«مبادرة مستقبل الاستثمار» تُطلق من الرياض اقتصاد العقود القادمة

مشاركون لـ«الشرق الأوسط»: ليس مُجرّد مُؤتمر بل مكان يُصنع فيه المستقبل

مشاركان في النسخة الثامنة الماضية من مؤتمر مبادرة مستقبل الاستثمار (أ.ف.ب)
مشاركان في النسخة الثامنة الماضية من مؤتمر مبادرة مستقبل الاستثمار (أ.ف.ب)
TT

«مبادرة مستقبل الاستثمار» تُطلق من الرياض اقتصاد العقود القادمة

مشاركان في النسخة الثامنة الماضية من مؤتمر مبادرة مستقبل الاستثمار (أ.ف.ب)
مشاركان في النسخة الثامنة الماضية من مؤتمر مبادرة مستقبل الاستثمار (أ.ف.ب)

مع توقع إبرام صفقات بالمليارات خلال النسخة التاسعة من مؤتمر «مبادرة مستقبل الاستثمار» في الرياض التي تنطلق صباح اليوم الاثنين تحت رعاية خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان، شدد مختصون على أن المؤتمر جعل من الرياض ملتقى عالمياً عالي المستوى يجمع مختلف الخبرات في مختلف المجالات، ومن شأنه تحديد ملامح الاقتصاد العالمي لعقود قادمة، والدفع بتوصيات تعزز شراكات تحرك الأسواق، ويوفر فرصاً عبر المناطق.

ومن المتوقع أن تشهد النسخة التاسعة من المبادرة حضوراً غير مسبوق لأكثر من 20 رئيس دولة ونائب رئيس، في دلالة على تزايد الأهمية العالمية للرياض، باعتبار أنها مركز للحوار الاقتصادي، مع توقعات أن يتجاوز حجم الصفقات الاستثمارية رقم 60 مليار دولار، والذي تم التوصل إليه في النسخة الثامنة.

وينظر إلى المؤتمر باعتباره أكبر تجمع اقتصادي دولي في المنطقة، إذ يجمع نخبة من قادة الحكومات وصُنّاع السياسات والرؤساء التنفيذيين والمستثمرين العالميين، إلى جانب المبتكرين ورواد الأعمال، في منصة تحولت منذ انطلاقها عام 2017 إلى بوصلة ترسم أجندة الاستثمار العالمي.

رئيس مجلس إدارة مؤسسة مبادرة مستقبل الاستثمار ياسر الرميان يتحدث في النسخة الثامنة من المؤتمر (واس)

وقال إدوارد ميرميلشتاين، مبعوث عمدة نيويورك للشؤون الدولية السابق، لـ«الشرق الأوسط» إن مبادرة مستقبل الاستثمار أكبر بكثير من مجرد مؤتمر تقليدي. إنها ملتقى رأس المال العالمي والابتكار والسياسات.

وتابع: «مبادرة مستقبل الاستثمار ليست فقط مجموعة من الخطب البليغة، لكنها تجمع صناديق سيادية، ورؤساء تنفيذيين عالميين، وصانعي سياسات يركزون على التنفيذ، وبناء شراكات تُحرك الأسواق وتُوفر فرصاً عبر المناطق».

وأوضح أن «ما يميز هذه المبادرة حقاً، هو دور السعودية كجهة حاضنة. ففي ظل (رؤية 2030)، رسَّخت المملكة مكانة الرياض كمركزٍ لتواصل الاقتصادات المتقدمة والناشئة».

وتعكس «مبادرة مستقبل الاستثمار»، وفق ميرميلشتاين، هذا الطموح، إذ برأيه تُعزز النقاشات حول التنمية المستدامة، وتكامل الذكاء الاصطناعي، والاستثمار في الأسواق الناشئة التي ستُحدد ملامح الاقتصاد العالمي لعقود قادمة.

