محافظ «بنك إنجلترا»: ارتفاع تكاليف الاقتراض الحكومية ظاهرة عالمية

تباين أداء الأسهم وسط ترقب أرباح الشركات وبيانات اقتصادية مهمة

مقر «بنك إنجلترا» في لندن (رويترز)
مقر «بنك إنجلترا» في لندن (رويترز)
TT

محافظ «بنك إنجلترا»: ارتفاع تكاليف الاقتراض الحكومية ظاهرة عالمية

مقر «بنك إنجلترا» في لندن (رويترز)
مقر «بنك إنجلترا» في لندن (رويترز)

أكد محافظ «بنك إنجلترا»، أندرو بيلي، يوم الثلاثاء، أن ارتفاع تكاليف الاقتراض الحكومية في المملكة المتحدة ليس ظاهرة محلية فقط، وإنما يعكس اتجاهات عالمية واسعة النطاق.

وخلال حديثه أمام لجنة الخزانة في البرلمان، قال بيلي: «نشهد حالياً انحداراً حاداً في منحنيات العائدات، وهذه الظاهرة ليست حكراً على هذا البلد، بل هي جزء من نمط عالمي. وفي الواقع، شهدنا زيادات أكثر حدة في تكاليف الاقتراض في بعض الأسواق الأخرى»، وفق «رويترز».

وأشار إلى أن ارتفاع تكاليف الاقتراض يعود إلى المخاوف المتعلقة بتأثير السياسات التجارية على التجارة العالمية، بالإضافة إلى حالة عدم اليقين بشأن حجم الاقتراض العام المستقبلي.

وكان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد فرض رسوماً جمركية على واردات عدد من السلع، إلى جانب موافقة الكونغرس على تخفيضات ضريبية يُتوقع أن تؤدي إلى زيادة الدين العام الأميركي.

وشارك بيلي في الجلسة مع أعضاء آخرين من لجنة السياسة المالية في «بنك إنجلترا».

من جانبه، قال المسؤول السابق في الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، عضو لجنة السياسة المالية، راندال كروزنر، إنه لا يرى تعارضاً بين تحقيق الاستقرار المالي وتخفيف القيود التنظيمية التي أعلنتها وزيرة المالية راشيل ريفز، مضيفاً: «لكن الشيطان يكمن دائماً في التفاصيل».

كما أكد بيلي معارضته وصف وزيرة المالية راشيل ريفز للتنظيم بأنه «ضغط على الشركات»، مدافعاً عن قواعد القطاع المصرفي التي يشرف عليها البنك المركزي.

وأوضح بيلي للمشرّعين أن «بنك إنجلترا» منفتح على إدخال تعديلات على تفاصيل التنظيم المالي التي وضعت بعد الأزمة المالية، بهدف دعم النمو الاقتصادي الذي تسعى إليه الحكومة.

مع ذلك، أكد بيلي ضرورة الإبقاء على قواعد البنوك في مجالات مثل «العزل» التي تفصل بين عمليات الإقراض الاستهلاكي والخدمات المصرفية الاستثمارية ذات المخاطر الأعلى، مشيراً إلى أن المملكة المتحدة لا تفرض تنظيماً أكثر صرامة مقارنة بالدول الأخرى.

وقال: «أرى أن نظام الحماية الرقابية يشكّل جزءاً أساسياً من هيكل النظام المصرفي»، مشيراً إلى أن هذه القواعد ساعدت في التعامل مع البنوك المتعثرة بكفاءة.

وكانت ريفز قد وعدت الأسبوع الماضي بـ«إصلاح هادف» لقواعد الحماية الرقابية، وهو ما طالب به الكثير من المؤسسات المالية الكبرى في البلاد.

وعندما سُئل عن وصف ريفز للتنظيم بأنه «ضغط على رقاب الشركات»، أجاب بيلي: «أنا لا أستخدم هذه التعبيرات. لست من محبي هذه المصطلحات»، مضيفاً: «لا يمكننا المساومة على الاستقرار المالي الأساسي. هذه هي رسالتي الرئيسية».

