات قياسية من الاحتياطيات النفطية الاستراتيجية؛ حيث عاودت أسعار النفط صعودها متجاوزة الـ100 دولار مع تصعيد إيران هجماتها على منشآت النفط والنقل في أنحاء الشرق الأوسط، مما أثار مخاوف من صراع طويل الأمد واضطرابات في تدفق النفط عبر مضيق هرمز.

وكانت «وكالة الطاقة الدولية» أعلنت عن سحب منسَّق لـ400 مليون برميل من احتياطيات الطوارئ، وهو ما يتجاوز ضعف كمية سحب عام 2022، يوم الأربعاء. وأعقب ذلك إعلان الولايات المتحدة أنها ستفرج عن 172 مليون برميل نفط من احتياطياتها النفطية الاستراتيجية.

ويرى متداولون أن الأسواق قرأت في قرار السحب الأميركي الممتد على ثلاثة أشهر إقراراً ضمنياً من البيت الأبيض بأن الأزمة ستطول، مما بدّد الآمال التي أثارتها تلميحات الرئيس الأميركي دونالد ترمب قبل أيام بقرب نهاية الصراع، لتتحول الاحتياطيات من أداة للتهدئة إلى مؤشر على استمرار حالة الحرب وانسداد أفق الحل الدبلوماسي.

من جهتها، وصفت «وكالة الطاقة الدولية»، يوم الخميس، الحرب في الشرق الأوسط بأنها تُسبب أكبر اضطراب في إمدادات النفط بالتاريخ، وذلك بعد يوم على إعلانها أن ‌32​ من ⁠الدول ⁠الأعضاء ​اتفقت ⁠بالإجماع ​ ​على ‌طرح ​400 ⁠مليون ​برميل ⁠من ‌النفط ‌من ​احتياطياتها ‌الطارئة ‌في ​السوق، وأن الإفراج عن احتياطيات النفط الاستراتيجية سيتم خلال إطار زمني مناسب للظروف المحلية لكل دولة عضو.

وذكرت الوكالة، في تقريرها الشهري عن سوق النفط، أن دول الخليج العربية خفضت إنتاجها النفطي الإجمالي بما لا يقل عن 10 ملايين برميل يومياً نتيجة الحرب، أي ما يعادل نحو 10 بالمئة ⁠من الطلب العالمي.

الاحتياطي تحت الاختبار

تتجه الأنظار نحو قدرة الإدارة الأميركية على إدارة أزمة الطاقة، في ظل إعلان وزارة الطاقة عن البدء الأسبوع المقبل بإطلاق 172 مليون برميل من الاحتياطي النفطي الاستراتيجي ضمن إجراء منسق دولياً؛ وهي عملية ستستغرق 120 يوماً لضخ 1.4 مليون برميل يومياً.

ومع إضافة مساهمات الدول الأخرى، يصل التدفق اليومي الإجمالي إلى نحو 3.3 مليون برميل، وهو رقم يظل ضئيلاً مقارنة بخسائر الإمدادات من الخليج التي تقدر بنحو 20 مليون برميل يومياً، وفق تحليل لبنك «آي إن جي».

وعلى الرغم من أن الاحتياطي صُمّم لإطلاق ما يصل إلى 4.4 مليون برميل يومياً، إلا أن خبراء، وفقاً لمجلة «ذي بوليتيكو»، يشيرون إلى أن القيود الفيزيائية للبنية التحتية -التي تضررت جرّاء عمليات السحب المكثفة في عهد إدارة بايدن- قد تحدّ من التدفق الفعلي إلى مليوني برميل يومياً فقط. وفي هذا السياق، وصف وزير الطاقة كريس رايت الاحتياطي الحالي بأنه «مستنزف ومتضرر»، مؤكداً التزام إدارة ترمب بإعادة ملئه بـ200 مليون برميل خلال العام المقبل لتعزيز أمن الطاقة.

