رئيس «مايكروسوفت العربية» يحدد لـ«الشرق الأوسط» أولويات المرحلة المقبلة للذكاء الاصطناعي في السعودية

في أول مقابلة إعلامية منذ توليه المنصب... أيمن الغامدي: السحابة والمهارات والأثر القابل للقياس تتصدر الأولويات

أيمن الغامدي رئيس «مايكروسوفت العربية» (الشركة)
أيمن الغامدي رئيس «مايكروسوفت العربية» (الشركة)
TT

رئيس «مايكروسوفت العربية» يحدد لـ«الشرق الأوسط» أولويات المرحلة المقبلة للذكاء الاصطناعي في السعودية

أيمن الغامدي رئيس «مايكروسوفت العربية» (الشركة)
أيمن الغامدي رئيس «مايكروسوفت العربية» (الشركة)

بعد سنوات من بناء البنية التحتية والأطر التنظيمية، يتحول التحدي في السعودية إلى كيفية دمج الذكاء الاصطناعي فعلياً في صميم عمل المؤسسات. وهذه هي الفجوة التي يضعها أيمن الغامدي، الرئيس الجديد لـ«مايكروسوفت العربية»، في صدارة أولوياته، مع انتقاله إلى قيادة أعمال الشركة في المملكة.

وفي أول مقابلة إعلامية له منذ توليه المنصب في شهر يوليو (تموز) الفائت، يضع الغامدي ثلاث أولويات للمرحلة المقبلة: بناء قاعدة سحابية موثوقة، ونقل الذكاء الاصطناعي من التجارب إلى الاستخدام الفعلي، وتوسيع القدرات المحلية، بالتوازي مع إطلاق منطقة (أزور) «Azure» في المنطقة الشرقية للمملكة وتوسيع برامج المهارات وتطوير حلول محلية قابلة للنمو إقليمياً وعالمياً.

فجوة التنفيذ داخل المؤسسات

يقول الغامدي إن السعودية أنجزت جانباً كبيراً من العمل التأسيسي المطلوب للانتقال إلى اقتصاد يعتمد بصورة أوسع على البيانات والذكاء الاصطناعي، مشيراً إلى ما تحقق في البنية التحتية وحوكمة البيانات والذكاء الاصطناعي المسؤول وبناء القدرات.

ويستشهد في هذا السياق بما وصفه بتقدم «الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي»، موضحاً أن المنظومة التنظيمية تشمل 32 أداة تنظيمية مرتبطة بالبيانات و13 أداة مرتبطة بالذكاء الاصطناعي. لكنه يرى أن المرحلة التالية ستعتمد بدرجة أكبر على ما يحدث داخل المؤسسات نفسها.

ويصرح لـ«الشرق الأوسط»: «لا تزال مؤسسات كثيرة تتعامل مع الذكاء الاصطناعي بوصفه شيئاً يُجرَّب، بدلاً من دمجه في العمليات الأساسية». وبالنسبة إليه، فإن تقليص هذه الفجوة يتطلب ربط الذكاء الاصطناعي مباشرةً بأداء الأعمال والخدمات وتجربة العملاء، مع توفير البيانات المناسبة والحوكمة والمواهب ونماذج التشغيل القادرة على تحويل الاستخدام إلى أثر قابل للقياس.

هذا التوجه يشكل المحور الرئيسي لأولويات الغامدي في عامه الأول، إذ يرى أن الهدف هو جعل أثر الذكاء الاصطناعي «حقيقياً، وليس مجرد عنوان»، بحيث يظهر في طريقة عمل المؤسسات وفي الخدمات التي تقدمها والنتائج التي تحققها.

«مايكروسوفت»: المنافسة بين مزودي السحابة والذكاء الاصطناعي ستنتقل من مجرد توفير النماذج والبنية التحتية إلى القدرة على تحقيق أثر فعلي وآمن داخل المؤسسات (أدوبي)

ثلاث أولويات للعام الأول

يضع الغامدي أولاً ما يسميها «القاعدة السحابية الموثوقة»، خصوصاً مع استعداد منطقة (أزور) «Azure» في المنطقة الشرقية للمملكة أن تصبح متاحة لأعباء عمل العملاء. ويربط هذه الخطوة بقدرة المؤسسات على تحديث أنظمتها الحساسة بطريقة آمنة ومسؤولة، وليس فقط بإضافة مزيد من القدرة الحاسوبية داخل المملكة.

أما الأولوية الثانية فهي نقل مشاريع الذكاء الاصطناعي من مرحلة التجربة إلى القيمة العملية. ويفيد بأن معيار النجاح لن يكون عدد حالات الاستخدام التي تعلن عنها الشركات، بل مقدار التحسن الذي يتحقق في الإنتاجية والخدمات والعمليات وتجربة العملاء.

ويشير إلى منصة «O3ai» وهي

نظام ذكي للمصانع الذكية

طوّرته «مجموعة العبيكان» بوصفها مثالاً على ما يمكن أن يبدو عليه هذا الانتقال من التجريب إلى الاستخدام العملي، وفقاً لإجابته.

ويضع بناء القدرات السعودية في المرتبة الثالثة، مستنداً إلى التزام «مايكروسوفت» بمساعدة 3 ملايين شخص في السعودية على اكتساب مهارات في الذكاء الاصطناعي بحلول 2030. ويقول إن الهدف من ذلك هو أن يكون التحول مبنياً ومستداماً محلياً، لأن «التكنولوجيا وحدها لا تصنع التحول، بل الناس».

