السعودية تخطو بثبات لتصبح «وادي السيليكون» في قطاع التعدين

أعلنت فرصاً استثمارية بـ100 مليار دولار واكتشافات جديدة خلال المؤتمر الدولي

TT

السعودية تخطو بثبات لتصبح «وادي السيليكون» في قطاع التعدين

وزير الصناعة والثروة المعدنية يُلقي كلمته في افتتاح المؤتمر (الشرق الأوسط)
وزير الصناعة والثروة المعدنية يُلقي كلمته في افتتاح المؤتمر (الشرق الأوسط)

تمضي السعودية قدماً في وضع نفسها على خريطة المعادن المهمة عالمياً ولتكون «وادي السيليكون» في مجال التعدين، حيث أعلنت عدداً من الصفقات والخطط الاستثمارية والاكتشافات في مؤتمر التعدين الدولي بنسخته الرابعة في الرياض.

وتعتزم المملكة الترويج لفرص استكشاف المعادن على مساحة تصل إلى 50 ألف كيلومتر مربع هذا العام -وفق ما كشف عنه وزير الصناعة والثروة المعدنية بندر الخريّف- توازياً مع إعلانها تطوير مشروع استثماري جديد للمعادن في المملكة بقيمة 100 مليار دولار، منها 20 مليار دولار في المرحلة الهندسية النهائية أو قيد الإنشاء.

وبالتقاطع مع إعلان وزير الطاقة السعودي الأمير عبد العزيز بن سلمان أن «أرامكو» حددت تركيزات «واعدة» من الليثيوم تتجاوز 400 جزء في المليون في المناطق التي تعمل فيها، مرجِّحاً بدء إنتاج الليثيوم في المملكة في أقرب وقت ممكن في عام 2027، كشفت شركة «أرامكو» عن مشروع مشترك مع شركة التعدين العربية السعودية (معادن) لاستكشاف وإنتاج المعادن المرتبطة بتحوّل الطاقة، بما في ذلك استخراج الليثيوم من الرواسب عالية التركيز.

وشارك في هذه النسخة من المؤتمر أكثر من 20 ألف شخص من 170 دولة، و250 متحدثاً في أكثر من 70 جلسة. وركّز وزراء سعوديون ومسؤولون دوليون على مواجهة التحديات التي تواجه قطاع التعدين، المتمثلة في ضرورة زيادة استثمارات القطاع الخاص، وتوفر التكنولوجيا المتطورة، ووضع أطر تنظيمية، ومشكلات سلاسل التوريد، وتحديات الإنتاج المتعلقة بزيادة انبعاثات الكربون، وقلة المواهب المؤهلة.

كانت وزارة الصناعة والثروة المعدنية في المملكة قد رفعت في أوائل عام 2024، تقديراتها لقيمة مواردها المعدنية غير المستغلة من 1.3 تريليون دولار إلى 2.5 تريليون دولار، مدعومةً باكتشافات من المعادن. وفي مؤتمر العام الماضي، أنشأت برنامج حوافز للتنقيب عن المعادن بقيمة 182 مليون دولار من أجل تقليل مخاطر الاستثمار في عمليات التنقيب بالمملكة، وتمكين السلع الجديدة والمشروعات الخضراء وصغار المشتغلين في التعدين.

مبادرة استوديو الابتكار التعديني

في افتتاحه المؤتمر، قال وزير الصناعة والثروة المعدنية السعودي بندر الخريّف، إن المملكة تعتزم الترويج لفرص استكشاف المعادن على مساحة تصل إلى 50 ألف كيلومتر مربع هذا العام.

وأعلن عن إطلاق مبادرة «استوديو الابتكار التعديني»، «الذي يهدف إلى جذب المواهب العالمية، وتسريع التكنولوجيا الحديثة. وهذه خطوة واحدة نحو جعل المملكة وادياً سيليكونياً للتعدين».

