رحلة في عقل ترمب (2)... سيد الخواتم والمفاوض الأسطوري

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث الى الإعلام في مكتبه بالبيت الأبيض (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث الى الإعلام في مكتبه بالبيت الأبيض (أ.ف.ب)
TT

رحلة في عقل ترمب (2)... سيد الخواتم والمفاوض الأسطوري

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث الى الإعلام في مكتبه بالبيت الأبيض (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث الى الإعلام في مكتبه بالبيت الأبيض (أ.ف.ب)

قبل أن تطأ قدما دونالد ترمب عتبات السلطة في واشنطن كان اسمه قد استقر بالفعل في الذاكرة الأميركية لاعباً ماهراً في ساحة المفاوضات، وصانع صفقات فريداً لا يجاريه أحد. فمن خلال كتابه الأكثر مبيعاً «فن الصفقة»، وصورته العامة التي صقلها بعناية فائقة، قدَّم نفسه للعالم طرفاً لا يُقهر في أي مساومة، وسياسياً خارجاً على المألوف لا يُمكن التنبؤ بتحركاته. لكن، ما القواعد التي اعتمدها ترمب في فن التفاوض، وتجلّت خلال فترتي رئاسته؟ وما «الخواتم السحرية» التي يرتديها في معاركه التفاوضية ليخرج منها منتصراً في نهاية المطاف، فارضاً سلطته على الجميع؟

القاعدة الأولى: زلزلة الأرض بالصدمة

يبدو أن الخاتم السحري في استراتيجية ترمب التفاوضية يرتكز على ما يمكن وصفه بـ«المواقف المتطرفة المحسوبة». ففي كتابه «فن الصفقة»، عبارة تختزل فلسفته: «أنا أهدف عالياً، ثم أستمر في الدفع والدفع والدفع للحصول على ما أريد». هذه الرؤية البسيطة تجلّت بوضوح في كل مفاوضاته الكبرى، بدءاً من فرض رسوم جمركية شاملة على معظم دول العالم، مروراً بفكرة استحواذ الولايات المتحدة على جزيرة غرينلاند، وصولاً إلى مشروع السيطرة على قطاع غزة، أو حتى إجبار أوكرانيا على التخلي عن ثرواتها المعدنية. ولا يمكن للمرء أن ينسى ذلك المشهد الذي صدم العالم، عندما بدا كأنه يهين الرئيس الأوكراني في قلب البيت الأبيض، وأمام كاميرات وسائل الإعلام.

خير دليل على هذه القاعدة اقتراحه المفاجئ والغريب بضم قطاع غزة تحت السيطرة الأميركية، الذي بدا لكثيرين تجاوزاً صارخاً للأعراف الدبلوماسية التقليدية، وأثار موجة من الاستياء والدهشة، ليس فقط في العواصم العربية، بل حتى بين أقرب حلفائه حول العالم. ولا نبالغ إذا قلنا إنه فاجأ بنيامين نتنياهو نفسه، الذي وإن تجنب تأييد الفكرة علناً، لكنه أشاد بترمب لـ«تفكيره خارج الصندوق».

اعتمد ترمب في السياسة أسلوبه التفاوضي نفسه في عالم المال والأعمال، وهو أسلوب مبني على اللعب على حافة الهاوية والضغط المتواصل، بهدف إجبار الخصوم على التفاوض، وتغيير مساره لخدمة مصالحه، وذلك من خلال البدء بمطالب تبدو مستحيلة لخلق مساحة تفاوضية واسعة، وتحويل نقطة الارتكاز بعيداً عن الحلول الوسط، ما يسمح له بتقديم ما يبدو تنازلات كبيرة، وهي في الواقع ضمن أهدافه الأصلية، ليسوق النتيجة نصراً شخصياً باهراً.

القاعدة الثانية: الغامض اللامُتوقّع

«عدم القابلية للتنبؤ» أبرز أسلحة ترمب في ترسانته التفاوضية، فهو يحرص عمداً على زرع صورة الشخص الذي لا يمكن توقع ردود فعله أو خطواته المقبلة، ما يُبقي الأطراف المقابلة في حالة دائمة من الارتباك وعدم اليقين. «يجب أن تكون قادراً على الانسحاب»، هكذا كان يردد ترمب مراراً وتكراراً، وقد أثبت استعداده للقيام بذلك في أكثر من مناسبة. فخلال المفاوضات النووية مع كوريا الشمالية، قام فجأة بإلغاء قمة كانت مقررة مع كيم جونغ أون، ليعود ويقرر ترتيبها بعد أيام قليلة فقط، وهو تكتيك أبقى الزعيم الكوري الشمالي في حيرة بشأن النيات الحقيقية للرئيس الأميركي.