المنطقة السحابية... أكثر من استضافة محلية

لا يقدم الغامدي إطلاق المنطقة السحابية السعودية بوصفه مسألة سعة أو إقامة بيانات فقط، بل يربطه بقدرة الشركات والجهات الحكومية على تحديث أعباء العمل الحرجة والاستعداد لتوسيع استخدامات الذكاء الاصطناعي. ويشير إلى أن التوسع على مستوى وطني يحتاج إلى عناصر متكاملة تشمل جاهزية السحابة، وبنية البيانات والأمن والحوكمة والمهارات وشبكة قوية من الشركاء. ومن هذا المنطلق، يرى أن الأثر الأوسع للمنطقة الجديدة قد يظهر في انتقال جزء أكبر من خلق القيمة الرقمية إلى داخل المملكة. ويقول إن ذلك يمكن أن يعني مزيداً من الحلول المحلية، وتعميق القدرات التقنية، وتوسيع الابتكار بين الشركاء، وعلى المدى الأبعد إنتاج ملكية فكرية يمكن أن تخدم السوق السعودية وأسواقاً أخرى في المنطقة.

سوق أكثر تنافساً

يرى الغامدي أن اتساع الخيارات أمام العملاء السعوديين بين مزودي الخدمات السحابية المحليين والعالميين تطور إيجابي، معتبراً أنه يعكس سوقاً «قوية وسريعة النضج». ومع اتساع القدرة السحابية وازدياد سهولة الوصول إلى نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة، لا يرى أن التنافس سيظل قائماً فقط على من يمتلك البنية أو النموذج.

ويلفت إلى أن «التميّز سينتقل من الوصول إلى الأثر»، موضحاً أن السؤال لن يكون فقط حول من لديه النموذج، بل حول من يستطيع مساعدة المؤسسات على استخدامه بصورة آمنة ومسؤولة وبطريقة تغير فعلياً أساليب العمل.

ويربط ذلك بمحاولة جمع السحابة والبيانات والأمن السيبراني وأدوات الإنتاجية وتطبيقات الأعمال وأدوات المطورين وخيارات النماذج ضمن منصة واحدة، بحيث يصبح الذكاء الاصطناعي جزءاً من سير العمل اليومي والقرارات والعمليات وتجارب العملاء.

كما يركز على مسألة التحكم في البيانات والسياق والمعرفة المؤسسية التي تميز كل جهة. ويلخّص الغامدي عناصر المنافسة التي تراهن عليها «مايكروسوفت» في ثلاثة مفاهيم: «الثقة والاختيار والتحكم»، إلى جانب القدرة على تحويل الذكاء الاصطناعي إلى أثر قابل للقياس على نطاق واسع.

العائد غير المتساوي من الذكاء الاصطناعي

رغم تسارع الاستثمار في الذكاء الاصطناعي التوليدي، يقر الغامدي بأن هناك خطراً في أن تتحرك المؤسسات نحو هذه التقنيات بسرعة أكبر من قدرتها على إصلاح مشكلات البيانات والعمليات والحوكمة.

ويقول إن الذكاء الاصطناعي التوليدي يمكنه تسريع ما تفعله المؤسسة بالفعل، لكنه «لا يستطيع التعويض عن ضعف أسس البيانات أو تشتت العمليات أو غياب الحوكمة الواضحة». ويرى أن المؤسسات التي تحقق نتائج أقوى هي التي تتعامل مع الذكاء الاصطناعي كجزء من تحول الأعمال، وليس كمشروع تقني منفصل.

ويستشهد بتجربة شركة «معادن»، قائلاً إن فرقها توفر أكثر من 2200 ساعة شهرياً باستخدام «Microsoft 365 Copilot» و«Copilot Studio» و«Azure OpenAI Service». وبالنسبة إليه، لا ينبغي النظر إلى سرعة التبني بمعزل عن جودة الأسس التي يقوم عليها. ويقول إن الأمن والحوكمة يجب أن يتقدما بالسرعة نفسها، بحيث لا يصبح السؤال عما إذا كانت المؤسسة تتحرك بسرعة كبيرة، بل عما إذا كانت بنيتها التنظيمية والبيانية والأمنية تتحرك معها.

تعوّل «مايكروسوفت العربية» على المنطقة السحابية السعودية لدعم أعباء العمل الحساسة ومتطلبات إقامة البيانات وتوسيع بناء الحلول (الشركة)

من استهلاك التكنولوجيا إلى صناعتها

يرى الغامدي أن المرحلة المقبلة في السعودية لا تتعلق فقط باستخدام المنصات العالمية، بل بزيادة القدرة على بناء تقنيات من داخل المملكة يمكن أن تتوسع خارجها.

ويقول إن دور «مايكروسوفت» في هذا الجانب يتمثل في توفير البنية السحابية وأدوات الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني ومنصات البيانات والدعم من منظومة الشركاء للشركات السعودية والناشئة والمطورين. كما يشدد على أن المنطقة السحابية المحلية يمكن أن تساعد على بناء واستضافة حلول داخل المملكة مع تلبية متطلبات إقامة البيانات والتنظيم.

ويضيف أن الفرصة طويلة المدى هي انتقال عدد أكبر من المؤسسات السعودية «من استهلاك التكنولوجيا إلى صناعتها»، بما يشمل تطوير ملكية فكرية ومنصات وحلول ذكاء اصطناعي ذات قدرة على المنافسة إقليمياً وعالمياً.

السيادة الرقمية... والقدرة المحلية

عند سؤاله عن السيادة الرقمية والفرق بين إقامة البيانات والسيطرة التشغيلية والاستقلال التقني، ركز الغامدي في إجابته على زيادة القدرة المحلية على بناء الحلول واستضافتها داخل المملكة.

