​شركات أميركية وسعودية تستثمر زيارة ترمب للسعودية في صفقات استراتيجية

تنفيذيون يكشفون لـ«الشرق الأوسط» نيتهم توسيع الشراكات في الدفاع والطاقة والتكنولوجيا والفضاء

«مجموعة السعودية» خلال اجتماع لها مع وفد من مجلس الأعمال السعودي - الأميركي في فبراير (منصة إكس)
«مجموعة السعودية» خلال اجتماع لها مع وفد من مجلس الأعمال السعودي - الأميركي في فبراير (منصة إكس)
TT

​شركات أميركية وسعودية تستثمر زيارة ترمب للسعودية في صفقات استراتيجية

«مجموعة السعودية» خلال اجتماع لها مع وفد من مجلس الأعمال السعودي - الأميركي في فبراير (منصة إكس)
«مجموعة السعودية» خلال اجتماع لها مع وفد من مجلس الأعمال السعودي - الأميركي في فبراير (منصة إكس)

من الواضح أن سقف تطلعات كبار الرؤساء التنفيذيين الأميركيين والسعوديين مرتفع جداً لما ستتمخض عنه زيارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب والوفد المرافق له، إلى السعودية يوم الثلاثاء. إذ أفصحوا عن صفقات كبيرة في مجالات حيوية، سيشهدها منتدى الاستثمار السعودي الأميركي المنعقد بالتزامن مع الزيارة، بمشاركة 5 من كبار المسؤولين الحكوميين الأميركيين، و10 من كبار التنفيذيين الأميركيين المشاركين في المنتدى.

صورة أرشيفية تظهر ولي العهد الأمير محمد بن سلمان والرئيس الأميركي دونالد ترمب لدى زيارة الأخير للمملكة (واس)

وتحدث لـ«الشرق الأوسط»، مشاركون من التنفيذيين في قطاع الأعمال الخاص في كل من المملكة والولايات المتحدة في منتدى الاستثمار السعودية الأميركي، عن إطلاق شراكات بمجالات مختلفة، أبرزها الدفاع والفضاء والطاقة والذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا، إلى جانب مبادرات جديدة بين البلدين، مؤكدين أن الرياض فرضت نفسها على ساحة التجارة والاستثمار والاقتصاد العالمي.

ويبحث منتدى الاستثمار السعودي الأميركي الذي ينعقد يوم الثلاثاء في الرياض، قضايا متنوعة تمتد من الطاقة والاستدامة، والتمويل والخدمات المالية والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، إلى التصنيع والفضاء والدفاع والرعاية الصحية والابتكار ورأس المال الاستثماري.

ومن أبرز ضيوف السعودية من بين 2000 شخصية مشاركة في المنتدى، من المسؤولين الحكوميين، وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت، ووزير التجارة الأميركي هوارد لوتنيك، ومسؤول البيت الأبيض لشؤون الذكاء الاصطناعي والعملات الرقمية ديفيد ساكس.

ومن بين الضيوف من كبار التنفيذيين الأميركيين المشاركين، الرئيس التنفيذي لشركتي «سبيس إكس»، و«تسلا» إيلون ماسك، والرئيس التنفيذي لشركة «ميتا» مارك زوكربيرغ، والرئيس التنفيذي لشركة «بلاك روك» لاري فينك، والرئيسة التنفيذية لـ«سيتي غروب» جاين فريزر، ورئيس «كوالكوم» كريستيانو آمون، ورئيس «آي بي إم» آرفيند كريشنا، ومؤسس ورئيس «بلاكستون» ستيفن شوارزمان، والرئيس التنفيذي لشركة «أوبن إيه آي» سام ألتمان، والرئيس التنفيذي لشركة «بوينغ» كيلي أوتبرغ، والرئيس التنفيذي لشركة «بالارتير» أليكس كارب، ورئيسة الاستثمارات في «غوغل» و«ألفابت» روث بورات.

الرياض وواشنطن لعلاقة استراتيجية متينة

وتوقع رئيس شركة «سكاي تاور» العالمية لتكنولوجيا الاقتصاد الأخضر، نيل بوش في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن تكون للنتائج الاقتصادية والتجارية والاستثمارية لزيارة الرئيس دونالد ترمب أثرٌ بالغ، قائلاً: «سيتبع التزام ولي العهد استثمار 600 مليار دولار في الولايات المتحدة مشاريع حقيقية وملموسة تعود بالنفع على كلا البلدين».

