رحلة في عقل ترمب (2)... سيد الخواتم والمفاوض الأسطوري

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث الى الإعلام في مكتبه بالبيت الأبيض (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث الى الإعلام في مكتبه بالبيت الأبيض (أ.ف.ب)
TT

رحلة في عقل ترمب (2)... سيد الخواتم والمفاوض الأسطوري

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث الى الإعلام في مكتبه بالبيت الأبيض (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث الى الإعلام في مكتبه بالبيت الأبيض (أ.ف.ب)

قبل أن تطأ قدما دونالد ترمب عتبات السلطة في واشنطن كان اسمه قد استقر بالفعل في الذاكرة الأميركية لاعباً ماهراً في ساحة المفاوضات، وصانع صفقات فريداً لا يجاريه أحد. فمن خلال كتابه الأكثر مبيعاً «فن الصفقة»، وصورته العامة التي صقلها بعناية فائقة، قدَّم نفسه للعالم طرفاً لا يُقهر في أي مساومة، وسياسياً خارجاً على المألوف لا يُمكن التنبؤ بتحركاته. لكن، ما القواعد التي اعتمدها ترمب في فن التفاوض، وتجلّت خلال فترتي رئاسته؟ وما «الخواتم السحرية» التي يرتديها في معاركه التفاوضية ليخرج منها منتصراً في نهاية المطاف، فارضاً سلطته على الجميع؟

القاعدة الأولى: زلزلة الأرض بالصدمة

يبدو أن الخاتم السحري في استراتيجية ترمب التفاوضية يرتكز على ما يمكن وصفه بـ«المواقف المتطرفة المحسوبة». ففي كتابه «فن الصفقة»، عبارة تختزل فلسفته: «أنا أهدف عالياً، ثم أستمر في الدفع والدفع والدفع للحصول على ما أريد». هذه الرؤية البسيطة تجلّت بوضوح في كل مفاوضاته الكبرى، بدءاً من فرض رسوم جمركية شاملة على معظم دول العالم، مروراً بفكرة استحواذ الولايات المتحدة على جزيرة غرينلاند، وصولاً إلى مشروع السيطرة على قطاع غزة، أو حتى إجبار أوكرانيا على التخلي عن ثرواتها المعدنية. ولا يمكن للمرء أن ينسى ذلك المشهد الذي صدم العالم، عندما بدا كأنه يهين الرئيس الأوكراني في قلب البيت الأبيض، وأمام كاميرات وسائل الإعلام.

خير دليل على هذه القاعدة اقتراحه المفاجئ والغريب بضم قطاع غزة تحت السيطرة الأميركية، الذي بدا لكثيرين تجاوزاً صارخاً للأعراف الدبلوماسية التقليدية، وأثار موجة من الاستياء والدهشة، ليس فقط في العواصم العربية، بل حتى بين أقرب حلفائه حول العالم. ولا نبالغ إذا قلنا إنه فاجأ بنيامين نتنياهو نفسه، الذي وإن تجنب تأييد الفكرة علناً، لكنه أشاد بترمب لـ«تفكيره خارج الصندوق».

اعتمد ترمب في السياسة أسلوبه التفاوضي نفسه في عالم المال والأعمال، وهو أسلوب مبني على اللعب على حافة الهاوية والضغط المتواصل، بهدف إجبار الخصوم على التفاوض، وتغيير مساره لخدمة مصالحه، وذلك من خلال البدء بمطالب تبدو مستحيلة لخلق مساحة تفاوضية واسعة، وتحويل نقطة الارتكاز بعيداً عن الحلول الوسط، ما يسمح له بتقديم ما يبدو تنازلات كبيرة، وهي في الواقع ضمن أهدافه الأصلية، ليسوق النتيجة نصراً شخصياً باهراً.