وقال: «تابعت التطور الملحوظ للمبادرة، ويشرفني المساهمة في الدورات القادمة. ويظل عملي منسجماً بشكل وثيق مع رسالتها المتمثلة في حشد الاستثمارات العالمية نحو الأسواق الناشئة وجهود إعادة الإعمار».

أضاف: «بصفتي مفوضاً للشؤون الدولية في مدينة نيويورك بين عامي 2022 و2025، كان لي شرف تعزيز علاقات المدينة العالمية ودفع عجلة الاستثمار الأجنبي والتكنولوجيا ومبادرات الاستدامة».

بهذه الصفة، زار ميرميلشتاين المملكة عدة مرات، حيث أكد: «شهدت بنفسي تحولها الملحوظ وانفتاحها على الشراكة. واليوم، ومن خلال شركة (أتلانتيك بريدج كابيتال)، أركز على حشد الاستثمارات المؤسسية في الأسواق الناشئة والواعدة، مع التركيز بشكل خاص على إعادة الإعمار، والمرونة، والنمو القائم على التكنولوجيا».

وزير المالية السعودي محمد الجدعان متحدثاً في خلال نسخة العام الماضي من المؤتمر (رويترز)

وحول تجاربه في المجال، قال ميرميلشتاين: «ركزتُ مؤخراً في منتدى كييف الاقتصادي الدولي، على كيفية مساهمة الشراكات الدولية ورأس المال الخاص في إعادة بناء اقتصادات ما بعد الصراع. وأعتقد أن أطر عمل مماثلة يمكن أن تمتد إلى مناطق في أفريقيا وآسيا والشرق الأوسط، حيث تلعب القيادة ورأس المال السعودي دوراً حاسماً في تشكيل النمو المستدام».

وحول بيئة الاستثمار السعودية ومزاياها، قال ميرميلشتاين: «رسَّخت المملكة مكانتها كقائدة رائدة في مجال تحوّل الأسواق الناشئة، حيث أثمرت (رؤية 2030) عن بيئة مستقرة وجاذبة للمستثمرين، مدعومة بحوكمة قوية، ولوائح تنظيمية حديثة، واستراتيجية واضحة طويلة الأجل. إن قدرة المملكة على حشد رأس المال من خلال صندوق الاستثمارات العامة وقطاعها الخاص المتنامي تجعلها نقطة جذب عالمية للابتكار والاستثمار».

وتابع: «من خلال تواصلي الشخصي مع القادة والمؤسسات السعودية، لمست بنفسي عمق الطموح والاحترافية اللذين يقودان هذا التحوّل. فإلى جانب تنويع اقتصادها، تصدر المملكة نموذجاً للنجاح يجمع بين التخطيط الاستراتيجي والتقدم التكنولوجي والتنمية الشاملة، حيث تجسد المملكة اليوم مثالاً ساطعاً على كيف يُمكن للقيادة الثاقبة والتنفيذ المنضبط أن يُعيدا تعريف ما هو ممكن للأسواق الناشئة حول العالم».

رئيس مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي لشركة «بلاكستون ستيفن» شوارزمان يتحدث في خلال نسخة العام الماضي من المؤتمر (رويترز)

3 مميزات لمبادرة مستقبل الاستثمار

من جهته، قال سيم م. كوكسال المؤسس المشارك والرئيس التنفيذي لشركة GSL Holding GmbH العالمية الألمانية، لـ«الشرق الأوسط» إن «مبادرة مستقبل الاستثمار، جعلتنا في حالة شغف مستمر لمعرفة الجديد في السعودية وفي طيات المؤتمر نفسه».

وأضاف كوكسال: «أعتقد أن هناك ثلاثة أمور تجعل من هذه المبادرة مميزة عن غيرها، أولاً السرعة في بحث المستجدات والبحث عن الحلول، على عكس ما هو في أماكن أخرى».