وأضاف بوش: «لطالما تمتّعت الرياض وواشنطن، بعلاقة ثنائية قوية واستراتيجية - علاقة تمتد لعقود، بما في ذلك خلال رئاستي والدي وشقيقي، وأن من المؤكد هذه الزيارة ستعزز، إلى جانب الإعلانات المقبلة، الروابط الحيوية بين بلدينا العظيمين».

نيل بوش

وتوقع أن يُشكّل منتدى الاستثمار السعودي الأميركي، المُقرر انعقاده يوم الثلاثاء بالرياض، منصة لتعزيز الشراكة الاستراتيجية بين السعودية والولايات المتحدة، لاستكشاف الفرص التحوّلية في مختلف القطاعات الحيوية.

ولفت إلى أن المنتدى الاستثمار السعودي الأميركي، الذي ينعقد في الرياض بمناسبة زيارة الرئيس الأميركي الرسمية إلى المملكة، يُشكّل مناسبة أيضاً لجمع كبار المسؤولين الحكوميين، والرؤساء التنفيذيين لشركات سعودية وأميركية، بالإضافة إلى رواد الأعمال الطموحين، والمستثمرين العالميين من مختلف الدول، الأمر الذي يوفر فرصة لمشاركة الأفكار الابتكارية المهمة للتعاون الاقتصادي والتكنولوجي.

توسيع شراكات وإبرام صفقات كبيرة

من جهته، أكد إدوارد إسكوت برويت، العضو في حكومة ترمب الأولى، ومدير وكالة حماية البيئة الأميركية، لـ«الشرق الأوسط»، أن زيارة الرئيس الأميركي إلى السعودية ستنعش العلاقات الاقتصادية والتجارية والاستثمارية بين الرياض وواشنطن في مختلف القطاعات الحيوية، وفي مقدمتها الطاقة والتكنولوجيا وغير ذلك من الصناعات الحيوية، وسط فترة من التحول العميق في أنظمة الطاقة العالمية.

إدوارد إسكوت برويت

وتوقع برويت أن يُمثل منتدى الاستثمار السعودي الأميركي فرصة مهمة لتشجيع الشركات الأميركية والسعودية على توسيع شراكاتها، وإبرام كثير من الصفقات، مما سيعزز الشراكة بين القطاع الخاص في البلدين، ويعزز التعاون الاقتصادي والصناعي، بما يلبي تطلعات الطرفين.

وشدّد برويت - وهو أيضاً رجل أعمال أميركي ومشارك في الوفد الزائر، على وجود فرص واعدة للقطاعين الخاص والعام في كلا البلدين، ويمكن استكشافها خلال منتدى الاستثمار المشترك في مجالات الذكاء الاصطناعي والطاقة والتكنولوجيا والابتكار: «كما يمكن أن يعزز ذلك شراكات استثمارية استراتيجية تُسهم في التعاون في مجالات حيوية، تُشكل أساس التعاون الثنائي في قطاعات البنية التحتية المالية المستقبلية».

وفي هذا السياق، قال رئيس شركة «التميز» السعودية عبد الله بن زيد المليحي لـ«الشرق الأوسط» إن زيارة ترمب إلى السعودية، فتحت شهية الاستثمارات السعودية الأميركية لإطلاق مشروعات جديدة، تعزز الشراكة الاستراتيجية بين البلدين في الصناعات الحيوية التي تتسق مع «رؤية المملكة 2030».

وأفصح عن أن المنتدى سيشهد إطلاق شراكات بمجالات مختلفة، أبرزها الدفاع والفضاء والطاقة والذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا، بجانب مبادرات جديدة بين البلدين، مؤكداً أن الرياض فرضت نفسها على ساحة التجارة والاستثمار والاقتصاد العالمي.