أولوية العمليات

وفي تحول لافت، كشف رايت أن الجيش الأميركي «غير جاهز حالياً» لمرافقة ناقلات النفط عبر مضيق هرمز، معللاً ذلك بأن «جميع الإمكانات العسكرية تتركز حالياً على تدمير القدرات الهجومية لإيران والصناعات الداعمة لها». ورغم اعترافه بهذا العجز الحالي، رجّح رايت أن تصبح عمليات المرافقة ممكنة «بحلول نهاية الشهر»، مؤكداً أن واشنطن تجري تنسيقاً مستمراً مع حلفائها لإعادة فتح الممر المائي، مشدداً على أن «الخيار الوحيد المتاح هو تدمير قدرة إيران على تهديد جيرانها وممرات الملاحة».

وكان رايت توقع في مقابلة له على قناة «فوكس نيوز»، مساء الأربعاء، استئناف حركة الشحن عبر مضيق هرمز «خلال الأسابيع القليلة المقبلة»، أي قبل وقت طويل من إتمام الولايات المتحدة لعمليات إطلاق النفط المخطّط لها من الاحتياطي النفطي الاستراتيجي. وقال: «أعتقد أننا سنفتح مضيق هرمز قبل ذلك بكثير. متى بالضبط؟ لا أستطيع تحديد ذلك، لكننا نعمل على مدار الساعة طوال أيام الأسبوع لتحقيق ذلك».

ترمب يشيد بجهود وكالة الطاقة

وقال الرئيس دونالد ترمب في مقابلة مع محطة الأخبار المحلية «12» في سينسيناتي بعد ظهر الأربعاء: «سنفعل ذلك، ثم سنملأها. لقد ملأتها مرة، وسأملأها مرة أخرى. لكننا الآن سنخفضها قليلاً، وهذا سيؤدي إلى انخفاض الأسعار».

وأشاد ترمب، الذي أمضى سنوات في مهاجمة إدارة بايدن لاستخدامها الاحتياطي النفطي الاستراتيجي في عام 2022، بجهود «وكالة الطاقة الدولية»، في تجمع انتخابي بكنتاكي، قائلاً إنها «ستخفض أسعار النفط بشكل كبير؛ إذ سننهي هذا التهديد لأميركا وهذا التهديد للعالم». وأضاف: «لا نريد المغادرة مبكراً؛ أليس كذلك؟ علينا إتمام المهمة».

وكان وزير الداخلية، دوغ بورغوم، قد صرّح في وقت سابق من مساء الأربعاء بأن ترمب لم يحسم أمره بعد بشأن الانضمام إلى الجهود الدولية.

سعر لتر البنزين الخالي من الرصاص ووقود الديزل خارج محطة وقود في مونزا - شمال إيطاليا (أ.ف.ب)

أسعار النفط

وفي وقت تكثف إيران هجماتها على منشآت نفط وناقلات في الشرق الأوسط مما زاد من المخاوف من طول أمد ​الصراع وكذلك أمد تعطل تدفقات الخام عبر مضيق هرمز، ارتفعت أسعار النفط بشكل حاد يوم الخميس. وبحلول الساعة 09:15 بتوقيت غرينتش، قفزت العقود الآجلة لخام برنت 5.95 دولار أو 6.47 في المائة إلى 97.93 دولار للبرميل، بعدما تجاوزت المئة دولار للبرميل في وقت مبكر من التداولات. وصعد خام غرب تكساس الوسيط الأميركي 5.25 دولار أو ستة في المائة إلى 92.50 دولار.

وكان سعر برنت بلغ 119.50 دولار يوم الاثنين، في أعلى مستوى له منذ منتصف عام 2022، لينخفض لاحقاً بعد تصريح الرئيس الأميركي دونالد ترمب بأن الحرب مع إيران قد تنتهي قريباً.

