«مبادرة مستقبل الاستثمار»... من «دافوس الصحراء» إلى منصة لفكفكة الأزمات

المؤتمر يحدد اتجاهات تدفقات رأس المال... والأسواق تترقب صفقات صانعي قرار الـ100 تريليون دولار

جانب من الحضور خلال إحدى جلسات مؤتمر «مبادرة مستقبل الاستثمار» في نسخته الثامنة (الشرق الأوسط)
جانب من الحضور خلال إحدى جلسات مؤتمر «مبادرة مستقبل الاستثمار» في نسخته الثامنة (الشرق الأوسط)
TT

«مبادرة مستقبل الاستثمار»... من «دافوس الصحراء» إلى منصة لفكفكة الأزمات

جانب من الحضور خلال إحدى جلسات مؤتمر «مبادرة مستقبل الاستثمار» في نسخته الثامنة (الشرق الأوسط)
جانب من الحضور خلال إحدى جلسات مؤتمر «مبادرة مستقبل الاستثمار» في نسخته الثامنة (الشرق الأوسط)

في خضم تحولات جيوسياسية واقتصادية غير مسبوقة، تُرسّخ الرياض مكانتها بوصفها مركز ثقل عالمياً لا يمكن تجاهله، حيث تتحول العاصمة السعودية إلى ملتقى صُنّاع المستقبل وقاعدة انطلاق للحلول الدبلوماسية الأشد إلحاحاً... ففي الوقت الذي تستضيف فيه المدينة مؤتمر «مبادرة مستقبل الاستثمار»، الذي يجمع في نسخته التاسعة عمالقة المال والتكنولوجيا لبناء خريطة طريق للاقتصاد المستدام والذكاء الاصطناعي، تشهد أيضاً حراكاً مكثفاً وغير مسبوق على الصعيد السياسي والدبلوماسي، حيث عُقدت فيها الاجتماعات التنسيقية لحل الدولتين، مؤكدة بذلك دورها المحوري بوصفها جسراً يربط بين رأس المال العالمي، والضرورات التنموية، ومتطلبات الاستقرار والسلام في المنطقة.

الرميان في كلمة له خلال افتتاح مؤتمر «مبادرة مستقبل الاستثمار» في نسخته الثامنة (الشرق الأوسط)

مؤتمر «مبادرة مستقبل الاستثمار» في نسخته التاسعة، الذي انطلق في جلسات خاصة يوم الاثنين، على أن يفتتح رسمياً الثلاثاء، تحت شعار «مفتاح الازدهار: إطلاق آفاق جديدة للنمو» بحضور أكثر من 8 آلاف مشارك و650 متحدثاً بارزاً من خلال 250 جلسة حوارية، ليس مجرد تجمع اقتصادي، بل بات منصة اختبار للقدرة على التكيف، حيث يجتمع قادة عالميون لقياس نبض الاقتصاد العالمي المأزوم.

وهو لم يعد مجرد محفل للاستثمار بصبغة محلية، فقد تجاوز مكانته المألوفة بوصفه «دافوس الصحراء»، ليتحول إلى منصة جيو - اقتصادية فعالة لفكفكة الأزمات.

ويأتي المؤتمر في لحظة محورية عالمياً ومحلياً، حيث فرضت التوترات التجارية، كالرسوم الجمركية الأميركية، والتطورات الجيوسياسية في أوروبا والشرق الأوسط، حالة مرتفعة من عدم اليقين، فيما تنذر المخاطر المحيطة بآفاق الاقتصاد العالمي بتطورات سلبية.

في المقابل، كانت السعودية تسبح عكس التيار، حيث أظهرت قدرة عالية على الصمود في مواجهة الصدمات الدولية والتأقلم السريع مع تغير الظروف. وقد تعزز هذا الصمود بنمو كبير في الأنشطة غير النفطية في إطار مسيرة التنويع الاقتصادي؛ مما يجعل المملكة نقطة جذب موثوقة ومرساة لرؤوس الأموال في عالم متصاعد التشظي.

