«مبادرة مستقبل الاستثمار»... من «دافوس الصحراء» إلى منصة لفكفكة الأزمات

المؤتمر يحدد اتجاهات تدفقات رأس المال... والأسواق تترقب صفقات صانعي قرار الـ100 تريليون دولار

جانب من الحضور خلال إحدى جلسات مؤتمر «مبادرة مستقبل الاستثمار» في نسخته الثامنة (الشرق الأوسط)
جانب من الحضور خلال إحدى جلسات مؤتمر «مبادرة مستقبل الاستثمار» في نسخته الثامنة (الشرق الأوسط)
TT

«مبادرة مستقبل الاستثمار»... من «دافوس الصحراء» إلى منصة لفكفكة الأزمات

جانب من الحضور خلال إحدى جلسات مؤتمر «مبادرة مستقبل الاستثمار» في نسخته الثامنة (الشرق الأوسط)
جانب من الحضور خلال إحدى جلسات مؤتمر «مبادرة مستقبل الاستثمار» في نسخته الثامنة (الشرق الأوسط)

في خضم تحولات جيوسياسية واقتصادية غير مسبوقة، تُرسّخ الرياض مكانتها بوصفها مركز ثقل عالمياً لا يمكن تجاهله، حيث تتحول العاصمة السعودية إلى ملتقى صُنّاع المستقبل وقاعدة انطلاق للحلول الدبلوماسية الأشد إلحاحاً... ففي الوقت الذي تستضيف فيه المدينة مؤتمر «مبادرة مستقبل الاستثمار»، الذي يجمع في نسخته التاسعة عمالقة المال والتكنولوجيا لبناء خريطة طريق للاقتصاد المستدام والذكاء الاصطناعي، تشهد أيضاً حراكاً مكثفاً وغير مسبوق على الصعيد السياسي والدبلوماسي، حيث عُقدت فيها الاجتماعات التنسيقية لحل الدولتين، مؤكدة بذلك دورها المحوري بوصفها جسراً يربط بين رأس المال العالمي، والضرورات التنموية، ومتطلبات الاستقرار والسلام في المنطقة.

الرميان في كلمة له خلال افتتاح مؤتمر «مبادرة مستقبل الاستثمار» في نسخته الثامنة (الشرق الأوسط)

مؤتمر «مبادرة مستقبل الاستثمار» في نسخته التاسعة، الذي انطلق في جلسات خاصة يوم الاثنين، على أن يفتتح رسمياً الثلاثاء، تحت شعار «مفتاح الازدهار: إطلاق آفاق جديدة للنمو» بحضور أكثر من 8 آلاف مشارك و650 متحدثاً بارزاً من خلال 250 جلسة حوارية، ليس مجرد تجمع اقتصادي، بل بات منصة اختبار للقدرة على التكيف، حيث يجتمع قادة عالميون لقياس نبض الاقتصاد العالمي المأزوم.

وهو لم يعد مجرد محفل للاستثمار بصبغة محلية، فقد تجاوز مكانته المألوفة بوصفه «دافوس الصحراء»، ليتحول إلى منصة جيو - اقتصادية فعالة لفكفكة الأزمات.

ويأتي المؤتمر في لحظة محورية عالمياً ومحلياً، حيث فرضت التوترات التجارية، كالرسوم الجمركية الأميركية، والتطورات الجيوسياسية في أوروبا والشرق الأوسط، حالة مرتفعة من عدم اليقين، فيما تنذر المخاطر المحيطة بآفاق الاقتصاد العالمي بتطورات سلبية.

في المقابل، كانت السعودية تسبح عكس التيار، حيث أظهرت قدرة عالية على الصمود في مواجهة الصدمات الدولية والتأقلم السريع مع تغير الظروف. وقد تعزز هذا الصمود بنمو كبير في الأنشطة غير النفطية في إطار مسيرة التنويع الاقتصادي؛ مما يجعل المملكة نقطة جذب موثوقة ومرساة لرؤوس الأموال في عالم متصاعد التشظي.