الميزة الثانية للمبادرة، وفق كوكسال، أن المبادرة تصحبها شراكات حقيقية، «ومن ثمرات ذلك، الشراكات التي أطلقناها مع رجل الأعمال السعودي، عبد الله المليحي، رئيس مجلس إدارة مجموعة الرامز الدولية وشركة التميز السعودي القابضة، حيث عززت شراكتنا العمل في مجال مستقبل التكنولوجيا، ومن ثم فتح الأبواب لخلق حالة تواصل بين التكنولوجيا والشبكات الأوروبية والسوق السعودية».

أما الميزة الثالثة لمبادرة مستقبل الاستثمار، فهي القدرة على الوصول إلى صُنّاع القرار، من خلال جمع الخبراء والوزراء والجهات المعنية باتخاذ القرارات في وقت واحد في مكان واحد، في ظل وجود وتفاعل وزارة الاستثمار السعودية، التي تتولى صنع الشراكات وإطلاق المبادرات.

وأضاف كوكسال: «إن الجمع الذي تصنعه المبادرة، تشخص المشكلات والتحديات وتبحث الحلول الممكنة، ولذلك فإن مبادرة مستقبل الاستثمار ليست مُجرّد مُؤتمرٍ عاديّ، بل هي المكان الذي يُصنع فيه المُستقبل».

بعض الحضور المشارك في نسخة العام الماضي (الشرق الأوسط)

وحول مشاركته في المبادرة، قال كوكسال: «أستعرض في المناسبة، مستجدات الهندسة والاتصالات والتكنولوجيا الألمانية، وطرح حلول في مجال البنى التحتيّة الحيويّة. سواءً كان الأمر يتعلق بشركة (أساكي تاورز) في مجال تكنولوجيا الهيدروجين، حيث سبق اجتمعنا في نيوم، واجتمعنا مع وزارة الاستثمار وصندوق الاستثمارات العامة - أو شركة (ليتن) الأميركية في مجال أنظمة البطاريات المتقدمة، أو العمل مع أحد أكبر صناديق البنية التحتية الأميركية في مجال مراكز البيانات».

وأضاف كوكسال: «تغطي مشاركاتنا نطاق تركيزي كامل الطيف، من حيث مراكز البيانات، وحلول الأمن المتكاملة - ليس فقط الأمن السيبراني، بل أيضاً أجهزة الدفاع الحقيقية والأنظمة المتكاملة - وتكنولوجيا الطاقة من الجيل التالي. أعمل حصرياً مع رواد عالميين في مجالاتهم».

اتفاقيات ومشروعات

وقال كوكسال: «نعمل على توقيع اتفاقيات تشمل ثلاثة مجالات رئيسية، منها مراكز البيانات لثورة الذكاء الاصطناعي، حيث تُشيّد السعودية مشروعي نيوم وذا لاين، وهما مشروعان مذهلان يتطلبان بنية تحتية آمنة وسيادية للبيانات».

وتابع: «أعمل مع أحد أكبر صناديق البنية التحتية الأميركية في هذا المجال، وبالتعاون مع شركة (التميز السعودية)، لدينا خطط ملموسة للمملكة. لا أستطيع الخوض في التفاصيل بعد، لكن الأمر يتعلق بنقل المعرفة، والتصنيع المحلي، والسيادة التكنولوجية الحقيقية. نحن لا نبيع التكنولوجيا فحسب، بل ننقلها. هذا ما تريده المملكة وتستحقه. سيادة حقيقية، وليس مجرد شراء من الخارج».

وزاد: «سنتحدث عن البطاريات المتقدمة وتكنولوجيا الطاقة: هذا مثير للاهتمام فأنا مستشار لشركة (ليتن)، الشركة الرائدة عالمياً في تكنولوجيا بطاريات الليثيوم والكبريت من وادي السيليكون، إذ إن دان كوك، المؤسس والرئيس التنفيذي، صاحب رؤية ثاقبة... لديّ تفويض استشاري لأوروبا، لكنني أطور بالفعل مفاهيم للمملكة».