وقال: «تخطط الشركة في الإعلان عن شراكات مع مستثمرين أميركيين خلال منتدى الاستثمار السعودي الأميركي، في مجال الطاقة، والدفاع والفضاء»، متوقعاً أن يشهد المنتدى إطلاق شراكات بين عدة شركات أميركية وسعودية تخدم الأهداف الاستراتيجية للبلدين، وتوقع كذلك أن يشهد المنتدى إطلاق صفقات واتفاقيات بين الشركاء الأميركيين والسعوديين بشكل يختلف عن المرحلة السابقة، مؤكداً أن الشراكات الجديدة، ستمهد الطريق لصناعة مرونة صناعية نوعية، تمكّن الابتكارات والاستراتيجية الصناعية والشراكات العالمية، من تشكيل مستقبل التصنيع وتطوير المعادن.

رجلا الأعمال السعودي عبد الله بن زيد المليحي والأميركي إريك فانغ أثناء منتدى سابق لـ«صندوق الاستثمارات العامة» (الشرق الأوسط)

وتوقع المليحي أن يستثمر كل من النشاط التجاري والاقتصادي لقطاع الأعمال في البلدين في برامج زيارة ترمب، «التي فتحت آفاقاً جديدة، لرجال الأعمال للإسهام بشكل فعّال في رفع مستوى الشراكة الاقتصادية بين الرياض وواشنطن في مجالات الطاقة والذكاء الاصطناعي والصناعات التقنية الدقيقة والدفاع والفضاء».

وأضاف المليحي: «الزيارة تفتح صفحة جديدة من التعاون، الذي يزيد من تعميق التعاون بين الرياض وواشنطن في المجالات الحيوية والتقنيات المتقدمة، فضلاً عن توطين سلسلة التوريد، وصناعة البيانات، الأمر الذي يسهم في بناء قاعدة صناعية مرنة وعالية التقنية، تتماشى مع (رؤية الملكة 2030)»، مشيراً إلى أن زيارة ترمب للسعودية تدشن مرحلة جديدة من التعاون الثنائي النوعي.


مقالات ذات صلة

خالد بن سلمان يُقلد كوريلا «وسام المؤسس»

الخليج الأمير خالد بن سلمان لدى تقليده الفريق الأول المتقاعد مايكل كوريلا وسام الملك عبد العزيز (وزارة الدفاع السعودية)

خالد بن سلمان يُقلد كوريلا «وسام المؤسس»

قلّد وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان الفريق الأول المتقاعد مايكل كوريلا قائد القيادة المركزية الأميركية السابق وسام الملك عبد العزيز من الدرجة الممتازة

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الخليج ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان لدى اجتماعه مع السيناتور الأميركي ليندسي غراهام في الرياض الخميس (واس)

محمد بن سلمان وغراهام يستعرضان علاقات الصداقة بين البلدين

استعرض الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي، مع السيناتور الأميركي ليندسي غراهام، علاقات الصداقة بين البلدين.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الخليج الأمير خالد بن سلمان بن عبد العزيز وزير الدفاع السعودي (الشرق الأوسط)

وزير الدفاع السعودي يزور واشنطن

وصل الأمير خالد بن سلمان بن عبد العزيز، وزير الدفاع السعودي، إلى واشنطن، في زيارةٍ رسمية، لبحث تعزيز العلاقات الثنائية ومناقشة الموضوعات المشتركة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد لقاء الطاولة المستديرة السعودي - الأميركي (الهيئة العامة للتجارة الخارجية)

الرياض تحتضن الطاولة المستديرة السعودية - الأميركية بهدف تعميق الشراكة

عُقدت في الرياض أعمال لقاء الطاولة المستديرة السعودي - الأميركي، تزامناً مع الدورة التاسعة لمجلس التجارة والاستثمار.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الخليج الوزير ماركو روبيو مستقبلاً الأمير فيصل بن فرحان في واشنطن الأربعاء (الخارجية السعودية)

فيصل بن فرحان وروبيو يناقشان جهود تحقيق أمن واستقرار المنطقة

بحث الأمير فيصل بن فرحان وزير الخارجية السعودي، مع نظيره الأميركي ماركو روبيو، مستجدات الأوضاع في المنطقة والجهود المبذولة لتحقيق الأمن والاستقرار فيها.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

«وول ستريت» تسجل أطول سلسلة خسائر منذ 4 سنوات

متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)
متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)
TT

«وول ستريت» تسجل أطول سلسلة خسائر منذ 4 سنوات

متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)
متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)

واصلت الأسهم الأميركية تراجعها، يوم الجمعة، مع تعثر «وول ستريت» في ختام أسبوعها الخامس على التوالي من الخسائر، في أطول سلسلة خسائر منذ نحو أربع سنوات.