وفي سياق منفصل، شهدت مؤشرات الأسهم الرئيسية في لندن، يوم الثلاثاء، أداءً متبايناً، مع تقييم المستثمرين سلسلة من نتائج أرباح الشركات، وترقب صدور بيانات اقتصادية مهمة خلال الأسبوع.

واستقر مؤشر «فوتسي 100» عند مستوياته، عقب تسجيله أعلى إغلاق قياسي يوم الاثنين، في حين تراجع مؤشر «فوتسي 250» للأسهم المتوسطة بنسبة 0.4 في المائة.

وارتفعت أسهم شركات التعدين والصناعات الثقيلة بنسبة 1.1 في المائة، مدعومة بارتفاع أسعار النحاس، وسط توقعات بزيادة الطلب الصيني؛ إذ سجل سهم «جلينكور» ارتفاعاً بنسبة 2.2 في المائة، و«ريو تينتو» بنسبة 1.1 في المائة.

على الجانب الآخر، تراجعت أسهم شركات بناء المنازل والسلع المنزلية بنسبة 1.6 في المائة، مع انخفاض سهم «فيستري» بنسبة 2.7 في المائة.

وأظهرت البيانات أن الحكومة البريطانية اقترضت أكثر من المتوقع في يونيو (حزيران)، في ظل ضغوط تضخمية أدت إلى ارتفاع تكاليف الدين العام.

وفي أخبار الشركات، قفز سهم «كومباس غروب» لخدمات الطعام بنسبة 6.1 في المائة، متصدراً مؤشر الشركات القيادية، بعد إتمام صفقة استحواذ على شركة «فيرمات غروب» الأوروبية الفاخرة بقيمة تقارب 1.75 مليار دولار، مع رفع توقعات أرباحها السنوية.

وزاد سهم «سنتريكا» للطاقة بنسبة 3.9 في المائة عقب الموافقة الحكومية على مشروع محطة «سايزويل سي» النووية في شرق إنجلترا، بتكلفة 38 مليار جنيه إسترليني (51 مليار دولار)، حيث تمتلك الشركة حصة 15 في المائة في المشروع.

في المقابل، انخفض سهم مجموعة «كير» بنسبة 5.1 في المائة، ليصل إلى أدنى مستوياته ضمن مؤشر الشركات متوسطة القيمة، عقب إعلان تنحي الرئيس التنفيذي أندرو ديفيز وتعيين ستيوارت توغويل خلفاً له بدءاً من 1 نوفمبر (تشرين الثاني) 2025.

ومن بين المؤشرات الاقتصادية المرتقبة هذا الأسبوع، صدور بيانات مؤشر مديري المشتريات الأولي لمبيعات التجزئة في المملكة المتحدة لشهري يوليو (تموز) ويونيو.


مقالات ذات صلة

مسح «بنك إنجلترا»: الشركات تتوقع تباطؤ نمو الأسعار خلال العام المقبل

الاقتصاد أفق وسط لندن عند شروق الشمس (رويترز)

مسح «بنك إنجلترا»: الشركات تتوقع تباطؤ نمو الأسعار خلال العام المقبل

تتوقع الشركات البريطانية رفع أسعارها بوتيرة أبطأ قليلاً خلال العام المقبل، وفقاً لمسح نشره «بنك إنجلترا»، الجمعة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد أوراق نقدية من اليورو (رويترز)

عوائد السندات الألمانية تتجه لتسجيل رابع ارتفاع أسبوعي على التوالي

تتجه عوائد السندات الألمانية نحو تسجيل ارتفاع أسبوعي رابع على التوالي، في أطول سلسلة مكاسب منذ منتصف يوليو.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد أتراك يتجولون بين المقاهي والمطاعم بمنطقة أمينونو في إسطنبول (د.ب.أ)

تركيا: تراجع طفيف للتضخم في أغسطس

واصلت المواد الغذائية قيادتها معدلات التضخم في تركيا؛ على خلفية ارتفاع أسعار الوقود بسبب حرب إيران، ليتراجع قليلاً في أغسطس (آب) الماضي إلى 31.51 في المائة...