وأضاف: «نطلق، لأول مرة، القيادة الإقليمية في أفريقيا وآسيا الوسطى وأميركا اللاتينية، حيث نجمع دول المورّدين لإنشاء مجتمع عالمي قوي. أيضاً، نطلق المناظرة، التي ستجمع قادة القطاع، لمناقشة قضايا صعبة؛ مثل توزيع الموارد، والاستدامة، وإشراك أصحاب المصلحة».

ولفت إلى أن السعودية تفتخر بأن تكون قدوة في قطاع التعدين، إذ أصبحت، تحت مظلة «رؤية 2030»، الأسرع نمواً، مع تقدير احتياطيات المعادن في المملكة بنحو 2.5 تريليون دولار.

من جهته، كشف نائب وزير الصناعة والثروة المعدنية لشؤون التعدين، المهندس خالد المديفر، أن السعودية تعمل حالياً على فرص استثمارية جديدة في المعادن، تقدَّر قيمتها بـ100 مليار دولار، منها 20 مليار دولار تحت الإنشاء وفي المرحلة النهائية.

أمن الطاقة

وقال وزير الطاقة السعودي الأمير عبد العزيز بن سلمان إن العالم يواجه تحدياً كبيراً في تأمين إمدادات المعادن الحيوية الضرورية لتحول الطاقة واستدامتها.

وأكد أن التعدين أصبح قضية مركزية في مجال أمن الطاقة العالمي، محذراً من التبعات البيئية التي قد تنجم عن هذا القطاع، قائلاً: «تسهم عمليات التعدين والمعالجة حالياً في نحو 5 غيغاطن من ثاني أكسيد الكربون، وهو ما يعادل 12 في المائة من انبعاثات الغازات المسببة للاحتباس الحراري العالمية السنوية».

وزير الطاقة يستعرض بيانات توضح استخراج ومعالجة المعادن الحرجة في عدد من البلدان (الشرق الأوسط)

وحذر من أن «التسرع في تأمين الوصول إلى الموارد سيؤدي في نهاية المطاف إلى زيادة الانبعاثات وارتفاع أسعار المعادن وارتفاع تكاليف الطاقة».

وأكد أن الجهود الدولية يجب أن تركز على إيجاد حلول مستدامة وإدارة أفضل للموارد لتعزيز الاستثمار المسؤول والمتوازن في هذا المجال.

وأشار إلى أن الطلب المتوقع على الليثيوم يصل إلى 7 أضعاف وفي الوقت نفسه فإن لكل طن ليثيوم هناك 15 طناً من الانبعاثات الكربونية.

وقال إن «أرامكو» حددت تركيزات «واعدة» من الليثيوم تتجاوز 400 جزء في المليون في المناطق التي تعمل فيها، مرجحاً بدء إنتاج الليثيوم في المملكة في أقرب وقت ممكن في عام 2027.

وزير الطاقة السعودي متحدثاً في مؤتمر التعدين الدولي (منصة إكس)

وفي هذا الإطار، أعلنت «أرامكو» وشركة «معادن» عن «خطاب نوايا» غير مُلزم للتخطيط لمشروعٍ مشترك للتنقيب وتعدين المعادن في المملكة، والذي سيركّز على المعادن المرتبطة بتحوّل الطاقة، بما في ذلك استخراج الليثيوم من الرواسب عالية التركيز، ومن المتوقع أن يبدأ المشروع المشترك للإنتاج التجاري لليثيوم بحلول عام 2027.

استثمارات القطاع الخاص

ودعا وزير المالية السعودي محمد الجدعان، يوم الأربعاء، إلى وضع أطر تنظيمية، وتأمين استثمارات من القطاع الخاص، وتحديد برامج لتطوير الصناعة وذلك من أجل تحقيق التقدم في قطاع التعدين.

