رحلة في عقل ترمب (2)... سيد الخواتم والمفاوض الأسطوري

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث الى الإعلام في مكتبه بالبيت الأبيض (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث الى الإعلام في مكتبه بالبيت الأبيض (أ.ف.ب)
TT

رحلة في عقل ترمب (2)... سيد الخواتم والمفاوض الأسطوري

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث الى الإعلام في مكتبه بالبيت الأبيض (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث الى الإعلام في مكتبه بالبيت الأبيض (أ.ف.ب)

قبل أن تطأ قدما دونالد ترمب عتبات السلطة في واشنطن كان اسمه قد استقر بالفعل في الذاكرة الأميركية لاعباً ماهراً في ساحة المفاوضات، وصانع صفقات فريداً لا يجاريه أحد. فمن خلال كتابه الأكثر مبيعاً «فن الصفقة»، وصورته العامة التي صقلها بعناية فائقة، قدَّم نفسه للعالم طرفاً لا يُقهر في أي مساومة، وسياسياً خارجاً على المألوف لا يُمكن التنبؤ بتحركاته. لكن، ما القواعد التي اعتمدها ترمب في فن التفاوض، وتجلّت خلال فترتي رئاسته؟ وما «الخواتم السحرية» التي يرتديها في معاركه التفاوضية ليخرج منها منتصراً في نهاية المطاف، فارضاً سلطته على الجميع؟

القاعدة الأولى: زلزلة الأرض بالصدمة

يبدو أن الخاتم السحري في استراتيجية ترمب التفاوضية يرتكز على ما يمكن وصفه بـ«المواقف المتطرفة المحسوبة». ففي كتابه «فن الصفقة»، عبارة تختزل فلسفته: «أنا أهدف عالياً، ثم أستمر في الدفع والدفع والدفع للحصول على ما أريد». هذه الرؤية البسيطة تجلّت بوضوح في كل مفاوضاته الكبرى، بدءاً من فرض رسوم جمركية شاملة على معظم دول العالم، مروراً بفكرة استحواذ الولايات المتحدة على جزيرة غرينلاند، وصولاً إلى مشروع السيطرة على قطاع غزة، أو حتى إجبار أوكرانيا على التخلي عن ثرواتها المعدنية. ولا يمكن للمرء أن ينسى ذلك المشهد الذي صدم العالم، عندما بدا كأنه يهين الرئيس الأوكراني في قلب البيت الأبيض، وأمام كاميرات وسائل الإعلام.

خير دليل على هذه القاعدة اقتراحه المفاجئ والغريب بضم قطاع غزة تحت السيطرة الأميركية، الذي بدا لكثيرين تجاوزاً صارخاً للأعراف الدبلوماسية التقليدية، وأثار موجة من الاستياء والدهشة، ليس فقط في العواصم العربية، بل حتى بين أقرب حلفائه حول العالم. ولا نبالغ إذا قلنا إنه فاجأ بنيامين نتنياهو نفسه، الذي وإن تجنب تأييد الفكرة علناً، لكنه أشاد بترمب لـ«تفكيره خارج الصندوق».

اعتمد ترمب في السياسة أسلوبه التفاوضي نفسه في عالم المال والأعمال، وهو أسلوب مبني على اللعب على حافة الهاوية والضغط المتواصل، بهدف إجبار الخصوم على التفاوض، وتغيير مساره لخدمة مصالحه، وذلك من خلال البدء بمطالب تبدو مستحيلة لخلق مساحة تفاوضية واسعة، وتحويل نقطة الارتكاز بعيداً عن الحلول الوسط، ما يسمح له بتقديم ما يبدو تنازلات كبيرة، وهي في الواقع ضمن أهدافه الأصلية، ليسوق النتيجة نصراً شخصياً باهراً.