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
الاقتصاد يتحقق أمين صندوق من أوراق نقدية بالروبية الهندية داخل غرفة بمحطة وقود في أحمد آباد (رويترز)

السندات الحكومية الهندية ترتفع بدعم من تدفقات الدولار وتحسن السيولة

ارتفعت السندات الحكومية الهندية في التعاملات المبكرة يوم الخميس، بقيادة السندات قصيرة الأجل، بعدما عزَّزت تدفقات الدولار التي فاقت التوقعات.

«الشرق الأوسط» (مومباي)
الاقتصاد مقر البنك المركزي الماليزي في كوالالمبور (رويترز)

«المركزي الماليزي» يثبت الفائدة للمرة السابعة ويتوقع نمواً قوياً في 2027

أبقى البنك المركزي الماليزي سعر الفائدة الرئيسي ثابتاً للجلسة السابعة على التوالي يوم الخميس، كما كان متوقعاً، في ظل قوة النمو الاقتصادي واعتدال التضخم.

«الشرق الأوسط» (كوالالمبور )

«جي بي مورغان» و«بي إن بي باريبا» يتوقعان رفعاً جديداً للفائدة الأوروبية في ديسمبر

مبنى البنك المركزي الأوروبي في فرانكفورت (رويترز)
مبنى البنك المركزي الأوروبي في فرانكفورت (رويترز)
TT

«جي بي مورغان» و«بي إن بي باريبا» يتوقعان رفعاً جديداً للفائدة الأوروبية في ديسمبر

مبنى البنك المركزي الأوروبي في فرانكفورت (رويترز)
مبنى البنك المركزي الأوروبي في فرانكفورت (رويترز)

توقع البنكان الاستثماريان «جي بي مورغان» و«بي إن بي باريبا»، يوم الخميس، أن يُقدم البنك المركزي الأوروبي على رفع أسعار الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس إضافية خلال اجتماع ديسمبر (كانون الأول) المقبل؛ وذلك في ظل استمرار الضغوط التضخمية وصعود أسعار الطاقة، مما يعزز مبررات مواصلة نهج التشديد النقدي.

وكان البنكان قد توقعا في وقت سابق انتهاء دورة التشديد النقدي للبنك المركزي الأوروبي دون رفع أسعار الفائدة في ديسمبر، وفق «رويترز».

وتشير التوقعات المعدلة إلى أن تكاليف الاقتراض في منطقة اليورو ستظل مرتفعة لفترة أطول مما كان متوقعاً سابقاً، في ظل قوة النمو الاقتصادي في المنطقة واستمرار المخاوف بشأن إمدادات الطاقة.

وقال محللون في «بي إن بي باريبا» في مذكرة: «نعتقد أن استمرار صدمة الطاقة ومرونة الاقتصاد يزيدان من احتمالية ظهور آثار ثانوية».

واستوعبت الأسواق تقريباً بالكامل احتمال رفع البنك المركزي الأوروبي أسعار الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس في اجتماعه المقرر في 10 سبتمبر (أيلول)، إذ تشير بيانات جمعتها مجموعة بورصة لندن إلى احتمال يبلغ 99.2 في المائة.

وتراجعت أسعار النفط، لكنها ظلت فوق 95 دولاراً للبرميل. وفي الوقت نفسه، انخفضت عوائد سندات منطقة اليورو من أعلى مستوياتها في عدة سنوات، بعد الضغوط التي شهدتها الأسواق مؤخراً جراء تصاعد الصراع في إيران، والذي أدى إلى ارتفاع أسعار الطاقة وأثار مخاوف بشأن استمرار التضخم وتشديد السياسة النقدية.

