الانتخاب الرئاسي... خطوة أولى لإنقاذ لبنان من أزمته الاقتصادية

مصير تأمين تكلفة إعادة الإعمار وتنفيذ الإصلاحات على المحك

الكرسي الرئاسي الشاغر في «قصر بعبدا» بعد انتهاء ولاية الرئيس ميشال عون (رويترز)
الكرسي الرئاسي الشاغر في «قصر بعبدا» بعد انتهاء ولاية الرئيس ميشال عون (رويترز)
TT

الانتخاب الرئاسي... خطوة أولى لإنقاذ لبنان من أزمته الاقتصادية

الكرسي الرئاسي الشاغر في «قصر بعبدا» بعد انتهاء ولاية الرئيس ميشال عون (رويترز)
الكرسي الرئاسي الشاغر في «قصر بعبدا» بعد انتهاء ولاية الرئيس ميشال عون (رويترز)

منذ عام 2019، يشهد لبنان واحدة من أشد الأزمات الاقتصادية والمالية في تاريخه الحديث... أزمة تجاوزت نطاق الاقتصاد لتؤثر بشكل حاد في جميع جوانب الحياة، فقد أثقلت هذه الأزمة كاهل المواطن اللبناني، وأغرقت البلاد في دوامة من انهيار شامل للنظامين المالي والاقتصادي، بعد أن فقدت العملة المحلية أكثر من 95 في المائة من قيمتها. ونتيجة لذلك، تفشى التضخم بشكل غير مسبوق مع ارتفاع أسعار السلع والخدمات إلى مستويات قياسية، في حين قفزت معدلات الفقر والبطالة بشكل دراماتيكي.

وفي خضم هذا الواقع المأساوي، شلّت الصراعات السياسية الحادة مؤسسات الدولة، فقد تعمقت الانقسامات إلى حد أن الحكومة أصبحت عاجزة عن اتخاذ خطوات حاسمة لمعالجة الأزمة جذرياً. ومع تفاقم الأوضاع، أضافت الحرب الأخيرة مع إسرائيل عبئاً جديداً على لبنان، مخلّفة خسائر بشرية ومادية هائلة قدّرها «البنك الدولي» بنحو 8.5 مليار دولار، وزادت من تعقيد الأزمة الاقتصادية والاجتماعية، فقد بات من الصعب تصور أي إمكانية لاحتواء أعبائها في غياب انتخاب رئيس للجمهورية.

المنصب الرئاسي والمأزق الاقتصادي

المنصب الرئاسي، الذي لا يزال شاغراً منذ انتهاء ولاية الرئيس ميشال عون في أكتوبر (تشرين الأول) 2022، يحمل للفائز به قائمة طويلة من التحديات الاقتصادية والمالية المتراكمة، التي باتت تهدد بنية الدولة وكيانها. فقد أدى غياب هذا المنصب إلى تعطيل عملية تشكيل الحكومة، مما جعل الدولة غير قادرة على التفاوض بجدية مع الجهات الدولية المانحة التي يحتاج إليها لبنان بقوة لإعادة إحياء اقتصاده، مثل «صندوق النقد الدولي» الذي يشترط إصلاحات اقتصادية ومالية جذرية مقابل أي دعم مالي يمكن أن يوفره.

وعليه؛ فإن انتخاب رئيس جديد للجمهورية يمثل أولوية ملحة ليس فقط لاستعادة الثقة المحلية والدولية، بل أيضاً ليكون مدخلاً أساسياً لبدء مسار الإصلاحات التي طال انتظارها.

ومن بين أبرز هذه التحديات، ملف إعادة الإعمار، الذي تُقدر تكلفته بأكثر من 6 مليارات دولار، وفق موقع «الدولية للمعلومات»، وهو عبء مالي ضخم يتطلب موارد هائلة وجهوداً استثنائية لتأمين التمويل اللازم.

لكن عملية إعادة الإعمار ليست مجرد عملية تقنية لإصلاح البنية التحتية أو ترميم الأضرار، بل هي اختبار حقيقي لقدرة الدولة على استعادة مكانتها وتفعيل دورها الإقليمي والدولي. وفي هذا السياق، تبرز الحاجة الملحة إلى رئيس يتمتع برؤية استراتيجية وشبكة واسعة من العلاقات الدولية، وقادر على استخدام مفاتيح التواصل الفعّال مع الدول المانحة والمؤسسات المالية الكبرى. فمن دون قيادة سياسية موحدة تتمتع بالصدقية، فستبقى فرص استقطاب الدعم الخارجي محدودة، خصوصاً أن الثقة الدولية بالسلطات اللبنانية تعرضت لاهتزاز كبير في السنوات الأخيرة بسبب سوء الإدارة وغياب الإصلاحات الهيكلية.

