غرينلاند في عين ترمب... والأوروبيون يخشون تفكّك «الناتو»

روبيو يتحدّث عن شرائها بعد تهديدات باستخدام الجيش للسيطرة عليها

منازل مغطاة بالثلوج في نوك - غرينلاند (أ.ب)
منازل مغطاة بالثلوج في نوك - غرينلاند (أ.ب)
TT

غرينلاند في عين ترمب... والأوروبيون يخشون تفكّك «الناتو»

منازل مغطاة بالثلوج في نوك - غرينلاند (أ.ب)
منازل مغطاة بالثلوج في نوك - غرينلاند (أ.ب)

أبلغ وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو المشرعين في الكونغرس أن التهديدات الأخيرة التي أطلقتها إدارة الرئيس دونالد ترمب ضد غرينلاند لا تنذر بغزو وشيك، موضحاً أن الهدف هو شراء الجزيرة القطبية من الدنمارك، التي يتزايد قلق المسؤولين فيها وفي أوروبا عموماً من النوايا الأميركية التي يمكن أن تؤدي إلى تفكك حلف شمال الأطلسي (الناتو).

وجاء كلام روبيو في سياق جلسة مغلقة عقدها مع زعماء الكونغرس، في وقت تحدّث فيه الرئيس ترمب ومسؤولون بصورة متزايدة عن السيطرة على الجزيرة التابعة للدنمارك وتتمتع بالحكم الذاتي. وشارك في الجلسة أيضاً وزير الحرب بيت هيغسيث، ورئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كين، لحشد الدعم لخطط الإدارة في شأن مستقبل فنزويلا.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيسة الوزراء الدنماركية ميتي فريدريكسن على هامش اجتماع لحلف شمال الأطلسي في لاهاي (أ.ب)

وعندما سأله زعيم الأقلية الديمقراطية في مجلس الشيوخ، تشاك شومر، عما إذا كانت إدارة ترمب تُخطّط لاستخدام القوة العسكرية في أماكن أخرى غير فنزويلا، بما في ذلك المكسيك وغرينلاند، سعى روبيو إلى تهدئة مخاوف المشرعين بتقليل احتمال استيلاء الولايات المتحدة على غرينلاند بالقوة، علماً بأن نائب كبيرة موظفي البيت الأبيض ستيفن ميلر لم يستبعد «غزو» الجزيرة.

وقال السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام، وهو حليف قوي لترمب في الكونغرس، إن ما تفعله الإدارة في شأن غرينلاند «لا يعدو كونه مفاوضات». وأضاف: «نحن بحاجة إلى السيطرة القانونية والحماية القانونية لتبرير بناء المنطقة ونشر قواتنا فيها».

قلق أوروبي

قالت الناطقة باسم البيت الأبيض كارولين ليفيت إن ترمب «أوضح جلياً أن الاستحواذ على غرينلاند يُمثّل أولوية للأمن القومي للولايات المتحدة، وأنه أمرٌ حيوي لردع خصومنا في منطقة القطب الشمالي»، مضيفة أنه «يناقش وفريقه مجموعة من الخيارات لتحقيق هذا الهدف المهم في السياسة الخارجية، وبالطبع، فإن استخدام الجيش الأميركي هو دائماً خيار متاح للقائد الأعلى للقوات المسلحة».

وناقش ترمب شراء غرينلاند خلال ولايته الرئاسية الأولى، لكنه صار الآن أكثر إصراراً على ضمها إلى الولايات المتحدة.

نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس يتحدث من القاعدة العسكرية الأميركية في بيتوفيك بغرينلاند يوم 28 مارس 2025 (أ.ف.ب)

وحيال هذه التصريحات، وجّه زعماء أوروبيون تحذيراً شديد اللهجة لإدارة ترمب، داعين إلى احترام واشنطن لحدود حليفها التاريخي. وأفاد دبلوماسي أوروبي رفيع، طلب عدم نشر اسمه، لوكالة «رويترز»، بأن المسؤولين الأميركيين طرحوا في الأيام الأخيرة إمكان التحرك ضد غرينلاند كاحتمال واقعي متزايد في محادثاتهم مع نظرائهم الأوروبيين. وأضاف أن هذه المحادثات عقّدت النقاش القائم بين الزعماء الأميركيين والدنماركيين والغرينلانديين حول زيادة الاستثمارات العسكرية والاقتصادية الأميركية في أكبر جزيرة في العالم.