وأشار إلى أن وجود البنية السحابية المحلية يتيح للمبتكرين تطوير واستضافة حلول داخل السعودية مع مراعاة متطلبات إقامة البيانات والتنظيم، وربط ذلك بالتحول من استخدام التكنولوجيا إلى إنتاجها.

ولم يفصل الغامدي بصورة مباشرة بين إقامة البيانات والسيطرة التشغيلية والاستقلال التقني، لكنه ربط المسألة بقدرة الشركات السعودية والناشئة والمطورين على الاحتفاظ بجزء أكبر من القيمة التقنية والمعرفة والملكية الفكرية داخل المملكة.

تربط الشركة النجاح على المدى الطويل بانتقال السعودية من استهلاك التكنولوجيا إلى صناعتها عبر تطوير مهارات ومواهب وحلول ومنصات (أدوبي)

دور يتجاوز البنية التحتية

يعود الغامدي في تفسيره لدور «مايكروسوفت» في السعودية إلى تاريخ يمتد لأكثر من 25 عاماً من العمل مع الحكومة والمؤسسات والشركات والمطورين والشركاء والجهات التعليمية، بما في ذلك التعاون مع وزارة الاتصالات وتقنية المعلومات في مجالات السحابة والمهارات والذكاء الاصطناعي المسؤول.

ويقول إن المرحلة الحالية ترفع مستوى المسؤولية من مجرد توفير التكنولوجيا إلى تحويلها إلى نتائج وطنية، مثل تحسين الخدمات والإنتاجية وتعزيز البيئات الرقمية الآمنة وخلق فرص أوسع للمواهب السعودية.

ويتولى الغامدي منصبه بعد أكثر من 15 عاماً من الخبرة داخل «مايكروسوفت»، وكان قبل ذلك يقود أعمال الشركة مع القطاع العام في السعودية، بما شمل الجهات الحكومية والمؤسسات الوطنية والتعليم والرعاية الصحية، إضافةً إلى مشاركته في مبادرات مرتبطة بتنظيم السحابة الحكومية ومنصة التحليلات الوطنية. كما شملت مسيرته أدواراً في «أوراكل» و«غوغل».

اختبار السنوات الثلاث المقبلة

وفي إجابته عن المعيار الذي يمكن من خلاله تقييم فترته بعد ثلاث سنوات، لم يربط الغامدي النجاح بحجم الأعمال أو عدد المنتجات التي يتم بيعها، بل بصيغة أوسع تتعلق بتحويل طموح الذكاء الاصطناعي إلى نتائج يمكن ملاحظتها. ويقول: «بعد ثلاث سنوات، سأقيّم النجاح من خلال سؤال واحد: هل ساعدنا السعودية على تحويل طموح الذكاء الاصطناعي إلى تقدم يستطيع الناس رؤيته؟».

ويحدد ذلك في توسع البنية السحابية الموثوقة داخل المؤسسات والقطاعات الحرجة، وانتقال الذكاء الاصطناعي من التجارب إلى تحسينات قابلة للقياس في الإنتاجية والخدمات وتجربة العملاء، إلى جانب زيادة عدد المواهب والشركاء والمطورين السعوديين القادرين على بناء قيمة رقمية من داخل المملكة.

وبهذا الإطار، تتركز المرحلة التي يصفها الغامدي على اختبار قدرة الاستثمارات التقنية على الانتقال من التبني إلى التنفيذ، ومن استخدام النماذج والمنصات إلى نتائج في الإنتاجية والخدمات والمهارات والملكية الفكرية يمكن قياسها داخل الاقتصاد السعودي.

Your Premium trial has ended


مقالات ذات صلة

«من معرض ليب 2026»... «مايكروسوفت» تتيح منطقتها السحابية الجديدة في شرق السعودية خلال نوفمبر

تكنولوجيا تضم المنطقة الجديدة ثلاث مناطق إتاحة لخدمات «أزور» مع دعم استضافة البيانات داخل المملكة وتحسين الأمان والتوافر وزمن الاستجابة (إس.ب.أ)

«من معرض ليب 2026»... «مايكروسوفت» تتيح منطقتها السحابية الجديدة في شرق السعودية خلال نوفمبر

«مايكروسوفت» تفعّل منطقتها السحابية شرق السعودية في نوفمبر لدعم تشغيل الذكاء الاصطناعي محلياً وتعزيز استضافة البيانات والمهارات الرقمية بالمملكة.

نسيم رمضان (الرياض)
تكنولوجيا يركز التعاون على الجمع بين قدرات «هيوماين» في الذكاء الاصطناعي العربي ومنصات «مايكروسوفت» المؤسسية بما فيها «Microsoft 365 Copilot» (شاترستوك)

«هيوماين» و«مايكروسوفت» توسعان التعاون لإدماج «علّام» في منظومة الذكاء الاصطناعي للمؤسسات

تتعاون «هيوماين» و«مايكروسوفت» لدمج «علّام» في منصات الذكاء الاصطناعي ودعم المؤسسات السعودية بحلول عربية وهندسة تطبيقية قابلة للتوسع بشكل أوسع.

نسيم رمضان (لندن)
الاقتصاد أشخاص يمرّون أمام بورصة نيويورك (أ.ب)

«وول ستريت» تستعيد أكثر من نصف خسائرها بدعم نتائج «مايكروسوفت»

انتعشت الأسهم الأميركية بقوة يوم الخميس، مستعيدة أكثر من نصف خسائر الجلسة السابقة، بدعم من القفزة الكبيرة لسهم «مايكروسوفت» عقب إعلان نتائج أعمال قوية.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الاقتصاد لافتة لشركة «مايكروسوفت» تُرى عبر الزجاج خلال المؤتمر الوطني لتجارة التجزئة لعام 2026 في نيويورك (رويترز)

«مايكروسوفت» تبدد مخاوف الإنفاق على الذكاء الاصطناعي... وسهمها يقفز 8 %

قالت شركة «مايكروسوفت» يوم الأربعاء إنها تتوقع مواصلة توليد التدفقات النقدية خلال سنتها المالية 2027 التي بدأت للتو.