مواطنون وسط جانب من الدمار الناجم عن الغارات الجوية الإسرائيلية بمنطقة الشويفات (رويترز)

فرصة محورية لإحداث التغيير

كما يأتي انتخاب رئيس للجمهورية يوم الخميس بوصفه فرصة محورية لإحداث تغيير في مسار الأزمات المتراكمة التي يعاني منها لبنان، والتي تفاقمت بشكل حاد خلال عام 2024؛ بسبب الصراعات المتصاعدة والأزمة الاقتصادية الممتدة.

ومع انكماش الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنسبة -5.7 في المائة خلال الربع الرابع من 2024، انعكست التداعيات السلبية بوضوح على الاقتصاد، فقد تراجعت معدلات النمو بشكل كبير منذ عام 2019، ليصل الانخفاض التراكمي إلى أكثر من 38 في المائة عام 2024، مقارنة بـ34 في المائة خلال العام السابق عليه. وتزامن هذا التدهور مع تصعيد الصراع في الربع الأخير من 2024، مما أضاف آثاراً إنسانية مدمرة، مثل النزوح الجماعي والدمار واسع النطاق، وبالتالي أدى إلى خفض إضافي في الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنسبة 6.6 في المائة بحلول منتصف نوفمبر (تشرين الثاني) 2024. وكان قطاع السياحة، الذي يمثل أحد أعمدة الاقتصاد اللبناني، من بين الأشد تضرراً، فقد تراجعت عائداته لتتحول من فائض إلى عجز بنسبة -1 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي عام 2024.

منصب حاكم «المصرف المركزي»

كذلك يمثل هذا الحدث محطة مهمة لإصلاح المؤسسات اللبنانية، بما في ذلك معالجة الشغور في المناصب القيادية التي تُعد ركيزة أساسية لاستقرار البلاد. ومن بين هذه المناصب، حاكم «مصرف لبنان» الذي بقي شاغراً منذ انتهاء ولاية رياض سلامة في 31 يوليو (تموز) 2023، على الرغم من تعيين وسيم منصوري حاكماً بالإنابة. لذا، فإن تعيين خَلَفٍ أصيل لحاكم «المصرف المركزي» يُعدّ خطوة حاسمة لضمان استقرار النظامين المالي والنقدي، خصوصاً أن «مصرف لبنان» يشكل محوراً رئيسياً في استعادة الثقة بالنظامين المصرفي والمالي للبلاد.

مقر «مصرف لبنان المركزي» في بيروت (رويترز)

علاوة على ذلك، سيجد الرئيس الجديد نفسه أمام تحدي إصلاح «القطاع المصرفي» الذي يُعدّ جوهر الأزمة الاقتصادية. فملف المصارف والمودعين يتطلب رؤية شاملة لإعادة هيكلة القطاع بطريقة شفافة وعادلة، تُعيد ثقة المودعين وتوزع الخسائر بشكل منصف بين المصارف والحكومة والمودعين. ومع إدراج لبنان على «اللائحة الرمادية» وتخلفه عن سداد ديونه السيادية، تصبح هذه الإصلاحات ضرورية لاستعادة العلاقات بالمؤسسات المالية الدولية، واستقطاب التمويل اللازم، ومنع إدراج لبنان على «اللائحة السوداء». ناهيك بورشة إصلاح القطاع العام وترشيده وتفعيله، فتكلفة مرتَّبات القطاع العام مرتفعة جداً نسبةً إلى المعايير الدولية. فعلى مرّ السنين، شكّل مجموع رواتب وتعويضات القطاع العام لموظفي الخدمة الفعلية والمتقاعدين (وعددهم نحو 340 ألفاً) نحو 40 في المائة من إجمالي نفقات الموازنة، الأمر الذي شكّل عبئاً فادحاً على مالية الدولة والاقتصاد عموماً.

آمال اللبنانيين في قيادة جديدة

وسط هذه الأزمات المتشابكة، يعوّل اللبنانيون على انتخاب رئيس جديد للجمهورية لفتح نافذة أمل على الصعيدين الاقتصادي والسياسي. فمن المأمول أن يسعى الرئيس المقبل، بدعم من حكومة فاعلة، إلى إعادة بناء الثقة الدولية والمحلية، واستعادة الاستقرار السياسي، وهما شرطان أساسيان لوقف التدهور الاقتصادي وتحفيز النمو. فاستعادة قطاع السياحة؛ الرافعة الأساسية للاقتصاد اللبناني، على سبيل المثال، تتطلب تحسين الأوضاع الأمنية وتعزيز الثقة بلبنان بوصفه وجهة آمنة وجاذبة للاستثمارات. وهذه الأمور لن تتحقق إلا بوجود قيادة سياسية قادرة على تقديم رؤية استراتيجية واضحة لإعادة الإعمار وتحقيق الإصلاحات الضرورية. وبالنظر إلى العجز المستمر في الحساب الجاري والانخفاض الكبير في الناتج المحلي الإجمالي، يصبح نجاح الرئيس الجديد في معالجة هذه الملفات عاملاً حاسماً لإنقاذ لبنان من أزمته العميقة، وإعادة توجيه الاقتصاد نحو التعافي والنمو المستدام.