ويخشى القادة الدنماركيون أن يتجه ترمب، بعد الإطاحة بالرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، شمالاً، بعد قوله إن غرينلاند «ضرورة» للأمن القومي للولايات المتحدة. واشتكى ترمب الأحد من أن «غرينلاند مليئة بالسفن الروسية والصينية في كل مكان».

ودفعت هذه التصريحات الحادة رئيسة الوزراء الدنماركية ميتي فريدريكسن إلى التحذير من أن أي تحرك أميركي في غرينلاند سيهدد مستقبل حلف «الناتو». وأعلن زعماء فرنسا وألمانيا وإيطاليا وبولندا وإسبانيا وبريطانيا، إلى جانب فريدريكسن، في بيان الثلاثاء أن «حرمة الحدود» مبدأ عالمي، وأن «غرينلاند ملك لشعبها. ويعود القرار في المسائل المتعلقة بالدنمارك وغرينلاند لهما وحدهما».

وتُعدّ غرينلاند التي يبلغ عدد سكانها نحو 57 ألف نسمة جزءاً من مملكة الدنمارك منذ أكثر من 300 عام. وأظهرت استطلاعات الرأي التي أجرتها صحيفة «بيرلينجسكي» الدنماركية العام الماضي معارضة غالبية ساحقة من سكان غرينلاند ضمها إلى الولايات المتحدة، على رغم من أن الاستطلاع نفسه أظهر تأييد غالبية أقل للاستقلال عن الدنمارك.

ويقول القادة الدنماركيون إنهم زادوا الإنفاق على أمن القطب الشمالي بمقدار 13.7 مليار دولار عام 2025. والتزموا زيادات أخرى في السنوات المقبلة، في استثمارات تُظهر التزامهم أمن غرينلاند، واستجابتهم لمخاوف الولايات المتحدة من عدم تركيزهم بشكل كافٍ على القضايا العسكرية هناك في السنوات الأخيرة.

تغييرات أميركية

وزار مسؤولون أميركيون رفيعو المستوى العاصمة نوك في غرينلاند مطلع ديسمبر (كانون الأول) الماضي لعقد سلسلة من الاجتماعات مع نظرائهم الدنماركيين والغرينلانديين، والتي وصفوها بالمثمرة.

رئيسة الوزراء الدنماركية ميتي فريدريكسن ورئيس وزراء غرينلاند ينس فريدريك نيلسن في مارينبورغ بالدنمارك (أ.ب)

ولكن زعماء الدنمارك فوجئوا لاحقاً بتعيين ترمب حاكم لويزيانا جيف لاندري مبعوثاً أميركياً خاصاً إلى غرينلاند، فيما اعتبروه تجديداً لمحاولات البيت الأبيض فصل غرينلاند عن الدنمارك.

جاءت هذه التطورات في وقت يتأقلم فيه كبار قادة وزارة الدفاع الأميركية «البنتاغون» مع إعادة تنظيم غير متوقعة أجريت العام الماضي، وتضمنت وضع قيادة العمليات العسكرية الأميركية في غرينلاند تحت سيطرة القيادة الشمالية الأميركية، بدلاً من القيادة الأوروبية، في خطوة أفاد «البنتاغون» بأنها تتماشى مع رغبة الرئيس ترمب في الدفاع عن الولايات المتحدة وبناء أمن قوي في النصف الغربي من الأرض.

وبعد الإعلان بفترة وجيزة، سافر قائد القيادة الشمالية الجنرال غريغوري غيلوت إلى قاعدة بيتوفيك الفضائية في غرينلاند، والتقى كبار القادة العسكريين الدنماركيين. وقال مسؤولون عسكريون أميركيون إن هذه القاعدة النائية تضم ميناء للمياه العميقة شمالاً في العالم، ومدرجاً بطول 10 آلاف قدم، ومجموعة من تقنيات الدفاع الصاروخي الأميركية.


مقالات ذات صلة

إدارة ترمب تدرس دفع أموال لسكان غرينلاند لإقناعهم بالانضمام إلى أميركا

الولايات المتحدة​ علم غرينلاند (إ.ب.أ)

إدارة ترمب تدرس دفع أموال لسكان غرينلاند لإقناعهم بالانضمام إلى أميركا

قالت أربعة مصادر مطلعة إن مسؤولين أميركيين بحثوا إرسال مبالغ لسكان غرينلاند في محاولة لإقناعهم بالانفصال عن الدنمارك وربما الانضمام إلى الولايات المتحدة.