القاعدة الثانية: الغامض اللامُتوقّع

«عدم القابلية للتنبؤ» أبرز أسلحة ترمب في ترسانته التفاوضية، فهو يحرص عمداً على زرع صورة الشخص الذي لا يمكن توقع ردود فعله أو خطواته المقبلة، ما يُبقي الأطراف المقابلة في حالة دائمة من الارتباك وعدم اليقين. «يجب أن تكون قادراً على الانسحاب»، هكذا كان يردد ترمب مراراً وتكراراً، وقد أثبت استعداده للقيام بذلك في أكثر من مناسبة. فخلال المفاوضات النووية مع كوريا الشمالية، قام فجأة بإلغاء قمة كانت مقررة مع كيم جونغ أون، ليعود ويقرر ترتيبها بعد أيام قليلة فقط، وهو تكتيك أبقى الزعيم الكوري الشمالي في حيرة بشأن النيات الحقيقية للرئيس الأميركي.

هذا الغموض المتعمد يمتد ليشمل أسلوبه التفاوضي المباشر. يروي صهره ومستشاره السابق جاريد كوشنر في مذكراته كيف كان ترمب يُغير مواقفه بسرعة مذهلة أثناء سير المفاوضات، مما كان يصيب الأطراف المقابلة بالدهشة والارتباك. هذا التقلب المفاجئ رغم ما قد يبدو عليه من فوضى ظاهرية، كان يحول دون تمكُّن الخصوم من تطوير استراتيجيات مضادة فعالة لمواجهة تحركاته.

القاعدة الثالثة: وضعية المهاجم

الركيزة الثالثة في منهجية ترمب هي البحث الدائم والمستمر عن نقاط النفوذ لدى الطرف الآخر، والسعي الحثيث لاستغلالها لتحقيق أهدافه. «استخدم نفوذك» هو مبدأ أساسي، يسعى ترمب من خلاله لفرض إرادته، والكشف عن مواطن الضعف الكامنة في كل مفاوضات يخوضها. مقولته «أسوأ شيء يمكن أن تفعله في صفقة هو أن تبدو متلهفاً لإتمامها»، تعكس فكر الرجل في اتباع مبدأ الهدوء ما قبل العاصفة؛ حيث يمتلك قدرة ملحوظة على التقاط إشارات اليأس أو الضعف التي قد تظهر على شركائه في التفاوض، وسرعان ما ينقض عليها، لاستثمارها لصالحه.

تجلّى هذا النهج بوضوح في تعامله مع المناقشات المتعلقة بتمويل حلف شمال الأطلسي (الناتو)، فمن خلال التشكيك العلني في القيمة الحقيقية للتحالف، والتلميح إلى إمكانية تقليص الالتزام الأميركي تجاهه، نجح ترمب في خلق نقطة نفوذ قوية لدفع الحلفاء الأوروبيين إلى زيادة إنفاقهم الدفاعي بشكل ملحوظ.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يوقع على أوامر تنفيذية في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (أ.ف.ب)

القاعدة الرابعة: سيكولوجية التقلب العاطفي

يعتمد ترمب في مفاوضاته على تكتيكات نفسية بارعة، فهو يتأرجح بمهارة بين الإطراء المفرط، والهجوم العنيف والتهديد الصريح، ويكون ذلك في الجلسة التفاوضية القصيرة نفسها.

يصف وزير الخارجية الأميركي الأسبق ريكس تيلرسون في شهادته أمام لجنة الاستخبارات بمجلس النواب كيف شاهد ترمب وهو يبهر قادة أجانب بكلمات معسولة في لحظة، ثم ينقلب عليهم بالتهديد والوعيد في اللحظة التالية. هذا التقلب العاطفي غير المتوقع يُبقي الأطراف المقابلة في حالة دائمة من الارتباك وعدم القدرة على التوقع.

تكتيك نفسي آخر كان حاضراً في جعبة ترمب، وهو إيجاد بيئات تنافسية ضمن أطراف التفاوض، وذلك من خلال عدم الإفصاح عن نياته أو عواطفه الحقيقية بشكل كامل، فمثلاً، داخل إدارته الرئاسية، كان يستغل رغبة جميع الفرق والمسؤولين في نيل رضاه بصفتها ورقة ضغط عليهم جميعاً، خالقاً بذلك منافسة داخلية، يعتقد أنها ستنتج في نهاية المطاف خيارات أفضل وأكثر إرضاءً له.

