أوروبا غاضبة من رسوم ترمب وسط قلق من تصاعد تداعياتها الاقتصادية

محللون لـ«الشرق الأوسط»: التعريفات الجديدة تُقوِّض الشراكة عبر الأطلسي وتُفاقم الضغوط التضخمية في القارة العجوز

علم الاتحاد الأوروبي داخل بهو مبنى المجلس الأوروبي في بروكسل.(أ.ب)
علم الاتحاد الأوروبي داخل بهو مبنى المجلس الأوروبي في بروكسل.(أ.ب)
TT

أوروبا غاضبة من رسوم ترمب وسط قلق من تصاعد تداعياتها الاقتصادية

علم الاتحاد الأوروبي داخل بهو مبنى المجلس الأوروبي في بروكسل.(أ.ب)
علم الاتحاد الأوروبي داخل بهو مبنى المجلس الأوروبي في بروكسل.(أ.ب)

أثار القرار الأميركي بفرض رسوم جمركية بنسبة 30 في المائة على الواردات الأوروبية، الذي أعلنه الرئيس دونالد ترمب، موجة غضب واسعة في أوساط الاتحاد الأوروبي، وسط تحذيرات من تداعيات «خطيرة» على اقتصادات دول التكتل التي تعاني أصلاً من ضعف النمو وارتفاع التضخم. وتخشى أوروبا من أن تؤدي هذه الرسوم، المقرر تطبيقها مطلع أغسطس (آب) المقبل، إلى تقويض واحدة من أكبر الشراكات التجارية في العالم، ودفع القارة إلى مسار من الركود والاضطراب الاقتصادي.

وبينما يرى الأوروبيون أن هذه الإجراءات «غير عادلة» وتنتهك قواعد منظمة التجارة العالمية، يتجه الاتحاد إلى دراسة مجموعة من الردود التي تتراوح بين المسار الدبلوماسي ومحاولة الحوار مع واشنطن، مروراً بإجراءات انتقامية محسوبة، وصولاً إلى سياسات تعزيز المرونة الاقتصادية الداخلية وتنويع الأسواق الخارجية.

ويُعد الاتحاد الأوروبي أكبر شريك تجاري للولايات المتحدة، وأكبر تكتل تجاري في العالم

خسائر فورية

وقال حمزة دويك، رئيس قسم التداول لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في «ساكسو بنك»، إن هذه الرسوم أحدثت «اضطراباً واضحاً في الأسواق المالية، لا سيما الأوروبية»، لافتاً إلى أن القطاعات الأكثر تضرراً هي السيارات والصلب والمنتجات الزراعية، ما انعكس فوراً على أرباح الشركات الأوروبية.

وفي السياق ذاته، أوضح فيجاي فاليشا، الرئيس التنفيذي للاستثمار في «سينشري فاينانشال»، أن الأسواق بدأت تظهر بوادر التأثر المباشر، مشيراً إلى تراجع مؤشر «يورو ستوكس 50» بنسبة 0.6 في المائة، ومؤشر «داكس» الألماني بنسبة 0.8 في المائة. وأضاف أن المستثمرين باتوا يتجهون نحو أصول بديلة، مثل الذهب والبتكوين، بوصفها ملاذات آمنة في ظل تصاعد حالة عدم اليقين.

منظر للوحة إلكترونية تُظهر رسماً بيانياً لتطور مؤشر الأسهم الرئيس الإسباني في سوق مدريد للأوراق المالية بمدريد (أ.ف.ب)

مخاوف من شلل اقتصادي

وفي المدى المتوسط، يقول دويك إن الرسوم الأميركية قد تدفع الشركات الأوروبية إلى إعادة النظر في خططها الاستثمارية أو نقل عملياتها خارج القارة لتفادي الخسائر، وسط خطر تباطؤ النمو وزيادة تكاليف التشغيل، وهو ما يهدد بانخفاض تنافسية الصناعات الأوروبية.