«الشرق الأوسط» (نيويورك )
الاقتصاد شعار شركة ميتا في صورة توضيحية مطبوعة بتقنية ثلاثية الأبعاد (رويترز)

إنفاق الذكاء الاصطناعي يضغط على التدفقات النقدية لعمالقة التكنولوجيا

بدأت شركات الحوسبة السحابية العملاقة في الولايات المتحدة تحقيق عوائد أولية من استثماراتها الضخمة في الذكاء الاصطناعي.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)

هل يتوسَّع التوطين الدوائي في السعودية من الإنتاج المحلي إلى الجينوم والطب الدقيق؟

من المتوقع أن يحصل أكثر من 60 متخصصاً سعودياً على تدريب دولي متقدم ضمن شراكة «لايفيرا» مع «نوفو نورديسك» لنقل المعرفة وبناء القدرات المحلية (أدوبي)
من المتوقع أن يحصل أكثر من 60 متخصصاً سعودياً على تدريب دولي متقدم ضمن شراكة «لايفيرا» مع «نوفو نورديسك» لنقل المعرفة وبناء القدرات المحلية (أدوبي)
TT

هل يتوسَّع التوطين الدوائي في السعودية من الإنتاج المحلي إلى الجينوم والطب الدقيق؟

من المتوقع أن يحصل أكثر من 60 متخصصاً سعودياً على تدريب دولي متقدم ضمن شراكة «لايفيرا» مع «نوفو نورديسك» لنقل المعرفة وبناء القدرات المحلية (أدوبي)
من المتوقع أن يحصل أكثر من 60 متخصصاً سعودياً على تدريب دولي متقدم ضمن شراكة «لايفيرا» مع «نوفو نورديسك» لنقل المعرفة وبناء القدرات المحلية (أدوبي)

يستهدف برنامج تعمل عليه مجموعة «لايفيرا» لتوطين إنتاج الإنسولين في السعودية تغطية نحو 65 في المائة من احتياجات السوق المحلية عند وصوله إلى كامل طاقته التشغيلية. والمقصود بذلك أن جزءاً كبيراً من الكميات التي يحتاج إليها المرضى في المملكة يمكن أن يأتي مستقبلاً من إنتاج محلي، بدلاً من الاعتماد الكامل على الإمدادات القادمة من الخارج.

ويكتسب الإنسولين أهمية خاصة في هذا السياق لأنه دواء يحتاج إليه المرضى بصورة مستمرة ولا يمكن تأجيل استخدامه عند حدوث اضطراب في سلاسل الإمداد. لذلك يرتبط توطينه، وفق الدكتور فادي بن صالح البحيران، الرئيس التنفيذي لمجموعة «لايفيرا»، بمفهوم أوسع للأمن الدوائي يقوم على ضمان توفر المنتجات الأساسية حتى عند تعرض الإمدادات العالمية لضغوط.

وينطبق جانب من هذه المعادلة على اللقاحات أيضاً، إذ تدخل في برامج الوقاية الاعتيادية، بينما ترتفع أهميتها خلال الأوبئة والطوارئ الصحية عندما يزداد الطلب العالمي وتتراجع مرونة سلاسل الإمداد.

لا تحصر مجموعة «لايفيرا» التوطين في الإنسولين أو اللقاحات. فالمسألة الأوسع تتعلق بمدى قدرة المملكة على الانتقال من تنفيذ مراحل نهائية من الإنتاج إلى امتلاك خبرات تشمل تطوير العمليات، والتصنيع الحيوي، ومراقبة الجودة، والدراسات السريرية والبيانات الجينومية.

الدكتور فادي بن صالح البحيران الرئيس التنفيذي لمجموعة «لايفيرا» (المجموعة)

التوطين يبدأ من التعبئة ولا ينتهي عندها

تُعد التعبئة والتغليف من أكثر نقاط الدخول شيوعاً إلى التصنيع الدوائي المحلي، لأنها تسمح ببناء خبرة في الجودة والتشغيل وسلاسل الإمداد المنظمة. غير أن البحيران يرى في لقاء خاص مع «الشرق الأوسط» أنها يجب أن تمثل بداية المسار وليس نهايته.

برأيه، يتحقق التوطين الأعمق عندما تصبح فرق تعمل داخل المملكة قادرة على التعامل مع مراحل أوسع من دورة حياة المنتج، تشمل التركيب والتعبئة والفحص والاختبار وإطلاق المنتج وتحسينه، إضافة إلى مراقبة الجودة والهندسة والصيانة وإعداد الملفات التنظيمية والمشتريات وإدارة الإمدادات.

ومع تراكم الخبرة وتوفر الجدوى الفنية والاقتصادية، يمكن أن تنتقل الصناعة إلى مراحل أكثر تعقيداً مثل التصنيع الأولي للمواد الدوائية والعمليات الحيوية التي تقع في بداية سلسلة القيمة.

ويشير البحيران إلى أن المرحلة المقبلة تتطلب ربط هذه القدرات بصورة أوثق مع البحث العلمي والرعاية الصحية والتنظيم والمواهب والأسواق، بدلاً من تطوير كل عنصر بصورة منفصلة.