القاعدة الثانية: الغامض اللامُتوقّع

«عدم القابلية للتنبؤ» أبرز أسلحة ترمب في ترسانته التفاوضية، فهو يحرص عمداً على زرع صورة الشخص الذي لا يمكن توقع ردود فعله أو خطواته المقبلة، ما يُبقي الأطراف المقابلة في حالة دائمة من الارتباك وعدم اليقين. «يجب أن تكون قادراً على الانسحاب»، هكذا كان يردد ترمب مراراً وتكراراً، وقد أثبت استعداده للقيام بذلك في أكثر من مناسبة. فخلال المفاوضات النووية مع كوريا الشمالية، قام فجأة بإلغاء قمة كانت مقررة مع كيم جونغ أون، ليعود ويقرر ترتيبها بعد أيام قليلة فقط، وهو تكتيك أبقى الزعيم الكوري الشمالي في حيرة بشأن النيات الحقيقية للرئيس الأميركي.

هذا الغموض المتعمد يمتد ليشمل أسلوبه التفاوضي المباشر. يروي صهره ومستشاره السابق جاريد كوشنر في مذكراته كيف كان ترمب يُغير مواقفه بسرعة مذهلة أثناء سير المفاوضات، مما كان يصيب الأطراف المقابلة بالدهشة والارتباك. هذا التقلب المفاجئ رغم ما قد يبدو عليه من فوضى ظاهرية، كان يحول دون تمكُّن الخصوم من تطوير استراتيجيات مضادة فعالة لمواجهة تحركاته.

القاعدة الثالثة: وضعية المهاجم

الركيزة الثالثة في منهجية ترمب هي البحث الدائم والمستمر عن نقاط النفوذ لدى الطرف الآخر، والسعي الحثيث لاستغلالها لتحقيق أهدافه. «استخدم نفوذك» هو مبدأ أساسي، يسعى ترمب من خلاله لفرض إرادته، والكشف عن مواطن الضعف الكامنة في كل مفاوضات يخوضها. مقولته «أسوأ شيء يمكن أن تفعله في صفقة هو أن تبدو متلهفاً لإتمامها»، تعكس فكر الرجل في اتباع مبدأ الهدوء ما قبل العاصفة؛ حيث يمتلك قدرة ملحوظة على التقاط إشارات اليأس أو الضعف التي قد تظهر على شركائه في التفاوض، وسرعان ما ينقض عليها، لاستثمارها لصالحه.

تجلّى هذا النهج بوضوح في تعامله مع المناقشات المتعلقة بتمويل حلف شمال الأطلسي (الناتو)، فمن خلال التشكيك العلني في القيمة الحقيقية للتحالف، والتلميح إلى إمكانية تقليص الالتزام الأميركي تجاهه، نجح ترمب في خلق نقطة نفوذ قوية لدفع الحلفاء الأوروبيين إلى زيادة إنفاقهم الدفاعي بشكل ملحوظ.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يوقع على أوامر تنفيذية في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (أ.ف.ب)

القاعدة الرابعة: سيكولوجية التقلب العاطفي

يعتمد ترمب في مفاوضاته على تكتيكات نفسية بارعة، فهو يتأرجح بمهارة بين الإطراء المفرط، والهجوم العنيف والتهديد الصريح، ويكون ذلك في الجلسة التفاوضية القصيرة نفسها.

يصف وزير الخارجية الأميركي الأسبق ريكس تيلرسون في شهادته أمام لجنة الاستخبارات بمجلس النواب كيف شاهد ترمب وهو يبهر قادة أجانب بكلمات معسولة في لحظة، ثم ينقلب عليهم بالتهديد والوعيد في اللحظة التالية. هذا التقلب العاطفي غير المتوقع يُبقي الأطراف المقابلة في حالة دائمة من الارتباك وعدم القدرة على التوقع.

تكتيك نفسي آخر كان حاضراً في جعبة ترمب، وهو إيجاد بيئات تنافسية ضمن أطراف التفاوض، وذلك من خلال عدم الإفصاح عن نياته أو عواطفه الحقيقية بشكل كامل، فمثلاً، داخل إدارته الرئاسية، كان يستغل رغبة جميع الفرق والمسؤولين في نيل رضاه بصفتها ورقة ضغط عليهم جميعاً، خالقاً بذلك منافسة داخلية، يعتقد أنها ستنتج في نهاية المطاف خيارات أفضل وأكثر إرضاءً له.