في المقابل، صعَّدت إيران من خطابها؛ حيث قال متحدث باسم القيادة العسكرية، يوم الأربعاء: «استعدوا لوصول سعر برميل النفط إلى 200 دولار، لأن سعر النفط يعتمد على الأمن الإقليمي».

أسباب انتعاش السوق

يرى محللو بنك «آي إن جي» أن هناك ثلاثة أسباب رئيسية لعدم استجابة السوق إيجاباً:

  • استمرار التوتر: لا توجد أي مؤشرات على تهدئة الأوضاع في الخليج العربي، ما يعني استمرار اضطرابات تدفق النفط عبر مضيق هرمز.
  • عجز التدفق: بينما تروّج الوكالة لرقم 400 مليون برميل، فإن الإطلاق الأميركي المخطَّط له، البالغ 172 مليون برميل، سيستغرق 120 يوماً، أي بمعدل 1.4 مليون برميل يومياً. وعلى افتراض جدول زمني مماثل للدول الأخرى، فإن التدفق اليومي الإجمالي لن يتجاوز 3.3 مليون برميل، وهو أقل بكثير من خسائر الإمدادات من الخليج العربي التي تصل إلى 20 مليون برميل يومياً.
  • القيود الفيزيائية: تشير التقارير إلى أن القدرة الفعلية للإطلاق قد لا تتجاوز مليوني برميل يومياً نظراً للقيود الفيزيائية للبنية التحتية، خصوصاً مع تضرر أجزاء من مستودعات التخزين نتيجة عمليات السحب الكثيفة في عهد إدارة بايدن، مما يعيق جهود إعادة ملئها.

وأضاف بنك «آي إن جي»: «إن السبيل الوحيد لانخفاض أسعار النفط بشكل مستدام هو ضمان تدفق النفط عبر مضيق هرمز. وعدم تحقيق ذلك يعني أن أعلى مستويات السوق لم تأتِ بعد».

من جهته، قال المحلل لدى «بي.في.إم»، جون إيفانز إن ‌السوق تتعامل مع قرار وكالة الطاقة الدولية ‌بشأن السحب بتحفظ نظراً لعدم وضوح الجدول الزمني ​له، مضيفا أنه يفترض أن يمتد ‌على مدى 90 يوماً.

ويتوقع بنك «غولدمان ساكس» أن يبلغ متوسط سعر خام برنت 98 دولاراً للبرميل في مارس (آذار) وأبريل (نيسان)، قبل أن يتراجع إلى 71 دولاراً بحلول الربع الأخير من العام. لكنه حذر من أن سيناريو آخر أكثر تشاؤماً يفترض تعطل حركة ‌شحن النفط عبر مضيق هرمز لمدة شهر يعني أن متوسط السعر يمكن أن يصعد خلال مارس وأبريل ⁠إلى ⁠110 دولارات.

فارس يمتطي جواده على طول الشاطئ بينما تصطف ناقلات النفط وسفن الشحن في مضيق هرمز (أ.ب)

وقالت تينا تينغ، خبيرة استراتيجيات السوق في «مومو إيه إن زد»: «قد يكون إطلاق (وكالة الطاقة الدولية) لاحتياطيات النفط حلاً مؤقتاً فقط؛ إذ إن اضطرابات شحنات النفط عبر مضيق هرمز وتوقف الإنتاج بشكل كبير في بعض دول الشرق الأوسط قد يتسببان في أزمة إمدادات طويلة الأمد».

كذلك، يرى محللون أن إطلاق الاحتياطيات الاستراتيجية ليس سوى حل مؤقت أمام أزمة ذات أبعاد هيكلية؛ فمع استمرار الهجمات الإيرانية التي تعدها الأسواق رداً مباشراً على محاولات التدخل الغربي، وتزامن ذلك مع قيود فنية ولوجستية تعيق سرعة تعويض النقص في الإمدادات، يبدو أن السوق قد وصلت إلى قناعة بأن الحل المستدام لا يكمن في السحب من المخزونات، بل في استعادة الأمن بمضيق هرمز. وما دام بقي هذا الممر الحيوي رهينة للصراع الإقليمي، فإن احتمالية حدوث قفزات سعرية جديدة تظل قائمة، مما يضع الاقتصاد العالمي أمام أزمة إمدادات طويلة الأمد قد تتجاوز قدرة «المسكنات» الاستراتيجية على علاجها.