ليس كل دواء مرشحاً للتصنيع المحلي

لا يعني توسيع التوطين، وفق البحيران، أن تستهدف السعودية تصنيع جميع الأدوية التي تستخدمها محلياً. فالاختيار يحتاج إلى موازنة بين عدة عوامل منها أهمية الدواء للصحة العامة، ومدى حساسية سلسلة إمداده، وحجم الطلب المحلي، وإمكان إنتاجه تقنياً، وإمكانية تشغيل المصنع على نطاق يوفر له استدامة تجارية.

ويقول البحيران إن القدرات التي تخدم الأمن الدوائي ولكنها لا تمتلك نموذجاً اقتصادياً قابلاً للاستمرار ستظل بحاجة إلى دعم، بينما قد لا تحقق المنشآت المجدية تجارياً وحدها الأهداف الصحية الوطنية إذا ركزت على منتجات لا تمثل أولوية من ناحية الإمداد أو الطلب. ويجعل ذلك استشراف الطلب المحلي على المدى الطويل عاملاً مؤثراً في قرارات الاستثمار، لأنه يساعد على تحديد المنتجات التي يمكن أن تجمع بين الأولوية الصحية والقدرة على الإنتاج المستدام.

تشمل أكثر مراحل التوطين تعقيداً زراعة الخلايا والتنقية وإنتاج المادة الدوائية والتعبئة المعقمة وهي مجالات تحتاج إلى سنوات من الخبرة المتراكمة (SPA)

المراحل الأصعب

يضع البحيران التصنيع الحيوي الأولي بين أكثر المراحل صعوبة في التوطين، خصوصاً العمليات المرتبطة بزراعة الخلايا وتنقيتها وإنتاج المادة الدوائية، إذ تحتاج هذه العمليات إلى مستوى مرتفع من التحكم والدقة. وتزداد الصعوبة عندما تنتقل العملية من نطاق المختبر إلى الإنتاج التجاري، لأن زيادة الحجم يجب ألا تؤثر في جودة المنتج أو استقرار العملية.

كما تمثل التعبئة النهائية المعقمة مرحلة شديدة الحساسية، بسبب الارتباط المباشر بين أي انحراف في بيئة الإنتاج وسلامة المنتج. ولذلك تحتاج هذه الأنشطة إلى معدات متخصصة، ومشغلين ذوي خبرة، وأنظمة دقيقة لمراقبة بيئة التصنيع، ومختبرات تحليلية وآليات لإجازة الدفعات قبل وصولها إلى السوق. وتحتاج مجالات أخرى، مثل الدراسات السريرية والعلوم التنظيمية والوصول إلى الأسواق، إلى فترة مشابهة لبناء المعرفة المؤسسية، حتى إذا أمكن إنشاء البنية التحتية المادية خلال وقت أقصر.

تدريب أكثر من 60 متخصصاً سعودياً

يشكل نقل المعرفة أحد المسارات التي تعتمد عليها الصناعة لبناء هذه الخبرات. وتشير «لايفيرا» إلى أن شراكتها مع «نوفو نورديسك» تشمل توطين التصنيع ونقل المعرفة وبناء القدرات، ومن المتوقع أن يحصل أكثر من 60 متخصصاً سعودياً على تدريب دولي متقدم في إطارها. لكن البحيران يفرّق بين إدراج نقل التقنية في اتفاقية وبين تحوله فعلياً إلى قدرة محلية. ويصرح بأن ذلك يحتاج إلى أهداف محددة يمكن قياسها، وإلى تدريب عملي داخل مرافق الشركاء، وعمل مباشر مع فرق لديها خبرة تشغيلية متقدمة. كما يشير إلى أهمية نموذج «تدريب المدربين»، بحيث تنتقل المعرفة لاحقاً إلى أعداد أكبر داخل السوق المحلية ولا تبقى محصورة في الأفراد الذين تلقوا التدريب الأولي.

الجينوم يضيف بعداً جديداً للصناعة

المرحلة التالية لا ترتبط بالتصنيع وحده، بل بكيفية استخدام بيانات مرتبطة بسكان المملكة لفهم الأمراض بصورة أكثر دقة. ويوضح البحيران أن تفسير النتائج الجينومية يعتمد على قواعد بيانات مرجعية. وعندما تكون مجموعة سكانية ممثلة بدرجة محدودة في هذه القواعد، قد يصعب تفسير بعض المتغيرات الجينية، وتصبح النتيجة أقل حسماً بالنسبة إلى الطبيب والمريض.

ومن هنا تأتي أهمية بناء بيانات جينومية أكثر ارتباطاً بسكان السعودية، لأنها قد تساعد على معرفة المتغيرات الأكثر انتشاراً أو ارتباطاً بحالات مرضية معينة، وتحسين تفسير الفحوص وربطها بالسياق السريري. ومع تراكم البيانات، يمكن أن تتوسع الاستخدامات إلى الفحص المبكر والوقاية وعلم الصيدلة الجيني، الذي يبحث في تأثير الاختلافات الجينية على استجابة الأشخاص للأدوية، إضافة إلى تصميم الدراسات السريرية واكتشاف أهداف علاجية جديدة.

يمكن للبيانات الجينومية والذكاء الاصطناعي دعم تشخيص أدق واكتشاف أهداف دوائية جديدة وتصميم دراسات سريرية أكثر ارتباطاً باحتياجات سكان المملكة (أدوبي)

الذكاء الاصطناعي وتحليل طبقات البيانات

لا يقدم الجينوم وحده صورة مكتملة عن المرض، حيث إن العمليات البيولوجية تتأثر أيضاً بنشاط الجينات والبروتينات والعمليات الخلوية، إلى جانب البيانات السريرية المتعلقة بتطور المرض والاستجابة للعلاج.