رئيس اللجنة التنفيذية والرئيس المكلَّف لمؤسسة «مبادرة مستقبل الاستثمار» ريتشارد أتياس في مؤتمره الصحافي التمهيدي الأسبوع الماضي (الشرق الأوسط)

المرونة الاستراتيجية

يشكل المؤتمر امتداداً مباشراً لـ«رؤية 2030»، فهو يقدم في الوقت نفسه بعداً جديداً يتمثل في المرونة الاستراتيجية وإعادة تقييم مسارات برامج التنمية. وقد تجسد هذا البعد في التوجيهات الصريحة من الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، التي شددت على أن «المصلحة العامة هي الهدف الأسمى الذي نتوخاه من تلك البرامج والمستهدفات. ونحن عازمون على تحقيقها وإكمالها. إلا إننا نؤكد أيضاً أننا لن نتردد في إلغاء أو إجراء أي تعديل جذري لأي برامج أو مستهدفات تبين لنا أن المصلحة العامة تقتضي ذلك معها».

هذا الموقف يُعدّ إعلاناً عن جودة الأداء الحكومي وقدرته على مراجعة وتحوير مكونات البرامج لتكون أقوى مناعة ضد أي تقلبات دون تعطيل لمتطلبات التنمية، مع ضمان تحقيق القيمة طويلة الأجل. هذه المرونة في التخطيط هي ما يبحث عنه المستثمرون العالميون لضمان استدامة الشراكة.

مشاركون في مؤتمر «مبادرة مستقبل الاستثمار» بنسخته السابعة (الشرق الأوسط)

السيولة العالمية

«مبادرة مستقبل الاستثمار» هي عملياً «جسر» للسيولة العالمية ونقطة تحول للمستثمرين المهتمين بالشرق الأوسط. على الصعيد العالمي، تحدد النقاشات بشأن الذكاء الاصطناعي، والطاقة المستدامة، و«مفارقات الابتكار»، اتجاهات تدفقات رأس المال للسنوات المقبلة؛ مما يؤثر على تقييمات الشركات الكبرى عالمياً.

أما بالنسبة إلى «السوق المالية السعودية (تداول)»، فيعدّ المؤتمر محفزاً رئيسياً. فالحوار المباشر بين محافظ «صندوق الاستثمارات العامة» ورؤساء البنوك الاستثمارية العالمية يزيد من الوعي بعمق وسيولة السوق السعودية. هذا الاهتمام يدعم هدف المملكة بزيادة وزنها في المؤشرات العالمية ويجهز الأرضية لطروحات عامة أولية ضخمة مقبلة؛ مما يعزز السيولة والفرص الاستثمارية في قطاعات النمو المحددة ضمن «الرؤية».

ثقل جيوسياسي

يكتسب المؤتمر هذا العام ثقلاً جيوسياسياً غير مسبوق، فهو ينعقد في لحظة محورية للمنطقة؛ فالتركيز يتحول من الصراع إلى إعادة الإعمار والتنمية. الحضور الدبلوماسي الرفيع، بما في ذلك الاجتماعات التنسيقية لحل الدولتين، وربط الاستقرار السياسي بالاستثمار، وصولاً إلى استضافة شخصيات لمناقشة الصراعات الكبرى، يؤكد دور الرياض بوصفها وسيطاً قادراً على ربط الاستقرار السياسي بالاستثمار الاقتصادي.

3 محاور رئيسية

تركز إحدى الجلسات الرئيسية، بعنوان: «مفتاح الازدهار: إطلاق آفاق جديدة للنمو»، على 3 موضوعات محورية:

- التقدم: معالجة كفاءة السوق واستغلال الموارد الطبيعية، ومناقشة التكلفة البيئية للنمو الاقتصادي، وتكاليف الطاقة للتنمية الرقمية.

- الابتكار: كيفية تسخير الذكاء الاصطناعي بمسؤولية، وتمكين رواد الأعمال في مجال التكنولوجيا، وتعزيز المرونة المناخية.

- التجزئة: معالجة المخاطر الجيو - اقتصادية، والفجوة بين العملات التقليدية والرقمية، والتناقضات في النظام العالمي المتصل والمتنافس لتأمين سلاسل الإمداد، والرقائق الدقيقة، والمعادن النادرة.