وحول أهمية تخزين الطاقة، قال كوكسال: «إن تخزين الطاقة هو النفط الجديد. يتعلق الأمر بالسيادة، وبتزويد مراكز البيانات بالطاقة، وبالبنية التحتية الحيوية، إذ تحتاج مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي إلى طاقة هائلة ونسخ احتياطية. تحتاج البنية التحتية الحيوية إلى تخزين طاقة موثوق. هذا ليس مجرد عمل تجاري، بل هو استراتيجي».

وشدد على أن استقلال الطاقة يعد أمناً وطنياً، لطالما فهمت السعودية الطاقة بشكل أفضل من أي دولة أخرى «والآن، يتعلق الأمر بالجيل القادم من تكنولوجيا الطاقة. وتقود (ليتن) هذه الثورة عالمياً».

وقال كوكسال: «على صعيد الدفاع والبنية التحتية الحيوية: ما وراء الأمن السيبراني - نتحدث عن حلول أمنية متكاملة. أجهزة، وأنظمة دفاعية، وحماية متكاملة للبنية التحتية. نعمل مع شركاء أوروبيين ودوليين رائدين لتطوير قدرات سيادية. أمرٌ حساس، ولكنه حاسم للاستقلال»، مشيراً إلى أن السعودية هي أفضل مكان في العالم لشركات التكنولوجيا حالياً.

وزاد: «إن مبادرة الاستثمار تنطلق من الرياض، حيث الموقع مثالي. من الرياض، تصل إلى أوروبا في خمس ساعات، وآسيا في ست ساعات، وأفريقيا في أربع ساعات. المملكة تعد المركز الجديد لإطلاق مشروعات واستثمارات بمجالات بنية تحتية للمستقبل، إذ أخذنا (نيوم) قيد الإنشاء الآن. الخط أصبح حقيقة واقعة. هذه هي منصات اختبار لتكنولوجيا الغد».

امرأة تستخدم هاتفاً لتسجيل كلمة الرئيس التنفيذي لشركة «تسلا» إيلون ماسك خلال النسخة الثامنة من المؤتمر (رويترز)

عقود في الذكاء الاصطناعي والطاقة النظيفة

من جهته، قال رجل الأعمال السعودي والمستثمر في مجال الذكاء الاصطناعي، عبد الله بن زيد المليحي، رئيس شركة التميز السعودية القابضة لـ«الشرق الأوسط» إن انطلاق مؤتمر مبادرة الاستثمار في نسخته التاسعة وضع المملكة من الدول العالمية التي أصحبت وجهة عالمية للمستثمرين من دول العالم كافة، ويعتبر هذا المؤتمر من أساس رؤية ولي العهد 2030 التي أصبح كل أفراد الشعب السعودي يعمل على تحقيقها.

وأضاف «إن دعم المملكة لمشاريع الذكاء الاصطناعي العنوان الأبرز لثمرات المؤتمر والرؤية 2030، حيث أتوقع عقد صفقات كبيرة مع الحضور العالمي المهم من دول العالم كافة، إذا يعتبر قطاع التعليم والذكاء الاصطناعي جزءاً رئيسياً من حلقات النقاش في المؤتمر».

ووفق المليحي، فإنه يعتبر أن المبادرة منذ انطلاقها عام 2017 دفعت دخول المملكة كإحدى الدول العالمية الراعية لمؤتمرات الاستثمار العالمي، في وقت تحشد فيه العمل العالمي المشترك، لتوحيد الجهود والاستثمار في إيجاد حلول للتحديات العالمية التي تُسهم في ترك أثر إيجابي على البشرية.


مقالات ذات صلة

نمو الإيرادات غير النفطية يعزز مرونة الميزانية السعودية

الاقتصاد جانب من أفق العاصمة السعودية الرياض (واس)

نمو الإيرادات غير النفطية يعزز مرونة الميزانية السعودية

أظهرت نتائج الميزانية السعودية للربع الثالث من عام 2026 تحولاً لافتاً في هيكل الإيرادات، مع تجاوز الإيرادات غير النفطية نظيرتَها النفطية لأول مرة منذ 2020.