القاعدة الخامسة: ورقة ضغط الوقت

يتضمن أسلوب ترمب التفاوضي أيضاً استخداماً ذكياً لعنصر ضغط الوقت، فهو غالباً ما يفرض مواعيد نهائية عبثية وغير منطقية، ويخلق شعوراً بالإلحاح والضرورة القصوى لإجبار الطرف الآخر على تقديم تنازلات سريعة. وخلال المفاوضات التجارية الشاقة مع كندا والمكسيك حول اتفاقية التجارة الحرة لأميركا الشمالية (نافتا)، حدّد ترمب مراراً وتكراراً مواعيد نهائية علنية للتوصل إلى اتفاق، مستخدماً بذلك ضغط الوقت سلاحاً فعالاً لانتزاع تنازلات لم تكن لتتحقق في ظروف أخرى.

القاعدة السادسة: علانية الأسرار

العنصر الأخير في استراتيجية ترمب التفاوضية هو استخدامه المكثف للضغط العام واهتمام وسائل الإعلام. فعلى عكس معظم المفاوضين الذين يفضلون العمل في سرية تامة بعيداً عن الأضواء، يتفاوض ترمب علناً، وبشكل يفاجئ أحياناً ضيوفه من الرؤساء، وهو بارع في جذب الأنظار في المؤتمرات الصحافية المتلفزة، والمقابلات الإعلامية، أو حتى على منصات التواصل الاجتماعي، ويُحدد مواقفه وأفكاره بوضوح دون استخدام مساحيق التجميل الدبلوماسية. هذا البُعد العلني كان يسمح له بتعبئة قاعدته الشعبية شكلاً من أشكال النفوذ والضغط على الطرف الآخر، بالإضافة إلى التحدث مباشرة إلى جمهور الطرف الآخر، ومحاولة إحراجه أو التأثير على الرأي العام الداخلي لديه.

في معبد التفاوض السياسي، يظهر ترمب رئيساً متمرداً، يكسر قوالب الدبلوماسية، ويشعل نيران الصدمة. لم يتبع خطى الأسلاف، بل نحت لنفسه مساراً وعراً، يستخدم فيه كل ما أمكنه للوصول في النهاية إلى ما يريد. في بعض الأحيان، استطاع أن ينتزع من حلفائه ما لم يكونوا ليقدموه طواعية، وفي أحيان أخرى، أحدثت أساليبه شرخاً عميقاً في جسد العلاقات الدولية، تاركةً وراءها ندوباً من عدم الثقة.

لقد أعاد ترمب صياغة لغة التفاوض، جاعلاً منها لغةً صاخبةً، لا تعرف الهدوء، ولا تعترف بالثوابت، ويترك خلفه فضاءً واسعاً يحاول فيه الدبلوماسيون فك رموز لغته، وفهم إشاراته. أسلوبه في التفاوض، سواء اختلفنا أو اتفقنا معه، أو تماشى مع الأعراف الدبلوماسية أو كسر قواعدها، هو أسلوب متفرد، يجمع مراوغات السياسي وإصرار التاجر، ترك بصمة، ستتردد أصداؤها في أروقة السياسة الدولية لأجيال قادمة.


مقالات ذات صلة

تقرير: البيت الأبيض يدرس أسماء مرشحين لخلافة نائب وزير الحرب

الولايات المتحدة​ نائب وزير الدفاع الأميركي ستيف فاينبرغ - يسار - يجلس إلى جانب وزير الدفاع بيت هيغسيث (رويترز)

تقرير: البيت الأبيض يدرس أسماء مرشحين لخلافة نائب وزير الحرب

كشفت ‌ثلاثة مصادر مطلعة لوكالة «رويترز» أن البيت الأبيض يدرس أسماء مرشحين محتملين لخلافة ستيف فاينبرغ، نائب وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ أرشيفية لموظفة تنظر إلى بطاقة اقتراع عبر البريد خلال الانتخابات التمهيدية الرئاسية في مكتب انتخابات مقاطعة كلارك في فانكوفر بواشنطن (أ.ب)