مقالات ذات صلة

سفينة تايلاندية تعرضت لهجوم في مضيق هرمز جنحت قبالة جزيرة قشم الإيرانية

شؤون إقليمية سفينة شحن بالقرب من مضيق هرمز 11 مارس 2026 (رويترز)

سفينة تايلاندية تعرضت لهجوم في مضيق هرمز جنحت قبالة جزيرة قشم الإيرانية

أفادت وكالة ​«​تسنيم» للأنباء، فجر اليوم (الجمعة)، بأن سفينة شحن ترفع العلم التايلاندي، تعرضت ‌لهجوم بقذائف ‌مجهولة ​في مضيق ‌هرمز ⁠مطلع ​هذا الشهر.

«الشرق الأوسط» (طهران)
الخليج الوزير جان نويل بارو مستقبلاً الأمير فيصل بن فرحان بمقر الاجتماع في منطقة ڤو دي سيرني الفرنسية الخميس (الخارجية السعودية)

السعودية تشارك في «إصلاح الحوكمة العالمية» ضمن اجتماعات «السبع»

شارك الأمير فيصل بن فرحان بن عبد الله، وزير الخارجية السعودي، في جلسة «إصلاح الحوكمة العالمية» ضمن أعمال اجتماع وزراء خارجية مجموعة «السبع» والشركاء المدعوين.

«الشرق الأوسط» (ڤو دي سيرني (فرنسا))
شؤون إقليمية صورة عامة لمبنى «البنتاغون» في العاصمة واشنطن (أ.ب)

«رويترز»: أميركا تنشر زوارق مسيّرة في نزاعها مع إيران

أعلنت وزارة الحرب الأميركية (البنتاغون) أن الولايات المتحدة ​نشرت زوارق سريعة مسيّرة للقيام بدوريات ضمن عملياتها التي تستهدف إيران.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو إلى جانب الرئيس دونالد ترمب خلال اجتماع الخميس في البيت الأبيض (إ.ب.أ)

ترمب يمدد مهلة استهداف محطات الطاقة الإيرانية حتى 6 أبريل

قال الرئيس ​الأميركي دونالد ترمب اليوم الخميس إنه سيمدد مهلة شن هجمات على محطات الطاقة الإيرانية عشرة ‌أيام حتى ‌السادس ​من ‌أبريل (⁠نيسان).

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد شعار البنك الدولي (رويترز)

البنك الدولي يطلق خطة عاجلة لحماية الأسواق الناشئة من «صدمة طاقة»

أعلنت مجموعة البنك الدولي عن إطلاق خطة استجابة عاجلة لمساعدة الدول الناشئة على مواجهة التداعيات الاقتصادية للنزاع في الشرق الأوسط.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

البنك الدولي يطلق خطة عاجلة لحماية الأسواق الناشئة من «صدمة طاقة»

شعار البنك الدولي (رويترز)
شعار البنك الدولي (رويترز)
TT

البنك الدولي يطلق خطة عاجلة لحماية الأسواق الناشئة من «صدمة طاقة»

شعار البنك الدولي (رويترز)
شعار البنك الدولي (رويترز)

أعلنت مجموعة البنك الدولي عن إطلاق خطة استجابة عاجلة لمساعدة الدول الناشئة على مواجهة التداعيات الاقتصادية المتسارعة للنزاع في منطقة الشرق الأوسط، مؤكدة أن كلاً من اضطرابات طرق الشحن، وارتفاع تكاليف اللوجيستيات، بدأ يضغط بشكل مباشر على أسعار السلع الأساسية ومعدلات النمو في عدد من الدول العميلة.