وقال «جي بي مورغان» إن «التفاعل بين استمرار ضغوط أسعار الطاقة، والنمو القوي، وثبات التضخم الأساسي، وسعر الفائدة المحايد الذي يتوقع البنك المركزي الأوروبي ارتفاعه تدريجياً»، سيكون من العوامل الدافعة إلى رفع إضافي لأسعار الفائدة في ديسمبر.

ويتوقع «بي إن بي باريبا» أن يرفع البنك المركزي الأوروبي أسعار الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس في اجتماعه الأسبوع المقبل، مع إبقاء الباب مفتوحاً على مصراعيه أمام المزيد من الزيادات إذا ظهرت مؤشرات على آثار ثانوية.


مسح «بنك إنجلترا»: الشركات تتوقع تباطؤ نمو الأسعار خلال العام المقبل

أفق وسط لندن عند شروق الشمس (رويترز)
أفق وسط لندن عند شروق الشمس (رويترز)
TT

مسح «بنك إنجلترا»: الشركات تتوقع تباطؤ نمو الأسعار خلال العام المقبل

أفق وسط لندن عند شروق الشمس (رويترز)
أفق وسط لندن عند شروق الشمس (رويترز)

تتوقع الشركات البريطانية رفع أسعارها بوتيرة أبطأ قليلاً خلال العام المقبل، وفقاً لمسح نشره «بنك إنجلترا»، الجمعة.

وأظهرت نتائج الاستطلاع الشهري الذي تجريه «لجنة صناع القرار» أن الشركات توقعت، خلال الأشهر الثلاثة المنتهية في أغسطس (آب)، ارتفاع أسعارها بنسبة 3.8 في المائة خلال الاثني عشر شهراً المقبلة، انخفاضاً من 3.9 في المائة في المسح السابق الذي غطى الأشهر الثلاثة المنتهية في يوليو (تموز).

واستقر معدل نمو الأجور المتوقع للعام المقبل عند 3.4 في المائة، وفق «رويترز».

استقرار الجنيه الإسترليني

استقر الجنيه الإسترليني، الجمعة، قبيل صدور بيانات التوظيف الأميركية الشهرية التي قد تكون حاسمة في تحديد مسار الدولار خلال الأسابيع المقبلة.

وبلغ سعر صرف الجنيه الإسترليني 1.3525 دولار، دون تغيير يُذكر خلال اليوم، بعد ارتفاعه بنسبة 0.3 في المائة، الخميس.

وكانت التقلبات محدودة قبيل صدور تقرير الوظائف غير الزراعية الأميركية لشهر أغسطس في وقت لاحق من الجمعة، والذي قد يدفع الدولار إلى الارتفاع إذا تجاوزت البيانات التوقعات، أو إلى مزيد من الانخفاض إذا جاء نمو الوظائف دون التوقعات.

وقال كبير الاقتصاديين في «بنك إنجلترا»، هيو بيل، الخميس، إن رفع أسعار الفائدة الآن من شأنه أن يقلل من احتمالية اضطرار البنك المركزي إلى اتباع سياسة نقدية أكثر تشدداً في المستقبل لكبح جماح التضخم، الذي ارتفع نتيجة للحرب الإيرانية.

وتشير أسواق المال إلى أن المتداولين يتوقعون أن يرفع «بنك إنجلترا» أسعار الفائدة مرتين خلال الأشهر الستة المقبلة. ويتوقع الاقتصاديون أن يُبقي البنك المركزي أسعار الفائدة دون تغيير في وقت لاحق من هذا الشهر، في ظل مراقبته قوة تسعير الشركات ونمو الأجور، مع ارتفاع أسعار الطاقة الناجم عن الحرب الإيرانية.

وقال محللو استراتيجيات بنك «بي بي في إيه»: «ما زلنا نشك في أن يتبنى (بنك إنجلترا) سياسة نقدية متشددة للغاية في ظل صدمات العرض الحالية، وأسعار الفائدة عند 3.75 في المائة، وضعف سوق العمل في المملكة المتحدة والوضع المالي المعقد؛ ما يجعلنا نتوقع انخفاضاً طفيفاً في قيمة الجنيه الإسترليني خلال الفترة المقبلة».