«الشرق الأوسط»
تحليل إخباري الرئيس الفرنسي ملقياً خطابه ظهر الخميس في قصر الإليزيه بمناسبة انعقاد مؤتمر سفراء فرنسا عبر العالم (إ.ب.أ)

تحليل إخباري ماكرون يرفض «الانهزامية» و«الاستعمار الجديد»

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون هاجم الرئيس دونالد ترمب من غير أن يسميه، واستخدم لغة حادّة ترفض «الانهزامية» و«التبعية» و«الاستعمار الجديد» و«تقاسم العالم».

ميشال أبونجم (باريس)
المشرق العربي الدبلوماسي البلغاري نيكولاي ملادينوف (أ.ف.ب)

نتنياهو: ملادينوف يتولى منصب مدير مجلس السلام الخاص بغزة

قال بنيامين نتنياهو، الخميس، إن المبعوث الأممي السابق نيكولاي ملادينوف سوف يتولى منصب مدير مجلس السلام، الذي تنص عليه خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب لغزة.

شؤون إقليمية عراقجي على متن طائرة تقلّه إلى بيروت (الخارجية الإيرانية)

ترمب يجدد تحذيره لطهران من «قمع المحتجين»

أعلن عراقجي انفتاح طهران على التفاوض مع واشنطن بشروط «الاحترام المتبادل»، محذراً من جاهزية إيران للمواجهة، وسط تصعيد أميركي متزامن مع اتساع الاحتجاجات الداخلية.

«الشرق الأوسط» (لندن - طهران)
شؤون إقليمية شرطة مكافحة الشغب تطارد محتجين في مشهد شمال شرقي إيران الخميس (تلغرام)

اتساع إضرابات البازار واحتجاجات الليل تعمّق أزمة إيران

توسعت الإضرابات والاحتجاجات الليلية في طهران وعدة مدن في أنحاء إيران، في وقت أطلق الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان وعوداً اقتصادية جديدة، أبرزها مواجهة المحتكرين.

«الشرق الأوسط» (لندن - طهران)

إدارة ترمب تدرس دفع أموال لسكان غرينلاند لإقناعهم بالانضمام إلى أميركا

علم غرينلاند (إ.ب.أ)
علم غرينلاند (إ.ب.أ)
TT

إدارة ترمب تدرس دفع أموال لسكان غرينلاند لإقناعهم بالانضمام إلى أميركا

علم غرينلاند (إ.ب.أ)
علم غرينلاند (إ.ب.أ)

قالت أربعة مصادر مطلعة إن مسؤولين أميركيين بحثوا إرسال مبالغ لسكان غرينلاند في محاولة لإقناعهم بالانفصال عن الدنمارك، وربما الانضمام إلى الولايات المتحدة.

ووفقاً لـ«رويترز»، قال اثنان من المصادر، إنه على الرغم من أنه غير واضح المبلغ الدقيق بالدولار ​واللوجيستيات المتعلقة بأي دفعة، فقد ناقش المسؤولون الأميركيون، بمن فيهم مسؤولون بالبيت الأبيض، أرقاماً تتراوح بين 10 آلاف و100 ألف دولار لكل شخص. وتقدم فكرة الدفع المباشر لسكان غرينلاند، وهي إقليم تابع للدنمارك، أحد التفسيرات لكيفية محاولة الولايات المتحدة «شراء» الجزيرة التي يبلغ عدد سكانها 57 ألف نسمة، على الرغم من إصرار السلطات في كوبنهاغن وفي الجزيرة على أن غرينلاند ليست للبيع.

وكتب ينس فريدريك نيلسن رئيس وزراء غرينلاند في منشور على «فيسبوك» يوم الأحد: «كفى... لا مزيد من أوهام الضم»، وذلك بعد أن كرر الرئيس الأميركي دونالد ترمب للصحافيين أن واشنطن تريد الاستحواذ على الجزيرة.

تنديد أوروبي بقرار ‌الضم

ندد قادة كوبنهاغن ودول من جميع أنحاء أوروبا بتعليقات ‌ترمب ومسؤولين ⁠آخرين ​في البيت ‌الأبيض، التي أكدوا فيها خلال الأيام القليلة الماضية حقهم في غرينلاند، لا سيما وأن الولايات المتحدة والدنمارك حليفتان في حلف شمال الأطلسي وتربطهما اتفاقية دفاع مشترك.