ولفت إلى أن «قطاع التعدين معقّد ويتطلب استثمارات ضخمة لا يمكن للحكومة القيام بها وحدها. كما يتطلب معرفة وخبرة كبيرتين لا يمكن للحكومة وحدها توفيرهما... من هنا يجب التأكد من التعاون مع القطاع الخاص لتمكين القطاع».

وزير المالية محمد الجدعان في إحدى جلسات المؤتمر (الشرق الأوسط)

وكالات الائتمان

من جهته، سلّط وزير الاستثمار السعودي، خالد الفالح، الضوء على أهمية دور وكالات ائتمان الصادرات في مواجهة المخاطر والتحديات التي تواجه الاستثمارات في قطاع التعدين، مؤكداً تعقيد هذه الصناعة ودوراتها الزمنية الطويلة وتوزيعها الجغرافي الذي يحمل معه مخاطر متعددة.

وأوضح الفالح أن بنك التصدير السعودي، الذي يديره، يعد إحدى أبرز وكالات ائتمان الصادرات المملوكة للحكومات على مستوى العالم، مشيراً إلى أن هذه الوكالات تلعب دوراً حاسماً في توفير حلول تضمن ثبات واستمرارية سلاسل التوريد، خصوصاً في قطاع التعدين والمعادن الذي يتميز بتجزئة سلاسل توريده عالمياً.

وزيرالاستثمار المهندس خالد الفالح مشاركاً في إحدى جلسات المؤتمر (الشرق الأوسط)

البنية التحتية

وقال وزير النقل والخدمات اللوجيستية السعودي المهندس صالح الجاسر، إن لدى المملكة بنية تحتية قوية لدعم صناعة التعدين، كما أن شبكة الطرق هي الأكثر ارتباطاً عالمياً. وأضاف: «في العام الماضي وحده، نقلنا أكثر من 25 مليون طن من البضائع في نظام السكك الحديدية لدينا، ومعظمها من المعادن».

وكشف الجاسر عن أن نحو 50 في المائة من التمويل في قطاع النقل والخدمات اللوجيستية سيوجَّه إلى السكك الحديدية، وهذا بالتالي يدعم الصناعة والمعادن.

وزير النقل والخدمات اللوجيستية صالح الجاسر خلال مشاركته في جلسات المؤتمر (منصة إكس)

شمال أفريقيا

هذا وأوضح وزير البترول والثروة المعدنية المصري المهندس كريم بدوي، خلال المؤتمر، أن قطاع التعدين يشكل حالياً 1 في المائة من الناتج الإجمالي المحلي لمصر، مع خطة لزيادة هذه النسبة إلى 6 في المائة من خلال جذب استثمارات جديدة.

من جانبها، كشفت وزيرة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة في المغرب، ليلى بنعلي، «الشرق الأوسط»، عن فرص استثمارية مستقبلية لبلادها، من بينها مشروع كبير للبنية التحتية للغاز بقيمة 4 مليارات دولار لدعم التحول نحو طاقة مستدامة.

وأشارت وزيرة الصناعة والمناجم والطاقة التونسية فاطمة شيبوب، في تصريح خاص لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن الفوسفات يسهم بنسبة 1 في المائة في الناتج المحلي الخام لتونس، وتستهدف البلاد مضاعفة هذه النسبة بين عامي 2025 و2028.

من ناحيتها، ناقشت وزيرة الدولة البريطانية للصناعة وأمن الطاقة والكربون الصفري والأعمال والتجارة، سارة جونز، أهمية تحديد أولويات صناعية واضحة والتركيز على تطوير الصناعات الرئيسية لضمان إمدادات المعادن الاستراتيجية والأساسية.