ويضيف فاليشا أن الدول الأوروبية الكبرى مثل ألمانيا وإيطاليا وفرنسا وآيرلندا هي الأكثر عرضة للخسائر، نظراً إلى حجم صادراتها إلى الولايات المتحدة، التي بلغت نحو 533 مليار يورو في عام 2024، بحسب بيانات «يوروستات». وتستحوذ ألمانيا وحدها على ما يقارب 30 في المائة من هذه الصادرات، خصوصاً في قطاعي السيارات والمعدات الصناعية.

كما حذر من أن كلاً من ارتفاع تكلفة المدخلات وتضييق هوامش الأرباح قد يضرب قطاعات صناعية رئيسية، من بينها الصناعات الدوائية في آيرلندا، ومنتجات الأجبان والنبيذ في فرنسا وإيطاليا.

مخاطر بعيدة المدى

ويرى دويك أن استمرار هذه السياسات قد يؤدي إلى تحولات هيكلية في النظام التجاري العالمي، بما في ذلك تراجع الثقة في الشراكة الاقتصادية الأطلسية، واتجاه أوروبا إلى تعزيز علاقاتها التجارية مع قوى مثل الصين والهند. كما حذّر من أن صناعات استراتيجية مثل السيارات قد تفقد قدرتها التنافسية إذا استمرت الإجراءات الحمائية الأميركية.

من جهته، لفت فاليشا إلى أن الأثر الطويل الأمد سيتوقف على حجم الرسوم الفعلية وسيناريو الرد الأوروبي. لكنه أشار إلى أن تنفيذ هذه الرسوم فعلياً سيؤدي إلى تآكل الناتج المحلي في عدد من دول التكتل، ويرفع معدلات البطالة، ما قد يضع أوروبا أمام أزمة مزدوجة من التباطؤ والتضخم.

خيارات أوروبا

الغضب الأوروبي من هذه الخطوة ينبع، وفق دويك، من شعور بأن الولايات المتحدة تخلّت عن مبادئ التجارة الحرة التي أرستها بعد الحرب العالمية الثانية، مما يهدد ملايين الوظائف في قطاعات تعتمد على التصدير. لكن الرد الأوروبي ليس سهلاً، إذ إن تصعيداً مباشراً قد يفاقم الأزمة، بينما الصمت قد يُفهم على أنه ضعف.

ويؤكد الخبراء أن الحل الدبلوماسي هو الخيار الأمثل لتفادي حرب تجارية شاملة. ويرى فاليشا أن على بروكسل أن تركز على فتح قنوات التفاوض للحصول على استثناءات أو تخفيضات في الرسوم، إلى جانب تنويع الشراكات التجارية باتجاه آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية، وتقديم دعم مباشر للقطاعات المتضررة.

وفي هذا الإطار، يبرز دور البنك المركزي الأوروبي، الذي بدأ بالفعل في تكييف سياساته النقدية من خلال خفض أسعار الفائدة، بهدف تخفيف آثار التباطؤ وتقليص مخاطر الركود التضخمي.

حمزة دويك رئيس قسم التداول لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في «ساكسو بنك»

مستقبل العلاقات عبر الأطلسي

ويتفق المحللون على أن الرسوم الجمركية تمثل تهديداً حقيقياً لاستقرار العلاقات الاقتصادية بين أوروبا والولايات المتحدة، وأن أي تصعيد إضافي قد يُعيد عقارب الساعة إلى الوراء في مسيرة التكامل الاقتصادي العالمي.

ومع دخول هذه القضية مرحلة حرجة، تبقى خيارات أوروبا بين التصعيد والتفاوض. لكن المؤكد، كما يقول الخبراء، أن الأشهر القليلة المقبلة ستكون حاسمة في رسم ملامح النظام التجاري العالمي الجديد، وفي تحديد ما إذا كانت أوروبا ستبقى شريكاً اقتصادياً فاعلاً أو ضحية في مواجهة عاصفة تجارية يقودها ترمب.

وكان الاتحاد الأوروبي أتهم الولايات المتحدة بمقاومة الجهود المبذولة للتوصل إلى اتفاق تجاري، محذراً من اتخاذ إجراءات مضادة في حال عدم التوصل إلى اتفاق.