وأضافوا: «مع ذلك، قد يؤدي الارتفاع الجديد في أسعار الطاقة في نهاية المطاف إلى إعادة تقييم السياسة النقدية؛ ما سيعزز دعم الجنيه الإسترليني وجاذبيته، لكن من غير المتوقع أن يتسبب ذلك في ارتفاع كبير في قيمة العملة؛ إذ إن أكثر من زيادتين في أسعار الفائدة قد تم استيعابهما بالفعل».

وعلى الصعيد الجيوسياسي، قال الرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي في خطاب متلفز للأمة، الخميس، إنه سيفرض عقوبات على شركات النفط التي تنقب في جزر فوكلاند، وهي إقليم بريطاني ما وراء البحار تطالب به الأرجنتين، في خطوة قد تصعّد التوترات مع لندن.

وقبل ذلك بأيام، قال الرئيس دونالد ترمب إنه يراجع موقف الولايات المتحدة المحايد بشأن الأرخبيل النائي في جنوب المحيط الأطلسي.

وكتب وزير الدفاع البريطاني ويس ستريتينغ في منشور على موقع «إكس»، الجمعة: «التزامنا تجاه جزر فوكلاند مطلق وثابت».

وفي غضون ذلك، قال الممثل التجاري الأميركي جيمسون غرير لصحيفة «فاينانشال تايمز»، في مقابلة نُشرت الجمعة، إن بريطانيا تفضّل «بروكسل على أميركا»؛ وهو ما يشكل «مشكلة» لجهود لندن الرامية إلى توسيع اتفاقها التجاري مع واشنطن.

ومع ذلك، لم تُظهر الأسواق البريطانية مؤشرات تُذكر على وجود ضغوط. فقد بلغ عائد السندات الحكومية البريطانية القياسية لأجل 10 سنوات، والذي تأثر بشدة بالانخفاض الحاد الذي شهدته ديون الحكومات العالمية خلال الأسبوعين الماضيين، 5.1431 في المائة، دون تغيير يُذكر حتى الآن.


اليابان بين إنفاق قياسي وين ضعيف واستهلاك متراجع

وزيرة المالية اليابانية ساتسوكي كاتاياما لدى حضورها اجتماعات مجموعة العشرين في مدينة آشفيل الأميركية مطلع الأسبوع (د.ب.أ)
وزيرة المالية اليابانية ساتسوكي كاتاياما لدى حضورها اجتماعات مجموعة العشرين في مدينة آشفيل الأميركية مطلع الأسبوع (د.ب.أ)
TT

اليابان بين إنفاق قياسي وين ضعيف واستهلاك متراجع

وزيرة المالية اليابانية ساتسوكي كاتاياما لدى حضورها اجتماعات مجموعة العشرين في مدينة آشفيل الأميركية مطلع الأسبوع (د.ب.أ)
وزيرة المالية اليابانية ساتسوكي كاتاياما لدى حضورها اجتماعات مجموعة العشرين في مدينة آشفيل الأميركية مطلع الأسبوع (د.ب.أ)

تدخل السياسة الاقتصادية اليابانية مرحلة دقيقة تتقاطع فيها ثلاثة تحديات؛ هي تضخم طلبات الإنفاق الحكومي إلى مستويات تقترب من حقبة الجائحة، واستمرار الضغوط على الين، وتراجع إنفاق الأسر بأسرع وتيرة في عامين ونصف العام. وبينما تراهن حكومة رئيسة الوزراء ساناي تاكايتشي على الاستثمار لتحفيز النمو، تراقب الأسواق قدرتها على ضبط الدين ومنع ضعف العملة من تغذية التضخم، من دون إضعاف الاستهلاك الهش.