مقالات ذات صلة

السعودية تتقدم من المركز 104 إلى العاشر عالمياً في الاستثمار التعديني

الاقتصاد أحد مواقع التعدين في السعودية (واس)

السعودية تتقدم من المركز 104 إلى العاشر عالمياً في الاستثمار التعديني

واصلت السعودية صعودها في مؤشرات الاستثمار التعديني العالمية للعام الثاني على التوالي، لتصل إلى المركز العاشر عالمياً في مؤشر جاذبية الاستثمار التعديني.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد مكعبات تحمل رموزاً وأرقاماً ذرية لعناصر الأرض النادرة (رويترز)

ترمب يوظف «ذكاء البنتاغون الاصطناعي» لكسر الهيمنة الصينية على المعادن الحرجة

تعتزم إدارة الرئيس دونالد ترمب استخدام برنامج متطور للذكاء الاصطناعي، طوّرته وزارة الدفاع (البنتاغون)، لتحديد «أسعار مرجعية» للمعادن الحرجة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
خاص أحد مواقع التعدين في السعودية (واس)

خاص المعادن الحرجة «عصب سيادي» جديد... والسعودية تقتحم «المربع الذهبي» عالمياً

لم تعد المعادن الحرجة مجرد سلع تجارية عابرة للحدود بل تحولت إلى «عصب سيادي» يعيد رسم خريطة القوى الاقتصادية العالمية.

زينب علي (الرياض)
الاقتصاد مبنى وزارة الصناعة والثروة المعدنية السعودية (واس)

السعودية تطلق الجولة الثالثة من برنامج تمكين الاستكشاف التعديني

أعلنت وزارة الصناعة والثروة المعدنية السعودية، بالتعاون مع وزارة الاستثمار، إطلاق الجولة الثالثة من برنامج تمكين الاستكشاف ضمن جهودها لتسريع وتيرة الاستكشاف.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد أحد المناجم في السعودية (واس)

201 رخصة تعدينية جديدة في السعودية خلال ديسمبر

أصدرت وزارة الصناعة والثروة المعدنية في السعودية 201 رخصة تعدينية جديدة خلال شهر ديسمبر (كانون الأول) الماضي، وذلك في إطار جهودها لتعزيز مستهدفات «رؤية 2030».

«الشرق الأوسط» (الرياض)

«وول ستريت» تسجل أطول سلسلة خسائر منذ 4 سنوات

متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)
متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)
TT

«وول ستريت» تسجل أطول سلسلة خسائر منذ 4 سنوات

متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)
متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)

واصلت الأسهم الأميركية تراجعها، يوم الجمعة، مع تعثر «وول ستريت» في ختام أسبوعها الخامس على التوالي من الخسائر، في أطول سلسلة خسائر منذ نحو أربع سنوات.

وهبط مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 0.8 في المائة في مستهل التداولات، موسّعاً خسائره، عقب تسجيله في الجلسة السابقة أكبر تراجع له منذ اندلاع الحرب مع إيران. كما خسر مؤشر «داو جونز» الصناعي 402 نقطة؛ أي ما يعادل 0.9 في المائة، بحلول الساعة 9:35 صباحاً بتوقيت شرق الولايات المتحدة، في حين انخفض مؤشر ناسداك المركب بنسبة 1 في المائة، وفق «وكالة أسوشييتد برس».

وتعكس هذه الخسائر تحولاً عن نمط التداول خلال الأسبوع، حيث تأرجحت السوق الأميركية يومياً بين الصعود والهبوط مع تبدّل الآمال بشأن إمكانية إنهاء الحرب.

وبعد دقائق من إغلاق جلسة الخميس القاتمة، أطلق الرئيس الأميركي دونالد ترمب إشارة جديدة عُدّت بمثابة بارقة أمل، إذ قرر تمديد المهلة التي حددها لنفسه لـ«تدمير» محطات الطاقة الإيرانية حتى السادس من أبريل (نيسان) المقبل، في حال لم تسمح طهران لناقلات النفط باستئناف المرور من الخليج العربي عبر مضيق هرمز إلى المياه المفتوحة.

وعقب الإعلان، تراجعت أسعار النفط مؤقتاً؛ في إشارة إلى تفاؤل حذِر بإمكانية استعادة بعض الاستقرار في مضيق هرمز. غير أن هذا التفاؤل سرعان ما تبدَّد، لتعاود الأسعار الارتفاع مع انتقال التداولات من آسيا إلى أوروبا، ثم إلى «وول ستريت».