وفي غضون ذلك، أكد ترمب أنه منفتح على إجراء محادثات مع الاتحاد الأوروبي وشركاء تجاريين آخرين، مضيفاً أن مسؤولين من الاتحاد الأوروبي سيزورون الولايات المتحدة لإجراء مفاوضات تجارية.

وصعّد ترمب التوترات التجارية خلال عطلة نهاية الأسبوع، مهدداً بفرض رسوم جمركية بنسبة 30 في المائة على معظم واردات الاتحاد الأوروبي بدءاً من 1 أغسطس المقبل.

فيجاي فاليشا الرئيس التنفيذي للاستثمار في «سينشري فاينانشال»

تفاؤل بالتوصل لاتفاق

وكان وزراء التجارة الأوروبيون، قد عبروا في اجتماعهم الاثنين الماضي بالعاصمة البلجيكية بروكسل، عن تفاؤلهم بإمكانية التوصل إلى اتفاق تجاري تفاوضي، وفي الوقت ذاته، شدّد الوزراء على عزيمتهم في اتخاذ تدابير مضادة قوية ومتوازنة حال فشل المحادثات، مؤكدين وحدة الصف الأوروبي في مواجهة هذه التحديات.

وبحسب تقرير لـ«بلومبرغ» يستعد الاتحاد الأوروبي لتعزيز التعاون مع الدول الأخرى المتضررة من الرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس دونالد ترمب.

وتُعدّ العلاقة الاقتصادية بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأكبر والأكثر تكاملاً على مستوى العالم، حيث تشكلان معاً ما يقارب 30 في المائة من إجمالي التجارة العالمية في السلع والخدمات، ونحو 43 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي. وتشير بيانات عام 2024 إلى أن حجم التجارة بين الجانبين في السلع والخدمات تجاوز 1.68 تريليون يورو، ما يعكس عمق التشابك الاقتصادي بين ضفتي الأطلسي. وفي التفاصيل، بلغت قيمة تجارة السلع وحدها بين الطرفين 867 مليار يورو، لتعزز الولايات المتحدة مكانتها بوصفها الشريك التجاري الأول لصادرات الاتحاد الأوروبي، وثاني أكبر مصدر لوارداته بعد الصين، ما يجعل أي توتر تجاري بين الجانبين ذا أثر مباشر ومتشعب على الاقتصاد العالمي بأسره.


مقالات ذات صلة

غرينلاند في عين ترمب... والأوروبيون يخشون تفكّك «الناتو»

الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيسة الوزراء الدنماركية ميتي فريدريكسن على هامش اجتماع لحلف شمال الأطلسي في لاهاي (أ.ب)

غرينلاند في عين ترمب... والأوروبيون يخشون تفكّك «الناتو»

حاول وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو تهدئة المشرعين في الكونغرس بعد التهديدات الأخيرة التي أطلقها مسؤولو الإدارة باستخدام الجيش للسيطرة على غرينلاند.

علي بردى (واشنطن)
أوروبا رئيس وزراء بلجيكا مع نظيريه البولندي والدنماركي في بروكسل لحضور القمة (رويترز) p-circle

إيطاليا 2 – ألمانيا صفر

ميرتس كان الخاسر الأكبر في القمة التي أكّدت أن ثمة تغييراً واضحاً بدأ يترسّخ في موازين القوى داخل الاتحاد لصالح الحكومات اليمينية والشعبوية

شوقي الريّس (بروكسل)
أوروبا أعلام الدول الأعضاء في «الناتو» أمام مقر الحلف في بروكسل (أ.ب)

هل ستبقى روسيا «التهديد الأكبر» بالنسبة لـ«الناتو» زمن ترمب؟

يقول كامي غران الباحث في «المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية»، إنه إن كانت الولايات المتحدة تعتبر أن روسيا «ليست هي المشكلة الحقيقية، فإن ذلك يشكل تحدياً للحلف».

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
تحليل إخباري الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث الى الإعلام في مكتبه بالبيت الأبيض (أ.ف.ب) p-circle

تحليل إخباري رحلة في عقل ترمب (2)... سيد الخواتم والمفاوض الأسطوري

قبل أن تطأ قدما دونالد ترمب عتبات السلطة في واشنطن، كان اسمه قد استقر بالفعل في الذاكرة الأميركية لاعباً ماهراً بساحة المفاوضات، وصانع صفقات فريداً.