القاعدة الخامسة: ورقة ضغط الوقت

يتضمن أسلوب ترمب التفاوضي أيضاً استخداماً ذكياً لعنصر ضغط الوقت، فهو غالباً ما يفرض مواعيد نهائية عبثية وغير منطقية، ويخلق شعوراً بالإلحاح والضرورة القصوى لإجبار الطرف الآخر على تقديم تنازلات سريعة. وخلال المفاوضات التجارية الشاقة مع كندا والمكسيك حول اتفاقية التجارة الحرة لأميركا الشمالية (نافتا)، حدّد ترمب مراراً وتكراراً مواعيد نهائية علنية للتوصل إلى اتفاق، مستخدماً بذلك ضغط الوقت سلاحاً فعالاً لانتزاع تنازلات لم تكن لتتحقق في ظروف أخرى.

القاعدة السادسة: علانية الأسرار

العنصر الأخير في استراتيجية ترمب التفاوضية هو استخدامه المكثف للضغط العام واهتمام وسائل الإعلام. فعلى عكس معظم المفاوضين الذين يفضلون العمل في سرية تامة بعيداً عن الأضواء، يتفاوض ترمب علناً، وبشكل يفاجئ أحياناً ضيوفه من الرؤساء، وهو بارع في جذب الأنظار في المؤتمرات الصحافية المتلفزة، والمقابلات الإعلامية، أو حتى على منصات التواصل الاجتماعي، ويُحدد مواقفه وأفكاره بوضوح دون استخدام مساحيق التجميل الدبلوماسية. هذا البُعد العلني كان يسمح له بتعبئة قاعدته الشعبية شكلاً من أشكال النفوذ والضغط على الطرف الآخر، بالإضافة إلى التحدث مباشرة إلى جمهور الطرف الآخر، ومحاولة إحراجه أو التأثير على الرأي العام الداخلي لديه.

في معبد التفاوض السياسي، يظهر ترمب رئيساً متمرداً، يكسر قوالب الدبلوماسية، ويشعل نيران الصدمة. لم يتبع خطى الأسلاف، بل نحت لنفسه مساراً وعراً، يستخدم فيه كل ما أمكنه للوصول في النهاية إلى ما يريد. في بعض الأحيان، استطاع أن ينتزع من حلفائه ما لم يكونوا ليقدموه طواعية، وفي أحيان أخرى، أحدثت أساليبه شرخاً عميقاً في جسد العلاقات الدولية، تاركةً وراءها ندوباً من عدم الثقة.

لقد أعاد ترمب صياغة لغة التفاوض، جاعلاً منها لغةً صاخبةً، لا تعرف الهدوء، ولا تعترف بالثوابت، ويترك خلفه فضاءً واسعاً يحاول فيه الدبلوماسيون فك رموز لغته، وفهم إشاراته. أسلوبه في التفاوض، سواء اختلفنا أو اتفقنا معه، أو تماشى مع الأعراف الدبلوماسية أو كسر قواعدها، هو أسلوب متفرد، يجمع مراوغات السياسي وإصرار التاجر، ترك بصمة، ستتردد أصداؤها في أروقة السياسة الدولية لأجيال قادمة.


مقالات ذات صلة

ترمب يرفع حد قبول اللاجئين لاستقبال مهاجرين من الأقلية البيضاء في جنوب أفريقيا

الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب يلقي كلمة بمناسبة يوم الذكرى في مقبرة أرلينغتون الوطنية في أرلينغتون بولاية فيرجينيا، الولايات المتحدة 25 مايو 2026 (رويترز)

ترمب يرفع حد قبول اللاجئين لاستقبال مهاجرين من الأقلية البيضاء في جنوب أفريقيا

رفع الرئيس الأميركي ترمب الحد الأقصى لقبول اللاجئين 10 آلاف لاجئ لهذا العام بهدف السماح لمزيد من الأقلية البيضاء في جنوب أفريقيا بدخول أميركا.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شمال افريقيا الرئيس السيسي ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان في لقاء سابق بالقاهرة ديسمبر 2024 (الرئاسة المصرية)

السيسي يدعو رئيس إيران إلى تفادي «الحسابات الخاطئة»

الاتصال الهاتفي بين السيسي ونظيره الإيراني تناول الجهود المبذولة للتوصل إلى مذكرة تفاهم بين الجانبين الأميركي والإيراني.