وسيفتتح محافظ «صندوق الاستثمارات العامة» رئيس مجلس إدارة «مؤسسة مبادرة مستقبل الاستثمار»، ياسر الرميان، المؤتمر الثلاثاء، مقدّماً النسخة الرابعة من «بوصلة الأولويات»؛ وهو استطلاع واسع النطاق يستند إلى آراء عشرات الآلاف من المشاركين من 32 دولة، تُمثل 66 في المائة من سكان العالم، بهدف إرشاد صناع القرار نحو حلول عملية منبثقة من احتياجات المواطنين.

مشاركون في مؤتمر «مبادرة مستقبل الاستثمار» بنسخته السابعة (الشرق الأوسط)

«يوم الاستثمار»

كما أن صفقات «يوم الاستثمار»، في اليوم الأخير من المؤتمر، تترجَم مباشرة إلى تعاقدات وأعمال لشركات مقيدة في السوقين المحلية والإقليمية؛ إذ سوف يخصص هذا اليوم لإبرام الصفقات، واستعراض استراتيجيات شركات الاستثمار البارزة والمشروعات سريعة النمو، وعرض التقنيات المستقبلية، وتعزيز شبكات التواصل بين المؤسسين والمستثمرين العالميين. ومن المتوقع أن يشارك فيه مديرو صناديق تدير أصولاً تتجاوز قيمتها الإجمالية 100 تريليون دولار.

ومن بين المتحدثين في المؤتمر: لورانس فينك الرئيس التنفيذي لـ«بلاك روك»، وجيمي ديمون رئيس مصرف «جيه بي مورغان تشيس»، وديفيد سولومون رئيس «غولدمان ساكس»، وبروس فلات رئيس «بروكفيلد»، وبيل ونترز رئيس مصرف «ستاندرد تشارترد بنك»، وجين فريز رئيسة مصرف «سيتي»، وجيني جونسون رئيسة «فرنكلين تيمبتون»، وراي داليو مؤسس «بريدج وتر أسوسييتس»، وستيفان شوارزمان رئيس «بلاكستون غروب»، وكاثي وود مؤسسة ورئيسة «آرك إنفست»، وأليكس كلافيل رئيس «سوفت بنك فيجين فندز». بالإضافة إلى الرؤساء التنفيذيين لكل من: «باركليز»، و«ناسداك»، و«تماسيك»، و«مؤسسة الاستثمار الصينية».

جلسات مغلقة

يوم الاثنين، عُقدت جلسات حوارية مغلقة تناولت التحولات التكنولوجية والاقتصادية الأبرز في العالم؛ من الثورة الكمية، إلى التحول المالي عبر العملات الرقمية، وصولاً إلى تطورات المحاسبة الكربونية بوصفها أداة لقياس الأداء المناخي للشركات.

وفي جلسة مغلقة بعنوان: «هل يمكننا الفوز في سباق الحوسبة الكمية وتحويلها إلى أرباح؟»، ناقش المشاركون التسارع الكبير في الابتكارات الكمية على مستوى العتاد والبرمجيات والتطبيقات العملية في مجالات مثل الأدوية والأمن السيبراني. وتناولوا أيضاً تخصيص الحكومات حول العالم أكثر من 40 مليار دولار لدعم أبحاث وتقنيات الحوسبة الكمية، في انعكاس للأهمية الاستراتيجية لهذا المجال التنافسي المتسارع.

كما تناولت جلسة أخرى بعنوان: «هل يمكن لاختراق في المحاسبة الكربونية أن يقدم الحل لقياس الأداء المناخي للشركات؟» نُظمت بدعم من «أرامكو»، مستقبل تطوير نظم قياس الانبعاثات الكربونية على مستوى المنتجات، بما يتيح شفافية أعلى في تقييم الأداء البيئي للشركات.

وفي جلسة ثالثة حملت عنوان: «هل يمكن للبنية التحتية للعملات الرقمية أن تعيد تعريف النظام المالي العالمي؟»، ناقش الخبراء تطور العملات المستقرة والعملات الرقمية للبنوك المركزية، ودور مؤسسات مالية كبرى مثل «بنك أوف أميركا» و«باي بال» و«سترَيب» في تبنّي حلول دفع رقمية عابرة للحدود. وتطرقت الجلسة إلى تساؤلات محورية بشأن قدرة البنية التحتية للعملات المشفرة على بناء نظام مالي أعلى كفاءة وشمولاً، مقابل التحديات التنظيمية والتقنية التي قد تعوق انتشارها.