وأصدرت دول فرنسا وألمانيا وإيطاليا وبولندا وإسبانيا وبريطانيا والدنمارك بياناً مشتركاً يوم الثلاثاء، أكدت فيه أن غرينلاند والدنمارك هما فقط من لديهما الحق في البت بمسائل علاقاتهما.

ولدى سؤال البيت الأبيض عن مناقشات شراء الجزيرة، بما في ذلك إمكانية تقديم مبالغ مباشرة لسكان غرينلاند، أحال البيت الأبيض «رويترز» إلى تعليقات أدلت بها المتحدثة باسمه كارولاين ليفيت، ووزير الخارجية ماركو روبيو، أمس الأربعاء.

وأقرت ⁠ليفيت، خلال مؤتمر صحافي، بأن ترمب ومساعديه في الأمن القومي «يدرسون آلية تنفيذ عملية الشراء المحتملة». وقال روبيو إنه سيلتقي نظيره ‌الدنماركي الأسبوع المقبل في واشنطن لمناقشة قضية غرينلاند.

وأحجمت السفارة الدنماركية عن ‍التعليق، ولم يرد مكتب ممثل غرينلاند في واشنطن على طلب للتعليق.

مناقشات غرينلاند تزداد جدية

لطالما أثار ترمب حالة من الجدل حيال حاجة ‍الولايات المتحدة إلى ضم غرينلاند لعدة أسباب، من بينها أنها غنية بالمعادن اللازمة للتطبيقات العسكرية المتطورة. كما قال ترمب إن نصف الكرة الغربي بشكل عام لا بد أن يخضع للنفوذ الجيوسياسي الأميركي.

وقالت مصادر مطلعة إنه في الوقت الذي جرت فيه مناقشات داخلية بين مساعدي ترمب حول كيفية ضم غرينلاند منذ الفترة التي سبقت توليه ​منصبه قبل عام، زادت وتيرة المناقشات حول هذه العملية بعد أن ألقت حكومته القبض على رئيس فنزويلا نيكولاس مادورو في عملية خاطفة جريئة خلال مطلع الأسبوع.

وقال أحد ⁠هذه المصادر إن مسؤولي البيت الأبيض حرصوا على استغلال الزخم من عملية مادورو لتحقيق أهداف ترمب الجيوسياسية الأخرى طويلة الأمد.

وقال ترمب للصحافيين على متن طائرة الرئاسة يوم الأحد: «نحتاج إلى غرينلاند من منظور الأمن القومي، ولن تتمكن الدنمارك من توفيره. إنها ذات أهمية استراتيجية بالغة».

وذكر أحد المصادر المطلعة على مناقشات البيت الأبيض أن المناقشات الداخلية بشأن دفع مبالغ مالية على دفعة واحدة ليست جديدة بالضرورة. ومع ذلك، أشار المصدر نفسه إلى أن هذه المناقشات أصبحت أكثر جدية خلال الأيام القليلة الماضية، وأن المساعدين يدرسون دفع قيم أعلى، مع إمكانية دفع 100 ألف دولار للفرد، ما سيؤدي إلى دفع مبلغ إجمالي يقارب ستة مليارات دولار.

ولا يزال هناك كثير من التفاصيل بحاجة إلى توضيح بشأن أي دفعات محتملة من الأموال، منها موعد وكيفية صرف هذه الدفعات في حال مضت إدارة ترمب قدماً في هذا المسار، أو ما ‌هو المتوقع تحديداً من سكان غرينلاند في مقابل ذلك. وقال البيت الأبيض إن التدخل العسكري وارد، رغم تأكيد المسؤولين أن الولايات المتحدة تفضل شراء الجزيرة أو الحصول عليها عبر القنوات الدبلوماسية.


ترمب سيستخدم حق النقض ضد أي مشروع قانون بشأن صلاحيات الحرب في فنزويلا

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (د.ب.أ)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (د.ب.أ)
TT

ترمب سيستخدم حق النقض ضد أي مشروع قانون بشأن صلاحيات الحرب في فنزويلا

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (د.ب.أ)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (د.ب.أ)

أعلن البيت الأبيض، الخميس، أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب سيستخدم حق النقض ضد أي مشروع قانون بشأن صلاحيات الحرب في فنزويلا.