وبلغت طلبات الجهات الحكومية لموازنة السنة المالية 2027 نحو 143.1 تريليون ين (917.8 مليار دولار)، وفق وزارة المالية، بعدما اعتمدت الحكومة إطاراً يجمع الإنفاق في الموازنتين الأساسية والتكميلية. ويقترب هذا الحجم من مستويات الإنفاق الاستثنائية التي شهدتها اليابان خلال جائحة «كوفيد - 19».

ويتجاوز الرقم حزمة الإنفاق البالغة 140.61 تريليون ين التي أقرَّت خلال السنة الأولى لتاكايتشي في السلطة، والتي شملت موازنة تكميلية بقيمة 18.3 تريليون ين للسنة المالية 2025 وموازنة أساسية قدرها 122.3 تريليون ين للسنة المالية 2026.

وقد يرتفع الحجم النهائي أكثر؛ إذ تتضمن الطلبات بنوداً لم تحدد قيمتها بعد، بينها الإنفاق الدفاعي في وقت تراجع فيه الحكومة استراتيجيتها الدفاعية بما قد يقود إلى مشتريات واستثمارات عسكرية إضافية.

ويأتي جزء مهم من الزيادة من برنامج استثماري جديد للقطاعات الاستراتيجية، بلغت طلباته 12.2 تريليون ين، ويشمل الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات والأمن الاقتصادي. وتراهن تاكايتشي على أن هذه الاستثمارات سترفع القدرة الإنتاجية ومعدل النمو على المدى الطويل.

لكن الأسواق تنظر أيضاً إلى الجانب الآخر من المعادلة: تكلفة تمويل هذا الإنفاق. فقد رفعت وزارة المالية سعر الفائدة المفترض في حسابات الموازنة إلى 3.8 في المائة، من 3 في المائة في موازنة 2026، بعدما لامس عائد السندات الحكومية لأجل عشر سنوات مستوى 3 في المائة للمرة الأولى منذ 1996.

وأدى ذلك إلى ارتفاع طلبات خدمة الدين، بما فيها مدفوعات الفائدة واسترداد السندات، إلى مستوى قياسي يبلغ 36.64 تريليون ين، بزيادة 5.36 تريليون ين عن السنة المالية الحالية.

وتؤكد وزيرة المالية ساتسوكي كاتاياما أن الحكومة ستفحص الطلبات بعناية، وستدقق الإنفاق وإصدارات السندات بما يتوافق مع هدف خفض نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي تدريجياً. وتسعى تاكايتشي إلى إبقاء إصدارات السندات الجديدة حول 40 تريليون ين، في محاولة لطمأنة سوق تخشى أن يؤدي التوسع المالي إلى مزيد من ارتفاع العوائد.

ويرى سايسوكي ساكاي، كبير الاقتصاديين في «ميزوهو ريسيرش إنستيتيوت»، أن الأسواق تريد دليلاً على أن الإنفاق الأكبر سيتحول فعلاً نمواً أقوى، مدعوماً بإصلاحات تعالج القيود الهيكلية مثل نقص العمالة والأراضي والطاقة.

حساسية الين

ويتزامن اختبار الموازنة مع استمرار حساسية السلطات تجاه الين. فقد أكد كبير مسؤولي العملة أتسوشي ميمورا أن طوكيو لا تزال في حالة تأهب لتحركات سوق الصرف، وأنها على اتصال مستمر بالسلطات الأميركية، في رسالة تبقي احتمال التدخل قائماً إذا عاد الين إلى الهبوط بصورة مفرطة.

وتراجع الدولار بعد تصريحاته إلى 155.305 ين قبل أن يرتفع لاحقاً إلى 156.43 ين، في مؤشر إلى استمرار الضغوط الأساسية على العملة رغم قفزتها بأكثر من 2 في المائة في الجلسة السابقة.