هذا الغموض المتعمد يمتد ليشمل أسلوبه التفاوضي المباشر. يروي صهره ومستشاره السابق جاريد كوشنر في مذكراته كيف كان ترمب يُغير مواقفه بسرعة مذهلة أثناء سير المفاوضات، مما كان يصيب الأطراف المقابلة بالدهشة والارتباك. هذا التقلب المفاجئ رغم ما قد يبدو عليه من فوضى ظاهرية، كان يحول دون تمكُّن الخصوم من تطوير استراتيجيات مضادة فعالة لمواجهة تحركاته.

القاعدة الثالثة: وضعية المهاجم

الركيزة الثالثة في منهجية ترمب هي البحث الدائم والمستمر عن نقاط النفوذ لدى الطرف الآخر، والسعي الحثيث لاستغلالها لتحقيق أهدافه. «استخدم نفوذك» هو مبدأ أساسي، يسعى ترمب من خلاله لفرض إرادته، والكشف عن مواطن الضعف الكامنة في كل مفاوضات يخوضها. مقولته «أسوأ شيء يمكن أن تفعله في صفقة هو أن تبدو متلهفاً لإتمامها»، تعكس فكر الرجل في اتباع مبدأ الهدوء ما قبل العاصفة؛ حيث يمتلك قدرة ملحوظة على التقاط إشارات اليأس أو الضعف التي قد تظهر على شركائه في التفاوض، وسرعان ما ينقض عليها، لاستثمارها لصالحه.

تجلّى هذا النهج بوضوح في تعامله مع المناقشات المتعلقة بتمويل حلف شمال الأطلسي (الناتو)، فمن خلال التشكيك العلني في القيمة الحقيقية للتحالف، والتلميح إلى إمكانية تقليص الالتزام الأميركي تجاهه، نجح ترمب في خلق نقطة نفوذ قوية لدفع الحلفاء الأوروبيين إلى زيادة إنفاقهم الدفاعي بشكل ملحوظ.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يوقع على أوامر تنفيذية في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (أ.ف.ب)

القاعدة الرابعة: سيكولوجية التقلب العاطفي

يعتمد ترمب في مفاوضاته على تكتيكات نفسية بارعة، فهو يتأرجح بمهارة بين الإطراء المفرط، والهجوم العنيف والتهديد الصريح، ويكون ذلك في الجلسة التفاوضية القصيرة نفسها.

يصف وزير الخارجية الأميركي الأسبق ريكس تيلرسون في شهادته أمام لجنة الاستخبارات بمجلس النواب كيف شاهد ترمب وهو يبهر قادة أجانب بكلمات معسولة في لحظة، ثم ينقلب عليهم بالتهديد والوعيد في اللحظة التالية. هذا التقلب العاطفي غير المتوقع يُبقي الأطراف المقابلة في حالة دائمة من الارتباك وعدم القدرة على التوقع.

تكتيك نفسي آخر كان حاضراً في جعبة ترمب، وهو إيجاد بيئات تنافسية ضمن أطراف التفاوض، وذلك من خلال عدم الإفصاح عن نياته أو عواطفه الحقيقية بشكل كامل، فمثلاً، داخل إدارته الرئاسية، كان يستغل رغبة جميع الفرق والمسؤولين في نيل رضاه بصفتها ورقة ضغط عليهم جميعاً، خالقاً بذلك منافسة داخلية، يعتقد أنها ستنتج في نهاية المطاف خيارات أفضل وأكثر إرضاءً له.

القاعدة الخامسة: ورقة ضغط الوقت

يتضمن أسلوب ترمب التفاوضي أيضاً استخداماً ذكياً لعنصر ضغط الوقت، فهو غالباً ما يفرض مواعيد نهائية عبثية وغير منطقية، ويخلق شعوراً بالإلحاح والضرورة القصوى لإجبار الطرف الآخر على تقديم تنازلات سريعة. وخلال المفاوضات التجارية الشاقة مع كندا والمكسيك حول اتفاقية التجارة الحرة لأميركا الشمالية (نافتا)، حدّد ترمب مراراً وتكراراً مواعيد نهائية علنية للتوصل إلى اتفاق، مستخدماً بذلك ضغط الوقت سلاحاً فعالاً لانتزاع تنازلات لم تكن لتتحقق في ظروف أخرى.