وفد تقدم مجلس الشيوخ الأميركي، اليوم ، بقرار من شأنه منع ترمب من اتخاذ مزيد من الإجراءات العسكرية ضد فنزويلا دون تفويض من الكونغرس، مما ‌يمهد الطريق ‌لدرس ‌الأمر ⁠باستفاضة ​أكبر ‌في المجلس المكون من 100 عضو.وجاء التصويت على تدبير يتعلق بالإجراءات للمضي قدما في قرار سلطات الحرب بأغلبية 52 ⁠صوتا مقابل 47، ‌إذ صوتت حفنة ‍من زملاء ترامب ‍الجمهوريين مع جميع ‍الأعضاء الديمقراطيين لصالح القرار.ويأتي التصويت أيضا بعد أيام من اعتقال القوات الأميركية الرئيس ​الفنزويلي نيكولاس مادورو في غارة عسكرية مباغتة ⁠على العاصمة الفنزويلية كراكاس.وعرقل الجمهوريون محاولتين سابقتين في مجلس الشيوخ العام الماضي بعدما كثفت الإدارة الضغط العسكري على فنزويلا بهجمات على قوارب في جنوب البحر الكاريبي منذ سبتمبر( ‌أيلول) الماضي.


الأمم المتحدة: انسحاب أميركا من المنظمات الدولية «خطأ فادح»

الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش خلال أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 23 سبتمبر 2025 (رويترز)
الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش خلال أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 23 سبتمبر 2025 (رويترز)
TT

الأمم المتحدة: انسحاب أميركا من المنظمات الدولية «خطأ فادح»

الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش خلال أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 23 سبتمبر 2025 (رويترز)
الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش خلال أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 23 سبتمبر 2025 (رويترز)

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب أن الولايات المتحدة ستنسحب من عشرات المنظمات الدولية، بما فيها وكالات رئيسية لدى الأمم المتحدة، في خطوة تُقلّص تعاون واشنطن مع المجتمع الدولي في مجالات كثيرة، من قضايا تغير المناخ والسكان إلى زراعة القطن.

وعقب مراجعة شاملة من إدارته لانخراط الولايات المتحدة مع كل المنظمات الدولية، وقّع الرئيس ترمب الأربعاء قراراً تنفيذياً يُعلق الدعم الأميركي لـ66 منظمة ووكالة وهيئة ولجنة، ومنها 31 كياناً تابعاً للأمم المتحدة. وأوضح البيت الأبيض في بيان أن الولايات المتحدة ستنسحب من هذه الهيئات وتوقف أي تمويل لها؛ لأنها «تعمل بما يتعارض مع المصالح الوطنية للولايات المتحدة، وأمنها، وازدهارها الاقتصادي، وسيادتها». وأضاف أن «كثيراً من هذه الهيئات يُروّج لسياسات مناخية متطرفة، وحوكمة عالمية، وبرامج آيديولوجية تتعارض مع سيادة الولايات المتحدة وقوتها الاقتصادية».

ومن المنظمات البارزة التي ستنسحب منها الولايات المتحدة الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ، وهي كيان علمي يُعنى بأبحاث المناخ العالمية، والمنتدى العالمي للهجرة والتنمية الذي أسهم في صوغ ميثاق الأمم المتحدة للهجرة عام 2018، وصندوق الأمم المتحدة للسكان الذي يدعم الصحة والحقوق الإنجابية في كل أنحاء العالم، واللجنة الاستشارية الدولية للقطن التي تأسست في واشنطن قبل نحو 90 عاماً.

«تهديد» لسيادة أميركا

وفي بيان منفصل، أشاد وزير الخارجية ماركو روبيو بهذه الانسحابات، عادّاً أن كثيراً من المنظمات الدولية يخدم «مشروعاً عولمياً متجذراً في وهم مُفند لفكرة نهاية التاريخ»، مضيفاً أن هدفها الحقيقي هو «تقييد السيادة الأميركية».

المندوب الأميركي الدائم لدى الأمم المتحدة مايك والتز خلال اجتماع لمجلس الأمن يوم 5 يناير (رويترز)

وقال إن الولايات المتحدة تستهدف «شبكة المنظمات غير الحكومية» و«الشبكات النخبوية» التي تديرها. وأضاف: «وجدت إدارة ترمب أن هذه المؤسسات (...) تفتقر إلى الإدارة الفعالة، وغير ضرورية، ومهدرة للموارد، وسيئة الإدارة، وخاضعة لمصالح جهات تسعى إلى تحقيق أجنداتها الخاصة التي تتعارض مع مصالحنا، أو أنها تُشكل تهديداً لسيادة أمتنا وحرياتها وازدهارها العام».