مقالات ذات صلة

نشاط الأعمال في منطقة اليورو يرتفع لأعلى مستوى في 8 أشهر

الاقتصاد نادل يحمل الطعام خلال الافتتاح الرسمي لمهرجان «أكتوبرفست» في ميونيخ بألمانيا (أرشيفية- رويترز)

نشاط الأعمال في منطقة اليورو يرتفع لأعلى مستوى في 8 أشهر

ارتفع نشاط الأعمال في منطقة اليورو إلى أعلى مستوى له في 8 أشهر خلال يوليو، مع تعافي قطاع الخدمات وتحسن قطاع التصنيع.

«الشرق الأوسط» (عواصم )
الاقتصاد ناطحات سحاب في مركز موسكو الدولي للأعمال (رويترز)

انكماش قطاع الخدمات في روسيا خلال يوليو بأبطأ وتيرة منذ 3 أشهر

أظهر مسح للأعمال نُشر يوم الأربعاء أن قطاع الخدمات في روسيا انكمش في يوليو (تموز)، وإن كان بأبطأ وتيرة له في ثلاثة أشهر.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
الاقتصاد مشهد لأفق مدينة تل أبيب يضم مباني سكنية ومكاتب قيد الإنشاء (رويترز)

انكماش الاقتصاد الإسرائيلي 3.8 % في الربع الأول بفعل تداعيات الحرب

أعلن المكتب المركزي للإحصاء الإسرائيلي، يوم الخميس، أن الاقتصاد انكمش بنسبة 3.8 % على أساس سنوي خلال الربع الأول، وفق ثالث تقديراته.

«الشرق الأوسط» (القدس)
الاقتصاد رجل ينظر إلى نظارات شمسية معروضة خارج متجر في تاور هامليتس بلندن (رويترز)

للشهر الثاني... انكماش قطاع الخدمات البريطاني في يونيو بأسرع وتيرة منذ أوائل 2023

أظهر مسحٌ، نُشر يوم الجمعة، أنَّ نشاط قطاع الخدمات في بريطانيا، وهو القطاع الأكبر في الاقتصاد البريطاني، انكمش للشهر الثاني على التوالي خلال يونيو (حزيران).

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد نادل يخدم زبائن داخل مطعم في مدريد (رويترز)

تباطؤ انكماش قطاع الخدمات في منطقة اليورو خلال يونيو وسط تراجع التضخم

أظهر مسح أن انكماش قطاع الخدمات في منطقة اليورو تباطأ خلال يونيو بالتزامن مع تسجيل انخفاض حاد في ضغوط التكاليف بأسرع وتيرة منذ فترة الإغلاقات المرتبطة بالجائحة.

«الشرق الأوسط» (عواصم)

مقترح «اتحاد المطورين»... هل يضبط «فوضى» السوق العقارية بمصر؟

جولة لمسؤولين في وزارة الإسكان على مشاريع لمطورين في القاهرة الجديدة الشهر الحالي (صفحة وزارة الإسكان على فيسبوك)
جولة لمسؤولين في وزارة الإسكان على مشاريع لمطورين في القاهرة الجديدة الشهر الحالي (صفحة وزارة الإسكان على فيسبوك)
TT

مقترح «اتحاد المطورين»... هل يضبط «فوضى» السوق العقارية بمصر؟

جولة لمسؤولين في وزارة الإسكان على مشاريع لمطورين في القاهرة الجديدة الشهر الحالي (صفحة وزارة الإسكان على فيسبوك)
جولة لمسؤولين في وزارة الإسكان على مشاريع لمطورين في القاهرة الجديدة الشهر الحالي (صفحة وزارة الإسكان على فيسبوك)

أثار مقترح الحكومة المصرية تدشين «اتحاد المطورين العقاريين» تساؤلات بشأن ضبط «فوضى» السوق، عقب شكاوى عديدة خلال الشهور الماضية.

وقالت وزيرة الإسكان، راندة المنشاوي، إن الوزارة تعمل على إعداد مشروع قانون لإنشاء اتحاد المطورين العقاريين، تمهيداً لاستكمال الإجراءات التشريعية اللازمة لعرضه وإصداره، بما يسهم في وضع إطار تنظيمي واضح لممارسة نشاط التطوير العقاري وتعزيز انضباط السوق، وفق بيانٍ، مساء الاثنين.