محكمة تمدد حظراً على أمر تنفيذي أصدره ترمب لتقييد التصويت عبر البريد

مددت قاضية اتحادية الحظر الذي فرضته على تنفيذ خدمة البريد الأميركية لأمر تنفيذي أصدره الرئيس دونالد ترمب يسعى إلى الحد من التصويت عبر البريد.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ ناخب يُسقط بطاقة اقتراع بالبريد في أحد الصناديق أثناء التصويت في الانتخابات التمهيدية للرئاسة الأميركية (أرشيفية - أ.ب)

بدء التصويت بالبريد في انتخابات التجديد النصفي الأميركية الحاسمة

بدأت عملية التصويت بالبريد في انتخابات التجديد النصفي في الولايات المتحدة، حيث أصبحت كارولاينا الشمالية أول ولاية تطلق هذا النوع من الاقتراع.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شمال افريقيا دونالد ترمب خلال لقاء عبد الفتاح السيسي على هامش الدورة الـ73 للجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر 2018 (الرئاسة المصرية)

تعاون أميركا عسكرياً مع إثيوبيا... هل دافعه الغضب من التقارب المصري - الصيني؟

جاء الاتفاق الدفاعي الذي وقعته الولايات المتحدة مع إثيوبيا، قبل أيام من زيارة مهمة قام بها الرئيس الصيني شي جينبينغ إلى القاهرة هذا الأسبوع.

هشام المياني (القاهرة)
الاقتصاد الرئيسة الفنزويلية بالنيابة ديلسي رودريغيز تتحدّث مع وزير الطاقة الأميركي كريس رايت خلال اجتماع في كاراكاس - فنزويلا 2 سبتمبر 2026 (إ.ب.أ) p-circle

كيف بدأت أميركا جني ثمار الاتفاق النفطي مع فنزويلا؟

توسّع واشنطن حضورها في قطاع النفط الفنزويلي عبر اتفاقات واستثمارات ضخمة، فيما تراهن كاراكاس على زيادة الإنتاج والعائدات مع تأكيد سيادتها على الحقول.

«الشرق الأوسط» (بيروت)

زخم التقدميين يُربك حسابات الديمقراطيين ويقلق الجمهوريين

شهدت الانتخابات التمهيدية حماسة كبيرة في صفوف الناخبين الديمقراطيين (إ.ب.أ)
شهدت الانتخابات التمهيدية حماسة كبيرة في صفوف الناخبين الديمقراطيين (إ.ب.أ)
TT

زخم التقدميين يُربك حسابات الديمقراطيين ويقلق الجمهوريين

شهدت الانتخابات التمهيدية حماسة كبيرة في صفوف الناخبين الديمقراطيين (إ.ب.أ)
شهدت الانتخابات التمهيدية حماسة كبيرة في صفوف الناخبين الديمقراطيين (إ.ب.أ)

اجتاحت حمّى الانتخابات واشنطن قبل أقل من شهرين عن موعد التجديد النصفي في الكونغرس. وتشتد المعركة بين الحزبين الديمقراطي الأزرق والجمهوري الأحمر؛ للسيطرة على الأغلبية في الغرفتين التشريعيتين. لكنها معركة لا تقتصر على الفوز فحسب، فالانتخابات التمهيدية رسمت ملامحَ حزب ديمقراطي يتغيّر مع هيمنة وجوه تقدمية واشتراكية لا تدعمُها المؤسسة الحزبية.

يستعرض برنامج تقرير واشنطن، وهو ثمرة تعاون بين صحيفة «الشرق الأوسط» وقناة «الشرق»، ما إذا كانت نتائج الانتخابات التمهيدية تعكس طاقة انتخابية يحتاج إليها الديمقراطيون لاستعادة الأغلبية، أم أن اندفاعة الحزب نحو اليسار قد تتحول إلى نقطة ضعف يستغلُّها الجمهوريون في نوفمبر (تشرين الثاني).

حماسة كبيرة

يقول مايكل هاردواي، المساعد السابق للرئيس باراك أوباما ومدير الاتصالات السابق لزعيم الديمقراطيين في مجلس النواب حكيم جيفريز، إن على المؤسسة الديمقراطية أن تشعر «بالفرح والسعادة» لوجود طاقة وحماسة من هذا النوع في صفوف الناخبين الديمقراطيين، معتبراً أن الكثير من القضايا التي يتطرق إليها هؤلاء التقدميون هي مسائل تُشكّل جزءاً أكبر من برنامج الحزب الديمقراطي كرفع الحد الأدنى للأجور والرعاية الصحية.