ويأتي هذا التحرك بعد مرور عام تقريباً على محاولة ترمب سحب الولايات المتحدة من منظمة الصحة العالمية ومجلس الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، زاعماً أن ذلك ساعد «منتهكي حقوق الإنسان بالسماح لهم باستخدام المنظمة كغطاء يحميهم من المساءلة». وتصادم ترمب مراراً مع منظومة الأمم المتحدة، ولا سيما فيما يتعلق بسياسات الهجرة والمناخ. وتساءل في الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر (أيلول) الماضي: «ما الغرض من الأمم المتحدة؟»، مضيفاً أنها تمتلك «إمكانات هائلة»، لكنها في نهاية المطاف لا تُصدر سوى «كلام فارغ».

وعلى الرغم من أن الرئيس ترمب لم يُقدم على سحب الولايات المتحدة من الأمم المتحدة نفسها، فإنه أثار أزمة في هذه المؤسسة العالمية بسحب مليارات الدولارات من التمويل، ومطالبتها بتغيير آلية عملها، ورفض دفع الرسوم المقررة لعام 2024 لميزانية الأمم المتحدة الاعتيادية. كما ألغت إدارته نحو مليار دولار من التمويل المخصص لرسوم عام 2025 وعمليات حفظ السلام، رغم أن الكونغرس خصصها بالفعل.

ولم يتّضح على الفور تأثير عمليات الانسحاب الجديدة، علماً بأن ترمب أنهى فعلاً مشاركة الولايات المتحدة مع بعض الهيئات الأممية، بما في ذلك الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ، العام الماضي.

المنظمات الدولية

علّق الأمين التنفيذي لاتفاقية الأمم المتحدة الإطارية في شأن تغير المناخ، سيمون ستيل، الخميس، قائلاً إن انسحاب ترمب من ‌معاهدة المناخ ‌ «خطأ فادح سيجعل الولايات المتحدة أقل أماناً وأقل ازدهاراً»، وسيُلحق الضرر بالاقتصاد الأميركي والوظائف ومستويات المعيشة.

الأمين التنفيذي لاتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ سيمون ستيل في بيليم بالبرازيل يوم 27 نوفمبر 2025 (رويترز)

وقال مدير مكتب الأمم المتحدة في مجموعة الأزمات الدولية، ريتشارد غاون، إن الولايات المتحدة «يبدو أنها تتخلى عن كيانات تُعنى بالقانون الدولي، والتنمية الاقتصادية، والتعاون البيئي، وحقوق المرأة». ولاحظ أنه منذ عودة ترمب إلى البيت الأبيض العام الماضي، تعاملت إدارته مع التنمية والتعاون البيئي كـ«أجندات شبه اشتراكية»، وانتقدت بشدة أي جهود تبذل لتعزيز المساواة بين الجنسين. وإذ تساءل: «من الرابح هنا؟»، أجاب غاون: «على الأرجح الصين»، موضحاً أن «الصينيين استثمروا لسنوات في أذرع الأمم المتحدة التي تركز على سياسة التنمية. والآن انسحبت الولايات المتحدة من هذا المجال».

كذلك، قالت المديرة الوطنية للتواصل الحكومي والمناصرة في منظمة العفو الدولية أماندا كلاسينغ إن «هذا تأكيد واضح على نهج هذه الإدارة الانتقائي في التعامل مع حقوق الإنسان». وأضافت أن «هذا استمرار واضح لجهود الإدارة الرامية إلى تمزيق نظام عالمي أسهمت هذه الدولة في تأسيسه بعد الحرب العالمية الثانية لضمان الحماية الشاملة لجميع الناس، بغض النظر عن هويتهم أو مكان وجودهم».

وحتى الآن لم تنسحب الولايات المتحدة من بعض الهيئات التي توقع الخبراء أن تكون مهددة، ومنها منظمات الأمم المتحدة المعنية بالهجرة ومساعدة اللاجئين، فضلاً عن وكالة الطاقة الدولية، التي انتقدتها إدارة ترمب مراراً لعملها في مجال الطاقة النظيفة.