وهبط مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 0.8 في المائة في مستهل التداولات، موسّعاً خسائره، عقب تسجيله في الجلسة السابقة أكبر تراجع له منذ اندلاع الحرب مع إيران. كما خسر مؤشر «داو جونز» الصناعي 402 نقطة؛ أي ما يعادل 0.9 في المائة، بحلول الساعة 9:35 صباحاً بتوقيت شرق الولايات المتحدة، في حين انخفض مؤشر ناسداك المركب بنسبة 1 في المائة، وفق «وكالة أسوشييتد برس».

وتعكس هذه الخسائر تحولاً عن نمط التداول خلال الأسبوع، حيث تأرجحت السوق الأميركية يومياً بين الصعود والهبوط مع تبدّل الآمال بشأن إمكانية إنهاء الحرب.

وبعد دقائق من إغلاق جلسة الخميس القاتمة، أطلق الرئيس الأميركي دونالد ترمب إشارة جديدة عُدّت بمثابة بارقة أمل، إذ قرر تمديد المهلة التي حددها لنفسه لـ«تدمير» محطات الطاقة الإيرانية حتى السادس من أبريل (نيسان) المقبل، في حال لم تسمح طهران لناقلات النفط باستئناف المرور من الخليج العربي عبر مضيق هرمز إلى المياه المفتوحة.

وعقب الإعلان، تراجعت أسعار النفط مؤقتاً؛ في إشارة إلى تفاؤل حذِر بإمكانية استعادة بعض الاستقرار في مضيق هرمز. غير أن هذا التفاؤل سرعان ما تبدَّد، لتعاود الأسعار الارتفاع مع انتقال التداولات من آسيا إلى أوروبا، ثم إلى «وول ستريت».

ورغم إعلان ترمب تأجيلاً ثانياً خلال الأسبوع، استمرت المواجهات في الشرق الأوسط دون بوادر تهدئة، في وقتٍ لم تُظهر فيه إيران أي استعداد للتراجع، بينما لوّحت إسرائيل بـ«تصعيد وتوسيع» هجماتها.

وقال دوغ بيث، استراتيجي الأسهم العالمية بمعهد «ويلز فارغو» للاستثمار: «إن التباين في المسار الدبلوماسي بين الولايات المتحدة وإيران، هذا الأسبوع، أثار استياء المستثمرين، ومع نهاية الأسبوع لم يعد بإمكانهم تحمُّل ضبابية المشهد».

من جهته، كتب جيم بيانكو، رئيس استراتيجيات الاقتصاد الكلي بشركة «بيانكو» للأبحاث، أن «أي تصريحات إضافية من ترمب بشأن اتفاق محتمل لن يكون لها تأثير يُذكر على الأسواق، ما لم يؤكد الجانب الإيراني أن المفاوضات تمضي في الاتجاه الصحيح».

وارتفع سعر خام برنت بنسبة 2.2 في المائة ليبلغ 104.15 دولار للبرميل، مقارنة بنحو 70 دولاراً قبل اندلاع الحرب، في حين صعد خام غرب تكساس الوسيط الأميركي بنسبة 3 في المائة إلى 97.28 دولار.

ويخشى المستثمرون من أن تؤدي الحرب إلى اضطرابات ممتدة في إنتاج ونقل النفط والغاز بالخليج العربي، ما قد يحجب كميات كبيرة من الإمدادات عن الأسواق العالمية، ويشعل موجة تضخم حادة. ولن يقتصر أثر ذلك على ارتفاع أسعار الوقود، بل سيمتد إلى زيادة تكاليف النقل والشحن، ما يدفع الشركات لرفع أسعار منتجاتها.

وتشير تقديرات محللي «ماكواري» إلى أن أسعار النفط قد تصل إلى 200 دولار للبرميل في حال استمرت الحرب حتى نهاية يونيو (حزيران) المقبل، وهو مستوى قياسي غير مسبوق.

وقد بدّدت هذه المخاوف، إلى حد كبير، رهانات المستثمرين على خفض أسعار الفائدة من قِبل «الاحتياطي الفيدرالي»، هذا العام، إذ إن أي تيسير نقدي قد يُغذي الضغوط التضخمية بدل كبحها.