وكشف البنك في بيان رسمي عن أرقام تعكس حدة الأزمة؛ حيث ارتفعت أسعار النفط الخام بنحو 40 في المائة بين شهري فبراير (شباط) ومارس (آذار) من العام الحالي، بينما قفزت أسعار شحنات الغاز الطبيعي المسال المتجهة إلى آسيا بمقدار الثلثين.

كما رصد البيان اتساع رقعة المخاطر لتشمل قطاع الزراعة، مع ارتفاع أسعار الأسمدة النيتروجينية بنسبة تقترب من 50 في المائة خلال شهر مارس وحده، مما يهدد الأمن الغذائي العالمي.

وأكدت المجموعة أنها تجري اتصالات مباشرة مع الحكومات والقطاع الخاص والشركاء الإقليميين لفهم حجم التحديات على أرض الواقع، مشددة على جاهزيتها لتقديم دعم مالي واسع النطاق يجمع بين الإغاثة المالية الفورية والخبرات السياسية. وتتضمن خطة التحرك الاستفادة من المحفظة النشطة وأدوات الاستجابة للأزمات، مع التحول التدريجي نحو أدوات تمويل سريعة الصرف لدعم التعافي وحماية الوظائف.

وفيما يخص القطاع الخاص، تعهد البنك الدولي عبر أذرعه التمويلية بتوفير السيولة الضرورية وتمويل التجارة ورأس المال العامل للشركات المتضررة، لضمان استمرار دوران العجلة الاقتصادية.

وحذر البيان من أن إطالة أمد النزاع وتعرض البنية التحتية الحيوية لمزيد من الدمار سيزيد من تعقيد المشهد، مؤكداً التزام المجموعة ببذل كل ما في وسعها لحماية «التقدم الاقتصادي الذي حققته هذه الدول بصعوبة» طوال السنوات الماضية.


السعودية تعفي الواردات والصادرات الخليجية من أجور التخزين 60 يوماً

المهندس صالح الجاسر أعلن عن مبادرات نوعية لتعزيز العمل اللوجيستي المشترك (وزارة النقل)
المهندس صالح الجاسر أعلن عن مبادرات نوعية لتعزيز العمل اللوجيستي المشترك (وزارة النقل)
TT

السعودية تعفي الواردات والصادرات الخليجية من أجور التخزين 60 يوماً

المهندس صالح الجاسر أعلن عن مبادرات نوعية لتعزيز العمل اللوجيستي المشترك (وزارة النقل)
المهندس صالح الجاسر أعلن عن مبادرات نوعية لتعزيز العمل اللوجيستي المشترك (وزارة النقل)

قرَّرت السعودية، الخميس، إعفاء الواردات والصادرات الخليجية من أجور التخزين حتى 60 يوماً، وذلك ضمن حزمة مبادرات نوعية تهدف إلى تعزيز التكامل اللوجيستي بين المملكة ودول المجلس، ودعم استمرارية سلاسل الإمداد ورفع مرونتها، وترسيخ مكانة البلاد بوصفها مركزاً لوجيستياً عالمياً.

وتضمنت المبادرات التي أعلن عنها المهندس صالح الجاسر، وزير النقل والخدمات اللوجيستية السعودي، خلال اجتماع وزاري خليجي استثنائي، عُقد عبر الاتصال المرئي، رفع العمر التشغيلي المسموح به للشاحنات في المملكة إلى 22 سنة، ويشمل المقبلة من دول مجلس التعاون، والسماح بدخول المخصصة لنقل البضائع والمواد المبردة من جميع هذه الدول فارغة لنقل البضائع التي تكون وجهتها دول الخليج.