القاعدة السادسة: علانية الأسرار

العنصر الأخير في استراتيجية ترمب التفاوضية هو استخدامه المكثف للضغط العام واهتمام وسائل الإعلام. فعلى عكس معظم المفاوضين الذين يفضلون العمل في سرية تامة بعيداً عن الأضواء، يتفاوض ترمب علناً، وبشكل يفاجئ أحياناً ضيوفه من الرؤساء، وهو بارع في جذب الأنظار في المؤتمرات الصحافية المتلفزة، والمقابلات الإعلامية، أو حتى على منصات التواصل الاجتماعي، ويُحدد مواقفه وأفكاره بوضوح دون استخدام مساحيق التجميل الدبلوماسية. هذا البُعد العلني كان يسمح له بتعبئة قاعدته الشعبية شكلاً من أشكال النفوذ والضغط على الطرف الآخر، بالإضافة إلى التحدث مباشرة إلى جمهور الطرف الآخر، ومحاولة إحراجه أو التأثير على الرأي العام الداخلي لديه.

في معبد التفاوض السياسي، يظهر ترمب رئيساً متمرداً، يكسر قوالب الدبلوماسية، ويشعل نيران الصدمة. لم يتبع خطى الأسلاف، بل نحت لنفسه مساراً وعراً، يستخدم فيه كل ما أمكنه للوصول في النهاية إلى ما يريد. في بعض الأحيان، استطاع أن ينتزع من حلفائه ما لم يكونوا ليقدموه طواعية، وفي أحيان أخرى، أحدثت أساليبه شرخاً عميقاً في جسد العلاقات الدولية، تاركةً وراءها ندوباً من عدم الثقة.

لقد أعاد ترمب صياغة لغة التفاوض، جاعلاً منها لغةً صاخبةً، لا تعرف الهدوء، ولا تعترف بالثوابت، ويترك خلفه فضاءً واسعاً يحاول فيه الدبلوماسيون فك رموز لغته، وفهم إشاراته. أسلوبه في التفاوض، سواء اختلفنا أو اتفقنا معه، أو تماشى مع الأعراف الدبلوماسية أو كسر قواعدها، هو أسلوب متفرد، يجمع مراوغات السياسي وإصرار التاجر، ترك بصمة، ستتردد أصداؤها في أروقة السياسة الدولية لأجيال قادمة.


مقالات ذات صلة

الدوري الكويتي: الصومالي أرتان حكماً لقمة المرحلة الأخيرة بين الكويت والقادسية

رياضة عربية عمر أرتان لحظة عودته من الولايات المتحدة واستقبال مواطنين صوماليين له في المطار (رويترز)

الدوري الكويتي: الصومالي أرتان حكماً لقمة المرحلة الأخيرة بين الكويت والقادسية

يدير الحكم الدولي الصومالي عمر أرتان، الذي حُرم مؤخراً من المشاركة في نهائيات كأس العالم، قمة المرحلة الأخيرة من الدوري الكويتي لكرة القدم بين الكويت والقادسية.

«الشرق الأوسط» (الكويت)
شؤون إقليمية وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يستقبل وزير الداخلية الباكستاني محسن نقوي في طهران يوم 20 يونيو (إ.ب.أ)

نهاية الغموض... المحادثات الأميركية - الإيرانية تبدأ الأحد في السويسري

اكتمل وصول الوفود إلى منتجع بورغنستوك النائي في جبال زيوريخ السويسرية، مساء السبت، على أن تبدأ المحادثات صباح الأحد، وفق ما أعلنته وزارة الخارجية الباكستانية.

راغدة بهنام (بورغنستوك (سويسرا)) «الشرق الأوسط» (عواصم)
الولايات المتحدة​ عناصر من الشرطة الأميركية (رويترز)

إصابة 12 شخصاً بإطلاق نار على حشد في شيكاغو

قالت الشرطة إن ما لا يقل عن 12 شخصاً من بين حشد كان متجمعا في أحد شوارع شيكاغو أصيبوا بطلقات نارية بعد أن توقفت سيارة دفع رباعي، وبدأ شخصان داخلها إطلاق النار.