بندر مسلم (الرياض)
تقرير إخباري زوار يتوقفون عند جناح شركة «أرامكو» في معرض «مسك» العالمي للابتكار والتكنولوجيا الذي أُقيم في العاصمة السعودية الرياض (أرشيفية - أ.ف.ب)

تقرير إخباري «أرامكو» تجني ثمار مرونتها بنمو أرباحها إلى 31.2 مليار دولار وتوسّع «شرق-غرب»

نجحت «أرامكو» في تحويل جانب من تحديات الربع الثالث من عام 2026 إلى مكاسب مالية، مستفيدةً من مرونة منظومتها التشغيلية.

عبير حمدي (الرياض)
الاقتصاد قوارب تعبر بين أشجار المورينغا بجزيرة فرسان في جازان جنوب السعودية (وزارة السياحة)

الأنشطة التجارية السياحية تواصل النمو في السعودية... و«النُّزل» تتصدر بـ52 %

سجلت الأنشطة التجارية المرتبطة بقطاع السياحة في السعودية نمواً خلال عام 2026، تصدرتها «النُّزل السياحية» بارتفاع عدد سجلاتها التجارية بنسبة 52 في المائة.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد مركز الملك عبد الله المالي في الرياض (موقع المركز الرسمي)

صندوق الاستثمارات العامة يحصل على تسهيلات ائتمانية بـ3 مليارات دولار بضمان إيطالي

أعلن صندوق الاستثمارات العامة السعودي حصوله على تسهيلات ائتمانية بقيمة 3 مليارات دولار (11.25 مليار ريال)، بضمان من وكالة ائتمان الصادرات الإيطالية «ساتشي».

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد أحد مصانع «نادك» (المركز الإعلامي للشركة)

«نادك» السعودية تستثمر 1.33 مليار دولار لتنفيذ خطتها الاستراتيجية حتى 2031

أقر مجلس إدارة الشركة الوطنية للتنمية الزراعية «نادك» خطة الأعمال الاستراتيجية للفترة من 2027 إلى 2031، باستثمارات رأسمالية تبلغ 1.33 مليار دولار.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

قفزة في الوظائف الشاغرة بأميركا خلال سبتمبر تعزز آمال انتعاش التوظيف

لافتة تُظهر وظائف شاغرة بإعلان على نافذة أحد المتاجر في أرلينغتون بفرجينيا (رويترز)
لافتة تُظهر وظائف شاغرة بإعلان على نافذة أحد المتاجر في أرلينغتون بفرجينيا (رويترز)
TT

قفزة في الوظائف الشاغرة بأميركا خلال سبتمبر تعزز آمال انتعاش التوظيف

لافتة تُظهر وظائف شاغرة بإعلان على نافذة أحد المتاجر في أرلينغتون بفرجينيا (رويترز)
لافتة تُظهر وظائف شاغرة بإعلان على نافذة أحد المتاجر في أرلينغتون بفرجينيا (رويترز)

رفع أصحاب العمل في الولايات المتحدة عدد الوظائف الشاغرة بشكل حاد، خلال سبتمبر (أيلول) الماضي، في مؤشر إلى احتمال تحسن وتيرة التوظيف، مع إشارة نمو الاقتصاد بوتيرة أقوى إلى زيادة الطلب على العمالة. لكن هذا التحسن يأتي في وقت يتوجه فيه الناخبون إلى صناديق الاقتراع، الثلاثاء، وسط تشاؤم واسع حيال اقتصاد يعاني ارتفاع الأسعار.

وأعلنت وزارة العمل الأميركية، الثلاثاء، ارتفاع عدد الوظائف الشاغرة إلى 7.5 مليون وظيفة في سبتمبر، مقارنة مع 7.19 مليون وظيفة في أغسطس (آب)، بعد تعديل القراءة السابقة. ويمثل ذلك أعلى مستوى منذ مايو (أيار)، كما يزيد على المستوى المتدني المسجل في مارس (آذار) عند 6.9 مليون وظيفة.