ويلفت البحيران إلى أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يساعد في تحليل هذه الطبقات المتعددة من البيانات، واكتشاف أنماط يصعب الوصول إليها يدوياً، وتحسين تفسير المتغيرات الجينية وتقسيم الأمراض إلى مجموعات أكثر دقة. كما يمكن استخدامه في البحث عن أهداف دوائية محتملة والمساعدة في تحديد المرضى الأنسب للمشاركة في الدراسات السريرية. ويكتسب ذلك أهمية في المنطقة نظراً إلى محدودية تمثيل بعض سكانها تاريخياً في قواعد البيانات والأبحاث العالمية، مما يجعل زيادة البيانات السعودية والإقليمية عاملاً يمكن أن يحسن دقة الأبحاث المرتبطة بالاحتياجات المحلية. وفي الوقت نفسه، يشدد البحيران على أن دور الذكاء الاصطناعي يجب أن يبقى داعماً للأطباء والعلماء، وليس بديلاً عن التقييم الطبي أو العلمي.

الخصوصية جزء من البنية الأساسية

كلما اتسع استخدام البيانات الصحية والجينومية، أصبح موضوع الثقة أكثر ارتباطاً بقدرة هذه المنظومة على الاستمرار. ويرى البحيران أن الحوكمة يجب أن تبدأ قبل جمع البيانات، من خلال توضيح ماهية المعلومات التي يجري جمعها، وأسباب استخدامها، والجهات التي تستطيع الاطلاع عليها، وما إذا كان يمكن توظيفها لاحقاً في البحث.

ويشمل ذلك الحصول على موافقة واضحة من الأفراد، وتقليل كمية البيانات التي يتم جمعها إلى ما هو ضروري، واستخدام إخفاء الهوية أو الترميز عند الحاجة، إلى جانب التشفير والتخزين الآمن وتحديد صلاحيات الوصول وتسجيل العمليات التي تتم على البيانات.

أما استخدام البيانات للأبحاث، فيحتاج إلى مراجعة أخلاقية وعلمية وإجراءات واضحة للأمن السيبراني والاستجابة للحوادث. ويشير البحيران إلى أن الالتزام بنظام حماية البيانات الشخصية السعودي والمعايير البحثية ذات الصلة يمثل الحد الأدنى، بينما تعتمد الثقة طويلة الأجل على الحوكمة والشفافية في الاستخدام.

من خطوط الإنتاج إلى سلسلة قيمة مترابطة

منذ توليه منصب الرئيس التنفيذي للمجموعة في يناير (كانون الثاني) 2026، يضع البحيران الحوكمة وكفاءة الأعمال وترتيب الأولويات ضمن محاور عمله، قائلاً إنه يركز على تحويل المشروعات والشراكات إلى قدرات تشغيلية محلية يمكن الاعتماد عليها.

ويكشف أن اختبار المرحلة المقبلة في قطاع الصناعات الدوائية الحيوية لن يكون فقط في عدد خطوط الإنتاج التي يتم توطينها. فالوصول إلى صناعة أعمق يعتمد على تكامل التصنيع والبحث والدراسات السريرية والتنظيم والمهارات والبيانات.

ولهذا لا تمثل نسبة 65 في المائة المستهدفة من احتياجات الإنسولين مجرد رقم للإنتاج المحلي، بل مثالاً على السؤال الأوسع الذي يواجه القطاع: إلى أي مدى يمكن تحويل توطين منتج أساسي إلى خبرة صناعية وعلمية قابلة للتوسع نحو أدوية حيوية أكثر تعقيداً، ثم ربط هذه الخبرة مستقبلاً بالجينوم والبيانات والذكاء الاصطناعي لتطوير علاجات أكثر ارتباطاً باحتياجات المرضى في المملكة.


«أوبن إيه آي» تزعم حل معضلة رياضية حيّرت البشر لعقود

شعار شركة «أوبن إيه آي» (رويترز)
شعار شركة «أوبن إيه آي» (رويترز)
TT

«أوبن إيه آي» تزعم حل معضلة رياضية حيّرت البشر لعقود

شعار شركة «أوبن إيه آي» (رويترز)
شعار شركة «أوبن إيه آي» (رويترز)

زعمت شركة «أوبن إيه آي» أنها حلّت معضلة رياضية كبرى حيّرت البشر لعقود، وذلك بعد إنفاق ملايين الدولارات على هذا المسعى الذي قاده الذكاء الاصطناعي.

وحسب صحيفة «الغارديان» البريطانية، فقد أعلنت الشركة المطورة لـ«تشات جي بي تي» أنها نجحت في حل معضلة «نافيير-ستوكس» (Navier-Stokes)، وهي واحدة من سبع مسائل عدّها معهد كلاي للرياضيات من أصعب المسائل غير المحلولة.

وذكرت «أوبن إيه آي» أنها عالجت المعضلة باستخدام نظام داخلي يفوق في قوته أحدث نماذجها، وهو نموذج «GPT-6 Astra». وقد عمل على حل المسألة في آن واحد نحو 10 آلاف «وكيل ذكاء اصطناعي» (وهي أنظمة ذكاء اصطناعي تنفذ المهام بشكل مستقل)، حيث تم التوصل إلى الحل في غضون 88 ساعة.

وتتمحور مسألة «نافييه-ستوكس» حول تساؤل عما إذا كانت المعادلات المستخدمة لوصف حركة الموائع، مثل الهواء والماء، تفشل في ظل ظروف معينة. ويشير البرهان الذي قدمته «أوبن إيه آي» إلى أن المعادلات تفشل بالفعل، إذ قد «تنفجر» أحياناً، لتصل سرعة الموائع إلى قيم لا نهائية يستحيل حدوثها واقعياً.