وتسعر الأسواق بصورة شبه كاملة رفع «بنك اليابان» الفائدة هذا الشهر، بعد سلسلة إشارات متشددة من مسؤوليه، إلى جانب تصريحات وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت بشأن ضعف الين. وأكدت كاتاياما أن بيسنت لم يقدم أي مطالب بشأن السياسة النقدية اليابانية خلال محادثاتهما، موضحة أن اعتقاده بأن الين مُقوَّم بأقل من قيمته نتيجة فجوة أسعار الفائدة بين البلدين يمثل موقفاً معروفاً منذ فترة.

وكانت اليابان والولايات المتحدة قد نفذتا تدخلاً مشتركاً نادراً لشراء الين في 31 يوليو (تموز)، في إشارة إلى القلق من انتقال موجة بيع العملة والسندات اليابانية إلى الأسواق العالمية. ومع ذلك، لم ينجح التدخل في وضع حد دائم لضعف العملة.

إنفاق الأسر

ويزيد من تعقيد مهمة «بنك اليابان» ضعف الاستهلاك. فقد أظهرت البيانات أن إنفاق الأسر هبط 3.6 في المائة على أساس سنوي في يوليو، مقابل توقعات بانخفاض 1.6 في المائة، مسجلاً ثامن تراجع شهري متتالٍ وأكبر انخفاض منذ يناير (كانون الثاني) 2024.

وعلى أساس شهري معدل موسمياً، ارتفع الإنفاق 0.5 في المائة فقط، مقابل توقعات بزيادة 2.6 في المائة. وأظهرت البيانات أن المستهلكين أصبحوا أكثر انتقائية، فزادوا الإنفاق على الترفيه والسلع المنزلية، في حين قلّصوا مصروفاتهم على الغذاء والنقل.

ويرى ماساتو كويكي، كبير الاقتصاديين في «سومبو إنستيتيوت بلس»، أن الزيادات الكبيرة في الأجور التي تحققت خلال مفاوضات الربيع لم تمنع ارتفاع الأسعار من الضغط على الاستهلاك، متوقعاً اشتداد هذه الضغوط مع اتساع التضخم. وتزداد أهمية ذلك بعدما تسارع التضخم الأساسي في طوكيو خلال أغسطس (آب) للشهر الثالث على التوالي.

وزيرة المالية مستمرة

وفي خضم هذه التحديات، تتجه تاكايتشي إلى الاحتفاظ بكاتاياما وزيرةً للمالية في التعديل الحكومي المتوقع لاحقاً هذا الشهر، في خطوة تعكس رغبة في ضمان استمرارية السياسة المالية والتنسيق مع واشنطن، خصوصاً مع استعداد الحكومة لدفع خطتها الرئيسية لخفض ضريبة الاستهلاك على الغذاء.

ولعبت كاتاياما دوراً رئيسياً في المحادثات مع بيسنت، بما فيها التنسيق بشأن التدخل المشترك في سوق العملات. كما عقد الطرفان نحو عشرة لقاءات ومحادثات، بما فيها اجتماعات عبر الإنترنت؛ ما يجعل استمرارها في المنصب إشارة إلى الأسواق بأن طوكيو لا تريد تغيير فريقها الاقتصادي في مرحلة شديدة الحساسية.

وتضع هذه التطورات حكومة تاكايتشي أمام معادلة صعبة: إنفاق أكبر لدعم النمو والاستثمار الاستراتيجي، مقابل ضرورة احتواء إصدارات الدين وارتفاع العوائد؛ وتشديد نقدي لدعم الين وكبح التضخم، مقابل استهلاك منزلي يتراجع بالفعل.

وسيكون نجاح السياسة الاقتصادية اليابانية مرهوناً بقدرة الحكومة على إثبات أن مئات المليارات من الدولارات من الإنفاق الجديد ستولد نمواً يبرر تكلفتها. فمع اقتراب عوائد السندات من مستويات لم تشهدها اليابان منذ ثلاثة عقود، لم تعد الأسواق تكتفي بوعود النمو، بل تبحث عن توازن واضح بين التحفيز المالي واستدامة الدين واستقرار الين وحماية القوة الشرائية للأسر.