عبده جادالله
أوروبا رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين بعد اجتماع مع ممثلي صناعة السيارات الأوروبية بمقر المفوضية الأوروبية في بروكسل الاثنين (رويترز)

رئيسة المفوضية الأوروبية: السلام الدائم لا يمكن تحقيقه إلا بالقوة

قالت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، الاثنين، إن السلام الدائم لا يمكن تحقيقه إلا بالقوة.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)

ماليزيا تتوقع نمواً أسرع في 2026 رغم تداعيات الحرب وارتفاع أسعار الوقود

مقر البنك المركزي الماليزي في كوالالمبور (رويترز)
مقر البنك المركزي الماليزي في كوالالمبور (رويترز)
TT

ماليزيا تتوقع نمواً أسرع في 2026 رغم تداعيات الحرب وارتفاع أسعار الوقود

مقر البنك المركزي الماليزي في كوالالمبور (رويترز)
مقر البنك المركزي الماليزي في كوالالمبور (رويترز)

أعلن البنك المركزي الماليزي يوم الثلاثاء، أن اقتصاد البلاد يسير على مسار متين لتحقيق نمو أسرع في عام 2026 مما كان متوقعاً سابقاً، رغم التحديات المرتبطة بالاضطرابات التجارية وارتفاع أسعار الوقود الناتج عن الصراع في الشرق الأوسط والتعريفات الأميركية.

ويتوقع البنك الآن أن يتراوح نمو الاقتصاد الماليزي بين 4 في المائة و5 في المائة هذا العام، بعد أن كان يتوقع سابقاً نمواً بين 4 في المائة و4.5 في المائة، مدعوماً بقوة الإنفاق الاستهلاكي، والطلب المستمر على صادرات الأجهزة الكهربائية والإلكترونية، واستقرار قطاع السياحة، وفقاً لوثائق التقرير السنوي لعام 2025.

وأشار البنك المركزي إلى أن سيناريوهات الحرب في الشرق الأوسط أخذت بعين الاعتبار عند صياغة توقعات النمو لعام 2026، محذراً من أن استمرار الصراع لفترة أطول سيشكل مخاطر على هذه التوقعات. وقال محافظ البنك، عبد الرشيد غفور، خلال مؤتمر صحافي: «إذا ساءت الأمور حقاً، فسنراجع توقعات النمو بالطبع وفقاً للحاجة».

وتأتي توقعات النمو المتفائلة في سياق الأداء القوي للاقتصاد الماليزي، حيث نما الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 5.2 في المائة في 2025، متجاوزاً توقعات الحكومة، مدعوماً بقيم قياسية في التجارة والاستثمارات المعتمدة. وأوضح عبد الرشيد أن قوة ماليزيا بوصفها مصدراً صافياً للطاقة والإصلاحات المالية التي نُفذت العام الماضي، من المرجح أن توفر بعض الحماية من الآثار الاقتصادية للحرب، وفق «رويترز».

ووفقاً للبنك، فإن الاقتصاد الماليزي يواجه الصراع من موقع قوة، مدعوماً بطلب محلي قوي، وتضخم معتدل، ونظام مالي سليم، ووضع خارجي متين. ويتوقع أن يظل التضخم معتدلاً خلال 2026، جزئياً بفضل السياسات الرامية لتخفيف أثر ارتفاع أسعار السلع والطاقة. وقد ارتفعت نفقات الدعم الحكومي بشكل ملحوظ منذ بداية الحرب، إذ من المتوقع أن تصل الآن إلى 4 مليارات رينغيت (994 مليون دولار) شهرياً، للحفاظ على سعر ثابت لوقود النقل «رون 95»، مقارنةً بـ700 مليون رينغيت سابقاً، بالإضافة إلى تقديم مساعدات نقدية لبعض مشغلي مركبات الديزل.