وقد استغرق نموذج «GPT-6 Astra»، التابع لشركة «أوبن إيه آي»، نحو 17 ساعة للتحقق من صحة الحل.

وكتب باحثو «أوبن إيه آي» في تدوينة لهم: «يتمثل أحد الأهداف الرئيسية لعملنا في تمكين العلماء من دفع عجلة الأبحاث والتكنولوجيا التي تعود بالنفع على البشرية جمعاء. ونحن نؤمن بأهمية إطلاع العالم على وتيرة التقدم في مجال الذكاء الاصطناعي وما يمكن توقعه من النماذج المستقبلية».

ويُعدّ هذا الإنجاز أحدث دليل على كيفية توغل نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة، التي تستهلك قدرات حوسبة هائلة، في مجال الرياضيات وإعادة تشكيله.

وفي شهر مايو (أيار)، أعلنت شركة «أوبن إيه آي» إحراز تقدم في مسألة رياضية أخرى طُرحت لأول مرة قبل 80 عاماً، في حين حقّقت شركة «ديب مايند» التابعة لـ«غوغل» أيضاً إنجازات رياضية باستخدام نماذجها.

ووصف الباحث في «أوبن إيه آي»، سيباستيان بوبيك، حل مسألة «نافييه-ستوكس» بأنه «تتويج مذهل للمسار الذي شهدناه على مدار الشهور الاثني عشر الماضية».

لكن الإعلان لم يمر دون جدل، بعدما قال عالم الرياضيات تريستان باك ماستر، الأستاذ في جامعة نيويورك، إن «أوبن إيه آي» سارعت في العمل على المسألة بعد علمها بأنه وباحثاً آخر من شركة «أنثروبيك» كانا على وشك إعلان إنجاز خاص بهما.

وأبدى باك ماستر مخاوف إضافية بشأن استخدام أحد منتجات «أوبن إيه آي» في تخزين عملهما البحثي، معتبراً أن ذلك ربما أتاح لفريق الشركة الاطلاع على العمل. لكنه شدد على أنه لا يتهم الشركة بأي مخالفة، قائلاً: «لا أعرف ماذا فعل نظامهم أو كيف فعله. لا أعرف ما إذا كانت بياناتنا قد استُخدمت. أنا لا أتهم أحداً بأي شيء».

من جانبه، نفى بوبيك خلال مؤتمر صحافي أن تكون الشركة قد استخدمت عمل الباحثين أو وصلت إلى المواد التي شاركاها مع خوادم «أوبن إيه آي». وفي إعلانها عن الإنجاز، قالت الشركة إنها استوحت فكرة بدء العمل على المسألة بعد سماع شائعات عن حل مسألتَين من مسائل معهد كلاي، لكنها أقرت في الوقت نفسه بأنها «لا تستطيع استبعاد أن تكون البيانات الناتجة عن استخدامهما منتجاتنا قد ساعدت في تحسين نماذجنا».

وتعد المسألة الرياضية واحدة من سبع مسائل عالمية رصد معهد كلاي للرياضيات مليون دولار لمن يقدم حلاً صحيحاً لأي منها. وقالت «أوبن إيه آي» إنها لا تعتزم المطالبة بالجائزة المالية، رغم أن حل المسألة، إذا ثبتت صحته واعتماده، فسيكون إنجازاً بارزاً في تاريخ الرياضيات ودليلاً جديداً على تنامي قدرة أنظمة الذكاء الاصطناعي على المشاركة في أبحاث كانت حكراً على البشر لعقود.


تطوير أداة مدعومة بالذكاء الاصطناعي تخترق الهواتف دون الحاجة لأي نقرة

الباحثون طوّروا أول «دودة حاسوبية» تتمكن من الانتشار عبر نظامَي التشغيل «iOS» و«أندرويد» دون الحاجة إلى قيام الضحية بالضغط على أي شيء (أرشيفية - رويترز)
الباحثون طوّروا أول «دودة حاسوبية» تتمكن من الانتشار عبر نظامَي التشغيل «iOS» و«أندرويد» دون الحاجة إلى قيام الضحية بالضغط على أي شيء (أرشيفية - رويترز)
TT

تطوير أداة مدعومة بالذكاء الاصطناعي تخترق الهواتف دون الحاجة لأي نقرة

الباحثون طوّروا أول «دودة حاسوبية» تتمكن من الانتشار عبر نظامَي التشغيل «iOS» و«أندرويد» دون الحاجة إلى قيام الضحية بالضغط على أي شيء (أرشيفية - رويترز)
الباحثون طوّروا أول «دودة حاسوبية» تتمكن من الانتشار عبر نظامَي التشغيل «iOS» و«أندرويد» دون الحاجة إلى قيام الضحية بالضغط على أي شيء (أرشيفية - رويترز)

تمكّن فريق صغير من الباحثين في شركة «كاليف» الأمنية بولاية كاليفورنيا، بفضل نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة، من تطوير أداة اختراق، قادرة على اختراق منصة «وي تشات» -وهي منصة التواصل الاجتماعي والمراسلة واسعة الانتشار في الصين- والسيطرة عليها تماماً.

وقال تاي دونغ، الرئيس التنفيذي لشركة «كاليف» -التي تؤكد أنها تطور أدوات الاختراق ليس لبيعها؛ بل لتعزيز الدفاعات السيبرانية- إن هذه الثغرة «استثنائية». وأضاف، وفقاً ​لما نقلته صحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية، أن بساطة الثغرة وقدراتها الهائلة تمثل «حلماً يتحقق» بالنسبة للمخترقين.