وعن الانتقادات العلنية التي يوجهها بعض الديمقراطيين لليساريين، يقول هارداوي إن «المشكلة في الحزب الديمقراطي هو أننا نتفق على 90 في المائة من الأمور، ولكننا نركز على الـ10 في المائة التي لا نتفق عليها. المهم هو حماسة الناخب، ولا أعتقد أن الديمقراطيين التقليديين يجب أن يقاطعوا الديمقراطيين التقدميين. على العكس تماماً».

ناخبون ديمقراطيون في حدث انتخابي للمرشح عبد الرحمن السيد في ميشيغان - 5 أغسطس 2026 (إ.ب.أ)

وبالفعل، شهدت الانتخابات التمهيدية حماسة كبيرة في صفوف الناخبين الديمقراطيين. وترى ليندا كينيون، الصحافية في شبكة «إن بي آر»، أن السبب في ذلك يعود للأغلبية الجمهورية في الكونغرس والبيت الأبيض، ما أعطى الكثير من الديمقراطيين والمستقلين حماسة كبيرة. ورغم قلق البعض بشأن التوجهات اليسارية في الحزب الديمقراطي، فإن كينيون ترى أن «ما يجري حالياً هو فرصة لتوحيد أطياف الحزب».

من جانبها، تعرب آشلي دايفس، المسؤولة السابقة في البيت الأبيض في عهد بوش الابن، عن قلق جمهوري كبير من حماسة الشارع الديمقراطي. واعتبرت دايفس أن الانتخابات النصفية ستشكل مؤشراً مهماً بالنسبة للديمقراطيين. وخصّت بالذكر مرشح الحزب لمجلس الشيوخ في ميشيغان عبد الرحمن السيد، فقالت: «إذا ما فاز مرشح كعبد الرحمن السيد، أعتقد أن هذا الزخم الانتخابي سوف يستمر مع الديمقراطيين».

السيناتور التقدمي بيرني ساندرز في واشنطن في 28 نوفمبر 2026 (أ.ف.ب)

لكن نتائج ولاية ماساشوستس أربكت حسابات القيادات الديمقراطية التي ظنت أن القاعدة الشعبية تُفضّل وجوهاً شابة في المجلس التشريعي. وجاء فوز السيناتور التقدمي إد ماركي البالغ من العمر 80 عاماً، على منافسه الشاب المنتمي للمؤسسة التقليدية ليغير هذه المعادلة. ويفسّر هارداوي هذا الواقع، فيقارن ماركي بالسيناتور التقدمي بيرني ساندرز، قائلاً إن «ساندرز كبير في السن، لكن أفكاره جديدة وحديثة وتتلاءم مع أفكار الطلاب والشباب. العمر ليس مهماً بالنسبة للشباب بالتحديد، المهم هو مبادئ المرشح».

رسالة الشعبوية

ترى دايفس أن القاسم المشترك بين ترمب والتقدميين هو الرسالة الشعبوية، مشيرة إلى أن هؤلاء المرشحين التقدميين يتحدثون مع الناخبين عن ارتفاع قيمة البنزين والغذاء، ويتواصلون مع القاعدة الشعبية بشكل فعال على غرار ما فعل ترمب خلال ترشحه لولايتيه الأولى والثانية. وتضيف: «تشعر القاعدة الشعبية أن أعضاء الكونغرس الحاليين من الجمهوريين والديمقراطيين لا يقومون بما يكفي. يجب تقديم شخصية جديدة ورسالة جديدة للناخب، وهذا ما فعله ترمب وهذا ما يفعله المرشحون (التقدميون)».