ورغم إعلان ترمب تأجيلاً ثانياً خلال الأسبوع، استمرت المواجهات في الشرق الأوسط دون بوادر تهدئة، في وقتٍ لم تُظهر فيه إيران أي استعداد للتراجع، بينما لوّحت إسرائيل بـ«تصعيد وتوسيع» هجماتها.

وقال دوغ بيث، استراتيجي الأسهم العالمية بمعهد «ويلز فارغو» للاستثمار: «إن التباين في المسار الدبلوماسي بين الولايات المتحدة وإيران، هذا الأسبوع، أثار استياء المستثمرين، ومع نهاية الأسبوع لم يعد بإمكانهم تحمُّل ضبابية المشهد».

من جهته، كتب جيم بيانكو، رئيس استراتيجيات الاقتصاد الكلي بشركة «بيانكو» للأبحاث، أن «أي تصريحات إضافية من ترمب بشأن اتفاق محتمل لن يكون لها تأثير يُذكر على الأسواق، ما لم يؤكد الجانب الإيراني أن المفاوضات تمضي في الاتجاه الصحيح».

وارتفع سعر خام برنت بنسبة 2.2 في المائة ليبلغ 104.15 دولار للبرميل، مقارنة بنحو 70 دولاراً قبل اندلاع الحرب، في حين صعد خام غرب تكساس الوسيط الأميركي بنسبة 3 في المائة إلى 97.28 دولار.

ويخشى المستثمرون من أن تؤدي الحرب إلى اضطرابات ممتدة في إنتاج ونقل النفط والغاز بالخليج العربي، ما قد يحجب كميات كبيرة من الإمدادات عن الأسواق العالمية، ويشعل موجة تضخم حادة. ولن يقتصر أثر ذلك على ارتفاع أسعار الوقود، بل سيمتد إلى زيادة تكاليف النقل والشحن، ما يدفع الشركات لرفع أسعار منتجاتها.

وتشير تقديرات محللي «ماكواري» إلى أن أسعار النفط قد تصل إلى 200 دولار للبرميل في حال استمرت الحرب حتى نهاية يونيو (حزيران) المقبل، وهو مستوى قياسي غير مسبوق.

وقد بدّدت هذه المخاوف، إلى حد كبير، رهانات المستثمرين على خفض أسعار الفائدة من قِبل «الاحتياطي الفيدرالي»، هذا العام، إذ إن أي تيسير نقدي قد يُغذي الضغوط التضخمية بدل كبحها.

ومع ارتفاع أسعار النفط، صعدت عوائد سندات الخزانة الأميركية طويلة الأجل، حيث ارتفع العائد على السندات لأجل 10 سنوات إلى 4.46 في المائة، مقارنة بـ4.42 في المائة في ختام تعاملات الخميس، ومن 3.97 في المائة فقط قبل اندلاع الحرب.

وقد انعكس هذا الارتفاع، بالفعل، على تكاليف الاقتراض، مع صعود أسعار الفائدة على الرهون العقارية والقروض، ما يضيف ضغوطاً إضافية على النشاط الاقتصادي.

وفي «وول ستريت»، تراجعت غالبية الأسهم، حيث انخفضت أربعة من كل خمسة أسهم ضِمن مؤشر «ستاندرد آند بورز 500». في المقابل، كان سهم «نتفليكس» من بين الاستثناءات القليلة، مرتفعاً بنسبة 0.8 في المائة، عقب إعلانه زيادة أسعار خدماته. وعلى الصعيد العالمي، تراجعت الأسهم الأوروبية، في حين جاءت التداولات الآسيوية متباينة.