كما أطلقت السعودية مبادرة مناطق التخزين الخليجية وإعادة التوزيع لتنظيم حركة الحاويات وتخصيص مناطق تشغيلية لكل دولة خليجية داخل ميناء الملك عبد العزيز في الدمام (شرق البلاد)، بما يُعزِّز من كفاءة التخزين وإعادة التوزيع ومرونة سلاسل الإمداد بين الساحلين الشرقي والغربي.

وخلال كلمة له، أكد الجاسر أن الاجتماع «يأتي في ظل الظروف التي تشهدها المنطقة، وتطلب المزيد من التنسيق وتعزيز التكامل المشترك في قطاعات النقل والخدمات اللوجيستية»، مبيناً أن «هذه التحديات ستزيد من صلابة القطاع اللوجيستي، وتعزيز مرونته لخدمة اقتصادات المنطقة، ورفع كفاءة العمل الخليجي المشترك، ودعم حركة سلاسل الإمداد».

جانب من الاجتماع الاستثنائي لوزراء النقل الخليجيين عبر الاتصال المرئي الخميس (واس)

واستعرض الوزير السعودي جهود بلاده الواسعة في تعزيز العمل اللوجيستي المشترك، منوهاً بالدعم السخي والكبير من القيادة لجميع مبادرات وبرامج منظومة النقل والخدمات اللوجيستية، مؤكداً أن «المبادرات التي أُطلقت اليوم، تأتي في إطار رؤية تكاملية تهدف لتحويل المنطقة إلى منصة لوجيستية مترابطة قادرة على التعامل مع المتغيرات العالمية بكفاءة عالية، وبما يعكس عمق الروابط الأخوية التي تجمع دول الخليج العربية وشعوبها».

في شأن متصل، أوضحت هيئة النقل السعودية أنها مدَّدت العمر التشغيلي للشاحنات في نشاط نقل البضائع إلى 22 عاماً، لمدة 6 أشهر حتى 25 سبتمبر (أيلول) 2026؛ لتمكين قطاع النقل البري من استيعاب جميع المتغيرات، وتلبية احتياجاته المتزايدة، لا سيما نشاط نقل البضائع، مُشدِّدة على ضرورة التزام الشاحنات كافة بمعايير السلامة، وسريان الفحص الدوري الفني لضمان تطبيقها.

وأكدت الهيئة أن السماح بدخول شاحنات النقل المبرد فارغة من الخليج إلى السعودية، لنقل البضائع لدول المجلس عبر مواني ومطارات المملكة؛ يأتي حرصاً على تدفق السلع الأساسية، ويضمن استمرارية سلاسل الإمداد الخاصة بالمواد الغذائية وسريعة التلف، وسرعة وصولها إلى دول الخليج مع مراعاة الحفاظ على الجودة والصلاحية لتلك المواد والبضائع، مُشترطة أن تتقيد الشاحنات بالمتطلبات التنظيمية والتشغيلية كافة، وأن تقتصر العمليات على الوارد من بضائع لا يتم نقلها إلا بواسطة الوسائط المخصصة للنقل المبرد.

كانت السعودية أطلقت خلال الأيام القليلة الماضية حزمة مبادرات لخدمة القطاع اللوجيستي في البلاد ودول الخليج؛ بهدف توفير ممرات تشغيلية إضافية للحاويات والبضائع المحولة من الموانئ الشرقية بالمملكة والموانئ الخليجية، إلى ميناء جدة الإسلامي وبقية موانئ السعودية على ساحل البحر الأحمر؛ لضمان استقرار خطوط التجارة مع الأسواق الإقليمية والعالمية.

كما منحت المملكة استثناء مؤقت للسفن السعودية والأجنبية في مياه الخليج العربي من شرط سريان الشهادات والوثائق المطلوبة لمدة 30 يوماً، وذلك لضمان استمرارية الأعمال البحرية، وتمكين السفن من مواصلة أعمالها التجارية وعملياتها التشغيلية، والحفاظ على انسيابية الحركة الاقتصادية في المياه الإقليمية للبلاد.