ويُعد هذا الهجوم أحدث مثال -وواحداً من أكثر الأمثلة إثارة للقلق- على السرعة الفائقة التي يتطور بها الذكاء الاصطناعي؛ حيث تتقدم بوتيرة تتجاوز قدرة الجهات التنظيمية -وحتى كبار المطورين- على مواكبتها.

وذكرت شركة «كاليف» أن الهجوم الذي أطلقت عليه اسم «WeWorm» كان أول «دودة حاسوبية» معروفة (وهي نوع من البرمجيات الخبيثة القادرة على الانتقال ذاتياً من جهاز إلى آخر دون تدخل بشري) تتمكن من الانتشار عبر نظامَي التشغيل «iOS» من «أبل» و«أندرويد» من «غوغل»، دون الحاجة إلى قيام الضحية بالنقر أو الضغط على أي شيء.

وتُعد الهجمات التي تُعرف بـ«هجمات النقر الصفري» أكثر خطورة بكثير من رسائل البريد الإلكتروني والرسائل النصية التقليدية المستخدمة في التصيد الاحتيالي؛ إذ تُعتبر هذه الهجمات ضارة للغاية لصعوبة التصدي لها، نظراً لأنها لا تتطلب من الضحية الوقوع في فخ رقمي مُعد مسبقاً.

قرصنة إلكترونية (رويترز)

وأكدت متحدثة باسم شركة «تنسنت» الصينية المالكة لتطبيق «وي تشات» وجود الثغرة الأمنية، مشيرة إلى أن الشركة عالجت المشكلة بعد تواصل «كاليف» معها.

وذكرت المتحدثة في بيان أن الشركة ليس لديها ما يدعوها للاعتقاد بأن المشكلة قد أخلَّت بالأمن، أو أثرت على أي من المستخدمين، مضيفة أن الأمر لا يتطلب من العملاء إجراء أي تحديثات للتطبيق.

ومع ذلك، من المرجح أن يثير هذا الاكتشاف مزيداً من المخاوف من أن نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة قد تنذر قريباً بقدوم مستقبل قاتم ينسف الافتراضات الجوهرية حول الأمن الرقمي، ويمنح على المدى القصير -على الأقل- ميزة كبيرة للقراصنة الخبيثين.

وقد أوضحت «كاليف» أنها اعتمدت في عملها على مزيج من نماذج الذكاء الاصطناعي مفتوحة المصدر، ونماذج رائدة من الولايات المتحدة، ولكنها رفضت تحديد أي منها تم استخدامه.

وفي هجوم «WeWorm»، وبمجرد اختراق حساب على تطبيق «وي تشات»، كان بإمكان المخترق قراءة الرسائل وإرسالها، وإجراء المكالمات، والتحكم في حساب الضحية.

وتستغل «الديدان الحاسوبية» ثغرات برمجية لا تتطلب النقر على رابط أو ملف لنشر شفرتها برمجياً وبشكل تلقائي عبر الشبكة أو الإنترنت، مما يتيح لها الانتشار بسرعة وسهولة، وهو ما حدث في هذه الحالة عبر حسابات «وي تشات».

وذكرت شركة «وي تشات» في تدوينة لها هذا العام، أن لديها أكثر من 1.4 مليار مستخدم نشط شهرياً، مما يجعلها واحدة من أكثر التطبيقات استخداماً في العالم، علماً بأن الغالبية العظمى من مستخدميها يوجدون في الصين.

ومن جانبه، وصف فين نغوين -وهو كبير علماء البيانات السابق في وكالة الأمن القومي- هذه البرمجية الخبيثة بأنها واحدة من أكثر الهجمات السيبرانية خطورة وإثارة للقلق رآها على الإطلاق.

وظهرت برمجيات الدودة الحاسوبية ذاتية الانتشار سابقاً، وكانت أكثر شيوعاً قبل عقود، ولم تكن تستهدف برمجيات الهواتف المحمولة.

وأشار نغوين إلى أن دودة «وي تشات» تثير قلقاً خاصاً لقدرتها على اختراق الحسابات بسرعة، ثم الانتشار تلقائياً إلى جميع الأرقام المحفوظة في دفتر عناوين الحساب، مما يتيح لها «الانتشار بشكل متسارع للغاية» وأضاف قائلاً: «في غضون ساعات، يمكن أن يصل الهجوم إلى مئات الملايين من الأجهزة».

وفي الأسابيع الأخيرة، حذَّرت شركة «أوبن إيه آي» وأكثر من مائة شركة تكنولوجيا كبرى -بما في ذلك «كاليف»- في رسالة مفتوحة، من موجة قادمة من الهجمات السيبرانية المدعومة بالذكاء الاصطناعي، وشددت على ضرورة استعداد المؤسسات والحكومات لمواجهتها.

وجاءت هذه الرسالة في أعقاب سلسلة من الهجمات السيبرانية التي نفَّذتها نماذج الذكاء الاصطناعي؛ حيث تمكنت هذه النماذج في بعض الحالات من الخروج من بيئات الاختبار ومهاجمة شركات أخرى.

وفي مقابلة مع صحيفة «نيويورك تايمز»، صرح الملياردير بيل غيتس -الشريك المؤسس لشركة «مايكروسوفت»- بأن التصدي لهذه المخاطر يجب أن يكون «الأولوية القصوى للعالم».

وقال سام ألتمان، الرئيس التنفيذي لشركة «أوبن إيه آي»، الأسبوع الماضي، خلال اجتماع لمجموعة العشرين في ولاية كارولاينا الشمالية: «نواجه تحدياً كبيراً؛ إذ ستحدث أمور بالغة السوء فيما يتعلق بالأمن السيبراني، ما لم يتحرك البعض بشكل عاجل للغاية».