وليد عبد الرحمن (القاهرة)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال اجتماع مع مجلس الوزراء في واشنطن (أ.ب - أرشيفية)

ترمب يعقد اجتماعاً لمجلس الوزراء بشأن إيران

يعقد الرئيس الأميركي دونالد ترمب اجتماعاً نادراً لمجلس الوزراء في منتجع كامب ديفيد الرئاسي، الأربعاء، مع اقتراب المحادثات مع إيران من مرحلة حاسمة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ من اليسار: وزيرة الخارجية الأسترالية بيني وونغ ووزير الشؤون الخارجية الهندي سوبرامانيام جايشانكار ووزير الخارجية الياباني توشيميتسو موتيغي ووزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يعقدون مؤتمراً صحافياً مشتركاً عقب الاجتماع الوزاري الرباعي في نيودلهي... 26 مايو 2026 (د.ب.أ)

روبيو يعيد إحياء مجموعة «كواد» وسط تساؤلات حول الالتزام الأميركي

أعلنت الولايات المتحدة والهند وأستراليا واليابان التي تشكّل معاً مجموعة «كواد»، الثلاثاء، عن تعاون جديد في مجالَي الأمن البحري والمعادن الحيوية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ توصل كبار مسؤولي شركة «سبيس إكس» إلى خلاصة مفادها أنه يجب على وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) دفع المزيد مقابل الوصول إلى شبكة الإنترنت عبر الأقمار الاصطناعية التي توفرها الشركة (رويترز)

خلاف بين البنتاغون و«سبيس إكس» حول رفع أسعار «ستارلينك» خلال حرب إيران

تصاعدت الخلافات بين «سبيس إكس» والبنتاغون حول أسعار «ستارلينك» المستخدمة في الطائرات المسيّرة والاتصالات بإيران، مما أبرز تنامياً لنفوذ إيلون ماسك.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)

ترمب يرفع حد قبول اللاجئين لاستقبال مهاجرين من الأقلية البيضاء في جنوب أفريقيا

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يلقي كلمة بمناسبة يوم الذكرى في مقبرة أرلينغتون الوطنية في أرلينغتون بولاية فيرجينيا، الولايات المتحدة 25 مايو 2026 (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يلقي كلمة بمناسبة يوم الذكرى في مقبرة أرلينغتون الوطنية في أرلينغتون بولاية فيرجينيا، الولايات المتحدة 25 مايو 2026 (رويترز)
TT

ترمب يرفع حد قبول اللاجئين لاستقبال مهاجرين من الأقلية البيضاء في جنوب أفريقيا

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يلقي كلمة بمناسبة يوم الذكرى في مقبرة أرلينغتون الوطنية في أرلينغتون بولاية فيرجينيا، الولايات المتحدة 25 مايو 2026 (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يلقي كلمة بمناسبة يوم الذكرى في مقبرة أرلينغتون الوطنية في أرلينغتون بولاية فيرجينيا، الولايات المتحدة 25 مايو 2026 (رويترز)

أظهر قرار رئاسي، اطلعت عليه وكالة «رويترز» للأنباء، أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب رفع الحد الأقصى لقبول اللاجئين 10 آلاف لاجئ لهذا العام بهدف السماح لمزيد من الأقلية البيضاء في جنوب أفريقيا بدخول الولايات المتحدة.