رئيس اللجنة التنفيذية والرئيس المكلَّف لمؤسسة «مبادرة مستقبل الاستثمار» ريتشارد أتياس في مؤتمره الصحافي التمهيدي الأسبوع الماضي (الشرق الأوسط)

المرونة الاستراتيجية

يشكل المؤتمر امتداداً مباشراً لـ«رؤية 2030»، فهو يقدم في الوقت نفسه بعداً جديداً يتمثل في المرونة الاستراتيجية وإعادة تقييم مسارات برامج التنمية. وقد تجسد هذا البعد في التوجيهات الصريحة من الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، التي شددت على أن «المصلحة العامة هي الهدف الأسمى الذي نتوخاه من تلك البرامج والمستهدفات. ونحن عازمون على تحقيقها وإكمالها. إلا إننا نؤكد أيضاً أننا لن نتردد في إلغاء أو إجراء أي تعديل جذري لأي برامج أو مستهدفات تبين لنا أن المصلحة العامة تقتضي ذلك معها».

هذا الموقف يُعدّ إعلاناً عن جودة الأداء الحكومي وقدرته على مراجعة وتحوير مكونات البرامج لتكون أقوى مناعة ضد أي تقلبات دون تعطيل لمتطلبات التنمية، مع ضمان تحقيق القيمة طويلة الأجل. هذه المرونة في التخطيط هي ما يبحث عنه المستثمرون العالميون لضمان استدامة الشراكة.

مشاركون في مؤتمر «مبادرة مستقبل الاستثمار» بنسخته السابعة (الشرق الأوسط)

السيولة العالمية

«مبادرة مستقبل الاستثمار» هي عملياً «جسر» للسيولة العالمية ونقطة تحول للمستثمرين المهتمين بالشرق الأوسط. على الصعيد العالمي، تحدد النقاشات بشأن الذكاء الاصطناعي، والطاقة المستدامة، و«مفارقات الابتكار»، اتجاهات تدفقات رأس المال للسنوات المقبلة؛ مما يؤثر على تقييمات الشركات الكبرى عالمياً.

أما بالنسبة إلى «السوق المالية السعودية (تداول)»، فيعدّ المؤتمر محفزاً رئيسياً. فالحوار المباشر بين محافظ «صندوق الاستثمارات العامة» ورؤساء البنوك الاستثمارية العالمية يزيد من الوعي بعمق وسيولة السوق السعودية. هذا الاهتمام يدعم هدف المملكة بزيادة وزنها في المؤشرات العالمية ويجهز الأرضية لطروحات عامة أولية ضخمة مقبلة؛ مما يعزز السيولة والفرص الاستثمارية في قطاعات النمو المحددة ضمن «الرؤية».

ثقل جيوسياسي

يكتسب المؤتمر هذا العام ثقلاً جيوسياسياً غير مسبوق، فهو ينعقد في لحظة محورية للمنطقة؛ فالتركيز يتحول من الصراع إلى إعادة الإعمار والتنمية. الحضور الدبلوماسي الرفيع، بما في ذلك الاجتماعات التنسيقية لحل الدولتين، وربط الاستقرار السياسي بالاستثمار، وصولاً إلى استضافة شخصيات لمناقشة الصراعات الكبرى، يؤكد دور الرياض بوصفها وسيطاً قادراً على ربط الاستقرار السياسي بالاستثمار الاقتصادي.

3 محاور رئيسية

تركز إحدى الجلسات الرئيسية، بعنوان: «مفتاح الازدهار: إطلاق آفاق جديدة للنمو»، على 3 موضوعات محورية:

- التقدم: معالجة كفاءة السوق واستغلال الموارد الطبيعية، ومناقشة التكلفة البيئية للنمو الاقتصادي، وتكاليف الطاقة للتنمية الرقمية.

- الابتكار: كيفية تسخير الذكاء الاصطناعي بمسؤولية، وتمكين رواد الأعمال في مجال التكنولوجيا، وتعزيز المرونة المناخية.

- التجزئة: معالجة المخاطر الجيو - اقتصادية، والفجوة بين العملات التقليدية والرقمية، والتناقضات في النظام العالمي المتصل والمتنافس لتأمين سلاسل الإمداد، والرقائق الدقيقة، والمعادن النادرة.

وسيفتتح محافظ «صندوق الاستثمارات العامة» رئيس مجلس إدارة «مؤسسة مبادرة مستقبل الاستثمار»، ياسر الرميان، المؤتمر الثلاثاء، مقدّماً النسخة الرابعة من «بوصلة الأولويات»؛ وهو استطلاع واسع النطاق يستند إلى آراء عشرات الآلاف من المشاركين من 32 دولة، تُمثل 66 في المائة من سكان العالم، بهدف إرشاد صناع القرار نحو حلول عملية منبثقة من احتياجات المواطنين.

مشاركون في مؤتمر «مبادرة مستقبل الاستثمار» بنسخته السابعة (الشرق الأوسط)

«يوم الاستثمار»

كما أن صفقات «يوم الاستثمار»، في اليوم الأخير من المؤتمر، تترجَم مباشرة إلى تعاقدات وأعمال لشركات مقيدة في السوقين المحلية والإقليمية؛ إذ سوف يخصص هذا اليوم لإبرام الصفقات، واستعراض استراتيجيات شركات الاستثمار البارزة والمشروعات سريعة النمو، وعرض التقنيات المستقبلية، وتعزيز شبكات التواصل بين المؤسسين والمستثمرين العالميين. ومن المتوقع أن يشارك فيه مديرو صناديق تدير أصولاً تتجاوز قيمتها الإجمالية 100 تريليون دولار.

ومن بين المتحدثين في المؤتمر: لورانس فينك الرئيس التنفيذي لـ«بلاك روك»، وجيمي ديمون رئيس مصرف «جيه بي مورغان تشيس»، وديفيد سولومون رئيس «غولدمان ساكس»، وبروس فلات رئيس «بروكفيلد»، وبيل ونترز رئيس مصرف «ستاندرد تشارترد بنك»، وجين فريز رئيسة مصرف «سيتي»، وجيني جونسون رئيسة «فرنكلين تيمبتون»، وراي داليو مؤسس «بريدج وتر أسوسييتس»، وستيفان شوارزمان رئيس «بلاكستون غروب»، وكاثي وود مؤسسة ورئيسة «آرك إنفست»، وأليكس كلافيل رئيس «سوفت بنك فيجين فندز». بالإضافة إلى الرؤساء التنفيذيين لكل من: «باركليز»، و«ناسداك»، و«تماسيك»، و«مؤسسة الاستثمار الصينية».

جلسات مغلقة

يوم الاثنين، عُقدت جلسات حوارية مغلقة تناولت التحولات التكنولوجية والاقتصادية الأبرز في العالم؛ من الثورة الكمية، إلى التحول المالي عبر العملات الرقمية، وصولاً إلى تطورات المحاسبة الكربونية بوصفها أداة لقياس الأداء المناخي للشركات.

وفي جلسة مغلقة بعنوان: «هل يمكننا الفوز في سباق الحوسبة الكمية وتحويلها إلى أرباح؟»، ناقش المشاركون التسارع الكبير في الابتكارات الكمية على مستوى العتاد والبرمجيات والتطبيقات العملية في مجالات مثل الأدوية والأمن السيبراني. وتناولوا أيضاً تخصيص الحكومات حول العالم أكثر من 40 مليار دولار لدعم أبحاث وتقنيات الحوسبة الكمية، في انعكاس للأهمية الاستراتيجية لهذا المجال التنافسي المتسارع.

كما تناولت جلسة أخرى بعنوان: «هل يمكن لاختراق في المحاسبة الكربونية أن يقدم الحل لقياس الأداء المناخي للشركات؟» نُظمت بدعم من «أرامكو»، مستقبل تطوير نظم قياس الانبعاثات الكربونية على مستوى المنتجات، بما يتيح شفافية أعلى في تقييم الأداء البيئي للشركات.

وفي جلسة ثالثة حملت عنوان: «هل يمكن للبنية التحتية للعملات الرقمية أن تعيد تعريف النظام المالي العالمي؟»، ناقش الخبراء تطور العملات المستقرة والعملات الرقمية للبنوك المركزية، ودور مؤسسات مالية كبرى مثل «بنك أوف أميركا» و«باي بال» و«سترَيب» في تبنّي حلول دفع رقمية عابرة للحدود. وتطرقت الجلسة إلى تساؤلات محورية بشأن قدرة البنية التحتية للعملات المشفرة على بناء نظام مالي أعلى كفاءة وشمولاً، مقابل التحديات التنظيمية والتقنية التي قد تعوق انتشارها.

في الختام؛ إن نجاح المؤتمر في الخروج بصفقات «ضخمة» وخطط قابلة للتنفيذ سيؤكد أن الرياض، عبر هذه المنصة، «تنجح في تطبيق نموذجها الاستراتيجي الذي يجمع بين طموح النمو غير المشروط والمرونة في التنفيذ، لتكون حقاً (مفتاح الازدهار) الذي يبحث عنه العالم».


مقالات ذات صلة

غيوم حرب إيران... بين أسواق مضطربة ومستثمرين بلا ملاذ آمن

الاقتصاد متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)

غيوم حرب إيران... بين أسواق مضطربة ومستثمرين بلا ملاذ آمن

تبدو غيوم حرب إيران في غاية السوء بالنسبة للمتعاملين في الأسواق العالمية شرقاً وغرباً.

«الشرق الأوسط» (عواصم)
الاقتصاد تصاعد الدخان عقب هجوم صاروخي من إيران على تل أبيب (رويترز)

«فيتش» تؤكد تصنيف إسرائيل عند «إيه» مع نظرة مستقبلية سلبية

أكدت وكالة «فيتش» للتصنيفات الائتمانية، الجمعة، التصنيف الائتماني طويل الأجل لإسرائيل بالعملة الأجنبية عند «إيه» مع نظرة مستقبلية سلبية.

«الشرق الأوسط» (القدس)
الاقتصاد محطة طاقة تعمل بالفحم في مدينة يوكوهاما اليابانية (أ.ف.ب)

اليابان تحذّر من تداعيات اقتصادية طويلة الأمد لـ«حرب إيران»

ذكرت الحكومة اليابانية أن الارتفاع الحاد في أسعار النفط قد يؤدي إلى ضغوط تضخمية طويلة الأمد على الاقتصاد خلال الفصول القليلة المقبلة.

«الشرق الأوسط» (طوكيو)
الاقتصاد جانب من اجتماعات منظمة التجارة العالمية في العاصمة الكاميرونية ياوندي (رويترز)

محادثات إصلاح «منظمة التجارة العالمية» تواجه عقبة أميركية - هندية

قال دبلوماسيان لوكالة «رويترز»، الجمعة، إن خلافات كبير لا تزال قائمة بين معظم الدول والولايات المتحدة والهند، فيما يخص مناقشة الإصلاحات بمنظمة التجارة العالمية.

«الشرق الأوسط» (ياوندي (الكاميرون))
الاقتصاد شعار مجموعة «سوفت بنك» على أحد متاجرها في العاصمة اليابانية طوكيو (رويترز)

«سوفت بنك» تحصل على قرض بـ40 مليار دولار لتعزيز استثماراتها في «أوبن إيه آي»

أعلنت مجموعة «سوفت بنك» أنها حصلت على قرض مؤقت بقيمة 40 مليار دولار لدعم استثماراتها في شركة «أوبن إيه آي».

«الشرق الأوسط» (طوكيو)

«وول ستريت» تسجل أطول سلسلة خسائر منذ 4 سنوات

متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)
متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)
TT

«وول ستريت» تسجل أطول سلسلة خسائر منذ 4 سنوات

متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)
متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)

واصلت الأسهم الأميركية تراجعها، يوم الجمعة، مع تعثر «وول ستريت» في ختام أسبوعها الخامس على التوالي من الخسائر، في أطول سلسلة خسائر منذ نحو أربع سنوات.

وهبط مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 0.8 في المائة في مستهل التداولات، موسّعاً خسائره، عقب تسجيله في الجلسة السابقة أكبر تراجع له منذ اندلاع الحرب مع إيران. كما خسر مؤشر «داو جونز» الصناعي 402 نقطة؛ أي ما يعادل 0.9 في المائة، بحلول الساعة 9:35 صباحاً بتوقيت شرق الولايات المتحدة، في حين انخفض مؤشر ناسداك المركب بنسبة 1 في المائة، وفق «وكالة أسوشييتد برس».

وتعكس هذه الخسائر تحولاً عن نمط التداول خلال الأسبوع، حيث تأرجحت السوق الأميركية يومياً بين الصعود والهبوط مع تبدّل الآمال بشأن إمكانية إنهاء الحرب.

وبعد دقائق من إغلاق جلسة الخميس القاتمة، أطلق الرئيس الأميركي دونالد ترمب إشارة جديدة عُدّت بمثابة بارقة أمل، إذ قرر تمديد المهلة التي حددها لنفسه لـ«تدمير» محطات الطاقة الإيرانية حتى السادس من أبريل (نيسان) المقبل، في حال لم تسمح طهران لناقلات النفط باستئناف المرور من الخليج العربي عبر مضيق هرمز إلى المياه المفتوحة.

وعقب الإعلان، تراجعت أسعار النفط مؤقتاً؛ في إشارة إلى تفاؤل حذِر بإمكانية استعادة بعض الاستقرار في مضيق هرمز. غير أن هذا التفاؤل سرعان ما تبدَّد، لتعاود الأسعار الارتفاع مع انتقال التداولات من آسيا إلى أوروبا، ثم إلى «وول ستريت».

ورغم إعلان ترمب تأجيلاً ثانياً خلال الأسبوع، استمرت المواجهات في الشرق الأوسط دون بوادر تهدئة، في وقتٍ لم تُظهر فيه إيران أي استعداد للتراجع، بينما لوّحت إسرائيل بـ«تصعيد وتوسيع» هجماتها.

وقال دوغ بيث، استراتيجي الأسهم العالمية بمعهد «ويلز فارغو» للاستثمار: «إن التباين في المسار الدبلوماسي بين الولايات المتحدة وإيران، هذا الأسبوع، أثار استياء المستثمرين، ومع نهاية الأسبوع لم يعد بإمكانهم تحمُّل ضبابية المشهد».

من جهته، كتب جيم بيانكو، رئيس استراتيجيات الاقتصاد الكلي بشركة «بيانكو» للأبحاث، أن «أي تصريحات إضافية من ترمب بشأن اتفاق محتمل لن يكون لها تأثير يُذكر على الأسواق، ما لم يؤكد الجانب الإيراني أن المفاوضات تمضي في الاتجاه الصحيح».

وارتفع سعر خام برنت بنسبة 2.2 في المائة ليبلغ 104.15 دولار للبرميل، مقارنة بنحو 70 دولاراً قبل اندلاع الحرب، في حين صعد خام غرب تكساس الوسيط الأميركي بنسبة 3 في المائة إلى 97.28 دولار.

ويخشى المستثمرون من أن تؤدي الحرب إلى اضطرابات ممتدة في إنتاج ونقل النفط والغاز بالخليج العربي، ما قد يحجب كميات كبيرة من الإمدادات عن الأسواق العالمية، ويشعل موجة تضخم حادة. ولن يقتصر أثر ذلك على ارتفاع أسعار الوقود، بل سيمتد إلى زيادة تكاليف النقل والشحن، ما يدفع الشركات لرفع أسعار منتجاتها.

وتشير تقديرات محللي «ماكواري» إلى أن أسعار النفط قد تصل إلى 200 دولار للبرميل في حال استمرت الحرب حتى نهاية يونيو (حزيران) المقبل، وهو مستوى قياسي غير مسبوق.

وقد بدّدت هذه المخاوف، إلى حد كبير، رهانات المستثمرين على خفض أسعار الفائدة من قِبل «الاحتياطي الفيدرالي»، هذا العام، إذ إن أي تيسير نقدي قد يُغذي الضغوط التضخمية بدل كبحها.

ومع ارتفاع أسعار النفط، صعدت عوائد سندات الخزانة الأميركية طويلة الأجل، حيث ارتفع العائد على السندات لأجل 10 سنوات إلى 4.46 في المائة، مقارنة بـ4.42 في المائة في ختام تعاملات الخميس، ومن 3.97 في المائة فقط قبل اندلاع الحرب.

وقد انعكس هذا الارتفاع، بالفعل، على تكاليف الاقتراض، مع صعود أسعار الفائدة على الرهون العقارية والقروض، ما يضيف ضغوطاً إضافية على النشاط الاقتصادي.

وفي «وول ستريت»، تراجعت غالبية الأسهم، حيث انخفضت أربعة من كل خمسة أسهم ضِمن مؤشر «ستاندرد آند بورز 500». في المقابل، كان سهم «نتفليكس» من بين الاستثناءات القليلة، مرتفعاً بنسبة 0.8 في المائة، عقب إعلانه زيادة أسعار خدماته. وعلى الصعيد العالمي، تراجعت الأسهم الأوروبية، في حين جاءت التداولات الآسيوية متباينة.


غيوم حرب إيران... بين أسواق مضطربة ومستثمرين بلا ملاذ آمن

متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)
متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)
TT

غيوم حرب إيران... بين أسواق مضطربة ومستثمرين بلا ملاذ آمن

متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)
متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)

تبدو غيوم حرب إيران في غاية السوء بالنسبة للمتعاملين في الأسواق العالمية شرقاً وغرباً. وبالنسبة لوانغ يابي على سبيل المثال، فإن الأمر كله يتعلق بالنوم الهانئ ليلاً. فقد قام مدير الصندوق، ومقره شنغهاي، بتقليص مراكزه بشكل حاد في مواجهة موجة بيع شديدة اجتاحت الأسواق العالمية مع استمرار الحرب في الشرق الأوسط.

وقال وانغ، مدير صندوق «زيجي» الخاص، في إشارة إلى الانهيار الحاد الذي شهدته الأسهم الصينية يوم الاثنين: «لا أحب التقلبات الحادة... كان الافتتاح سيئاً، لذلك خفّضت مراكز المحفظة إلى نحو 30 في المائة». وأضاف: «ثم شعرت بارتياح كبير».

وعلى الرغم من انتعاش طفيف في وقت لاحق من الأسبوع، لا ينوي وانغ إضافة أي مراكز استثمارية جديدة نظراً للتقلبات الحادة وغير المتوقعة في جميع فئات الأصول عالمياً، من الأسهم إلى النفط والسندات والذهب.

ويقول وانغ: «اليوم، تسعى لاقتناص الفرص عند أدنى مستويات الأسعار، وفي اليوم التالي، تعاني من موجة بيع أخرى. عندما يسود عدم اليقين، تُقلل من حيازاتك لتنعم براحة البال». ووانغ ليس الوحيد الذي يواجه هذه التحديات، فمن شنغهاي إلى نيويورك، يعاني المتداولون والمستثمرون ومديرو الثروات والمصرفيون من ليالٍ بلا نوم، وعمل في عطلات نهاية الأسبوع، واجتماعات مطولة مع العملاء، وتقلبات سريعة في المحافظ الاستثمارية، وتوتر في اللحظات الأخيرة عند تنفيذ الصفقات.

وتنبع هذه التحديات أساساً من عدم اليقين بشأن مدة استمرار الحرب الأميركية الإسرائيلية مع إيران، وتأثيرها على أسعار النفط -التي تجاوزت بالفعل 100 دولار للبرميل- بالإضافة إلى التضخم وأسعار الفائدة وإجراءات البنوك المركزية. والحرب، التي توشك على دخول أسبوعها الخامس، دفعت الذهب، الملاذ الآمن التقليدي، نحو تسجيل أكبر انخفاض شهري له منذ عام 2008، بانخفاض قدره نحو 16 في المائة. وارتفعت عوائد سندات الخزانة الأميركية بمقدار 46 نقطة أساس هذا الشهر، وهو أكبر مكسب لها منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2024.

وبينما يعتمد بعض المشاركين في السوق على تجارب سابقة، بما في ذلك الحرب الروسية الأوكرانية التي اندلعت عام 2022 وتداعيات جائحة كوفيد-19، يجد معظمهم أن الاستراتيجيات القديمة لم تعد مجدية.

الأصول الآمنة

ويقول راجيف دي ميلو، كبير مسؤولي الاستثمار في شركة «غاما» لإدارة الأصول، والذي يعمل خلال عطلات نهاية الأسبوع ويعقد اجتماعات فريق أطول من المعتاد: «هناك عدد قليل جداً من الأصول الآمنة... سندات الخزانة لا تجدي نفعاً، والعملات الآمنة التقليدية مثل الين والفرنك السويسري لا تجدي نفعاً أيضاً. والذهب والفضة كذلك لا يُسهمان في تحسين الوضع».

وأدت الحرب التي استمرت قرابة شهر، والتي اندلعت إثر الضربات الأميركية الإسرائيلية المشتركة على إيران في أواخر فبراير (شباط)، إلى إغلاق طهران فعلياً لمضيق هرمز، وهو ممر مائي يمر عبره خُمس تدفقات النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم. وقد أثار ذلك شبح الركود التضخمي (التضخم المرتفع مع ضعف النمو)، ودفع المستثمرين إلى بيع كل شيء تقريباً باستثناء الدولار الأميركي. ويقول دي ميلو، المقيم في سنغافورة: «منذ اندلاع الحرب، خفضنا استثماراتنا في الأسهم لأنه لا يوجد مكان للاختباء».

وقد تضررت الأسهم الآسيوية بشدة؛ إذ انخفضت الأسهم الكورية الجنوبية بنحو 13 في المائة هذا الشهر، بينما انخفض مؤشر نيكي الياباني بنحو 9 في المائة. في المقابل، كان أداء الأسهم الأميركية أفضل، حيث انخفضت بنسبة 6 في المائة فقط. وقد اجتذب هذا الأداء الأفضل قليلاً للأسهم الأميركية بعض المستثمرين.

وقال كينيون تسيه، رئيس قسم مبيعات التداول في بنك «يو بي إس» بهونغ كونغ، يوم الثلاثاء، إن مكتب التداول التابع لشركته شهد يومياً منذ بداية مارس (آذار) عمليات بيع صافية في أسهم شركة «تي إس إم سي»، أكبر شركة آسيوية من حيث القيمة السوقية، والتي تمثل أكبر انكشاف للمستثمرين العالميين على تايوان.

وقال ماتياس شايبر، من شركة «أولسبرينغ غلوبال إنفستمنتس» في لندن، إنه قلّص مراكزه في الأسواق الناشئة، وزاد بشكل تكتيكي من انكشافه على الولايات المتحدة، لكنه حذر من أن الضغوط قد تتفاقم إذا حذت البنوك المركزية العالمية حذو أستراليا في رفع أسعار الفائدة.

أما بالنسبة لمن كانوا على الجانب الخاسر من اضطرابات السوق، فقد كانت الأمور بالغة الصعوبة. وقال أحد المتداولين في شركة طاقة إن اندلاع الحرب تسبب في ليالٍ بلا نوم، حيث كانت شركته تحتفظ ببعض المراكز التي راهنت على انخفاض أسعار النفط.

وأضاف المتداول: «لم أستطع النوم حرفياً في تلك العطلة الأسبوعية التي بدأت فيها الحرب»، مشيراً إلى أن الأسبوع التالي كان شديد التوتر وسط تقلبات حادة وتزايد في الاجتماعات الداخلية. وتحدث المتداول شريطة عدم الكشف عن هويته لعدم حصوله على إذن بالتحدث إلى وسائل الإعلام.

صدمة غير مسبوقة

وبالنسبة لكينيث جوه، مدير إدارة الثروات الخاصة في بنك «يو أو بي كاي هيان»، تسببت الحرب في ليالٍ بلا نوم تقريباً، ليس بسبب رهانات خاسرة، بل بسبب إدارة محافظ العملاء في ظل صدمة غير مسبوقة. وقال جوه: «الأمر متواصل بلا توقف. إن حالفني الحظ، أنام عند منتصف الليل. وإلا، أنام في الثانية أو الثالثة أو الرابعة صباحاً. لكن هذه هي الحياة التي اخترتها». وأثرت حالة عدم اليقين المستمرة بشأن الصراع في الشرق الأوسط على الصفقات الجديدة في أسواق ائتمان الشركات. وفي نيويورك، قامت البنوك بضمان ديون بقيمة 18 مليار دولار تقريباً للاستحواذ على شركة تطوير ألعاب الفيديو «إلكترونيك آرتس» مقابل 55 مليار دولار.

وتابعت السلطات عن كثب التطورات المتعلقة بالمهلة التي حددها الرئيس الأميركي دونالد ترمب يوم الاثنين لشنّ ضربات على شبكة الكهرباء الإيرانية. وتزامن هذا الموعد النهائي مع المراحل الأخيرة من تسويق سندات شركة الكهرباء الإيرانية للمستثمرين في بداية الأسبوع، وكان من الممكن أن يؤدي إلى شروط أقل ملاءمة للمقترضين، وفقاً لما ذكره مصرفيان مطلعان على الأمر.

وأوضح المصرفيان أن المصرفيين المشاركين في الصفقة خلال عطلة نهاية الأسبوع كانوا يستعدون لاحتمال شنّ ضربات على البنية التحتية الإيرانية، وما قد يتبع ذلك من ارتفاع محتمل في أسعار سندات شركة الكهرباء الإيرانية. وبعد إعلان ترمب يوم الاثنين تأجيل الضربات لمدة خمسة أيام، تمكنت البنوك من خفض تكاليف الاقتراض على جزء السندات عالية العائد المقوّمة بعملات مختلفة، والذي يبلغ نحو 6.6 مليار دولار، حسب المصرفيين. ويوم الخميس، أعلن ترمب تعليق الهجمات المُهددة على محطات الطاقة الإيرانية لمدة عشرة أيام حتى السادس من أبريل (نيسان). وقد أدى هذا التقلب المستمر إلى إجبار المستثمرين على متابعة السوق عن كثب. ويقول موكيش ديف، كبير مسؤولي الاستثمار في شركة «أرافالي» لإدارة الأصول: «يجب عليك باستمرار مراقبة السوق والتفاعل معه، وهذا يؤثر بلا شك على قدراتك الذهنية». وأضاف ديف، المقيم في سنغافورة، أنه شهد تقلبات مماثلة في عام 2008 وخلال الأزمة المالية الآسيوية في أواخر التسعينات، لكنه لم يُجزم ما إذا كان الوضع الحالي يُضاهي تلك اللحظات -في الوقت الراهن. وقال: «إذا استمر هذا الوضع لأسبوع آخر أو نحوه، فسنرى. لا مجال للخطأ، فالأخطاء غير مقبولة بتاتاً».


الحرب الإيرانية تهدد اقتصاد الاتحاد الأوروبي بالركود التضخمي

فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)
فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)
TT

الحرب الإيرانية تهدد اقتصاد الاتحاد الأوروبي بالركود التضخمي

فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)
فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)

حذَّر المفوض الاقتصادي الأوروبي، فالديس دومبروفسكيس، من أن اقتصاد الاتحاد الأوروبي يواجه خطر الركود التضخمي نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة الناجم عن الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران.

وقال دومبروفسكيس في مؤتمر صحافي عقب اجتماع وزراء مالية الاتحاد الأوروبي: «التوقعات محاطة بغموض كبير، لكن من الواضح أننا معرضون لخطر صدمة ركود تضخمي، أي سيناريو يتزامن فيه تباطؤ النمو مع ارتفاع التضخم»، وفق «رويترز».

وأضاف: «حتى لو كانت اضطرابات إمدادات الطاقة قصيرة الأجل نسبياً، تشير تحليلاتنا إلى أن نمو الاتحاد الأوروبي في 2026 قد يكون أقل بنحو 0.4 نقطة مئوية عن توقعاتنا الاقتصادية السابقة، مع احتمال ارتفاع التضخم بنحو نقطة مئوية واحدة».

وتابع: «إذا تبيَّن أن الاضطرابات أكثر جوهرية وأطول أمداً، فإن العواقب السلبية على النمو ستكون أكبر، وقد ينخفض النمو بنسبة تصل إلى 0.6 نقطة مئوية في كل من عامي 2026 و2027».

وأكد دومبروفسكيس أن نطاق الحرب وشدتها وتأثيرها قد ازدادت منذ آخر اجتماع لوزراء مالية الاتحاد الأوروبي قبل أكثر من أسبوعين؛ ما يزيد غموض التوقعات الاقتصادية.