وأظهر مسحُ فرص العمل ودوران العمالة، المعروف اختصاراً باسم «جولتس» (JOLTS)، ارتفاع إجمالي التعيينات خلال سبتمبر، قبل احتساب الموظفين الذين تركوا وظائفهم أو فقدوها، بالتزامن مع تراجع عمليات التسريح.

وتُعزز هذه المؤشرات الآمال بتحسن التوظيف، لكن استمرار هذا الاتجاه لعدة أشهر سيكون ضرورياً للتأكد من حدوث تحسن فعلي في سوق العمل. فقد ظل التوظيف ضعيفاً لنحو ثلاث سنوات، رغم بقاء عمليات التسريح عند مستويات منخفضة تاريخياً، وهو ما يعكس محدودية حركة الانتقال بين الوظائف.

ويعني انخفاض هذه الحركة أن العاملين يتمتعون بمستويات مرتفعة نسبياً من الأمان الوظيفي، لكنه يجعل العثور على وظيفة أكثر صعوبة من المعتاد بالنسبة للباحثين عن عمل.


«وول ستريت» تتجه للارتفاع مع تراجع أسعار النفط وترقب انتخابات التجديد النصفي الأميركية

متداولون في قاعة بورصة نيويورك بالولايات المتحدة (رويترز)
متداولون في قاعة بورصة نيويورك بالولايات المتحدة (رويترز)
TT

«وول ستريت» تتجه للارتفاع مع تراجع أسعار النفط وترقب انتخابات التجديد النصفي الأميركية

متداولون في قاعة بورصة نيويورك بالولايات المتحدة (رويترز)
متداولون في قاعة بورصة نيويورك بالولايات المتحدة (رويترز)

اتجه مؤشرا «ستاندرد آند بورز 500» و«ناسداك» إلى الارتفاع عند افتتاح تعاملات الثلاثاء، مع مواصلة أسعار النفط الخام تراجعها قبيل انتخابات التجديد النصفي في الولايات المتحدة، في حين انضمت «أبل» إلى قائمة شركات التكنولوجيا الكبرى التي لم تلقَ نتائجها المالية استحسان المستثمرين.

وتراجع سهم «أبل» بنسبة 4.4 في المائة في تداولات ما قبل الافتتاح، بعدما حذّرت الشركة من استمرار ارتفاع تكاليف رقائق الذاكرة، الأمر الذي يضغط على هامش إجمالي الربح خلال ربع موسم العطلات، وفق «رويترز».

وفي المقابل، توقعت شركة «بالانتير تكنولوجيز»، المتخصصة في برمجيات تحليل البيانات المدعومة بالذكاء الاصطناعي، إيرادات للربع الأخير من العام تتجاوز تقديرات المحللين، بعدما سجلت نتائج فاقت التوقعات في الربع الثالث، غير أن سهمها تراجع بنسبة 6.1 في المائة.

وأغلق مؤشر «ناسداك 100» تعاملات الاثنين منخفضاً بأكثر من 10 في المائة عن أعلى مستوى إغلاق له على الإطلاق، مؤكداً دخوله مرحلة تصحيح، في ظل تنامي حذر المستثمرين إزاء الإنفاق الضخم لشركات التكنولوجيا الكبرى على الذكاء الاصطناعي، وسط غياب مؤشرات كافية على تحقيق عوائد تتناسب مع هذه الاستثمارات.

ولجأت شركات تكنولوجيا عدة أيضاً، خلال الفترة الأخيرة، إلى أسواق السندات لتمويل استثماراتها الكبيرة في الذكاء الاصطناعي، ما عزَّز المخاوف من أن يصبح تبرير الإنفاق الممول بالديون أكثر صعوبة مع ارتفاع تكاليف الاقتراض.

ومن العوامل التي دعمت الإقبال على الأصول عالية المخاطر، الثلاثاء، تراجع أسعار النفط، إذ انخفض خام برنت بنسبة 2.4 في المائة، مواصلاً خسائره بعد الهبوط الحاد في الجلسة السابقة، مع متابعة المستثمرين التطورات المتعلقة باتفاق سلام محتمل بين الولايات المتحدة وإيران.