وتتراوح تقديرات البنك لمعدل التضخم العام بين 1.5 في المائة و2.5 في المائة في 2026، مرتفعاً قليلاً من 1.4 في المائة في العام الماضي، فيما يُتوقع أن يتراوح التضخم الأساسي بين 1.8 في المائة و2.3 في المائة، مقارنةً بـ2 في المائة في 2025.

وأعلن «المركزي» أن لجنة السياسة النقدية على أهبة الاستعداد للتعامل مع أي تطورات محتملة للصراع في الشرق الأوسط، لضمان استقرار الأسواق وإدارة مخاطر التقلبات المفرطة. وحافظ البنك على سعر الفائدة الرئيسي دون تغيير عند 2.75 في المائة للاجتماع الرابع على التوالي هذا الشهر، بعد آخر خفض في يوليو (تموز) 2025.

وأكد عبد الرشيد أن التوقعات العامة للعملة الماليزية إيجابية، رغم التقلبات الناتجة عن الحرب، مشيراً إلى أن الرينغيت كان من بين أفضل العملات أداءً في آسيا خلال الـ12 شهراً الماضية، ووصل إلى أعلى مستوياته مقابل الدولار الأميركي منذ عام 2018 في فبراير (شباط)، رغم انخفاضه منذ بداية الصراع.


موازنة تكميلية بـ17.3 مليار دولار في كوريا الجنوبية لمواجهة قفزة أسعار النفط

وزير الموازنة الكوري الجنوبي بارك هونغ - كيون خلال مؤتمر صحافي في سيجونغ - 31 مارس 2026 (إ.ب.أ)
وزير الموازنة الكوري الجنوبي بارك هونغ - كيون خلال مؤتمر صحافي في سيجونغ - 31 مارس 2026 (إ.ب.أ)
TT

موازنة تكميلية بـ17.3 مليار دولار في كوريا الجنوبية لمواجهة قفزة أسعار النفط

وزير الموازنة الكوري الجنوبي بارك هونغ - كيون خلال مؤتمر صحافي في سيجونغ - 31 مارس 2026 (إ.ب.أ)
وزير الموازنة الكوري الجنوبي بارك هونغ - كيون خلال مؤتمر صحافي في سيجونغ - 31 مارس 2026 (إ.ب.أ)

اقترحت كوريا الجنوبية، يوم الثلاثاء، موازنة حكومية تكميلية بقيمة 17.3 مليار دولار لدعم المستهلكين والشركات المتضررة من الحرب في الشرق الأوسط. ويأتي ذلك في ظل ارتفاع حاد في أسعار النفط نتيجة الصراع الأميركي - الإسرائيلي على إيران، ما زاد من مخاطر النمو والتضخم على رابع أكبر اقتصاد في آسيا، الذي يُعدّ أيضاً رابع أكبر مستورد للنفط عالمياً، مستورداً نحو 70 في المائة من احتياجاته من الشرق الأوسط.

وتُعدّ هذه الموازنة الإضافية الثانية خلال أقل من عام في عهد الرئيس لي جاي ميونغ، الذي تعهد باتباع سياسة مالية توسعية لتحفيز النمو منذ توليه منصبه في يونيو (حزيران) الماضي، وفق «رويترز».

وقال وزير الموازنة بارك هونغ كيون: «إلى جانب البيانات الاقتصادية، تتفاقم الصعوبات والقلق الذي يشعر به شعبنا وشركاتنا أكثر من أي وقت مضى. الاستجابة الاستباقية أهم من أي شيء آخر».

وتبلغ قيمة خطة الإنفاق الإجمالية 26.2 تريليون وون (17.3 مليار دولار)، تتضمن 10.1 تريليون وون لمواجهة ارتفاع أسعار النفط، و2.8 تريليون وون لدعم ذوي الدخل المحدود والشباب، و2.6 تريليون وون للشركات المتضررة من الصراع في الشرق الأوسط، وفقاً لوزارة الموازنة. ومن أبرز الإجراءات، تعتزم الحكومة تخصيص 5 تريليونات وون لتعويض خسائر مصافي النفط الناتجة عن تحديد سقف الأسعار على مستوى البلاد، وهو الإجراء الذي طُبّق هذا الشهر لأول مرة منذ نحو 30 عاماً.