«الشرق الأوسط» (شيكاغو )
شمال افريقيا القائم بأعمال السفير الأميركي لدى مصر شكر البابا تواضروس على استئناف الحج إلى القدس (السفارة الأميركية بالقاهرة)

إشادة أميركية تلقي الضوء على تغير موقف الكنيسة المصرية من زيارة القدس

ألقى ترحيب السفارة الأميركية في القاهرة باستئناف رحلات حج الأقباط المصريين إلى القدس الضوء على تغّير موقف الكنيسة المصرية التي كانت ترفضها قبل عقود.

هشام المياني (القاهرة)
شمال افريقيا محادثات مصرية - سودانية في القاهرة تنناول المستجدات (الخارجية المصرية)

مستشار ترمب في القاهرة بحثاً عن حلول للأزمة السودانية

أجرى وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، محادثات، السبت، مع نظيره السوداني محيي الدين سالم، في إطار التشاور والتنسيق المستمرَين بين البلدين.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )

إصابة 12 شخصاً بإطلاق نار على حشد في شيكاغو

عناصر من الشرطة الأميركية (رويترز)
عناصر من الشرطة الأميركية (رويترز)
TT

إصابة 12 شخصاً بإطلاق نار على حشد في شيكاغو

عناصر من الشرطة الأميركية (رويترز)
عناصر من الشرطة الأميركية (رويترز)

قالت الشرطة إن ما لا يقل عن 12 شخصاً من بين حشد كان متجمعاً في أحد شوارع شيكاغو أصيبوا بطلقات نارية بعد أن توقفت سيارة دفع رباعي، وبدأ شخصان داخلها إطلاق النار.

وأضافت الشرطة في بيان أن السيارة غادرت حي ساوث سايد، تاركة شخصين، كلاهما من الذكور، في حالة حرجة عقب إطلاق النار الذي وقع في وقت متأخر من مساء الجمعة.

وأصيب أحدهما بطلق ناري في الفخذ.

وتراوحت أعمار المصابين، وهم 8 رجال و4 نساء، بين 17 و47 عاماً، وكانوا يتلقون العلاج في 4 مستشفيات.

عناصر من الشرطة الأميركية (أ.ب)

وقالت الشرطة إن رجلاً آخر تعرض لإصابات غير معروفة، لكنه رفض تلقي العلاج الطبي.

واستجابت الشرطة في البداية لبلاغ يفيد بإصابة شخص واحد بالرصاص، وعثرت على امرأة مصابة بطلقين ناريين في ظهرها، ورجل مصاب بأربع إصابات سطحية (خدوش ناتجة عن الرصاص) في ظهره، وأدرجت حالة كليهما على أنها مستقرة.

ويواصل المحققون التحقيق في الحادث.


80 مليار دولار لـ«البنتاغون» تفتح مواجهة جديدة بين ترمب والكونغرس

وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث يتحدّث خلال اجتماع لوزراء دفاع «الناتو» يوم 18 يونيو (أ.ب)
وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث يتحدّث خلال اجتماع لوزراء دفاع «الناتو» يوم 18 يونيو (أ.ب)
TT

80 مليار دولار لـ«البنتاغون» تفتح مواجهة جديدة بين ترمب والكونغرس

وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث يتحدّث خلال اجتماع لوزراء دفاع «الناتو» يوم 18 يونيو (أ.ب)
وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث يتحدّث خلال اجتماع لوزراء دفاع «الناتو» يوم 18 يونيو (أ.ب)

تعود تكلفة الحرب الأميركية ضد إيران إلى صدارة المشهد في واشنطن، في لحظة تزداد فيها الضبابية المحيطة بمستقبل مذكرة التفاهم الأولية التي وقّعها الرئيس دونالد ترمب مع طهران. فبينما يفترض أن تفتح المذكرة مهلة للتفاوض على اتفاق نهائي، أعاد تعثر محادثات المتابعة والتوتر في لبنان الشكوك في متانة التهدئة.

وفي الداخل الأميركي، تستعد الإدارة لاختبار مختلف: إقناع الكونغرس بتوفير عشرات المليارات لتغطية حرب لم يمنحها المشرعون تفويضاً صريحاً، وسبق أن عبّروا عن رغبتهم في تقييد استمرارها.