وقال الرئيس الأميركي دونالد ترمب إنه توصل إلى اتفاق مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وإن واشنطن لن تقدم بعد الآن مساعدات عسكرية لإسرائيل اعتباراً من نهاية العام الحالي.

وبحلول الساعة 8:42 صباحاً بتوقيت شرق الولايات المتحدة، تراجعت العقود الآجلة لمؤشر «داو جونز الصناعي» 153 نقطة، أو 0.29 في المائة، فيما ارتفعت العقود الآجلة لمؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بمقدار 12.75 نقطة، أو 0.17 في المائة. كما صعدت العقود الآجلة لمؤشر «ناسداك 100» بمقدار 200.25 نقطة، أو 0.71 في المائة.

وكانت أسهم شركات صناعة الرقائق من بين أكبر الرابحين، إذ ارتفع سهم «إنفيديا» بنسبة 2.8 في المائة، بعدما سجَّل خسائر على مدى الجلسات الأربع الماضية. وكانت «أبل» قد تجاوزت «إنفيديا» الأسبوع الماضي لتصبح الشركة الأعلى قيمة في العالم، عقب الخسائر الكبيرة الأخيرة التي تكبدها سهم شركة الرقائق.

وارتفع سهم «إيه إم دي» بنسبة 4.2 في المائة قبيل إعلان نتائجها الفصلية بعد إغلاق السوق، فيما صعد سهما «مارفيل تكنولوجي» و«إنتل» بنسبة 4.6 في المائة و4.3 في المائة على التوالي.

ترقب نتائج انتخابات التجديد النصفي

ويتوجه الناخبون الأميركيون الثلاثاء إلى صناديق الاقتراع للإدلاء بأصواتهم في انتخابات التجديد النصفي، التي ستُشكل حكماً على أول عامين من الولاية الرئاسية الثانية لدونالد ترمب. وتشير استطلاعات الرأي وتقديرات المحللين المستقلين إلى ترجيح فوز الديمقراطيين بأغلبية مجلس النواب وانتزاعه من الجمهوريين، فيما لا تزال السيطرة على مجلس الشيوخ غير محسومة.

وقالت كيم فورست، كبيرة مسؤولي الاستثمار في شركة «بوكيه كابيتال بارتنرز»: «يبدو أن انقسام الحكومة يصب في مصلحة الأسواق، إذ لن يكون بالإمكان تمرير أي تشريعات جديدة».

وقال محللون في «مورغان ستانلي» في مذكرة صدرت مطلع الأسبوع إن الانتخابات من شأنها أن تُساعد في إزالة أحد العوامل الرئيسية التي تثقل كاهل الأسواق. ويرون أن التصحيح الذي بدأ في السوق الأميركية في يونيو (حزيران) دخل «مراحله الأخيرة».

وقد يتمثل عامل آخر للمخاطر في احتمال استئناف الولايات المتحدة هجماتها على إيران بعد انتخابات التجديد النصفي، وهو أمر ألمح إليه ترمب خلال الأسابيع الأخيرة. وقال محللون في «جيه بي مورغان» في مذكرة صدرت مطلع الأسبوع إنهم يعدّون أي تراجع في الأسواق نتيجة التوترات الجيوسياسية فرصة للشراء.

لكن ترمب نفى، ردّاً على سؤال الصحافيين الاثنين، عما إذا كان يفكر في توجيه ضربة إلى إيران بعد الانتخابات، أن يكون ذلك مطروحاً، قائلاً: «لا».