وكان الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي قد انتقد خلال احتفالية المولد النبوي في 26 أغسطس (آب) الماضي التأخير في تسليم الوحدات العقارية للمواطنين، موجهاً بتدخل الدولة في ذلك وتطبيق القانون على المخالفين. وقال السيسي آنذاك: «كل من أخذ مالاً هو ملتزم بتنفيذ هذا التعاقد في التوقيت المحدد بالعقد، وغير ذلك سنتخذ الإجراءات القانونية حفاظاً على حقوق الناس ومصداقية الدولة».

وأشاد الباحث الاقتصادي والخبير في أسواق المال، محمد مهدي عبد النبي، بخطوة تدشين اتحاد المطورين العقاريين، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن هذا الاتحاد سينظم العلاقة بين المطور العقاري من جهة، والمواطن والحكومة من جهة ثانية.

وأضاف: «أي خطوة لضبط السوق العقارية وحل أزمات التأخيرات مرحب بها»، معتبراً أن الحكومة أدركت حجم الأزمة وتتدخل بأمور تنظيمية.

وتوقع عبد النبي أن تصب هذه التوجهات في صالح كبار المطورين العقاريين، أصحاب الملاءات المالية الضخمة، والمشاريع الكبيرة، في حين ستؤدي إلى خروج كثيرين من صغار المطورين المُتعثرين من السوق.

جانب من العاصمة الجديدة شرق القاهرة (شركة العاصمة الجديدة)

لكن المسوق العقاري، أنس الكيلاني، يرى أن الأزمة ليست مقتصرة على صغار المطورين، وقال: «رغم الأزمات التي شهدتها السوق العقارية في ظل قرارات التعويم والتي ضاعفت تكلفة المشاريع، استطاع بعض صغار المطورين تجاوزها وتسليم مشاريعهم في وقتها، فيما تعثر بعض كبار المطورين خصوصاً في ظل حجم مشاريعهم الضخمة».

وتوالت شكاوى، وصلت حد مشاجرات بين أصحاب وحدات ومطورين، بعد اكتشاف بيع الوحدة نفسها لأكثر من شخص، أو لتأخر مواعيد التسليم، بالإضافة إلى تحذيرات لمشترين من مطورين عقاريين، بعضهم من كبار المطورين.

وقال الكيلاني لـ«الشرق الأوسط»: «أي محاولة رسمية لضبط السوق محل ترحيب وتقدير، خصوصاً أن السوق خسرت العديد من الفرص الاستثمارية في الفترة الماضية بسبب أزماتها التي يضخِّمها بعض المنتفعين».

وتُعد سوق العقارات المصرية من أكثر الأسواق نمواً وتطوراً خلال العقد الأخير، مدفوعة بتوجهات رسمية لتوسعتها بعدد من المشاريع الضخمة، في مقدمتها مشروع العاصمة الجديدة.

وبلغ حجم سوق العقارات في مصر 18.04 مليار دولار في عام 2023، وسط توقعات بأن يتجاوز 30 مليار دولار في عام 2028 بمعدل نمو سنوي 10.96 في المائة، وفق ما نقله مركز معلومات مجلس الوزراء عن مؤسسة «موردور إنتلجنس» العالمية.

وسيضع مشروع قانون «اتحاد المطورين» معايير وضوابط واضحة للانضمام إلى اتحاد المطورين العقاريين، «بما يضمن أن يضم الشركات الجادة والقادرة على تنفيذ مشروعاتها والوفاء بالتزاماتها تجاه المواطنين»، وفق بيان وزارة الإسكان.

بنايات في وسط القاهرة (الشرق الأوسط)

وأكدت وزيرة الإسكان أن الشركات التي يثبت تعثرها وعدم التزامها بتنفيذ تعاقداتها أو تسليم الوحدات للمواطنين وفقاً للمواعيد والالتزامات المتفق عليها، لن تتوافر فيها معايير الانضمام إلى الاتحاد.

وتابعت: «هدفنا بناء سوق عقارية أكثر انضباطاً وشفافية، ودعم المطور الجاد وحماية حقوق المواطنين، ووضع معايير واضحة لممارسة نشاط التطوير العقاري»، مؤكدة في الوقت نفسه أن تنظيم السوق لا يستهدف تقييد نشاط المطورين، بل وضع قواعد عادلة تضمن المنافسة بين الشركات الجادة، وتعزز الثقة بالقطاع العقاري، وتحافظ على حقوق المواطنين.