كما ستخصص الحكومة 4.8 تريليون وون لتقديم دعم مالي عبر قسائم شرائية تتراوح قيمتها بين 100 ألف وون و600 ألف وون للفرد الواحد، وفقاً لمستوى الدخل والمنطقة، مع استثناء أصحاب أعلى 30 في المائة من الدخل على مستوى البلاد.

وأوضحت الوزارة أنها ستستفيد من فائض الإيرادات الضريبية الناتج عن ازدهار صادرات الرقائق الإلكترونية وارتفاع سوق الأسهم لتمويل الموازنة الإضافية، دون إصدار أي سندات خزانة، فيما تتضمن الخطة أيضاً سداد سندات خزانة بقيمة تريليون وون. ومن المتوقع أن ترفع هذه الموازنة إجمالي الإنفاق الحكومي لعام 2026 إلى 752.1 تريليون وون، بزيادة قدرها 11.8 في المائة على العام الماضي، بما يعزز النمو الاقتصادي بنسبة 0.2 نقطة مئوية، بعدما كان الإنفاق المخطط قبل اندلاع الحرب يبلغ 727.9 تريليون وون.

وعلى صعيد العجز المالي، أكدت الوزارة أنه سينخفض إلى 3.8 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي مقارنةً بـ3.9 في المائة المقدرة سابقاً و4.2 في المائة في العام الماضي، بينما تُقدّر نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي بنحو 50.6 في المائة مقارنةً بـ51.6 في المائة سابقاً و49.1 في المائة المتوقعة في 2025.

وقبل أسابيع من الهجوم الأميركي والإسرائيلي على إيران في 28 فبراير (شباط)، أشار بنك كوريا إلى أنه لن يُعدّل سياسته النقدية حتى أغسطس (آب) على الأقل، كما رفع توقعاته للنمو في 2026 إلى 2 في المائة مقارنةً بـ1.8 في المائة سابقاً، بعد أن نما الاقتصاد بنسبة 1 في المائة في 2025. وفي العام الماضي، أعدّت إدارة لي موازنة إضافية بقيمة 31.8 تريليون وون بعد شهر واحد من توليه منصبه، تضمنت برنامجه الرئيسي لتوزيع قسائم الدعم بهدف تحفيز الطلب المحلي الذي تراجع عقب فشل محاولة سلفه يون سوك يول لفرض الأحكام العرفية في ديسمبر (كانون الأول) 2024.


اقتصاد بريطانيا ينهي 2025 بنمو هامشي... وآفاق 2026 رهينة «حرب إيران»

حافلة تمرّ عبر الحيّ المالي في لندن (رويترز)
حافلة تمرّ عبر الحيّ المالي في لندن (رويترز)
TT

اقتصاد بريطانيا ينهي 2025 بنمو هامشي... وآفاق 2026 رهينة «حرب إيران»

حافلة تمرّ عبر الحيّ المالي في لندن (رويترز)
حافلة تمرّ عبر الحيّ المالي في لندن (رويترز)

أظهرت بيانات رسمية، صادرة يوم الثلاثاء، أن الاقتصاد البريطاني أنهى عام 2025 بأداء ضعيف؛ إذ سجّل نمواً هامشياً، مما يزيد من تعقيد مهمة الحكومة في تحفيز النشاط الاقتصادي خلال عام 2026، خصوصاً في ظل تصاعد المخاوف من تداعيات الحرب الإيرانية على الطلب وارتفاع الضغوط التضخمية.

وأوضح مكتب الإحصاء الوطني أن الناتج المحلي الإجمالي ارتفع بنسبة 0.1 في المائة فقط خلال الربع الرابع (أكتوبر/تشرين الأول - ديسمبر/كانون الأول)، وهو ما جاء متوافقاً مع توقعات الاقتصاديين الذين استطلعت «رويترز» آراءهم، والذين رجّحوا عدم إجراء أي تعديل على التقديرات الأولية.

كما أكد المكتب أن النمو في الربع الثالث استقر أيضاً عند 0.1 في المائة، في إشارة إلى استمرار حالة الضعف في زخم الاقتصاد.