ومع ارتفاع أسعار النفط، صعدت عوائد سندات الخزانة الأميركية طويلة الأجل، حيث ارتفع العائد على السندات لأجل 10 سنوات إلى 4.46 في المائة، مقارنة بـ4.42 في المائة في ختام تعاملات الخميس، ومن 3.97 في المائة فقط قبل اندلاع الحرب.

وقد انعكس هذا الارتفاع، بالفعل، على تكاليف الاقتراض، مع صعود أسعار الفائدة على الرهون العقارية والقروض، ما يضيف ضغوطاً إضافية على النشاط الاقتصادي.

وفي «وول ستريت»، تراجعت غالبية الأسهم، حيث انخفضت أربعة من كل خمسة أسهم ضِمن مؤشر «ستاندرد آند بورز 500». في المقابل، كان سهم «نتفليكس» من بين الاستثناءات القليلة، مرتفعاً بنسبة 0.8 في المائة، عقب إعلانه زيادة أسعار خدماته. وعلى الصعيد العالمي، تراجعت الأسهم الأوروبية، في حين جاءت التداولات الآسيوية متباينة.


غيوم حرب إيران... بين أسواق مضطربة ومستثمرين بلا ملاذ آمن

متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)
متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)
TT

غيوم حرب إيران... بين أسواق مضطربة ومستثمرين بلا ملاذ آمن

متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)
متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)

تبدو غيوم حرب إيران في غاية السوء بالنسبة للمتعاملين في الأسواق العالمية شرقاً وغرباً. وبالنسبة لوانغ يابي على سبيل المثال، فإن الأمر كله يتعلق بالنوم الهانئ ليلاً. فقد قام مدير الصندوق، ومقره شنغهاي، بتقليص مراكزه بشكل حاد في مواجهة موجة بيع شديدة اجتاحت الأسواق العالمية مع استمرار الحرب في الشرق الأوسط.

وقال وانغ، مدير صندوق «زيجي» الخاص، في إشارة إلى الانهيار الحاد الذي شهدته الأسهم الصينية يوم الاثنين: «لا أحب التقلبات الحادة... كان الافتتاح سيئاً، لذلك خفّضت مراكز المحفظة إلى نحو 30 في المائة». وأضاف: «ثم شعرت بارتياح كبير».

وعلى الرغم من انتعاش طفيف في وقت لاحق من الأسبوع، لا ينوي وانغ إضافة أي مراكز استثمارية جديدة نظراً للتقلبات الحادة وغير المتوقعة في جميع فئات الأصول عالمياً، من الأسهم إلى النفط والسندات والذهب.

ويقول وانغ: «اليوم، تسعى لاقتناص الفرص عند أدنى مستويات الأسعار، وفي اليوم التالي، تعاني من موجة بيع أخرى. عندما يسود عدم اليقين، تُقلل من حيازاتك لتنعم براحة البال». ووانغ ليس الوحيد الذي يواجه هذه التحديات، فمن شنغهاي إلى نيويورك، يعاني المتداولون والمستثمرون ومديرو الثروات والمصرفيون من ليالٍ بلا نوم، وعمل في عطلات نهاية الأسبوع، واجتماعات مطولة مع العملاء، وتقلبات سريعة في المحافظ الاستثمارية، وتوتر في اللحظات الأخيرة عند تنفيذ الصفقات.

وتنبع هذه التحديات أساساً من عدم اليقين بشأن مدة استمرار الحرب الأميركية الإسرائيلية مع إيران، وتأثيرها على أسعار النفط -التي تجاوزت بالفعل 100 دولار للبرميل- بالإضافة إلى التضخم وأسعار الفائدة وإجراءات البنوك المركزية. والحرب، التي توشك على دخول أسبوعها الخامس، دفعت الذهب، الملاذ الآمن التقليدي، نحو تسجيل أكبر انخفاض شهري له منذ عام 2008، بانخفاض قدره نحو 16 في المائة. وارتفعت عوائد سندات الخزانة الأميركية بمقدار 46 نقطة أساس هذا الشهر، وهو أكبر مكسب لها منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2024.

وبينما يعتمد بعض المشاركين في السوق على تجارب سابقة، بما في ذلك الحرب الروسية الأوكرانية التي اندلعت عام 2022 وتداعيات جائحة كوفيد-19، يجد معظمهم أن الاستراتيجيات القديمة لم تعد مجدية.