ولا يوجد مدى زمني محدد لصدور هذا القانون؛ إذ إنه عقب صياغته كمشروع قانون من الحكومة يُعرض على مجلس النواب ليأخذ دورته البرلمانية لحين الموافقة عليه.


السياحة الترفيهية في السعودية مرشحة للنمو 93 % خلال 2030

حضور واسع في معرض سوق السفر العالمي – سبوت لايت الرياض (الشرق الأوسط)
حضور واسع في معرض سوق السفر العالمي – سبوت لايت الرياض (الشرق الأوسط)
TT

السياحة الترفيهية في السعودية مرشحة للنمو 93 % خلال 2030

حضور واسع في معرض سوق السفر العالمي – سبوت لايت الرياض (الشرق الأوسط)
حضور واسع في معرض سوق السفر العالمي – سبوت لايت الرياض (الشرق الأوسط)

من المتوقع أن تنمو السياحة الترفيهية الدولية في المملكة بنسبة 93 في المائة بين عامي 2025 و2030، متجاوزةً معدلات النمو المتوقعة في منطقة الشرق الأوسط وعلى المستوى العالمي، وذلك وفقاً لتقرير جديد صادر عن «توريزم إيكونوميكس» بعنوان: «المملكة العربية السعودية: قوة سياحية عالمية صاعدة»، وقد جرى عرضه اليوم خلال فعاليات معرض سوق السفر العالمي – سبوت لايت الرياض.

وفي كلمته خلال اليوم الافتتاحي، كشف ديف غودجر، المدير الإداري لمنطقة أوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا في شركة «توريزم إيكونوميكس»، أن السياحة الترفيهية الدولية في المملكة، مقيسةً بعدد الليالي السياحية التي قضاها الزوار، من المتوقع أن تنمو بأكثر من ثلاثة أضعاف المعدل العالمي البالغ 30 في المائة خلال السنوات الخمس المقبلة، متجاوزةً بذلك منطقة الشرق الأوسط التي سجلت معدل نمو بلغ 64 في المائة.

ويستند هذا التوقع إلى فترة من التوسع السياحي الكبير، فبين عامي 2019 و2025، حقق السفر الدولي إلى السعودية نمواً ملحوظاً بنسبة 67 في المائة، مقارنةً بـ20 في المائة في منطقة الشرق الأوسط و5 في المائة على مستوى العالم، حيث ساهمت المملكة بنحو ثلاثة أرباع نمو السفر الدولي في المنطقة خلال تلك الفترة، كما زادت الرياض حصتها في سوق السفر الدولي العالمي.

الزوار الدوليون

وأوضح ديف غودجر، المدير الإداري لمنطقة أوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا في شركة «توريزم إيكونوميكس»: «برزت المملكة سريعاً كواحدة من أكثر اقتصادات السياحة ديناميكية في العالم، حيث ساهمت بنحو 15 في المائة من نمو السفر العالمي منذ عام 2019، واستحوذت على ثلاثة أرباع نمو السياحة في الشرق الأوسط». وواصل: «مع اقتراب عدد الزوار الدوليين من نصف إجمالي الليالي التي يقضونها في المملكة، لم يعد هذا الأمر مجرد قصة إقليمية، بل أصبح محركاً سياحياً قوياً قائماً على التصدير، مدعوماً بالاستثمار المستدام، وتطوير الوجهات السياحية، وطموحاً واضحاً لتصبح المملكة قوة سياحية عالمية رائدة».

ويُظهر تحليل شركة «توريزم إيكونوميكس» أيضاً ارتفاع حصة الصين من إنفاق السياح الدوليين في قطاع السياحة الترفيهية من 9 في المائة عام 2019 إلى 28 في المائة عام 2025، ومن المتوقع أن تصل إلى 31 في المائة بنهاية العقد.

ويُعزز هذا الاحتمال لجذب السياح الدوليين ذوي الإنفاق الأعلى بحثٌ أجرته شركة «دراغون تريل إنترناشونال»، الشريك البحثي الرسمي لمعرض سوق السفر العالمي - سبوت لايت الرياض 2026»، وفي إطار شراكتها مع المعرض، أصدرت شركة «دراغون تريل» تقريراً خاصاً بعنوان: «السياحة الصينية إلى المملكة العربية السعودية: تقرير خاص 2026»، يجمع بين أبحاث المستهلكين وقطاع السياحة لدراسة تطور السياحة الصينية إلى المملكة وتحديد شرائح السوق وأنماط السفر التي تُقدم أقوى إمكانات النمو.

كما أظهرت دراسة أجرتها أن السعودية تُعدّ بالفعل من بين أبرز الوجهات السياحية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا التي يُروّج لها وكلاء السفر الصينيون؛ إذ يُروّج أكثر من نصف وكلاء السفر الذين شملهم الاستطلاع 52 في المائة حالياً للمملكة، فيما اعتبرها 32 في المائة منهم من بين الوجهات السياحية ذات الإمكانات المستقبلية الأكبر لجذب السياحة الصينية.