تعويض ما استُنزف

نقلت صحيفة «وول ستريت جورنال» عن مصادر مطلعة أن نائب وزير الحرب ستيفن فاينبرغ أبلغ مشرعين، في اتصالات هاتفية، هذا الأسبوع، بأن «البنتاغون» يحتاج إلى نحو 80 مليار دولار لتغطية تكاليف حرب إيران، إلى جانب نفقات أخرى غير مرتبطة مباشرة بالنزاع.

ولا يعني الرقم بالضرورة أن الوزارة تُخطّط لإنفاق 80 مليار دولار جديدة بالكامل على العمليات الإيرانية؛ فجزء من المبلغ سيستخدم لتعويض أموال سحبها البنتاغون بالفعل من بنود أخرى في موازنته، بعدما اضطر إلى تمويل العمليات البحرية ورواتب الأفراد واستهلاك الذخائر وانتشار القوات على الحدود الجنوبية من مخصصات كانت مرصودة للتدريب والجاهزية وبرامج أخرى.

وبحسب الصحيفة، حذّر قادة عسكريون من أن بعض أفرع القوات المسلحة قد تواجه نقصاً في أموال التشغيل خلال الصيف، ما قد يفرض تقليص التدريبات وأولويات عسكرية أخرى. ويُتوقع أن يكون تمويل «البنتاغون» جزءاً من حزمة تكميلية أوسع، قد تشمل أيضاً مساعدات للمزارعين وأموالاً للإغاثة من الكوارث، في محاولة لتوسيع قاعدة المؤيدين لها في الكونغرس.

وقالت «رويترز» إنها لم تتمكن فوراً من التحقق بصورة مستقلة من تقرير الصحيفة، بينما لم يصدر تعليق من البيت الأبيض أو «البنتاغون». وكان مسؤول عسكري قد قدر في أبريل (نيسان) تكلفة الحرب بنحو 25 مليار دولار، قبل أن يرتفع التقدير إلى 29 ملياراً في منتصف مايو (أيار)، لكن ذلك لا يشمل بالضرورة كامل تكلفة إعادة ملء مخازن الصواريخ والذخائر أو تعويض الأضرار، ورفع الجاهزية لمواجهة تهديدات أخرى.

خلاف مالي يخفي نزاعاً دستورياً

لن تدور المعركة المقبلة حول المبلغ الذي تطالب به الإدارة فقط، بل حول سلطة الرئيس في خوض الحرب من دون موافقة الكونغرس؛ فقد وافق مجلس النواب في مطلع يونيو (حزيران)، على قرار يستهدف وقف العمليات العسكرية ضد إيران، بعدما انضم 4 جمهوريين إلى الديمقراطيين في تحدٍّ نادر لترمب.

ولذلك، قد يجد البيت الأبيض نفسه أمام مشرعين يقولون إن التصويت على المال لا يمكن فصله عن التصويت على الحرب نفسها. وأعلن بعض أعضاء الكونغرس أنهم لن يؤيدوا تمويلاً إضافياً ما لم يطلب الرئيس تفويضاً رسمياً للعمليات، كما حدث قبل حرب الخليج وحربي العراق وأفغانستان.

وتزداد صعوبة المسار في مجلس الشيوخ، حيث تحتاج معظم التشريعات إلى 60 صوتاً لتجاوز العقبات الإجرائية؛ ما يفرض على الجمهوريين استمالة بعض الديمقراطيين.

وقال السيناتور الديمقراطي كريس مورفي إنه يستبعد حصد 60 صوتاً لتمرير تمويل تكميلي، متهماً الإدارة بعدم إبقاء الكونغرس على اطلاع.

ويعيد الرقم الجديد إلى الأذهان المعارضة التي واجهت طلباً أولياً تجاوز 200 مليار دولار في مارس (آذار). وربما يكون خفضه إلى 80 ملياراً محاولة لجعله أكثر قبولاً، لكنه لا يجيب عن سؤال المشرعين الأساسي: ما التكلفة النهائية للحرب، وما الذي ستحققه هذه الأموال عسكرياً وسياسياً؟

اتفاق هشّ لا يلغي فاتورة الحرب

يزيد توقيت الطلب حساسيته؛ لأن مذكرة التفاهم مع إيران لم تتحول بعد إلى تسوية دائمة؛ فهي تفتح نافذة مدتها 60 يوماً للتفاوض على اتفاق نهائي، لكن إلغاء محادثات متابعة كانت مقررة في سويسرا، وربط طهران بعض خطواتها بتطورات الجبهة اللبنانية، أعادا الشكوك إلى مستقبلها، وفق ما نقلته «رويترز».