وذكر القرار، المؤرخ في 21 مايو (أيار)، أن البيض في جنوب أفريقيا يواجهون حالة طوارئ بسبب تحريض الحكومة والأحزاب السياسية على العنف المرتبط بدوافع عنصرية في البلد الذي تقنطه غالبية من ذوي البشرة السوداء.

الأسبوع الماضي، أعد الرئيس الأميركي دونالد ترمب الخطط للسماح بدخول 10 آلاف لاجئ إضافي من البيض في جنوب أفريقيا إلى الولايات المتحدة، رغم أن البرنامج لا يزال مغلقاً أمام اللاجئين من كل دول العالم الأخرى، في حين أصدر قاضٍ بنيويورك قراراً يقضي بمنع عملاء الحكومة الفيدرالية من اعتقال أي مهاجر إلا في ظروف استثنائية داخل وحول مبانٍ في مانهاتن.

ونشرت صحيفة «نيويورك تايمز»، الأسبوع الماضي، أن إدارة ترمب قدّمت تقريراً إلى الكونغرس يقترح رفع مستوى قبول اللاجئين من 7500 إلى 17500، وهو المستوى الأدنى تاريخياً، مع تخصيص المقاعد الإضافية للبيض في جنوب أفريقيا (المعروفون باسم «الأفريكان»)، وهم في الغالب من أصول هولندية.


ترمب يعقد اجتماعاً لمجلس الوزراء بشأن إيران

الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال اجتماع مع مجلس الوزراء في واشنطن (أ.ب - أرشيفية)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال اجتماع مع مجلس الوزراء في واشنطن (أ.ب - أرشيفية)
TT

ترمب يعقد اجتماعاً لمجلس الوزراء بشأن إيران

الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال اجتماع مع مجلس الوزراء في واشنطن (أ.ب - أرشيفية)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال اجتماع مع مجلس الوزراء في واشنطن (أ.ب - أرشيفية)

يعقد الرئيس الأميركي دونالد ترمب اجتماعاً نادراً لمجلس الوزراء في منتجع كامب ديفيد الرئاسي، الأربعاء، مع اقتراب المحادثات مع إيران من مرحلة حاسمة، وفق ما صرّح به مسؤول في البيت الأبيض لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

ويعكس اختيار هذا المنتجع المنعزل في جبال ماريلاند، والذي نادراً ما يزوره ترمب خلافاً للرؤساء السابقين، حساسية المناقشات.

وذكرت صحيفة «نيويورك بوست» أن الملف الإيراني سيهيمن على الاجتماع الذي يُتوقع أن يحضره جميع أعضاء مجلس الوزراء. وأضافت الصحيفة أن الملف الاقتصادي سيُطرح أيضاً على جدول الأعمال.

وصرّح ترمب، السبت، بأن التوصل إلى اتفاق مع طهران لإنهاء الحرب في الشرق الأوسط بات وشيكاً، لكن المفاوضات لا تزال متوترة، محذّراً من إمكانية استئناف الضربات على إيران.

وشهد كامب ديفيد في الماضي تطورات دبلوماسية مهمة بقيادة الولايات المتحدة، بما في ذلك اتفاقيات عام 1978 بين إسرائيل ومصر في عهد الرئيس جيمي كارتر، وقمة إسرائيلية فلسطينية فاشلة عام 2000 في عهد الرئيس بيل كلينتون.

رغم ذلك، لم يزر ترمب المنتجع كثيراً، إذ ستكون هذه الزيارة الثانية فقط له إلى كامب ديفيد خلال ولايته الثانية. وكانت الزيارة الأولى قبل أيام من شنّ الولايات المتحدة ضربات استهدفت منشآت نووية إيرانية في يونيو (حزيران) 2025.

وخلال ولايته الأولى، صرّح ترمب بأنه ألغى قمة كانت مُقررة مع قادة «طالبان» في المنتجع عقب هجوم على القوات الأميركية.