وفي سياق متصل، أظهرت البيانات ميلاً متزايداً لدى الأسر البريطانية نحو الادخار، حيث ارتفعت نسبة الادخار بمقدار 0.8 نقطة مئوية لتصل إلى 9.9 في المائة، ما يعكس حذراً استهلاكياً في ظل الضبابية الاقتصادية.

وكانت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية قد خفّضت، الأسبوع الماضي، توقعاتها لنمو الاقتصاد البريطاني خلال العام الحالي إلى 0.7 في المائة، مقارنةً بتقديرات سابقة بلغت 1.2 في المائة، في أكبر مراجعة هبوطية بين الاقتصادات الكبرى.

في المقابل، جرى تعديل تقديرات النمو لعام 2025 بالرفع إلى 1.4 في المائة مقارنةً بـ1.3 في المائة سابقاً، إلا أن هذا التحسّن النسبي لا يغيّر من الصورة العامة التي تشير إلى تباطؤ هيكلي في الأداء الاقتصادي.

ويأتي ذلك في وقت تعهّد فيه رئيس الوزراء كير ستارمر ووزيرة المالية راشيل ريفز بتسريع وتيرة النمو، وهو هدف يبدو أكثر صعوبة في ظل التوترات الجيوسياسية المتصاعدة في الشرق الأوسط.

وأظهرت البيانات كذلك أن الاقتصاد البريطاني كان أكبر بنسبة 1 في المائة خلال الربع الأخير من العام الماضي مقارنةً بالفترة نفسها من العام السابق، وهو ما يتماشى مع التقديرات الأولية، في حين تراجع الناتج المحلي الإجمالي للفرد بنسبة 0.1 في المائة على أساس سنوي، مما يعكس تآكلاً في مستويات المعيشة.

أما على صعيد الحسابات الخارجية فقد بلغ عجز الحساب الجاري 18.4 مليار جنيه إسترليني خلال الأشهر الثلاثة المنتهية في ديسمبر (كانون الأول)، وهو أقل من توقعات «رويترز» البالغة 23.4 مليار جنيه، لكنه يعادل 2.4 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، مرتفعاً من 1.4 في المائة في الربع الثالث.

استقرار معدل تضخم أسعار المواد الغذائية

على صعيد آخر، أظهرت بيانات شركة «وورلدبانل» للأبحاث، أن معدل تضخم أسعار المواد الغذائية في المملكة المتحدة استقر عند 4.3 في المائة خلال الأسابيع الأربعة المنتهية في 22 مارس (آذار)، مما يعكس استمرار الضغوط على المستهلكين، في وقت تتزايد فيه المخاوف من موجة ارتفاع جديدة مدفوعة بتداعيات الحرب الإيرانية.

يُعرض التفاح والفواكه الطازجة للبيع في متجر «تيسكو إكسترا» بتشيشنت (رويترز)

وتُعد بيانات «وورلدبانل» مؤشراً استباقياً لاتجاهات الأسعار قبل صدور البيانات الرسمية للتضخم في المملكة المتحدة والمقررة في 22 أبريل (نيسان).

وأشارت الشركة إلى تباين واضح في اتجاهات الأسعار، حيث تسارعت وتيرة الارتفاع في فئات مثل اللحوم غير المصنعة والقهوة، في حين شهدت منتجات أخرى، مثل الزبدة والحلويات، تراجعاً أسرع في الأسعار.

في موازاة ذلك، بدأت آثار ارتفاع تكاليف الطاقة بالظهور تدريجياً، إذ يلمس المستهلكون زيادات ملموسة في أسعار الوقود، نتيجة انعكاسات الحرب الإيرانية على أسواق الطاقة. كما حذّر مزارعون من موجة ارتفاع وشيكة في أسعار الخضراوات المزروعة في البيوت الزجاجية المدفأة، مثل الطماطم والخيار والفلفل، بدءاً من الشهر المقبل، في ظل ارتفاع تكاليف الطاقة والأسمدة.