ويطلب البيت الأبيض من الكونغرس دفع فاتورة حرب ربما تكون قد توقفت مؤقتاً من دون ضمان أنها انتهت نهائياً. فإذا انهارت المفاوضات، قد يتحول مبلغ 80 مليار دولار إلى دفعة أولى لجولة جديدة. أما إذا صمد الاتفاق، فسيتعين على الإدارة تفسير الحاجة إلى هذا الحجم من التمويل بعد إعلان ترمب أن حملته حققت أهدافها.

وتأتي المواجهة قبل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر (تشرين الثاني)، وسط قلق الناخبين من تكاليف المعيشة والطاقة. وأظهر استطلاع لـ«رويترز/إبسوس» في أبريل أن 34 في المائة فقط من الأميركيين يؤيدون الحرب؛ ولذلك سيحاول الديمقراطيون ربط التمويل الإضافي بارتفاع الأسعار، بينما سيجادل الجمهوريون بأن رفضه يهدد جاهزية الجيش، ويترك مخازن الأسلحة مستنزفة.


«تفاهم» ترمب مع إيران يصطدم بشكوك الكونغرس

الرئيس دونالد ترمب يرفع وثيقة «الاتفاق الإطاري» المبرمة مع إيران بعد توقيعها في قصر فرساي مساء 18 يونيو (أ.ف.ب)
الرئيس دونالد ترمب يرفع وثيقة «الاتفاق الإطاري» المبرمة مع إيران بعد توقيعها في قصر فرساي مساء 18 يونيو (أ.ف.ب)
TT

«تفاهم» ترمب مع إيران يصطدم بشكوك الكونغرس

الرئيس دونالد ترمب يرفع وثيقة «الاتفاق الإطاري» المبرمة مع إيران بعد توقيعها في قصر فرساي مساء 18 يونيو (أ.ف.ب)
الرئيس دونالد ترمب يرفع وثيقة «الاتفاق الإطاري» المبرمة مع إيران بعد توقيعها في قصر فرساي مساء 18 يونيو (أ.ف.ب)

أثارت مذكرة التفاهم بين أميركا وإيران عاصفة سياسية في واشنطن، وولّدت موجة من ردود الفعل المتداخلة بين الديمقراطيين والجمهوريين. فبينما يأمل البعض من حزب الرئيس الأميركي دونالد ترمب أن تمهّد هذه المذكرة الطريق لخفض الأسعار وتجنب مواجهة جديدة في الشرق الأوسط، يُحذّر آخرون من تنازلات قد تمنح طهران مليارات الدولارات وتخفف عنها العقوبات.

يستعرض برنامج تقرير واشنطن، وهو ثمرة تعاون بين صحيفة «الشرق الأوسط» وقناة «الشرق»، طبيعة الأصول الإيرانية التي تنوي واشنطن الإفراج عنها وحدود رفع العقوبات، بالإضافة إلى تفاصيل الانقسامات داخل فريق الرئيس حول هذا الملف.

تنازلات لصالح إيران؟

تعتبر مارا رودمان، النائبة السابقة للمبعوث الأميركي الخاص إلى الشرق الأوسط والمسؤولة السابقة في مجلس الأمن القومي، أن المذكرة تبدو أقرب إلى خدمة المصالح الإيرانية منها إلى تحقيق أهداف الولايات المتحدة. وتشير إلى أن الفقرة الأولى من المذكرة تتضمن إشارات متكررة إلى لبنان، معتبرة أن واشنطن تفاوضت عملياً على ملفات تمس مصالح إسرائيل ولبنان من دون وجودهما على طاولة المفاوضات، في وقت قد تستفيد فيه إيران من الاتفاق لتعزيز نفوذ حلفائها، وفي مقدمتهم «حزب الله». وتضيف رودمان أن ما يُثير القلق بشكل خاص هو أن إيران ستحصل، وفق نص المذكرة، على مكاسب اقتصادية كبيرة منذ بداية التنفيذ، عبر تسهيلات لصادرات النفط ورفع بعض العقوبات، قبل التوصل إلى اتفاق نهائي خلال فترة التفاوض المحددة بستين يوماً.