روبيو يعيد إحياء مجموعة «كواد» وسط تساؤلات حول الالتزام الأميركي

من اليسار: وزيرة الخارجية الأسترالية بيني وونغ ووزير الشؤون الخارجية الهندي سوبرامانيام جايشانكار ووزير الخارجية الياباني توشيميتسو موتيغي ووزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يعقدون مؤتمراً صحافياً مشتركاً عقب الاجتماع الوزاري الرباعي في نيودلهي... 26 مايو 2026 (د.ب.أ)
من اليسار: وزيرة الخارجية الأسترالية بيني وونغ ووزير الشؤون الخارجية الهندي سوبرامانيام جايشانكار ووزير الخارجية الياباني توشيميتسو موتيغي ووزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يعقدون مؤتمراً صحافياً مشتركاً عقب الاجتماع الوزاري الرباعي في نيودلهي... 26 مايو 2026 (د.ب.أ)
TT

روبيو يعيد إحياء مجموعة «كواد» وسط تساؤلات حول الالتزام الأميركي

من اليسار: وزيرة الخارجية الأسترالية بيني وونغ ووزير الشؤون الخارجية الهندي سوبرامانيام جايشانكار ووزير الخارجية الياباني توشيميتسو موتيغي ووزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يعقدون مؤتمراً صحافياً مشتركاً عقب الاجتماع الوزاري الرباعي في نيودلهي... 26 مايو 2026 (د.ب.أ)
من اليسار: وزيرة الخارجية الأسترالية بيني وونغ ووزير الشؤون الخارجية الهندي سوبرامانيام جايشانكار ووزير الخارجية الياباني توشيميتسو موتيغي ووزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يعقدون مؤتمراً صحافياً مشتركاً عقب الاجتماع الوزاري الرباعي في نيودلهي... 26 مايو 2026 (د.ب.أ)

أعلنت الولايات المتحدة والهند وأستراليا واليابان التي تشكّل معاً مجموعة «كواد»، الثلاثاء، عن تعاون جديد في مجالَي الأمن البحري والمعادن الحيوية، في خطوة لإحياء الشراكة بينها، وذلك في أعقاب خلافات حول الحرب في إيران، فضلاً عن شكوك إزاء مدى التزام الولايات المتحدة تجاه حلفائها التقليديين، حسبما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وجاء اجتماع «كواد» الذي عُقد في نيودلهي، بعد الزيارة «الودية» للرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى الصين، والتي تحدث خلالها بإيجابية عن تعاون القوّتَين العالميتَين كـ«مجموعة ثنائية» (G2)، وهو ما يثير مخاوف الدول الحليفة لواشنطن من أن يؤدي إلى تهميشها، علماً أن بكين تنظر بريبة إلى المجموعة.

وخلال لقائه نظراءه، قال روبيو إن «كواد» تضم دولاً «تشترك في قيم قوية، ديمقراطيات مزدهرة ونابضة بالحياة، كما تلتزم بمفاهيم مشتركة تتعلق بالتنمية الاقتصادية ولديها مصالح متقاربة»، لافتاً إلى أن الدول الأربع ستعمل معاً على مبادرتَين بحريتَين: الأولى تجمع قدراتها في مجال المراقبة، والثانية ستوفّر معلومات آنية معزّزة لحركة الملاحة التجارية في البحر.

وأعلنت مجموعة «كواد» في بيان مشترك أنها ستجمع 20 مليار دولار من أموال حكومية وخاصة لتعزيز سلاسل إمداد المعادن الحيوية، بما في ذلك تحديد مشاريع في الدول الأربع. ولم يتضح بعد ما إذا كان هذا التمويل جديداً بالكامل.

وتمثّل المعادن الحيوية مجالاً لجأت فيه إدارة ترمب إلى الدبلوماسية التقليدية في ظل مخاوف من هيمنة الصين على الموارد الأساسية في قطاع التكنولوجيا المتقدمة.

من جهتها، أعلنت وزيرة الخارجية الأسترالية بيني وونغ أن «كواد» تتعاون في دعم تطوير الموانئ في فيجي، وهي دولة جزرية رئيسة في جنوب المحيط الهادئ تسعى الصين إلى تعزيز نفوذها فيها.