الإسترليني يستقر وسط ترقب قرار بنك إنجلترا وانتخابات التجديد النصفي الأميركية

قطعة نقدية من فئة جنيه إسترليني واحد في مانشستر ببريطانيا (رويترز)
قطعة نقدية من فئة جنيه إسترليني واحد في مانشستر ببريطانيا (رويترز)
TT

الإسترليني يستقر وسط ترقب قرار بنك إنجلترا وانتخابات التجديد النصفي الأميركية

قطعة نقدية من فئة جنيه إسترليني واحد في مانشستر ببريطانيا (رويترز)
قطعة نقدية من فئة جنيه إسترليني واحد في مانشستر ببريطانيا (رويترز)

استقر الجنيه الإسترليني إلى حد كبير أمام الدولار واليورو، الثلاثاء، مع إحجام المتعاملين عن اتخاذ مراكز كبيرة قبيل انتخابات التجديد النصفي الأميركية، وترقبهم في الوقت نفسه اجتماع بنك إنجلترا المقرر الخميس لتحديد أسعار الفائدة.

وتأتي الانتخابات في وقت تشهد فيه الأسواق حالة من التوتر، مع تراجع أسهم الشركات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، ما أثار قلق المستثمرين، في حين يراقب المتعاملون تطورات الأوضاع في المنطقة، بعدما أبلغ مسؤول إيراني كبير «رويترز» أن طهران وواشنطن لا تزالان بعيدتين عن التوصل إلى اتفاق لإنهاء الحرب.

وأبقت حالة عدم اليقين هذه تحركات الأسواق ضمن نطاق محدود.

وسجل الجنيه الإسترليني 1.3414 دولار، دون تغيير يُذكر، فيما بلغ 83.35 بنس لليورو، مرتفعاً بشكل طفيف خلال تداولات اليوم، ليظل قريباً من أعلى مستوياته في 18 شهراً، الذي سجله الأسبوع الماضي.

ويُعد اجتماع بنك إنجلترا الحدث الأبرز هذا الأسبوع بالنسبة إلى الأسواق البريطانية، إذ يُتوقع أن ترفع لجنة السياسة النقدية أسعار الفائدة للمرة الأولى منذ أغسطس (آب) 2023.

وكان كل من مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي والبنك المركزي الأوروبي قد شرع بالفعل في رفع أسعار الفائدة، في مسعى للحيلولة دون انتقال ارتفاع تكاليف الطاقة إلى معدلات التضخم على نطاق أوسع.

وقال هنري كوك، الخبير الاقتصادي لشؤون أوروبا في مجموعة «ميتسوبيشي يو إف جي» المالية، إن موازين المخاطر تحولت إلى حد بات معه من الصعب على لجنة السياسة النقدية البريطانية الاستمرار في تأجيل التحرك.

وأضاف أن التضخم في بريطانيا، الذي يبلغ بالفعل 3.5 في المائة، يتجه إلى الارتفاع بصورة ملموسة، فيما أظهر الاقتصاد أداءً أفضل من المتوقع، ويبدو أن سوق العمل استقرت.

وتسعّر الأسواق ثلاث زيادات إضافية في أسعار الفائدة خلال العام المقبل، إلى جانب الزيادة المتوقعة هذا الأسبوع، إلا أن كثيراً من المحللين يرون أن هذه التوقعات مبالغ فيها. ويتوقع كوك زيادة واحدة إضافية في فبراير (شباط).

من جهته، أبدى مارك ماكورميك، كبير استراتيجيي العملات الأجنبية في بنك «بي إم أو»، تشككاً حتى في احتمال تنفيذ تلك الزيادة الإضافية.

وقال إن التحرك المرتقب يبدو أقرب إلى زيادة واحدة لا تمثل بداية دورة جديدة من التشديد النقدي، مضيفاً أن البنك المركزي البريطاني قد يسعى إلى الحد من توقعات الأسواق بدلاً من تأكيدها. كما رجّح أن تكون وتيرة رفع أسعار الفائدة من جانب البنك المركزي الأوروبي أقل مما تتوقعه الأسواق حالياً.

وبناءً على ذلك، يتبنى «بي إم أو» موقفاً حذراً تجاه الجنيه الإسترليني مقابل الدولار، لكنه يفضل بيع اليورو مقابل الجنيه، في ظل عودة المخاطر السياسية في فرنسا وتفاقم ضعف النمو الاقتصادي في منطقة اليورو.