المغامرات والأنشطة الخارجية

ويُمثّل قطاع السياحة الفاخرة فرصةً واعدةً للغاية، حيث أشار 42 في المائة من وكلاء السفر الصينيين الذين شملهم الاستطلاع إلى أن المسافرين من ذوي الثروات الكبيرة والباحثين عن الرفاهية هم الشريحة الأكثر قابليةً للتعافي والنمو في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

وتتوافق التجارب التي يبحث عنها هؤلاء المسافرون أيضاً مع تنوّع المقومات السياحية المتنامية في المملكة.

ووفقاً لاستطلاع شمل وكلاء سفر صينيين، أشار 54 في المائة منهم إلى أن الطبيعة والمناظر الطبيعية تحظى بجاذبية خاصة لدى عملائهم، تليها المغامرات والأنشطة الخارجية بنسبة 45 في المائة، ثم المتاحف والمعالم الثقافية بـ41 في المائة، والتفاعل مع السكان المحليين بنسبة 41 في المائة، والمنتجعات الفاخرة 37 في المائة.

الطلب الفندقي

وتتجلى الفرصة طويلة الأجل أيضاً في قطاع الضيافة في المملكة العربية السعودية، حيث قدمت شركة «إس تي آر» المتخصصة العالمية في بيانات الضيافة ومعاييرها، أبحاثاً وتوقعات حصرية إلى معرض سوق السفر العالمي – سبوت لايت الرياض، مما يسلط الضوء على الطلب الفندقي القوي وتوقعات الأداء في جميع أنحاء المملكة.

كما تتوقع شركة «إس تي آر» نمو إيرادات الغرف المتاحة في الرياض بنسبة 18.6 في المائة في عام 2027، حيث من المتوقع أن يتجاوز الطلب المتزايد من الشركات والاستشارات العرض الفندقي الجديد، ومن المتوقع أن يستمر نمو إيرادات الغرف المتاحة خلال السنوات الأربع التالية مع توسع العاصمة في قطاعي الأعمال والترفيه بما يتماشى مع «رؤية 2030».

وفي جدة، ساهم الطلب المحلي والدولي القوي، باعتبارها وجهة سياحية صيفية شهيرة وممراً رئيسياً للحج والعمرة، في دعم الأداء خلال النصف الأول من عام 2026. ومع ذلك، لا يزال النمو السريع في المعروض الفندقي عاملاً مهماً، حيث من المتوقع افتتاح أكثر من 2300 غرفة جديدة في عام 2027، ومن المتوقع أيضاً أن تستفيد كل من الرياض وجدة من زيادة الطلب على سياحة المؤتمرات والمعارض في العام المقبل.

فرص اقتصادية وتجارية

من جهتها، صرحت دانييل كورتيس، المديرة الإقليمية لمحفظة شركة «آر إكس» في دولة الإمارات العربية المتحدة، قائلةً: «تُظهر الرؤى التي تم استعراضها خلال معرض سوق السفر العالمي - سبوت لايت الرياض، أن التحول الذي يشهده قطاع السياحة في المملكة يُترجم بصورة متزايدة إلى فرص اقتصادية وتجارية ملموسة، وقد حققت المملكة بالفعل نمواً لافتاً في أعداد الزوار، فيما تتمثل المرحلة المقبلة في البناء على هذا الزخم من خلال استقطاب الطلب ذي القيمة العالية، وضمان امتداد فوائده لتشمل مختلف مكونات منظومة السياحة».

الجدير بالذكر أن التسجيل مفتوح الآن للزوار لحضور معرض «سوق السفر العالمي - سبوت لايت الرياض»، حيث تمت دعوة أبرز متخصصي السفر لحجز مكانهم في الدورة الافتتاحية للحدث والتواصل مباشرة مع أحد أسرع أسواق السياحة نمواً في العالم.