من جهتها، تشير إليزابيث هاغدورن، مراسلة الشؤون الدبلوماسية في «المونيتور»، إلى أن الاتفاق يتعرّض لانتقادات من اليمين واليسار على حد سواء، وخاصة أن إدارة ترمب كانت قد برّرت انسحابها من الاتفاق النووي الذي أبرمته إدارة الرئيس السابق باراك أوباما بأنه لم يتناول برنامج الصواريخ الباليستية الإيرانية، ووكلاء طهران في المنطقة... إلا أن هذه القضايا غابت أيضاً عن مذكرة التفاهم الجديدة، كما أن التعهّد الإيراني بعدم السعي إلى امتلاك سلاح نووي لا يمثل تنازلاً جديداً من جانب طهران؛ إذ إن «إيران تعلن ذلك منذ عقود»، على حد تعبيرها.

أما كيفين بيشوب، وهو مدير الاتصالات السابق للسيناتور الجمهوري ليندسي غراهام، فيتحدث عن تشكيك الجمهوريين الكبير في المذكرة؛ نظراً لعدم ثقتهم في النظام الإيراني. ويعزو سرعة التوصل للمذكرة إلى الوضع الاقتصادي، عادّاً أن «الرئيس ترمب كان واضحاً بأن القلق الأكبر هو الأثر الاقتصادي الداخلي هنا في الولايات المتحدة، وفي العالم»، خاصة في ظل موسم انتخابي سيحسم الأغلبية في الكونغرس.

دور الكونغرس

وتحتل الجوانب المالية موقعاً محورياً في الانتقادات الموجهة للاتفاق. فالتعويضات الاقتصادية المنصوص عليها في المذكرة تتجاوز ما حصلت عليه إيران بموجب الاتفاق النووي لعام 2015. وإلى جانب استئناف صادرات النفط وتخفيف العقوبات، تلمّح المذكرة إلى الإفراج عن أصول وأموال إيرانية مجمّدة في الخارج تُقدّر بأكثر من 25 مليار دولار، إضافة إلى استثمارات ضخمة مرتبطة بصندوق إعادة الإعمار تصل إلى 300 مليار دولار.

ويُحذّر عدد من الجمهوريين من أن أي موارد مالية إضافية قد تُمكّن إيران من إعادة بناء قدراتها العسكرية ودعم حلفائها الإقليميين. وتقول رودمان إن النظام الإيراني بكل تأكيد سوف يستخدم جزءاً من هذه الأموال ليعيد بناء ما تمّ هدمه خلال الحرب. كما تطرقت رودمان إلى ملف رفع العقوبات، مشيرة إلى أن إدارة ترمب لا يمكنها أن ترفع العقوبات أحادياً. لكنها استدركت: «لا تبدو الإدارة قلقة بشأن تطبيق القوانين. القانون يقول إنه لا يجب أن يكون هناك قدرة أحادية برفع العقوبات من دون العودة للكونغرس، ولكن ذلك لم يردع الرئيس ترمب في الماضي». وتطرح هاغدورن مسألة الجدل حول دور الكونغرس في التصويت على أي اتفاق مع إيران، وتتساءل: «نظراً للبيئة السياسية الحالية، هل يحشد الكونغرس أصواتاً كافية لعرقلة الاتفاق؟». ولفتت هاغدورن إلى صعوبة التوصل إلى الاتفاق، وذكّرت بأن «(خطة العمل المشتركة الشاملة) في عهد أوباما احتاجت إلى نحو عامين للتفاوض عليها. نحن نتحدث هنا عن مهلة شهرين فقط، ومن الصعب التوصل إلى اتفاق في هذه الفترة الزمنية القصيرة».

وعن رفع العقوبات، يشير بيشوب إلى أن بعضها فرضه الكونغرس على إيران، في حين فرض البيت الأبيض بعضها الآخر. ويُشكّك بيشوب في أن يُقدم الجمهوريون على تحدّي ترمب في موسم انتخابي يحتاجون خلاله إلى دعمه، مضيفاً: «قد يعارضه من خسر في الانتخابات التمهيدية في انتظار نوفمبر (تشرين الثاني)، لكن من يريد الحفاظ على مقعده في الانتخابات النصفية سيصمت، ولن يبدي أي رأي معارض لاتفاق إيران بسبب الحسابات السياسية».