واستضافت مطارات السعودية أكثر من 300 رحلة جوية للناقلات الخليجية؛ لضمان انسيابية الرحلات وسلامة حركة المسافرين، كذلك ساهمت المملكة في إجلاء أكثر من 25 ألف مسافر عالق عبر 900 حافلة عبر منافذها البرية، مع تفعيل حلول النقل «البري - الجوي» المشترك لدعم وصول الشحنات لوجهاتها النهائية.

وأضافت السعودية 4 خطوط ملاحية جديدة بميناءَي «جدة الإسلامي، والملك عبد الله»، وأطلقت خطاً ملاحياً يربط ميناء «الشارقة» في الدمام و«أم قصر» البحريني، كما عزّز الأسطول البري السعودي الذي يتجاوز 500 ألف شاحنة خدماته المتنوعة لسد احتياجات المنطقة.

وأطلقت الخطوط الحديدية السعودية «سار» ممراً لوجيستياً دولياً جديداً عبر قطارات الشحن، يربط موانئ الخليج العربي بمنفذ الحديثة، في خطوة تُعزِّز حركة البضائع، وترفع كفاءة استخدام الأصول اللوجيستية للمملكة، وأعمال سلاسل الإمداد، في المنظومة.


ارتفاع الدولار يجدّد مخاوف «التسعير العشوائي» للسلع في مصر

مصريون يشتكون من «التسعير العشوائي» للسلع مع ارتفاع الدولار (الشرق الأوسط)
مصريون يشتكون من «التسعير العشوائي» للسلع مع ارتفاع الدولار (الشرق الأوسط)
TT

ارتفاع الدولار يجدّد مخاوف «التسعير العشوائي» للسلع في مصر

مصريون يشتكون من «التسعير العشوائي» للسلع مع ارتفاع الدولار (الشرق الأوسط)
مصريون يشتكون من «التسعير العشوائي» للسلع مع ارتفاع الدولار (الشرق الأوسط)

عطّل ارتفاع سعر الدولار مقابل الجنيه في مصر، أخيراً، خطة العشريني أحمد عطا الله (يعمل محاسباً) الذي يسكن في منطقة المقطم بالقاهرة، بشراء شقة ليتزوج فيها، بعدما زاد صاحب العقار 100 ألف جنيه (الدولار يساوي 52.8 جنيه) على سعرها دفعة واحدة، متعللاً بتداعيات الحرب الإيرانية، وارتفاع الدولار.

وقال عطا الله لـ«الشرق الأوسط» إن «عملية البيع توقفت رغم أنها كانت بالجنيه المصري. البعض يستغل ارتفاع الأسعار لزيادة قيمة ما يعرضه، ولا أستطيع تحمل هذه الزيادة، وذلك بسبب ضعف الرقابة».

وارتفع الدولار نحو 5 جنيهات في مصر منذ بدء الحرب الإيرانية، فبعدما كان يتراوح بين 47 و48 جنيهاً، ارتفع سعره تدريجياً إلى ما يقرب من 53 جنيهاً، في وقت طمأنت الحكومة المواطنين بتوفر الدولار لإمدادات الصناعات والقطاعات الأساسية في الاقتصاد، وذلك بعدما أعلنت في مارس (آذار) الحالي رفع أسعار المحروقات بنسب تراوحت بين 14 و30 في المائة، بسبب ارتفاع أسعار الطاقة عالمياً.

وانعكست الزيادة في سعر الدولار على السلع والخدمات كافة، ويرى الخبير الاقتصادي علي الإدريسي أن «الزيادات التي حدثت تتجاوز القيم التي زاد بها الدولار أو المحروقات»، وأرجع ذلك إلى «سياسة التسعير العشوائي للسلع في مصر، مع ضعف الرقابة الحكومية على الأسواق».