«فيتش» تثبّت تصنيف تونس عند «بي -» بنظرة مستقرة

أطفال يستمتعون بالترطيب بجوار نوافير المياه عند مدخل المدينة القديمة بتونس (إ.ب.أ)
أطفال يستمتعون بالترطيب بجوار نوافير المياه عند مدخل المدينة القديمة بتونس (إ.ب.أ)
TT

«فيتش» تثبّت تصنيف تونس عند «بي -» بنظرة مستقرة

أطفال يستمتعون بالترطيب بجوار نوافير المياه عند مدخل المدينة القديمة بتونس (إ.ب.أ)
أطفال يستمتعون بالترطيب بجوار نوافير المياه عند مدخل المدينة القديمة بتونس (إ.ب.أ)

أبقت وكالة «فيتش» للتصنيفات الائتمانية على التصنيف السيادي طويل الأجل لتونس عند «بي -» مع نظرة مستقبلية «مستقرة»، مشيرةً إلى أن الاقتصاد التونسي يتمتع بتنوع نسبي وقوة في مؤشرات نصيب الفرد من الناتج والتنمية البشرية، إلى جانب قوة عاملة متعلمة ومتانة في الوضع الخارجي رغم الصدمات، في مقابل ارتفاع الدين الحكومي والعجز المالي واحتياجات التمويل الكبيرة.

وقالت «فيتش» إن التصنيف يعكس كذلك هشاشة المالية العامة أمام الصدمات الخارجية، لا سيما تقلبات أسعار السلع، نتيجة ارتفاع تكلفة الدعم، فضلاً عن محدودية خيارات التمويل المتاحة للحكومة.

وتتوقع الوكالة اتساع عجز الحساب الجاري التونسي إلى 3.9 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي في 2026، مقارنةً بمستويات أقل في الفترة السابقة، نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة وما يترتب عليه من زيادة عجز الميزان التجاري.

يأتي ذلك رغم تحسن إيرادات صادرات زيت الزيتون، التي ارتفعت 44 في المائة على أساس سنوي خلال النصف الأول من 2026، إلى جانب استمرار الأداء القوي لقطاع الخدمات.

وتتوقع «فيتش» أن يتراجع عجز الحساب الجاري إلى أقل من 2.5 في المائة من الناتج خلال عامي 2027 و2028، على افتراض انخفاض أسعار النفط العالمية. إلا أنها حذرت من أن الحساب الجاري التونسي سيظل شديد الحساسية أمام أي ارتفاع مطول في أسعار النفط.

تراجع ضغوط التمويل الخارجي

وترى الوكالة أن انخفاض آجال استحقاق الدين الخارجي الحكومي، بالتزامن مع استمرار تدفقات التمويل من الشركاء الثنائيين ومتعددي الأطراف، سيؤدي إلى تراجع صافي تدفقات التمويل الخارجي إلى نحو 1.4 في المائة من الناتج في 2026، مقارنةً بمستوى قياسي بلغ 3.6 في المائة في 2024.

ومن المتوقع أن تستقر هذه التدفقات عند نحو 1 في المائة من الناتج خلال عامي 2027 و2028.

وأشارت «فيتش» إلى أن تونس سددت بالكامل سند اليورو الوحيد القائم بقيمة 700 مليون يورو، والذي استحق في يوليو (تموز) 2026، بدعمٍ من قروض قدمها البنك المركزي.

وأضافت أن استعادة الحكومة قدرة أكبر من المتوقع على الاقتراض من الأسواق التجارية، وهو ما تتوقع الوكالة أن يبدأ مجدداً خلال 2026، يمكن أن تسهم في خفض صافي تدفقات التمويل الخارجي بصورة كبرى.

أشخاص يتسوقون في المدينة القديمة بتونس (إ.ب.أ)

الاحتياطيات تظل متماسكة

وتتوقع «فيتش» تراجع الاحتياطيات الدولية إلى ما يعادل 3.3 أشهر من المدفوعات الخارجية الجارية خلال 2026، نتيجة اتساع عجز الحساب الجاري.

لكنها تتوقع أن يسمح تقلص العجز اعتباراً من 2027، بارتفاع الاحتياطيات تدريجياً إلى ما يعادل 3.7 شهر من المدفوعات الخارجية في 2028، مقارنةً بمتوسط يبلغ 4.1 شهر للدول المصنفة عند مستوى «بي».

وفي المقابل، ارتفعت تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر إلى تونس إلى نحو 2 في المائة من الناتج في 2025، مدفوعةً باستثمارات في مشروعات الطاقة المتجددة والأنشطة الصناعية، وأظهرت هذه التدفقات قدرة على الصمود أمام الصدمات السياسية والخارجية.

عجز مالي مرتفع

وتتوقع «فيتش» اتساع العجز المالي إلى 6.4 في المائة من الناتج في 2026، مقارنةً بمتوسط يبلغ 3.3 في المائة للدول المصنفة عند مستوى «بي».

وعزت الوكالة ذلك بصورة رئيسية إلى ارتفاع تكلفة دعم الوقود، التي تتوقع أن تزيد بنحو 0.8 نقطة مئوية من الناتج خلال العام.

ولا تتوقع «فيتش» تنفيذ إصلاحات مالية جوهرية في المدى القريب، كما ترى أن الحكومة أنهت جهود خفض الإنفاق الجاري، ولا سيما فاتورة الأجور.