ترمب يتحدث في البيت الأبيض في 2 سبتمبر 2026 (إ.ب.أ)

لكن هاردواي يعتبر أن ترمب فقد صلته مع الناخبين في أميركا، ويذكر هجومه على اليساريين ووصفه لهم بالشيوعيين، فيقول: «الكثير من الناس في واشنطن، ومنهم دونالد ترمب، لا يفهمون اللحظة الآنية، وبالتالي يخوضون هذه الحروب القديمة مثل الرأسمالية ضد الشيوعية. في المقابل، يشتكي الناخبون من ارتفاع أسعار البنزين ومن تراجع فرص العمل».

وتغيّرت بعض المعطيات العامة في انتخابات هذا العام؛ إذ أصبح الناخب الأميركي يهتم بشكل أكبر بالسياسة الخارجية، كما تمكن مرشحون تقدميون من الفوز على منافسين مدعومين بالمؤسسة الحزبية، رغم تأييد جماعات ضغط مثل «أبياك». وربطت كينيون هذا الاهتمام بحرب إيران، وقالت إن «الناخب مُرتبك من مواقف الرئيس الأميركي حيال الحرب. ولا سيّما أنه أعلن في بداية العمليات العسكرية أن الحرب ستنتهي خلال أسابيع. مرّت أشهر ولا نرى نهاية في الأفق، وننتقل من التفاوض إلى الدبلوماسية إلى الحرب. والشعب الأميركي قلق بشأن انعكاسات ذلك على حياته اليومية».

كتلة «التقدميين»

الكتلة التقدمية هي أكبر الكتل داخل الحزب الديمقراطي في مجلس النواب؛ إذ يقارب عدد أعضائها نصف عدد الديمقراطيين فيه. لكن من المهم التمييز بين التسميات، فاليسار الأميركي مظلة واسعة، والتقدميون والاشتراكيون ليسوا تياراً واحداً. فليس كل تقدميّ اشتراكياً، وإن كان الطرفان يتقاطعان في العديد من القضايا والأهداف.

زعيم الديمقراطيين في مجلس النواب حكيم جيفريز في الكونغرس في 3 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)

وعن هذه الاختلافات، يذكر هارداوي أن زعيم الديمقراطيين في مجلس النواب حكيم جيفريز كان عضواً لفترة طويلة في هذه الكتلة التقدمية، معتبراً أنه سيعرف كيفية التعامل مع هذه الوجوه الجديدة اليسارية في حال وصولها إلى الكونغرس. ويضيف: «كما أنه يستطيع العمل مع البيت الأبيض»، مذكراً باجتماعه الأخير مع صهر الرئيس جاريد كوشنر. وتابع: «لقد عمل مع جاريد كوشنر ودونالد ترمب على قانون إصلاح العدالة الجنائية للمرة الأولى في تاريخ الولايات المتحدة. صحيح أنه يصف نفسه بالتقدمي، لكنه يستطيع تحقيق أمور عملية».

ويقول هارداوي إن الوجوه التقدمية في الكونغرس تختلف في توجهاتها ولهجتها: «هناك قواعد مختلفة للعب ضمن فريق واحد. جيفريز يرى أن دوره مختلف عن دور ألكسندريا أوكاسيو كورتيز أو بيرني ساندرز. وهذا دليل على تشعب الآراء وتنوعها ضمن تيار واحد».


تقرير: البيت الأبيض يدرس أسماء مرشحين لخلافة نائب وزير الحرب

نائب وزير الدفاع الأميركي ستيف فاينبرغ - يسار - يجلس إلى جانب وزير الدفاع بيت هيغسيث (رويترز)
نائب وزير الدفاع الأميركي ستيف فاينبرغ - يسار - يجلس إلى جانب وزير الدفاع بيت هيغسيث (رويترز)
TT

تقرير: البيت الأبيض يدرس أسماء مرشحين لخلافة نائب وزير الحرب

نائب وزير الدفاع الأميركي ستيف فاينبرغ - يسار - يجلس إلى جانب وزير الدفاع بيت هيغسيث (رويترز)
نائب وزير الدفاع الأميركي ستيف فاينبرغ - يسار - يجلس إلى جانب وزير الدفاع بيت هيغسيث (رويترز)

كشفت ‌ثلاثة مصادر مطلعة لوكالة «رويترز» أن البيت الأبيض يدرس أسماء مرشحين محتملين لخلافة ستيف فاينبرغ، نائب وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث، في إشارة إلى احتمال إجراء مزيد من التغييرات على مستوى القيادات داخل البنتاغون الذي يواجه بالفعل معدلاً ​مرتفعاً في مغادرة الموظفين.