غيوم حرب إيران... بين أسواق مضطربة ومستثمرين بلا ملاذ آمن

متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)
متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)
TT

غيوم حرب إيران... بين أسواق مضطربة ومستثمرين بلا ملاذ آمن

متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)
متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)

تبدو غيوم حرب إيران في غاية السوء بالنسبة للمتعاملين في الأسواق العالمية شرقاً وغرباً. وبالنسبة لوانغ يابي على سبيل المثال، فإن الأمر كله يتعلق بالنوم الهانئ ليلاً. فقد قام مدير الصندوق، ومقره شنغهاي، بتقليص مراكزه بشكل حاد في مواجهة موجة بيع شديدة اجتاحت الأسواق العالمية مع استمرار الحرب في الشرق الأوسط.

وقال وانغ، مدير صندوق «زيجي» الخاص، في إشارة إلى الانهيار الحاد الذي شهدته الأسهم الصينية يوم الاثنين: «لا أحب التقلبات الحادة... كان الافتتاح سيئاً، لذلك خفّضت مراكز المحفظة إلى نحو 30 في المائة». وأضاف: «ثم شعرت بارتياح كبير».

وعلى الرغم من انتعاش طفيف في وقت لاحق من الأسبوع، لا ينوي وانغ إضافة أي مراكز استثمارية جديدة نظراً للتقلبات الحادة وغير المتوقعة في جميع فئات الأصول عالمياً، من الأسهم إلى النفط والسندات والذهب.

ويقول وانغ: «اليوم، تسعى لاقتناص الفرص عند أدنى مستويات الأسعار، وفي اليوم التالي، تعاني من موجة بيع أخرى. عندما يسود عدم اليقين، تُقلل من حيازاتك لتنعم براحة البال». ووانغ ليس الوحيد الذي يواجه هذه التحديات، فمن شنغهاي إلى نيويورك، يعاني المتداولون والمستثمرون ومديرو الثروات والمصرفيون من ليالٍ بلا نوم، وعمل في عطلات نهاية الأسبوع، واجتماعات مطولة مع العملاء، وتقلبات سريعة في المحافظ الاستثمارية، وتوتر في اللحظات الأخيرة عند تنفيذ الصفقات.

وتنبع هذه التحديات أساساً من عدم اليقين بشأن مدة استمرار الحرب الأميركية الإسرائيلية مع إيران، وتأثيرها على أسعار النفط -التي تجاوزت بالفعل 100 دولار للبرميل- بالإضافة إلى التضخم وأسعار الفائدة وإجراءات البنوك المركزية. والحرب، التي توشك على دخول أسبوعها الخامس، دفعت الذهب، الملاذ الآمن التقليدي، نحو تسجيل أكبر انخفاض شهري له منذ عام 2008، بانخفاض قدره نحو 16 في المائة. وارتفعت عوائد سندات الخزانة الأميركية بمقدار 46 نقطة أساس هذا الشهر، وهو أكبر مكسب لها منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2024.

وبينما يعتمد بعض المشاركين في السوق على تجارب سابقة، بما في ذلك الحرب الروسية الأوكرانية التي اندلعت عام 2022 وتداعيات جائحة كوفيد-19، يجد معظمهم أن الاستراتيجيات القديمة لم تعد مجدية.

الأصول الآمنة

ويقول راجيف دي ميلو، كبير مسؤولي الاستثمار في شركة «غاما» لإدارة الأصول، والذي يعمل خلال عطلات نهاية الأسبوع ويعقد اجتماعات فريق أطول من المعتاد: «هناك عدد قليل جداً من الأصول الآمنة... سندات الخزانة لا تجدي نفعاً، والعملات الآمنة التقليدية مثل الين والفرنك السويسري لا تجدي نفعاً أيضاً. والذهب والفضة كذلك لا يُسهمان في تحسين الوضع».