الأصول الآمنة

ويقول راجيف دي ميلو، كبير مسؤولي الاستثمار في شركة «غاما» لإدارة الأصول، والذي يعمل خلال عطلات نهاية الأسبوع ويعقد اجتماعات فريق أطول من المعتاد: «هناك عدد قليل جداً من الأصول الآمنة... سندات الخزانة لا تجدي نفعاً، والعملات الآمنة التقليدية مثل الين والفرنك السويسري لا تجدي نفعاً أيضاً. والذهب والفضة كذلك لا يُسهمان في تحسين الوضع».

وأدت الحرب التي استمرت قرابة شهر، والتي اندلعت إثر الضربات الأميركية الإسرائيلية المشتركة على إيران في أواخر فبراير (شباط)، إلى إغلاق طهران فعلياً لمضيق هرمز، وهو ممر مائي يمر عبره خُمس تدفقات النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم. وقد أثار ذلك شبح الركود التضخمي (التضخم المرتفع مع ضعف النمو)، ودفع المستثمرين إلى بيع كل شيء تقريباً باستثناء الدولار الأميركي. ويقول دي ميلو، المقيم في سنغافورة: «منذ اندلاع الحرب، خفضنا استثماراتنا في الأسهم لأنه لا يوجد مكان للاختباء».

وقد تضررت الأسهم الآسيوية بشدة؛ إذ انخفضت الأسهم الكورية الجنوبية بنحو 13 في المائة هذا الشهر، بينما انخفض مؤشر نيكي الياباني بنحو 9 في المائة. في المقابل، كان أداء الأسهم الأميركية أفضل، حيث انخفضت بنسبة 6 في المائة فقط. وقد اجتذب هذا الأداء الأفضل قليلاً للأسهم الأميركية بعض المستثمرين.

وقال كينيون تسيه، رئيس قسم مبيعات التداول في بنك «يو بي إس» بهونغ كونغ، يوم الثلاثاء، إن مكتب التداول التابع لشركته شهد يومياً منذ بداية مارس (آذار) عمليات بيع صافية في أسهم شركة «تي إس إم سي»، أكبر شركة آسيوية من حيث القيمة السوقية، والتي تمثل أكبر انكشاف للمستثمرين العالميين على تايوان.

وقال ماتياس شايبر، من شركة «أولسبرينغ غلوبال إنفستمنتس» في لندن، إنه قلّص مراكزه في الأسواق الناشئة، وزاد بشكل تكتيكي من انكشافه على الولايات المتحدة، لكنه حذر من أن الضغوط قد تتفاقم إذا حذت البنوك المركزية العالمية حذو أستراليا في رفع أسعار الفائدة.

أما بالنسبة لمن كانوا على الجانب الخاسر من اضطرابات السوق، فقد كانت الأمور بالغة الصعوبة. وقال أحد المتداولين في شركة طاقة إن اندلاع الحرب تسبب في ليالٍ بلا نوم، حيث كانت شركته تحتفظ ببعض المراكز التي راهنت على انخفاض أسعار النفط.

وأضاف المتداول: «لم أستطع النوم حرفياً في تلك العطلة الأسبوعية التي بدأت فيها الحرب»، مشيراً إلى أن الأسبوع التالي كان شديد التوتر وسط تقلبات حادة وتزايد في الاجتماعات الداخلية. وتحدث المتداول شريطة عدم الكشف عن هويته لعدم حصوله على إذن بالتحدث إلى وسائل الإعلام.

صدمة غير مسبوقة

وبالنسبة لكينيث جوه، مدير إدارة الثروات الخاصة في بنك «يو أو بي كاي هيان»، تسببت الحرب في ليالٍ بلا نوم تقريباً، ليس بسبب رهانات خاسرة، بل بسبب إدارة محافظ العملاء في ظل صدمة غير مسبوقة. وقال جوه: «الأمر متواصل بلا توقف. إن حالفني الحظ، أنام عند منتصف الليل. وإلا، أنام في الثانية أو الثالثة أو الرابعة صباحاً. لكن هذه هي الحياة التي اخترتها». وأثرت حالة عدم اليقين المستمرة بشأن الصراع في الشرق الأوسط على الصفقات الجديدة في أسواق ائتمان الشركات. وفي نيويورك، قامت البنوك بضمان ديون بقيمة 18 مليار دولار تقريباً للاستحواذ على شركة تطوير ألعاب الفيديو «إلكترونيك آرتس» مقابل 55 مليار دولار.