ورغم توقع تراجع العجز تدريجياً حتى 2028، فإنه سيظل شديد التأثر بأسعار النفط. ووفق تقديرات الوكالة، فإن عجز 2028 سيكون أعلى بنحو 1.4 نقطة مئوية من توقعاتها الحالية إذا بقي سعر النفط عند 87 دولاراً للبرميل حتى ذلك العام.

الدين عند 85 % من الناتج

وتتوقع الوكالة ارتفاع الدين الحكومي التونسي بشكل طفيف إلى 85 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي في 2026، على أن يظل قريباً من هذا المستوى حتى 2028، وهو ما يزيد بشكل واضح على متوسط 55 في المائة للدول المصنفة عند «B».

وأشارت إلى أن نحو 40 في المائة من إجمالي الدين مقوم بالعملات الأجنبية، مما يجعل المالية العامة أكثر عرضة لمخاطر تقلبات أسعار الصرف.

احتياجات تمويل كبيرة

وعلى الرغم من توقع تراجع احتياجات التمويل المالي، فإنها ستظل مرتفعة، إذ تقدر «فيتش» احتياجات التمويل، باستثناء إعادة تمويل الديون قصيرة الأجل، بنحو 13.5 في المائة من الناتج في 2028، مقارنةً بمتوسط 8.9 في المائة للدول المصنفة عند «بي».

ولفتت الوكالة إلى أن البنك المركزي التونسي قدم للحكومة قروضاً من دون فائدة بقيمة 7 مليارات دينار تونسي في كلٍّ من 2024 و2025، فيما تتضمن موازنة 2026 قرضاً مخططاً بقيمة 11 مليار دينار، بما يعادل 6.1 في المائة من الناتج المتوقع.

وترى «فيتش» أن تمويل البنك المركزي للحكومة مرشَّح للتوقف في 2027، في ظل غياب استحقاقات خارجية كبيرة، وهو ما سيؤدي، وفق تقديراتها، إلى ارتفاع صافي الاقتراض المحلي من 1.7 في المائة من الناتج في 2026 إلى 6.5 في المائة في 2027، بما قد يفرض ضغوطاً كبرى على القطاع المالي المحلي.

ضغوط على الدينار

وأشارت «فيتش» إلى أن سعر الصرف الحقيقي الفعلي للدينار التونسي ارتفع 24 في المائة بين 2019 و2025، وفق بيانات صندوق النقد الدولي، نتيجة استقرار سعر الصرف الاسمي أمام العملات الرئيسية وارتفاع التضخم المحلي مقارنةً بالشركاء التجاريين.

وفي محاولة للحد من الطلب على العملات الأجنبية والحفاظ على الاحتياطيات، اتخذ البنك المركزي في مايو (أيار) 2026 إجراءات تقيّد الوصول إلى التمويل المخصص للواردات غير الأساسية.

وتقدر الوكالة أن تراجع احتياجات التمويل الخارجي خلال 2027 و2028، بالتزامن مع احتواء التضخم، سيحد من مخاطر حدوث انخفاض حاد وغير منظم في قيمة الدينار، لكنها تتوقع استمرار الضغوط على العملة.

التضخم والنمو

في المقابل، ترى «فيتش» أن الضغوط التضخمية ستظل محدودة نسبياً، مع امتصاص جزء كبير من أثر ارتفاع أسعار النفط العالمية من خلال دعم أسعار الوقود، إضافةً إلى مساهمة الظروف المناخية المواتية خلال موسم الزراعة الربيعي في الحد من مخاطر ارتفاع أسعار الغذاء على المدى القصير.

وتتوقع الوكالة ارتفاع متوسط التضخم إلى 5.7 في المائة خلال 2026، قبل تراجعه إلى نحو 5 في المائة حتى 2028، مقارنةً بمتوسط بلغ 8.3 في المائة خلال الفترة 2022-2024.

في الوقت نفسه، تتوقع «فيتش» أن يبلغ متوسط نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي نحو 2 في المائة سنوياً خلال الفترة 2026-2028.

اضطرابات اجتماعية

وقالت الوكالة إن موجات الحر الأخيرة تسببت في اضطرابات بإمدادات الكهرباء والمياه، بالتزامن مع ارتفاع معدلات البطالة، وهو ما أسهم في اندلاع احتجاجات في عدد من المدن الكبرى.

ورغم أن «فيتش» ترى أن المخاطر السياسية لا تزال محدودة، فإنها تعد المخاطر المالية مرتفعة، في ظل احتمال لجوء الحكومة إلى زيادة المخصصات الاجتماعية والتوظيف في القطاع العام استجابةً للضغوط الاجتماعية.