وذكر اثنان من المصادر أن هذه الجهود بدأت في يونيو (حزيران) وشملت إجراء محادثات مع كبار المشرعين في مجلس الشيوخ بشأن ما إذا كان مرشحو الإدارة الأميركية سيحصلون على دعم كاف لتأكيد تعيينهم، فيما أفاد أحد المصادر بأن المراجعة استمرت حتى أواخر أغسطس (آب).

ولم يتسن لـ«رويترز» تحديد موعد بدء البيت الأبيض النظر في المرشحين.

وقالت المصادر الثلاثة إنه لم يُتخذ قرار بعد بإقالة فاينبرغ من منصبه. ولم تذكر المصادر الأسباب التي دفعت البيت الأبيض لدراسة أسماء مرشحين محتملين، كما لم تحدد أسماء المرشحين قيد الدراسة.

وقالت المتحدثة باسم البيت الأبيض آنا ‌كيلي: «هذه المصادر المجهولة لا ‌تعرف عمّا تتحدث».

وأضافت: «يُقدّر الرئيس ترمب عمل الوزير هيغسيث ونائب ​الوزير فاينبرغ ‌وكامل ⁠أفراد ​وزارة الحرب، ⁠التي يتحدث سجل نجاحاتها في عمليات ملحمة الغضب والعزم المطلق ومطرقة منتصف الليل عن نفسه»، في إشارة إلى العمليات العسكرية الأميركية في إيران وفنزويلا.

ونفى البنتاغون وجود عملية جارية لاستبدال فاينبرغ. ورداً على طلب من «رويترز» للتعليق، قال هيغسيث في بيان إن فاينبرغ يحظى بدعمه الكامل وإنه «لن يذهب إلى أي مكان». ولم يقدم البنتاغون تعليقاً من فاينبرغ، كما رفض السماح له بإجراء مقابلة.

ومن شأن رحيل فاينبرغ أن يكون أبرز تغيير في طاقم الوزارة التي شهدت بالفعل مغادرة قيادات كبيرة في عهد ⁠هيغسيث. وقال مصدر مطلع إن وزير الجيش دان دريسكول قدم استقالته إلى ‌البيت الأبيض بعد أشهر من توتر العلاقات مع هيغسيث.

ورفض ‌الجيش التعليق على أسباب رحيله. كما غادر وزير البحرية جون ​فيلان وعدد من كبار قادة الجيش خلال ‌الأشهر القليلة الماضية.

وكان فاينبرغ تعهد بتسريع إنتاج الذخائر الأميركية، لكن محللين قالوا إنه لم ‌يحقق هذا الهدف حتى الآن وإن القاعدة الصناعية الأميركية لا تستطيع زيادة الإنتاج بسرعة.

ويقول بعض التنفيذيين في قطاع الدفاع إن مهمته تعقدت بسبب بطء الكونغرس في تخصيص الأموال رغم الضغوط الكبيرة من الإدارة الأميركية.

وقال هيغسيث في بيانه لـ«رويترز»: «يعمل (فاينبرغ) بلا كلل لإعادة بناء قاعدتنا الصناعية الدفاعية وضمان حصول جيشنا على كل ما يحتاج إليه ‌لتحقيق النصر، وأتطلع إلى مواصلة العمل معه».

وأضاف «إنه يؤدي عملا مذهلا للرئيس ترمب، وللوزارة، ولمقاتلينا».

إحباط بسبب حرب إيران

عبر ترمب بشكل متزايد عن ⁠إحباطه من عدم ⁠إحراز تقدم في حرب إيران المستمرة منذ ستة أشهر، والتي تحولت إلى مواجهة باهظة الثمن بين الولايات المتحدة وإيران.

ومن كلفة هذه الحرب تراجع مخزونات الأسلحة الأميركية. وكانت «رويترز» أفادت بأن الجيش الأميركي يواجه نقصا كبيرا في بعض الذخائر، ما أثار قلق الكونغرس والقادة العسكريين.