وأدت الحرب التي استمرت قرابة شهر، والتي اندلعت إثر الضربات الأميركية الإسرائيلية المشتركة على إيران في أواخر فبراير (شباط)، إلى إغلاق طهران فعلياً لمضيق هرمز، وهو ممر مائي يمر عبره خُمس تدفقات النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم. وقد أثار ذلك شبح الركود التضخمي (التضخم المرتفع مع ضعف النمو)، ودفع المستثمرين إلى بيع كل شيء تقريباً باستثناء الدولار الأميركي. ويقول دي ميلو، المقيم في سنغافورة: «منذ اندلاع الحرب، خفضنا استثماراتنا في الأسهم لأنه لا يوجد مكان للاختباء».

وقد تضررت الأسهم الآسيوية بشدة؛ إذ انخفضت الأسهم الكورية الجنوبية بنحو 13 في المائة هذا الشهر، بينما انخفض مؤشر نيكي الياباني بنحو 9 في المائة. في المقابل، كان أداء الأسهم الأميركية أفضل، حيث انخفضت بنسبة 6 في المائة فقط. وقد اجتذب هذا الأداء الأفضل قليلاً للأسهم الأميركية بعض المستثمرين.

وقال كينيون تسيه، رئيس قسم مبيعات التداول في بنك «يو بي إس» بهونغ كونغ، يوم الثلاثاء، إن مكتب التداول التابع لشركته شهد يومياً منذ بداية مارس (آذار) عمليات بيع صافية في أسهم شركة «تي إس إم سي»، أكبر شركة آسيوية من حيث القيمة السوقية، والتي تمثل أكبر انكشاف للمستثمرين العالميين على تايوان.

وقال ماتياس شايبر، من شركة «أولسبرينغ غلوبال إنفستمنتس» في لندن، إنه قلّص مراكزه في الأسواق الناشئة، وزاد بشكل تكتيكي من انكشافه على الولايات المتحدة، لكنه حذر من أن الضغوط قد تتفاقم إذا حذت البنوك المركزية العالمية حذو أستراليا في رفع أسعار الفائدة.

أما بالنسبة لمن كانوا على الجانب الخاسر من اضطرابات السوق، فقد كانت الأمور بالغة الصعوبة. وقال أحد المتداولين في شركة طاقة إن اندلاع الحرب تسبب في ليالٍ بلا نوم، حيث كانت شركته تحتفظ ببعض المراكز التي راهنت على انخفاض أسعار النفط.

وأضاف المتداول: «لم أستطع النوم حرفياً في تلك العطلة الأسبوعية التي بدأت فيها الحرب»، مشيراً إلى أن الأسبوع التالي كان شديد التوتر وسط تقلبات حادة وتزايد في الاجتماعات الداخلية. وتحدث المتداول شريطة عدم الكشف عن هويته لعدم حصوله على إذن بالتحدث إلى وسائل الإعلام.

صدمة غير مسبوقة

وبالنسبة لكينيث جوه، مدير إدارة الثروات الخاصة في بنك «يو أو بي كاي هيان»، تسببت الحرب في ليالٍ بلا نوم تقريباً، ليس بسبب رهانات خاسرة، بل بسبب إدارة محافظ العملاء في ظل صدمة غير مسبوقة. وقال جوه: «الأمر متواصل بلا توقف. إن حالفني الحظ، أنام عند منتصف الليل. وإلا، أنام في الثانية أو الثالثة أو الرابعة صباحاً. لكن هذه هي الحياة التي اخترتها». وأثرت حالة عدم اليقين المستمرة بشأن الصراع في الشرق الأوسط على الصفقات الجديدة في أسواق ائتمان الشركات. وفي نيويورك، قامت البنوك بضمان ديون بقيمة 18 مليار دولار تقريباً للاستحواذ على شركة تطوير ألعاب الفيديو «إلكترونيك آرتس» مقابل 55 مليار دولار.