ويفسر الإدريسي أن «أسعار السيارات شهدت زيادة من 30 ألف جنيه إلى 200 ألف جنيه، مع ارتفاع الدولار، رغم أن السيارات المعروضة كانت موجودة بالفعل لدى أصحاب المعارض قبل ارتفاعات الدولار، ومُحدداً لها هامش ربحهم، لكنهم استغلوا ارتفاع الدولار لرفع الأسعار، بحجة أنهم سيحتاجون لشراء سيارات جديدة بالأسعار المرتفعة».

ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن «المنطقي رفع سعر السيارات التي سيتم استيرادها بعد الزيادة وليس العكس»، ويوضح: «لو كان هناك رقابة على الأسواق لتم منع التسعير العشوائي»، ويشير إلى أن «البعض يحقق مكاسب ضعفين نتيجة هذه الزيادات».

وكانت مصر قد شهدت أزمة سابقة في توفر العملة الصعبة استمرت عدة سنوات، وخلقت تبايناً كبيراً بين السعر الرسمي للدولار و«السوق السوداء» التي جاوز فيها الدولار آنذاك 60 جنيهاً. وأثرت الأزمة حينها على توفر السلع والخدمات وعمل عديد من القطاعات، ما دفع إلى اتخاذ قرار بـ«تعويم الجنيه»، ليرتفع بعدها سعر الدولار من نحو 30 جنيهاً في البنوك إلى 50 جنيهاً.

مواطنون في سوق العتبة الشعبية بوسط القاهرة (الشرق الأوسط)

الباحث في أسواق المال محمد مهدي عبد النبي، يُرجع ارتفاع سعر الدولار في مصر مقابل الجنيه أخيراً إلى عدة أسباب، في مقدمتها خروج بعض «الأموال الساخنة» من السوق المصرية، وهي تدفقات أجنبية يستثمر أصحابها عادة في أدوات الدين من أذون وسندات خزانة، بحثاً عن أعلى فائدة وفرق أسعار العملات، ويوضح لـ«الشرق الأوسط» أن «تخارجها من السوق المصرية يظل أقل من أزمات سابقة، وفي مقدمتها الحرب الأوكرانية عام 2022».

سبب آخر تحدث عنه عبد النبي، وهو زيادة الضغط على الموازنة العامة في عمليات الاستيراد المفتوحة حالياً، والتي تتطلب مزيداً من الدولارات بعد ارتفاع الأسعار العالمية، ما يعني زيادة الطلب، بالإضافة إلى الفجوة المزمنة بين الصادرات والواردات، وتراجع إيرادات قناة السويس، والسياحة، وغيرها من القطاعات التي تُدر عملة صعبة.

وتوقع أن «يرتفع سعر الدولار إلى 55 جنيهاً أو أكثر إذا ما استمرت الحرب لفترة أطول، في المقابل يستبعد أن ينخفض الدولار إلى ما دون 50 في المائة قريباً، حتى لو توقفت الحرب»، داعياً إلى «مزيد من الرقابة على الأسواق».

وتشهد مصر موجات مرتفعة من التضخم وسط توقعات أن يشهد معدله في مارس الحالي ارتفاعاً كبيراً مقارنة بالشهور الماضية. وسجل معدل التضخم على أساس شهري في فبراير (شباط) الماضي 2.7 في المائة، مقابل 1.2 في المائة في يناير (كانون الثاني) الماضي.

ويرى الإدريسي أن «المواطن هو أول من يتحمل تبعات ارتفاع الدولار أو المحروقات، ويعمق أزمته فكرة (التسعير العشوائي) التي لا تقتصر فقط على منطقة معينة، بل يتم عرض نفس السلعة بأسعار مختلفة من بائع إلى آخر في نفس المنطقة... البائع يُرجع الزيادة إما للدولار أو لحرب إيران أو لارتفاع الوقود».