لكن ترمب قلل من هذه المخاوف قائلا إن الولايات المتحدة تمتلك «ذخائر أكثر بكثير من أي دولة أخرى في العالم».

غير أن صحيفة «واشنطن بوست» ذكرت أن هيغسيث ألقى باللوم على فاينبرغ في تقلص مخزونات الصواريخ الموجهة بعيدة المدى وصواريخ الدفاع الجوي الاعتراضية، وذلك خلال نقاش مع ترمب في كامب ديفيد في وقت سابق من هذا الشهر.

ووصف البيت الأبيض التقرير بأنه «أخبار كاذبة».

وقال المتحدث باسم البنتاغون شون بارنيل في بيان: «لم يضلل الوزير هيغسيث أحدا بشأن وضع ذخائرنا، ولم يلق باللوم على نائب ​الوزير فاينبرغ».

ومنذ تعيينه من قبل ترمب ​العام الماضي، حاول فاينبرغ إعادة تشكيل البنتاغون عبر زيادة الاستثمارات المباشرة للجيش الأميركي في الشركات، وتقديم قروض لمتعاقدي الدفاع من خلال مكاتب متعددة داخل الوزارة، بينها مكتب رأس المال الاستراتيجي والوحدة الاقتصادية الدفاعية المنشأة حديثاً.


الجيش الأميركي يعلن إسقاط 300 مسيّرة لعصابات المخدرات عند الحدود مع المكسيك

أفادت القيادة الشمالية في الجيش الأميركي أنها أسقطت 100 طائرة مسيّرة في شهر أغسطس (آب) وحده (نورثكوم)
أفادت القيادة الشمالية في الجيش الأميركي أنها أسقطت 100 طائرة مسيّرة في شهر أغسطس (آب) وحده (نورثكوم)
TT

الجيش الأميركي يعلن إسقاط 300 مسيّرة لعصابات المخدرات عند الحدود مع المكسيك

أفادت القيادة الشمالية في الجيش الأميركي أنها أسقطت 100 طائرة مسيّرة في شهر أغسطس (آب) وحده (نورثكوم)
أفادت القيادة الشمالية في الجيش الأميركي أنها أسقطت 100 طائرة مسيّرة في شهر أغسطس (آب) وحده (نورثكوم)

أعلنت الولايات المتحدة، الجمعة، أنها أسقطت منذ بداية عام 2026 أكثر من 300 طائرة مسيّرة 2026 أطلقتها عصابات مخدرات على طول الحدود المكسيكية.

وربطت القيادة الشمالية في الجيش الأميركي «يو إس نورثكوم» التي تغطي الولايات المتحدة والدول المجاورة، بين هذه الطائرات المسيّرة وتجارة المخدرات، دون أن تسمي عصابة محددة.

وذكرت القيادة أنها أسقطت 100 طائرة مسيّرة في شهر أغسطس (آب) وحده، لكنها لم توضح الجانب الذي أُسقطت فيه من الحدود.

وأفاد الجيش الأميركي بأن هذه الطائرات استُخدمت من قبل منظمات إجرامية «لدعم أنشطة غير قانونية عبر الحدود، بما في ذلك عمليات التهريب ومراقبة عناصر إنفاذ القانون والجنود».

من جانبه، زعم وزير الدفاع المكسيكي ريكاردو تريفييا أن هذه الطائرات استُخدمت بشكل أساسي من قبل مهربي المهاجرين لرصد مواقع على طول الحدود «تخلو من أي وجود للسلطات».

غير أن الطائرات المسيّرة استُخدمت أيضا في هجمات شنتها عصابات ضد عصابات أخرى منافسة أو ضد السلطات.

ففي أكتوبر (تشرين الأول) من العام الماضي، تعرض مكتب المدعي العام في مدينة تيخوانا المكسيكية، القريبة من الحدود الأميركية، لهجوم بطائرة مسيّرة محملة بالمتفجرات، وتسبب الهجوم في وقوع أضرار مادية، لكنه لم يسفر عن أي إصابات بشرية.