وتابعت السلطات عن كثب التطورات المتعلقة بالمهلة التي حددها الرئيس الأميركي دونالد ترمب يوم الاثنين لشنّ ضربات على شبكة الكهرباء الإيرانية. وتزامن هذا الموعد النهائي مع المراحل الأخيرة من تسويق سندات شركة الكهرباء الإيرانية للمستثمرين في بداية الأسبوع، وكان من الممكن أن يؤدي إلى شروط أقل ملاءمة للمقترضين، وفقاً لما ذكره مصرفيان مطلعان على الأمر.

وأوضح المصرفيان أن المصرفيين المشاركين في الصفقة خلال عطلة نهاية الأسبوع كانوا يستعدون لاحتمال شنّ ضربات على البنية التحتية الإيرانية، وما قد يتبع ذلك من ارتفاع محتمل في أسعار سندات شركة الكهرباء الإيرانية. وبعد إعلان ترمب يوم الاثنين تأجيل الضربات لمدة خمسة أيام، تمكنت البنوك من خفض تكاليف الاقتراض على جزء السندات عالية العائد المقوّمة بعملات مختلفة، والذي يبلغ نحو 6.6 مليار دولار، حسب المصرفيين. ويوم الخميس، أعلن ترمب تعليق الهجمات المُهددة على محطات الطاقة الإيرانية لمدة عشرة أيام حتى السادس من أبريل (نيسان). وقد أدى هذا التقلب المستمر إلى إجبار المستثمرين على متابعة السوق عن كثب. ويقول موكيش ديف، كبير مسؤولي الاستثمار في شركة «أرافالي» لإدارة الأصول: «يجب عليك باستمرار مراقبة السوق والتفاعل معه، وهذا يؤثر بلا شك على قدراتك الذهنية». وأضاف ديف، المقيم في سنغافورة، أنه شهد تقلبات مماثلة في عام 2008 وخلال الأزمة المالية الآسيوية في أواخر التسعينات، لكنه لم يُجزم ما إذا كان الوضع الحالي يُضاهي تلك اللحظات -في الوقت الراهن. وقال: «إذا استمر هذا الوضع لأسبوع آخر أو نحوه، فسنرى. لا مجال للخطأ، فالأخطاء غير مقبولة بتاتاً».


الحرب الإيرانية تهدد اقتصاد الاتحاد الأوروبي بالركود التضخمي

فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)
فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)
TT

الحرب الإيرانية تهدد اقتصاد الاتحاد الأوروبي بالركود التضخمي

فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)
فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)

حذَّر المفوض الاقتصادي الأوروبي، فالديس دومبروفسكيس، من أن اقتصاد الاتحاد الأوروبي يواجه خطر الركود التضخمي نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة الناجم عن الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران.

وقال دومبروفسكيس في مؤتمر صحافي عقب اجتماع وزراء مالية الاتحاد الأوروبي: «التوقعات محاطة بغموض كبير، لكن من الواضح أننا معرضون لخطر صدمة ركود تضخمي، أي سيناريو يتزامن فيه تباطؤ النمو مع ارتفاع التضخم»، وفق «رويترز».

وأضاف: «حتى لو كانت اضطرابات إمدادات الطاقة قصيرة الأجل نسبياً، تشير تحليلاتنا إلى أن نمو الاتحاد الأوروبي في 2026 قد يكون أقل بنحو 0.4 نقطة مئوية عن توقعاتنا الاقتصادية السابقة، مع احتمال ارتفاع التضخم بنحو نقطة مئوية واحدة».

وتابع: «إذا تبيَّن أن الاضطرابات أكثر جوهرية وأطول أمداً، فإن العواقب السلبية على النمو ستكون أكبر، وقد ينخفض النمو بنسبة تصل إلى 0.6 نقطة مئوية في كل من عامي 2026 و2027».

وأكد دومبروفسكيس أن نطاق الحرب وشدتها وتأثيرها قد ازدادت منذ آخر اجتماع لوزراء مالية الاتحاد الأوروبي قبل أكثر من أسبوعين؛ ما يزيد غموض التوقعات الاقتصادية.