ولفتت «وورلدبانل» إلى أن كل زيادة بنسبة 1 في المائة في تضخم أسعار الغذاء قد ترفع فاتورة الإنفاق السنوي للأسرة المتوسطة بأكثر من 50 جنيهاً إسترلينياً (نحو 66 دولاراً).

وقال رئيس قسم تجارة التجزئة ورؤى المستهلكين في الشركة، فريزر مكيفيت، إن «تزايد احتمالات ارتفاع تضخم أسعار الغذاء، إلى جانب القفزات الحادة في تكاليف الوقود، يزيد من هشاشة أوضاع المتسوقين».

ويأتي ذلك في وقت يواجه فيه البريطانيون زيادات متزامنة في عدد من فواتير الخدمات خلال أبريل، بما في ذلك ضرائب المجالس المحلية، وفواتير المياه، والاتصالات، وخدمات الإنترنت.

وفي سياق متصل، أظهرت بيانات منفصلة صادرة عن اتحاد تجار التجزئة البريطاني ارتفاعاً طفيفاً في معدل تضخم أسعار المتاجر إلى 1.2 في المائة خلال مارس (آذار).

أما على صعيد المبيعات فقد ارتفعت مبيعات البقالة في المملكة المتحدة بنسبة 4.4 في المائة على أساس سنوي خلال الأسابيع الأربعة المنتهية في 22 مارس، ما يعكس استمرار الإنفاق الاستهلاكي رغم الضغوط.

وخلال فترة الاثني عشر أسبوعاً، واصلت كل من «تيسكو» و«سينسبري» تعزيز حصتيهما السوقيتَيْن، في حين حافظت «ليدل» على موقعها بوصفها أسرع سلاسل البقالة التقليدية نمواً، في حين تصدرت «أوكادو» قائمة النمو الإجمالي بفضل توسعها في التجارة الإلكترونية.

في المقابل، واصلت «أسدا» خسارة حصتها السوقية، مما يعكس تصاعد المنافسة داخل قطاع التجزئة الغذائية.

تسارع في نمو أسعار المنازل

أظهرت بيانات صادرة يوم الثلاثاء تسارعاً في نمو أسعار المنازل في المملكة المتحدة خلال مارس، متجاوزةً التوقعات، رغم رفع المقرضين أسعار الفائدة على قروض الرهن العقاري، وسط مخاوف من أن تؤدي تداعيات الحرب الإيرانية إلى زيادة التضخم وارتفاع تكاليف الاقتراض.

صف من المنازل السكنية مع الحيّ المالي في الأفق بجنوب لندن (رويترز)

وأفاد بنك «نايشن وايد» للرهن العقاري بأن أسعار المنازل ارتفعت بنسبة 0.9 في المائة على أساس شهري في مارس، مسجلةً أقوى وتيرة نمو منذ ديسمبر 2024.

وجاءت هذه الزيادة مخالفةً بشكل واضح لتوقعات الاقتصاديين في استطلاع أجرته «رويترز»، الذين رجّحوا تراجعاً بنسبة 0.1 في المائة. كما تفوقّت على الارتفاع المسجل في فبراير (شباط) والبالغ 0.3 في المائة.

وعلى أساس سنوي، ارتفعت أسعار المنازل بنسبة 2.2 في المائة، وهي أعلى وتيرة منذ أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، مقارنةً بزيادة بلغت 1 في المائة خلال فبراير، ما يعكس تحسناً ملموساً في أداء السوق العقارية.

وقال كبير الاقتصاديين في «نايشن وايد»، روبرت غاردنر، إن «تسارع نمو أسعار المنازل يشير إلى أن السوق بدأت تستعيد زخمها بعد فترة من التباطؤ في بداية العام، مدفوعةً بتحسن نسبي في الطلب واستقرار نسبي في أوضاع التمويل».

وأضاف أن «هذا التعافي لا يزال هشاً؛ إذ إن الارتفاع الحاد في أسعار الطاقة العالمية، نتيجة للتطورات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، يُمثل صدمة تضخمية قد تنعكس سريعاً على تكاليف المعيشة وأسعار الفائدة، وهو ما قد يحدّ من قدرة المشترين على الاقتراض ويضغط على نشاط السوق خلال الأشهر المقبلة».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended