مخاوف أزمة سياسية جديدة تضع اقتصاد فرنسا في مهب الريح

تضرُّر الأصول جراء احتمال خسارة الحكومة في تصويت مفاجئ على الثقة

رئيس الوزراء الفرنسي فرنسوا بايرو يتحدث في مؤتمر صحافي لتقديم إرشادات الموازنة في 25 آغسطس (إ.ب.أ)
رئيس الوزراء الفرنسي فرنسوا بايرو يتحدث في مؤتمر صحافي لتقديم إرشادات الموازنة في 25 آغسطس (إ.ب.أ)
TT

مخاوف أزمة سياسية جديدة تضع اقتصاد فرنسا في مهب الريح

رئيس الوزراء الفرنسي فرنسوا بايرو يتحدث في مؤتمر صحافي لتقديم إرشادات الموازنة في 25 آغسطس (إ.ب.أ)
رئيس الوزراء الفرنسي فرنسوا بايرو يتحدث في مؤتمر صحافي لتقديم إرشادات الموازنة في 25 آغسطس (إ.ب.أ)

تزداد المخاوف في فرنسا من دخولها في دوامة من عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي، مع تصويت حاسم على الثقة قد يؤدي إلى سقوط حكومة الأقلية بقيادة رئيس الوزراء فرنسوا بايرو. ومع تراجع الأسواق المالية وارتفاع تكاليف الاقتراض، يلوح في الأفق شبح أزمة اقتصادية جديدة، الأمر الذي دفع وزير المالية الفرنسي نفسه إلى التحذير من خطر تدخل محتمل لصندوق النقد الدولي في حال انهيار الحكومة. يكشف هذا المشهد عن تحديات عميقة تواجهها فرنسا، حيث يجد بايرو نفسه في مواجهة جبهة معارضة موحَّدة من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، مما يضع مصير خططه المالية الطموحة على المحك.

وكان رئيس الوزراء فرنسوا بايرو، فاجأ البلاد، يوم الاثنين، بإعلانه أنه طلب من الرئيس إيمانويل ماكرون عقد جلسة نيابية استثنائية في الثامن من سبتمبر (أيلول) للتصويت على الثقة بحكومته، وذلك على خلفية تقليص موازنته، البالغ 43.8 مليار يورو. وقال يوم الاثنين: «إذا لم تكن هناك أغلبية، فستسقط الحكومة». وهو ما أثار صدمةً قبل أسبوعين من موعد عودة النواب إلى العمل.

رئيس الوزراء الفرنسي فرنسوا بايرو يغادر بعد مؤتمر صحافي لتقديم إرشادات الموازنة (إ.ب.أ)

يُراهن بايرو على أن المُشرِّعين سيتفقون على الأقل على أن الوضع المالي المُزري في فرنسا بحاجة إلى تصحيح، لكن يبدو أن الحظوظ مُتقاربة ضدّ هذا الوسطي المُخضرم. وقد تعهد قادة كلٍّ من حزب «فرنسا المُتمردة» اليساري المتطرف، وحزب «التجمع الوطني» اليميني المتطرف، بمَن فيهم مارين لوبان، بدعم إسقاط الحكومة. ولكي يبقى رئيس الوزراء في منصبه، يحتاج إلى تصويت الاشتراكيين لدعم حكومته بدلاً من الامتناع عن التصويت، وهو احتمال استبعده زعيم الحزب أوليفييه فور في مقابلة مع صحيفة «لوموند». ولا يزال حزب «يسار الوسط» غاضباً من بايرو بعد انهيار محادثات إصلاح نظام التقاعد في وقت سابق من هذا العام. حتى إن جان لوك ميلينشون، من حزب «فرنسا المتمردة» اليساري المتشدد، ذهب إلى أبعد من ذلك، قائلاً إن على الرئيس إيمانويل ماكرون نفسه أن يرحل. وكتب ميلينشون على منصة «إكس»: «يجب على إيمانويل ماكرون الرحيل. إنه المسؤول عن الأزمة».

مؤسس حزب «فرنسا المتمردة» الفرنسي اليساري جان لوك ميلينشون يلقي كلمة خلال أحد مؤتمرات الحزب الصيفية (أ.ف.ب)

كان من المتوقع أن يواجه بايرو تصويتاً على الثقة في وقت لاحق من العملية التشريعية. وبدعوته إلى هذا التصويت قبل العودة الرسمية للبرلمان الفرنسي إلى العمل، وقبل يومين فقط من الإغلاق الوطني المقرر في 10 سبتمبر، اختار بايرو فعلياً التعجيل بمصيره ومواجهة خطر انهيار الحكومة بشكل مباشر، وفق موقع «بوليتيكو».

وكشف بايرو، الشهر الماضي، عن خطط إنفاق طموحة للعام المقبل تهدف إلى خفض عجز موازنة 2026 إلى 4.6 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، ومنع انهيار اقتصادي على غرار ما حدث في اليونان. وأثار أحد مستشاري الحكومة احتمال وضع فرنسا تحت إشراف صندوق النقد الدولي، أو «الترويكا» وهي المؤسسات الثلاث التي فرضت إجراءات التقشف خلال أزمة منطقة اليورو، إذا لم تُتخذ أي إجراءات.

ويوم الثلاثاء، لمَّح وزير المالية الفرنسي، إريك لومبارد، إلى وجود خطر يَفرض على صندوق النقد الدولي التدخل في الاقتصاد في حال سقوط حكومة بايرو. وصرّح لومبارد لإذاعة «فرنس إنتر»: «نحن في خضمّ المعركة». وأضاف أنه «ليس مستسلماً على الإطلاق» لخسارة حكومة بايرو تصويت الثقة.

وزير المالية الفرنسي إريك لومبارد (أ.ف.ب)

وعندما سُئل عن تعليقات سياسيين آخرين بأن انهيار حكومة بايرو قد يؤدي إلى اضطرار صندوق النقد الدولي إلى التدخل في الشؤون المالية لفرنسا، أجاب لومبارد: «هذا خطر واقع أمامنا». وأضاف: «إنه خطر نود تجنبه، وخطر يجب علينا تجنبه، لكن لا أستطيع الجزم بأنه غير موجود».

وأوضح لومبارد أن الحكومة لا تزال تأمل في التوصُّل إلى اتفاق في اللحظة الأخيرة مع المعارضة، ولكن من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، أوضح قادة الأحزاب أن ذلك غير مرجح.

ردة فعل الأسواق

وقد تسبَّبت هذه التطورات في ارتفاع تكاليف الاقتراض الفرنسية لـ10 سنوات إلى 3.53 في المائة، مقتربة من أعلى مستوى لها بعد أزمة منطقة اليورو، الذي سُجِّل في مارس (آذار). وبلغ سعر الفائدة الإضافي على سندات الخزانة الألمانية القياسية نحو 0.8 نقطة مئوية، قريباً من ذروته خلال الأزمة السياسية العام الماضي.

وانخفض مؤشر «كاك 40» للأسهم القيادية في البلاد بنسبة 2.2 في المائة في التعاملات المبكرة يوم الثلاثاء، مضافاً إليه انخفاض بنسبة 1.5 في المائة يوم الاثنين. قال بيتر شافريك، كبير استراتيجيي الاقتصاد الكلي الأوروبي في «آر بي سي كابيتال ماركتس» لصحيفة «فاينانشال تايمز»: «الخطر الذي يلوح في السوق هو أنه في حال سقوط الحكومة مجدداً، سيدخل البلد في حالة جمود تام، ولن تكون هناك أي فرصة لمعالجة العجز».

كما تضرَّرت الأسهم المحلية بشكل خاص. وانخفضت أسهم بنك «سوسيتيه جنرال» الفرنسي بنسبة 3.5 في المائة.

وشهدت الأزمة السياسية المتصاعدة في فرنسا تقارب تكاليف اقتراضها مع تكاليف اقتراض إيطاليا في الأشهر الأخيرة، لأول مرة منذ الأزمة المالية العالمية. وقال وزير المالية الفرنسي إن تكاليف اقتراض فرنسا ستتجاوز تكاليف اقتراض إيطاليا «في غضون 15 يوماً» إذا خسرت الحكومة التصويت. صباح الثلاثاء، ضاقت الفجوة أكثر، حيث انخفض عائد سندات الحكومة الفرنسية لأجل 10 سنوات إلى 0.1 نقطة مئوية فقط أقل من عائد سند الحكومة الإيطالية.

وصرَّح نيكولاس ترينداد، كبير مديري المحافظ الاستثمارية في شركة «أكسا» لإدارة الاستثمارات، بأنه يتوقع أداءً أضعف من أداء سندات الحكومة الفرنسية، لأن «احتمال انهيار الحكومة قد ارتفع بشكل حاد، حيث أشارت أحزاب المعارضة الرئيسية إلى أنها ستصوت ضد حكومة بايرو». وأضاف أن تنصيب رئيس وزراء جديد «لن يغير الحسابات البرلمانية»، لذا فإن أي ضبط مالي حقيقي «سيظل صعب التنفيذ للغاية». وقال إن إجراء انتخابات مبكرة «سيُعرض اليمين المتطرف لخطر الحصول على أغلبية مطلقة هذه المرة».


مقالات ذات صلة

فرنسا: المجلس الدستوري يلغي حظر وسائل التواصل لمن هم دون الـ15

أوروبا شعارات منصات تواصل اجتماعي (أ.ف.ب) p-circle

فرنسا: المجلس الدستوري يلغي حظر وسائل التواصل لمن هم دون الـ15

أصدر المجلس الدستوري في فرنسا، الجمعة، قراراً بمنع مشروع قانون يحظر استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لمن هم دون سن 15 عاماً، قائلاً إنه ينتهك حرية التعبير.

«الشرق الأوسط» (باريس)
أوروبا أعضاء البرلمان الفرنسي يشاركون بجلسة التصويت على مشروع قانون الموت الرحيم في الجمعية الوطنية وهي المجلس الأدنى للبرلمان الفرنسي... باريس 15 يوليو 2026 (أ.ف.ب)

«الجمعية الوطنية» الفرنسية توافق على مشروع قانون الموت الرحيم

أعطت «الجمعية الوطنية» الفرنسية موافقتها النهائية، الأربعاء، على مشروع قانون يسمح للبالغين المصابين بأمراض مستعصية بتلقي أدوية مميتة.

«الشرق الأوسط» (باريس)
الاقتصاد ماكرون خلال ترؤسه مؤتمراً عبر الفيديو لقادة مجموعة السبع لمناقشة تداعيات الحرب إلى جانب مولان في مارس الماضي (رويترز)

بنك فرنسا في اختبار الاستقلالية بعد تعيين إيمانويل مولان

صادق البرلمان الفرنسي على تعيين إيمانويل مولان محافظاً لبنك فرنسا، رغم الجدل الذي أثاره قربه من الرئيس إيمانويل ماكرون.

«الشرق الأوسط» (باريس)
أوروبا جان لوك ميلينشون (في الوسط) زعيم حزب «فرنسا الأبية» اليساري الفرنسي يشارك في مظاهرة لدعم الشعب الفنزويلي في ساحة بيلكور في ليون بوسط شرق فرنسا 10 يناير 2026 (أ.ف.ب)

حزب «فرنسا الأبية» يعتزم تقديم لائحة لوم لحجب الثقة عن حكومة لوكورنو

أعلن حزب «فرنسا الأبية» اليساري، اليوم (الاثنين)، أنه سيقدّم لائحة لوم لحجب الثقة عن حكومة سيباستيان لوكورنو.

«الشرق الأوسط» (باريس)
أوروبا أوضح وزير الداخلية الفرنسي أن الخرق الأمني جرى بسبب ضعف إجراءات «السلامة الرقمية» (رويترز)

سرقة ملفات «حساسة» في هجوم سيبراني على الداخلية الفرنسية

أعلنت الحكومة الفرنسية، الأربعاء، أنه تم «استخراج... بضع عشرات» من السجلات السرية خلال هجوم سيبراني على وزارة الداخلية الفرنسية استمر عدة أيام.

«الشرق الأوسط» (باريس)

كوريا الجنوبية تقيل كبير المفاوضين التجاريين وسط تصاعد التوترات مع أميركا

شاحنات متوقفة بمحطة الحاويات الداخلية في أويوانغ بكوريا الجنوبية (رويترز)
شاحنات متوقفة بمحطة الحاويات الداخلية في أويوانغ بكوريا الجنوبية (رويترز)
TT

كوريا الجنوبية تقيل كبير المفاوضين التجاريين وسط تصاعد التوترات مع أميركا

شاحنات متوقفة بمحطة الحاويات الداخلية في أويوانغ بكوريا الجنوبية (رويترز)
شاحنات متوقفة بمحطة الحاويات الداخلية في أويوانغ بكوريا الجنوبية (رويترز)

أقالت الحكومة الكورية الجنوبية، السبت، كبير مفاوضيها التجاريين، وذلك في وقت تشهد فيه العلاقات التجارية بين سيول وواشنطن تزايداً في حدة التوتر، على خلفية ملفات عالقة وضغوط أميركية متزايدة بشأن الرسوم الجمركية.

وأفاد مسؤول في وزارة التجارة والصناعة والطاقة، يوم الجمعة، بأن يو هان - كو تلقى إخطاراً بإقالته من وزارة إدارة الموارد البشرية، دون الكشف عن أي تفاصيل إضافية حول أسباب القرار.

وأكد مسؤول حكومي، في تصريح لـ«وكالة يونهاب الكورية الجنوبية للأنباء»، أن إقالة يو «ليست لها أي صلة بمفاوضات الرسوم الجمركية الجارية بين سيول وواشنطن».

غير أن أنباء تداولتها وسائل الإعلام ربطت الإقالة بسلوك شخصي غير لائق، وهو ما نفاه يو، في بيان له، واصفاً تلك المزاعم بأنها «لا أساس لها من الصحة»، ومشيراً إلى إمكانية اتخاذ إجراءات قانونية ضد ما وصفها بـ«التقارير المضللة».

تأتي هذه الإقالة في توقيت بالغ الحساسية؛ إذ تواجه سيول ضغوطاً أميركية متصاعدة للإسراع في تنفيذ التزاماتها الاستثمارية، بموجب اتفاقية الرسوم الجمركية الثنائية، إلى جانب نزاع قائم حول الغرامات المفروضة على شركة «كوبانغ» العملاقة للتجارة الإلكترونية المدرجة في بورصة نيويورك، بسبب اختراق بيانات شخصية.


السعودية تمضي بتعزيز الاستقرار والتنمية في المنطقة

السعودية تواصل مبادراتها لتعزيز الأمن والسلام في المنطقة... ويبدو العلم السعودي في أحد المواقع بمدينة جازان (واس)
السعودية تواصل مبادراتها لتعزيز الأمن والسلام في المنطقة... ويبدو العلم السعودي في أحد المواقع بمدينة جازان (واس)
TT

السعودية تمضي بتعزيز الاستقرار والتنمية في المنطقة

السعودية تواصل مبادراتها لتعزيز الأمن والسلام في المنطقة... ويبدو العلم السعودي في أحد المواقع بمدينة جازان (واس)
السعودية تواصل مبادراتها لتعزيز الأمن والسلام في المنطقة... ويبدو العلم السعودي في أحد المواقع بمدينة جازان (واس)

في وقت تزداد فيه حالة عدم اليقين التي تحيط بالاقتصاد العالمي، على وقع تداعيات الحرب الأميركية-الإيرانية والتوترات المرتبطة بمضيق هرمز، والمخاطر التي تواجه الملاحة في عدد من الممرات البحرية الحيوية، تكثّف السعودية مبادراتها الإقليمية الرامية إلى تعزيز الأمن والاستقرار، انطلاقاً من رؤية تربط بين خفض المخاطر الجيوسياسية وتهيئة البيئة اللازمة للنمو والتنمية وجذب الاستثمارات.

ويبرز في هذا السياق «اتفاق مكة» بين السعودية وتركيا وباكستان، بوصفه إحدى المبادرات التي يعوّل عليها مختصون في تعزيز الاستقرار الإقليمي، ورفع مستوى الثقة بالبيئة الاقتصادية والاستثمارية، في منطقة تحتل موقعاً محورياً في أسواق الطاقة والتجارة العالمية وسلاسل الإمداد.

ويرى مختصون تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» أن التحركات السعودية لا تنفصل عن استراتيجية أوسع تستهدف بناء بيئة إقليمية أكثر استقراراً وقدرة على مواجهة الصدمات، مؤكدين أن تعزيز الأمن ينعكس بصورة مباشرة على استدامة إمدادات الطاقة وسلامة طرق الملاحة وحركة التجارة والاستثمار، ويمهد في الوقت نفسه لتوسيع نطاق التكامل الاقتصادي والمشروعات المشتركة بين دول المنطقة.

كما أشاروا إلى أن أهمية المبادرات السعودية تتجاوز الأبعاد الأمنية المباشرة إلى دعم مسار التنمية، من خلال خفض مستويات المخاطر، وتعزيز اليقين لدى المستثمرين، وتهيئة المجال أمام شراكات جديدة في قطاعات الطاقة والصناعة والتقنية والتعدين والخدمات اللوجستية والصناعات الدفاعية.

استقرار إمدادات الطاقة والملاحة

وقال عضو مجلس الشورى، فضل بن سعد البوعينين، لـ«الشرق الأوسط»، إن المبادرات التي تتبناها السعودية، وفي مقدمتها «اتفاق مكة للدفاع المشترك» بين السعودية وباكستان وتركيا، يمكن أن تنعكس آثارها على الاقتصاد العالمي والأمن الغذائي والتجارة الدولية، بالنظر إلى الثقل الاقتصادي والاستراتيجي للمنطقة.

وأضاف أن المنطقة تصدّر ما يقارب خُمس احتياجات العالم من النفط، إلى جانب الغاز والمغذيات الزراعية، ما يجعل استقرارها وأمنها عاملَين أساسيين في ضمان استمرارية إمدادات الطاقة وسلامة خطوط الملاحة البحرية.

وأوضح البوعينين أن ولي العهد الأمير محمد بن سلمان يولي التنمية الاقتصادية أهمية كبيرة بوصفها قاعدة لازدهار الشعوب والدول، مع التركيز على تدفق الاستثمارات بوصفه أحد محركات التنمية، بالتوازي مع تعزيز قدرات المملكة في قطاع الطاقة والمحافظة على مكانتها المؤثرة في منظومة الإمدادات العالمية.

ويرى أن المساعي السعودية تستهدف تحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة بما ينعكس إيجاباً على اقتصاد المملكة واقتصادات دولها، مشيراً إلى أن التنمية تحتاج إلى قاعدة مستقرة يمكن البناء عليها، وأن الاتفاق الدفاعي يُسهم في تعزيز الردع وخفض المخاطر التي يمكن أن تؤثر في النشاط الاقتصادي.

ولفت إلى أن المستثمرين يضعون استقرار البيئة الاستثمارية ضمن أولوياتهم عند اتخاذ القرارات، وبالتالي فإن تعزيز الأمن الإقليمي ووضوح الرؤية الاقتصادية يمثّلان عاملين داعمين لجاذبية السوق السعودية، في ظل ما توفره من فرص استثمارية متنوعة.

وحسب البوعينين، فإن «اتفاق مكة» يبعث برسائل طمأنة إلى المستثمرين المحليين والأجانب، كما يعزز الثقة باستدامة إمدادات الطاقة وحماية المنشآت الحيوية، وهو ما يمكن أن ينعكس على وتيرة المشروعات وتدفقات الاستثمار والتبادل التجاري.

وأكد أن السعودية تراهن على «رؤية 2030» وبرامجها التنموية التي تتطلّب استثمارات كبيرة، ما يجعل رفع مستوى اليقين الاقتصادي وخفض الضبابية الجيوسياسية عنصراً مهماً لدعم تدفقات رؤوس الأموال وتنفيذ المشروعات.

وأضاف أن تعزيز منظومة الأمن الإقليمي من شأنه تشجيع المستثمرين على اقتناص الفرص والمشاركة في المشروعات التنموية، مع امتداد الآثار الإيجابية إلى اقتصادات المنطقة عموماً، وليس الاقتصاد السعودي فحسب.

وأشار البوعينين إلى أن توقيع الاتفاق بعد سنوات من المباحثات يعكس عمق العلاقات بين السعودية وتركيا وباكستان، ويفتح المجال أمام مرحلة أوسع من التعاون، بما يدعم جهود إرساء الأمن والاستقرار والازدهار.

ويرى أن التحركات التي يقودها ولي العهد السعودي أسهمت في تعزيز دور الدبلوماسية والحوار السياسي في التعامل مع أزمات المنطقة، إلى جانب توحيد الجهود في مواجهة التحديات، بما يدعم الأمن والاستقرار ويوفر أرضية أكثر صلابة للبرامج الاقتصادية والتنموية.

تكامل اقتصادي يتشكل

من جهته، قال رجل الأعمال السعودي عبد الله بن زيد المليحي، الرئيس التنفيذي لشركة «التميز» السعودية القابضة للتقنية، إن السعودية تواصل العمل على تعزيز الثقة بالاقتصادَيْن المحلي والإقليمي، مشيراً إلى أن «اتفاق مكة» يأتي ضمن المبادرات التي يمكن أن تعزّز مكانة المملكة إقليمياً ودولياً، وتفتح المجال أمام مرحلة جديدة من التعاون والتكامل الاقتصادي.

وأوضح المليحي لـ«الشرق الأوسط» أن الخطوات السعودية لتعزيز الأمن والاستقرار تنعكس على البيئة الاقتصادية والاستثمارية، لافتاً إلى أن التقارب السعودي-التركي-الباكستاني يوفّر أرضية لتطوير العمل المشترك سياسياً واقتصادياً ودفاعياً وبشرياً.

وأضاف أن المملكة رسخت دورها بوصفها قوة سياسية واقتصادية مؤثرة، من خلال بناء شراكات استراتيجية تستهدف تحقيق المصالح المشتركة ودعم أمن المنطقة واستقرارها.

ويرى المليحي أن استراتيجية السعودية القائمة على تعزيز الاستقرار وبناء شراكات طويلة الأجل تساعد في توفير بيئة أكثر جاذبية للاستثمارات، وتفتح فرصاً أمام القطاع الخاص في الصناعة والتقنية والطاقة والتعدين والخدمات اللوجستية والصناعات الدفاعية والتجارة.

وأشار إلى أن السعودية تمتلك اقتصاداً كبيراً وموقعاً جغرافياً استراتيجياً وبرامج تحول طموحة ضمن «رؤية 2030».

وقال إن التقارب السياسي والأمني يمكن أن يتطور إلى شراكات اقتصادية أوسع يستفيد منها المستثمرون ورجال الأعمال، ولا سيما عبر المشروعات المشتركة ونقل المعرفة والتقنية وتوطين الصناعات وزيادة حجم التبادل التجاري.

وأكد المليحي أن الاقتصاد والتنمية والمواطن هم المستفيدون بصورة مباشرة من استقرار المنطقة، مشيراً إلى أن قوة المملكة السياسية وشراكاتها المتوازنة تمنح القطاع الخاص مزيداً من الثقة، وتعزز قدرتها على استقطاب رؤوس الأموال والتقنيات والشراكات الدولية.

وخلص إلى أن السعودية تتحرك وفق رؤية تجمع بين حماية مصالحها وتعزيز أمنها وبناء اقتصاد المستقبل، معتبراً أن «اتفاق مكة» يعزّز موقع المملكة في صياغة معادلات الأمن والتنمية والتعاون الإقليمي.

الطريق إلى التنمية المستدامة

بدوره، قال رئيس مركز الشروق للدراسات الاقتصادية في جازان، الدكتور عبد الرحمن باعشن، لـ«الشرق الأوسط»، إن السعودية تعزّز موثوقيتها الدولية من خلال تبني مبادرات تستهدف خفض المخاطر ودعم الاستقرار، ومن بينها «اتفاق مكة للدفاع المشترك»، الذي يرى أنه يمكن أن يُسهم في رفع مستوى اليقين الاقتصادي في المنطقة، بعد التداعيات التي خلفتها الحرب الأميركية-الإيرانية والتوترات في مضيق هرمز.

وأضاف باعشن أن النهج السعودي القائم على الجمع بين التحرك السياسي والأمني والاقتصادي يدعم حالة التوازن الإقليمي، ويعزّز الثقة بالاقتصاد السعودي وبيئة الأعمال في المنطقة، وهو ما يمكن أن ينعكس على مستويات التجارة والاستثمار والشراكات الدولية، خصوصاً مع الدور المحوري للمملكة في أسواق الطاقة العالمية.

وتوقع أن تشهد المرحلة المقبلة نشاطاً أكبر في الحركة التجارية والاستثمارية، ولا سيما في الصناعات التقنية المرتبطة بالدفاع، بالتوازي مع توسع الشراكات الاستراتيجية مع الدول التي تمتلك خبرات وقدرات متقدمة في هذه المجالات.

ويرى باعشن أن الاتفاق يمكن أن يوفّر مظلة داعمة لإطلاق مشروعات ومبادرات اقتصادية نوعية بين السعودية وتركيا وباكستان، وأن يمتد أثرها إلى شركائها الدوليين، بما يضع أسساً أوسع للتكامل الاقتصادي والتنمية المستدامة بين الرياض وأنقرة وإسلام آباد.

وأشار إلى أن تطوير الشراكات في مجالات الصناعة والتقنية والطاقة وسلاسل الإمداد والبنية التحتية والنقل يمكن أن يحول التقارب الاستراتيجي بين الدول الثلاث إلى فرص اقتصادية ملموسة، ويزيد قدرة المنطقة على مواجهة الاضطرابات الخارجية.

وأكد أن جوهر المبادرات السعودية يتمثل في الربط بين الأمن والتنمية؛ إذ إن خفض التوترات وتعزيز استقرار المنطقة لا يقتصر أثرهما على الجانب السياسي، وإنما يمتد إلى حماية حركة التجارة وإمدادات الطاقة، وتحسين بيئة الاستثمار، وتوفير قاعدة أكثر استدامة للنمو الاقتصادي الإقليمي.


العراق: خطط جديدة لمد أنابيب النفط والتصدير

عامل في حقل «مجنون» النفطي بالقرب من البصرة في العراق (رويترز)
عامل في حقل «مجنون» النفطي بالقرب من البصرة في العراق (رويترز)
TT

العراق: خطط جديدة لمد أنابيب النفط والتصدير

عامل في حقل «مجنون» النفطي بالقرب من البصرة في العراق (رويترز)
عامل في حقل «مجنون» النفطي بالقرب من البصرة في العراق (رويترز)

أكد وزير النفط، باسم محمد خضير، السبت، أن الوزارة لديها خطط جديدة على مستوى مد الأنابيب والتصدير وتطوير الأسطول النفطي.

وقال وزير النفط في مؤتمر صحافي، وفقاً لـ«وكالة الأنباء العراقية»، إن «هدف الوزارة هو تطوير قطاع التصفية (المصافي) وتصدير المنتجات»، مشيراً إلى أنه «سيتم إغلاق ملف حرق الغاز نهاية 2029».

وأكمل: «لدينا خطط عديدة على مستوى مد الأنابيب والتصدير وتطوير الأسطول النفطي... سيكون هناك افتتاح لعدة مشروعات خلال الأيام المقبلة، وبدعم حكومي».

وأوضح أن «الاستثمار في العراق من قِبَل الشركات الأجنبية سيوفر عائدات مالية كبيرة ويقلل البطالة».