في الختام؛ إن نجاح المؤتمر في الخروج بصفقات «ضخمة» وخطط قابلة للتنفيذ سيؤكد أن الرياض، عبر هذه المنصة، «تنجح في تطبيق نموذجها الاستراتيجي الذي يجمع بين طموح النمو غير المشروط والمرونة في التنفيذ، لتكون حقاً (مفتاح الازدهار) الذي يبحث عنه العالم».


مقالات ذات صلة

الاقتصاد وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاجاني (يسار) مع وزير التجارة الصيني وانغ وينتاو في مناسبة اقتصادية بالعاصمة الصينية بكين (إ.ب.أ)

الصين تُشيد بالعلاقات التجارية مع إيطاليا

أشادت الصين بتعزيز العلاقات التجارية مع إيطاليا خلال محادثاتها مع نائب رئيس وزرائها الزائر

«الشرق الأوسط» (بكين)
الاقتصاد مشاركون في الجلسة العامة للجنة التنمية التابعة لصندوق النقد والبنك الدوليين خلال اجتماعات الربيع في واشنطن (د.ب.أ)

صندوق النقد والبنك الدوليان يعلنان استئناف تعاملاتهما مع فنزويلا

أعلن صندوق النقد والبنك الدوليان، يوم الخميس، استئناف تعاملاتهما مع فنزويلا، التي كانت متوقفة منذ عام 2019.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد رجل ينظر إلى شاشة تعرض حركة الأسهم في وسط العاصمة اليابانية طوكيو (أ ف ب)

«نيكي» يتخلى عن قمته متأثراً بتراجع أسهم التكنولوجيا

تراجع مؤشر نيكي الياباني للأسهم يوم الجمعة من أعلى مستوى قياسي سجله في اليوم السابق

«الشرق الأوسط» (طوكيو)
الاقتصاد أذرع روبوتية في مصنع بمدينة فوزو شرق الصين (أ.ف.ب)

نمو فصلي يفوق التوقعات للاقتصاد الصيني... ومخاوف من التحديات

شهد الاقتصاد الصيني انتعاشاً ملحوظاً في أوائل عام 2026، مدفوعاً بارتفاع الصادرات قبل أن تؤدي الحرب الإيرانية إلى ارتفاع أسعار الطاقة بشكل حاد

«الشرق الأوسط» (بكين)

أميركا تجدد الإعفاء من العقوبات على شراء النفط الروسي

ناقلات تحمل نفطاً خاماً في عرض البحر (رويترز)
ناقلات تحمل نفطاً خاماً في عرض البحر (رويترز)
TT

أميركا تجدد الإعفاء من العقوبات على شراء النفط الروسي

ناقلات تحمل نفطاً خاماً في عرض البحر (رويترز)
ناقلات تحمل نفطاً خاماً في عرض البحر (رويترز)

جددت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب الإعفاء الذي يسمح للدول بشراء النفط والمنتجات النفطية الروسية المحملة بالفعل في البحر لمدة شهر تقريباً، وذلك في الوقت الذي اتهم فيه مشرعون الحكومة الأميركية بالتساهل مع موسكو في ظل استمرار حربها على أوكرانيا.

ونشرت وزارة الخزانة الإذن عبر موقعها الإلكتروني في وقت متأخر من يوم الجمعة، مما يسمح للدول بشراء النفط الروسي المحمّل بالفعل في السفن للفترة من 17 أبريل (نيسان) حتى 16 مايو (أيار).

ويأتي الإعفاء في إطار جهود الإدارة الأميركية لكبح أسعار الطاقة العالمية التي ارتفعت بشكل حاد خلال الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، ويحل محل إعفاء مدته 30 يوماً انتهى في 11 أبريل. ويستثني الإعفاء أي معاملات لإيران، أو كوبا، أو كوريا الشمالية.

وجاءت الخطوة بعد أن ضغطت دول آسيوية تعاني من صدمة الطاقة العالمية على واشنطن للسماح بوصول إمدادات بديلة إلى الأسواق.

تغيير في موقف وزارة الخزانة

قال متحدث باسم وزارة الخزانة: «مع تسارع المفاوضات (مع إيران)، تريد وزارة الخزانة ضمان توفر النفط لمن يحتاجونه».