وتابعت السلطات عن كثب التطورات المتعلقة بالمهلة التي حددها الرئيس الأميركي دونالد ترمب يوم الاثنين لشنّ ضربات على شبكة الكهرباء الإيرانية. وتزامن هذا الموعد النهائي مع المراحل الأخيرة من تسويق سندات شركة الكهرباء الإيرانية للمستثمرين في بداية الأسبوع، وكان من الممكن أن يؤدي إلى شروط أقل ملاءمة للمقترضين، وفقاً لما ذكره مصرفيان مطلعان على الأمر.

وأوضح المصرفيان أن المصرفيين المشاركين في الصفقة خلال عطلة نهاية الأسبوع كانوا يستعدون لاحتمال شنّ ضربات على البنية التحتية الإيرانية، وما قد يتبع ذلك من ارتفاع محتمل في أسعار سندات شركة الكهرباء الإيرانية. وبعد إعلان ترمب يوم الاثنين تأجيل الضربات لمدة خمسة أيام، تمكنت البنوك من خفض تكاليف الاقتراض على جزء السندات عالية العائد المقوّمة بعملات مختلفة، والذي يبلغ نحو 6.6 مليار دولار، حسب المصرفيين. ويوم الخميس، أعلن ترمب تعليق الهجمات المُهددة على محطات الطاقة الإيرانية لمدة عشرة أيام حتى السادس من أبريل (نيسان). وقد أدى هذا التقلب المستمر إلى إجبار المستثمرين على متابعة السوق عن كثب. ويقول موكيش ديف، كبير مسؤولي الاستثمار في شركة «أرافالي» لإدارة الأصول: «يجب عليك باستمرار مراقبة السوق والتفاعل معه، وهذا يؤثر بلا شك على قدراتك الذهنية». وأضاف ديف، المقيم في سنغافورة، أنه شهد تقلبات مماثلة في عام 2008 وخلال الأزمة المالية الآسيوية في أواخر التسعينات، لكنه لم يُجزم ما إذا كان الوضع الحالي يُضاهي تلك اللحظات -في الوقت الراهن. وقال: «إذا استمر هذا الوضع لأسبوع آخر أو نحوه، فسنرى. لا مجال للخطأ، فالأخطاء غير مقبولة بتاتاً».


الحرب الإيرانية تهدد اقتصاد الاتحاد الأوروبي بالركود التضخمي

فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)
فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)
TT

الحرب الإيرانية تهدد اقتصاد الاتحاد الأوروبي بالركود التضخمي

فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)
فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)

حذَّر المفوض الاقتصادي الأوروبي، فالديس دومبروفسكيس، من أن اقتصاد الاتحاد الأوروبي يواجه خطر الركود التضخمي نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة الناجم عن الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران.

وقال دومبروفسكيس في مؤتمر صحافي عقب اجتماع وزراء مالية الاتحاد الأوروبي: «التوقعات محاطة بغموض كبير، لكن من الواضح أننا معرضون لخطر صدمة ركود تضخمي، أي سيناريو يتزامن فيه تباطؤ النمو مع ارتفاع التضخم»، وفق «رويترز».

وأضاف: «حتى لو كانت اضطرابات إمدادات الطاقة قصيرة الأجل نسبياً، تشير تحليلاتنا إلى أن نمو الاتحاد الأوروبي في 2026 قد يكون أقل بنحو 0.4 نقطة مئوية عن توقعاتنا الاقتصادية السابقة، مع احتمال ارتفاع التضخم بنحو نقطة مئوية واحدة».

وتابع: «إذا تبيَّن أن الاضطرابات أكثر جوهرية وأطول أمداً، فإن العواقب السلبية على النمو ستكون أكبر، وقد ينخفض النمو بنسبة تصل إلى 0.6 نقطة مئوية في كل من عامي 2026 و2027».

وأكد دومبروفسكيس أن نطاق الحرب وشدتها وتأثيرها قد ازدادت منذ آخر اجتماع لوزراء مالية الاتحاد الأوروبي قبل أكثر من أسبوعين؛ ما يزيد غموض التوقعات الاقتصادية.