وقالت وونغ: «ندرك التزامنا - مسؤوليتنا - بتوفير خيارات حقيقية، لا سيما مع تدهور الظروف الاستراتيجية في منطقتنا».

وفي تعليقها على الاجتماع قالت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الصينية ماو نينغ، إن التعاون «لا ينبغي أن يستهدف أي طرف ثالث». وأضافت للصحافيين: «كما أننا لا نؤيد التكتلات الحصرية أو المواجهات بين الكتل».

ولطالما قلل الرئيس الأميركي دونالد ترمب من شأن حلفاء رئيسيين، معتبراً أنهم يحمّلون الولايات المتحدة أعباء مالية بشكل غير عادل.

ورغم أن روبيو عقد اجتماعَين لمجموعة «كواد» العام الماضي، بما في ذلك بعد ساعات من تولّيه منصبه، فإن ترمب لم يلتزم بعقد قمّة رباعية على مستوى القادة.

وخلال لقائه نظراءه في نيودلهي، قال الوزير الأميركي إن «كواد» أصبحت «أكثر أهمية في ضوء التطورات الحاصلة على مستوى العالم».

وأضاف: «كان هدفنا الجماعي خلال العام الماضي تحويل هذه المجموعة من منصة لمناقشة المشكلات إلى جهة تتّخذ إجراءات فعلية»، مشيراً إلى أن التعاون يتقدّم «بوتيرة سريعة».

كما لفت إلى أن مجالات التعاون الأخرى تشمل حرية الملاحة والاستجابة الإنسانية وأمن الطاقة.

وقال: «تمثّل الدول الأربع قدرات فريدة، يمكننا مجتمعين توظيفها لمواجهة بعض أبرز التحديات العالمية».

وزراء خارجية مجموعة «كواد» خلال لقائهم في نيودلهي... 26 مايو 2026 (أ.ب)

خلافات حول إيران

لطالما استخدمت واشنطن مفهوم «حرية الملاحة» للتعبير عن معارضتها لتوسّع الصين البحري، وهو ما يثير قلقاً خاصّاً بالنسبة إلى اليابان.

لكن الولايات المتحدة بدأت أخيراً استخدام المبدأ نفسه لحشد حلفائها ضد إيران، التي فرضت قيوداً على الملاحة عبر مضيق هرمز الاستراتيجي رداً على الحرب الأميركية الإسرائيلية عليها، ما أدى إلى ارتفاع أسعار الطاقة عالمياً.

وباستثناء إسرائيل التي شاركت في الحرب، لم يدعم أيّ من حلفاء الولايات المتحدة قرار الهجوم على إيران، الأمر الذي أثار غضب ترمب الذي شكّك في موثوقية شركاء بلاده، علماً أنه لم يخطرهم قبل اتّخاذ القرار.

وقال وزير الخارجية الهندي سوبراهمانيام جايشانكار إن التركيز سينصبّ على «منطقة المحيطيَن الهندي والهادئ»، التي تشكّل الإطار الرئيس لعمل «كواد».

كما تختلف الهند مع بقية أعضاء المجموعة بشأن الغزو الروسي لأوكرانيا، إذ رفضت قطع علاقاتها التاريخية مع موسكو.

من جانبها، قالت وزيرة الخارجية الأسترالية إن هناك الكثير من الملفات التي تتطلّب الانتباه في آسيا، في ظلّ «تدهور البيئة الاستراتيجية والضغوط الاقتصادية الحادة».

ويُعد رئيس الوزراء الأسترالي أنتوني ألبانيزي من بين قلّة أبدوا تفهماً للحرب على إيران، مشيراً إلى المخاوف بشأن برنامجها النووي، لكنه لم يشارك في العمليات العسكرية، وهو ما أثار استياء ترمب.

أما اليابان والهند، فقد حافظتا تقليدياً على علاقات جيدة مع إيران، رغم امتثالهما على مضض للعقوبات الأميركية التي تمنع شراء النفط الإيراني.