وقال وزير الخزانة سكوت بيسنت يوم الأربعاء الماضي إن واشنطن لن تجدد الإعفاء الخاص بالنفط الروسي، ولن يكون هناك إعفاء آخر خاص بالنفط الإيراني، والذي من المقرر أن ينتهي يوم الأحد.

وانخفضت أسعار النفط العالمية 9 في المائة يوم الجمعة، ختام تعاملات الأسبوع، إلى نحو 90 دولاراً للبرميل بعد أن أعادت إيران فتح مضيق هرمز مؤقتاً، وهو ممر بحري استراتيجي في منطقة الخليج. لكن وكالة الطاقة الدولية تقول إن الحرب تسببت بالفعل في أسوأ اضطراب لإمدادات الطاقة العالمية في التاريخ.

وألحقت الحرب، التي اندلعت قبل أكثر من سبعة أسابيع، أضراراً بأكثر من 80 منشأة للنفط والغاز في الشرق الأوسط، وحذرت طهران من أنها قد تغلق المضيق مرة أخرى إذا استمر الحصار الذي فرضته البحرية الأميركية حديثاً على الموانئ الإيرانية.

وتشكل أسعار النفط المرتفعة تهديداً لأعضاء في «الحزب الجمهوري» الذي ينتمي إليه ترمب قبل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر (تشرين الثاني). كما واجه ترمب ضغوطاً من دول شريكة بشأن أسعار النفط.

وقال مصدر أميركي، وفقاً لـ«رويترز»، إن دولاً شريكة طالبت الولايات المتحدة بتمديد الإعفاء، وذلك على هامش اجتماعات مجموعة العشرين، والبنك الدولي، وصندوق النقد الدولي في واشنطن الأسبوع الماضي. وتحدث ترمب عن النفط هذا الأسبوع في اتصال هاتفي مع ناريندرا مودي رئيس وزراء الهند، أحد أكبر مشتري النفط الروسي.

وذكر بيسنت الشهر الماضي أن الإعفاء الخاص بالنفط الإيراني، الذي أصدرته وزارة الخزانة في 20 مارس (آذار)، سمح بوصول نحو 140 مليون برميل من النفط إلى الأسواق العالمية، وساعد في تخفيف الضغط على إمدادات الطاقة خلال الحرب.

ضرر مستمر

انتقد مشرعون أميركيون من الحزبين «الديمقراطي» و«الجمهوري» الإدارة، قائلين إن الإعفاءات من العقوبات من شأنها أن تدعم اقتصاد إيران وسط حربها مع الولايات المتحدة، وكذلك اقتصاد روسيا وسط حربها مع أوكرانيا.

ومن الممكن أن تعوق الإعفاءات جهود الغرب الرامية إلى حرمان روسيا من الإيرادات اللازمة لتمويل حربها في أوكرانيا، وأن تضع واشنطن في خلاف مع حلفائها. وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين إن الوقت الحالي ليس مناسباً لتخفيف العقوبات المفروضة على روسيا.

وقال كيريل دميترييف المبعوث الخاص للرئيس الروسي فلاديمير بوتين إن تمديد الإعفاء الأميركي سيطلق العنان لـ100 مليون برميل أخرى من النفط الروسي، ليصل إجمالي الكمية التي يشملها الإعفاءان إلى 200 مليون برميل.

وأضاف دميترييف، الذي سافر إلى الولايات المتحدة في التاسع من أبريل لعقد اجتماعات مع أعضاء في إدارة ترمب قبل حلول أجل الإعفاء السابق، عبر قناته على «تلغرام»، أن التمديد يواجه «معارضة سياسية شديدة».

وذكر بريت إريكسون، خبير العقوبات في شركة الاستشارات «أوبسيديان» ريسك أدفيزورس، أن التجديد لن يكون على الأرجح آخر إعفاء تصدره واشنطن.

وأضاف: «ألحق الصراع ضرراً مستمراً بأسواق الطاقة العالمية، والأدوات المتاحة لمنحها الاستقرار استُنفدت تقريباً».


العراق يعلن استئناف صادرات النفط من جميع الحقول خلال أيام

يرى العراق أن الإسراع بالتصدير يجذب الاستقرار ويسد الحاجة من الغاز المحلي (إكس)
يرى العراق أن الإسراع بالتصدير يجذب الاستقرار ويسد الحاجة من الغاز المحلي (إكس)
TT

العراق يعلن استئناف صادرات النفط من جميع الحقول خلال أيام

يرى العراق أن الإسراع بالتصدير يجذب الاستقرار ويسد الحاجة من الغاز المحلي (إكس)
يرى العراق أن الإسراع بالتصدير يجذب الاستقرار ويسد الحاجة من الغاز المحلي (إكس)

نقلت وكالة الأنباء العراقية الرسمية (واع) اليوم (السبت)، عن وزارة النفط القول إن صادرات الخام من جميع حقول العراق ستستأنف خلال الأيام القليلة المقبلة.

وأفادت 4 مصادر في قطاع الطاقة بأن العراق استأنف صادرات النفط من الجنوب أمس (الجمعة)، بعد توقف دام أكثر من شهر بسبب اضطرابات الملاحة عبر مضيق هرمز، وأنه بدأ تحميل النفط على متن ناقلة واحدة.

وأشارت الوزارة إلى أن الإسراع بالتصدير يجذب الاستقرار ويسد الحاجة من الغاز المحلي.

وقال المتحدث الرسمي باسم وزارة النفط، صاحب بزون، وفقاً للوكالة: «تواصلنا مع الناقلات والشركات الكبيرة من أجل التعاقد لتصدير النفط، والباب مفتوح أمام جميع الشركات»، مبيناً أنه «خلال الأيام القليلة، سنعاود تصدير النفط وجميع الحقول جاهزة للتصدير».

وتابع: «سيبقى الاهتمام بالمنافذ الأخرى مستمراً لتعدد صادرات النفط والنفط الأسود، خلال أيام قليلة، لأن الإسراع بعملية التصدير يجذب الاستقرار وأيضاً لحصد واردات للدولة، بالإضافة إلى تدعيم الإنتاج المحلي من المنتجات النفطية وسد حاجة السوق المحلية من الغاز السائل والجاف لإدامة عمل المحطات الكهربائية».

وفي وقت سابق، أعلنت وزارة النقل عن استقبال موانئ البصرة ناقلة عملاقة لتحميل مليوني برميل من النفط العراقي لأول مرة منذ الإعلان عن افتتاح مضيق هرمز.


حرب إيران ورسوم ترمب تُجمدان طموحات «أكبر مؤيدي» خفض الفائدة الأميركية

والر يتحدث في مؤتمر ابتكار المدفوعات (أرشيفية - الاحتياطي الفيدرالي)
والر يتحدث في مؤتمر ابتكار المدفوعات (أرشيفية - الاحتياطي الفيدرالي)
TT

حرب إيران ورسوم ترمب تُجمدان طموحات «أكبر مؤيدي» خفض الفائدة الأميركية

والر يتحدث في مؤتمر ابتكار المدفوعات (أرشيفية - الاحتياطي الفيدرالي)
والر يتحدث في مؤتمر ابتكار المدفوعات (أرشيفية - الاحتياطي الفيدرالي)

حذّر مسؤول رفيع في مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي من أن الحرب الإيرانية تسببت في وضع الاقتصاد الأميركي تحت مجهر الخطر، منذراً بصدمة تضخمية مماثلة لتلك التي أحدثتها جائحة «كوفيد - 19».

وجاء هذا التحذير على لسان محافظ مجلس الاحتياطي الفيدرالي، كريستوفر والر، الذي يُعرف تقليدياً بأنه أحد أكثر أعضاء اللجنة ميلاً نحو التيسير النقدي، إلا أن الظروف الراهنة دفعت به نحو تبني نبرة أكثر حذراً. فبعد أن كان العضو الوحيد المطالب بخفض الفائدة في اجتماع يناير (كانون الثاني)، يحذر والر الآن من ركود تضخم قد يُبقي الفائدة مرتفعة لنهاية العام.

تحالف النفط والرسوم

أوضح والر في خطاب ألقاه بولاية ألاباما، أن ما يثير القلق هو تلاقي تأثيرين متزامنين؛ ارتفاع أسعار النفط الناجم عن التوترات الجيوسياسية، مضافاً إليه الرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ورأى أن هذا «التحالف» يزيد من احتمالية حدوث موجة طويلة الأمد من ضغوط الأسعار القوية في أكبر اقتصاد بالعالم، قائلاً: «أعتقد أن هناك احتمالاً بأن تؤدي هذه السلسلة من صدمات الأسعار إلى زيادة أكثر استدامة في التضخم، تماماً كما رأينا مع سلسلة الصدمات خلال فترة الوباء».

وتسلط هذه التصريحات الضوء على مخاوف عميقة لدى مسؤولي البنوك المركزية من أن الحرب قد تزعزع ثقة الجمهور في قدرة «الفيدرالي» على السيطرة على الأسعار.

ويستحضر هذا المشهد ذكريات عام 2022، حين قفز معدل التضخم الرئيسي لنفقات الاستهلاك الشخصي إلى أكثر من 7 في المائة نتيجة اضطرابات سلاسل التوريد والحوافز الحكومية، وهو لا يزال حتى اليوم فوق مستهدف اثنين في المائة.

أزمة هرمز وسيناريو الركود التضخمي

على صعيد الأرقام المباشرة، لفت والر إلى أن أثر الحرب ظهر جلياً في مؤشر أسعار المستهلك لشهر مارس (آذار)، الذي ارتفع إلى 3.3 في المائة بعد أن كان 2.4 في المائة، مدفوعاً بأسعار الوقود. وحذر من أن استمرار الصراع وتقييد الملاحة في مضيق هرمز قد يؤدي إلى سيناريو «ركود تضخمي معقد»، حيث يجتمع التضخم المرتفع مع ضعف سوق العمل، مما قد يحرم «الفيدرالي» من القدرة على خفض الفائدة من نطاقها الحالي (3.5 - 3.75 في المائة).

وقال والر، الذي كان المرشح المفضل لدى كثير من الاقتصاديين لخلافة جيروم باول في رئاسة مجلس الاحتياطي الفيدرالي: «كلما طالت فترة ارتفاع أسعار الطاقة، زادت احتمالات انتشار التضخم في مجموعة واسعة من السلع والخدمات، وبدء ظهور تأثيرات على سلاسل التوريد، وتباطؤ النشاط الاقتصادي والتوظيف. وإذا استمرت الصدمات الواحدة تلو الأخرى، فلن يكون بمقدورنا غض الطرف عن ارتفاع التوقعات التضخمية لدى الأسر والشركات».

هامش المناورة وسوق العمل

وفي تحليل لافت لمرونة السياسة النقدية، أشار والر إلى أن التغيرات الهيكلية في سوق العمل جعلت مستوى خلق الوظائف المطلوب لاستقرار البطالة يقترب من «الصفر». وهذا يعني، حسب رؤيته، أن فقدان بعض الوظائف شهرياً لا يشير بالضرورة إلى ركود اقتصادي، مما يمنح «الفيدرالي» هامشاً للمناورة للإبقاء على أسعار فائدة مرتفعة لفترة أطول إذا استدعى التضخم ذلك، دون الخوف من انهيار مفاجئ في سوق العمل.

وأوضح أنه سيتعين عليه الموازنة بين جانبي «التفويض المزدوج» بين استقرار الأسعار والتوظيف الكامل، مشدداً على أنه قد يختار الإبقاء على سعر الفائدة الحالي إذا فاقت مخاطر التضخم التهديدات التي تواجه سوق العمل.

ترقب الأسواق لنتائج المفاوضات

على الرغم من هذه النبرة التحذيرية، شهدت الأسواق انفراجة مؤقتة يوم الجمعة مع انخفاض أسعار النفط، بعد إعلان الولايات المتحدة وإيران عن بقاء مضيق هرمز مفتوحاً خلال محادثات وقف إطلاق النار التي تنتهي الثلاثاء. ورغم أن والر كان قد صوّت لصالح خفض الفائدة في يناير (كانون الثاني) الماضي، لدعم المقترضين، فإن الأغلبية وقتها فضلت التثبيت، وهو المسار الذي يبدو أن الأسواق قد سلمت به لما تبقى من هذا العام في ظل الظروف الجيوسياسية الراهنة.