هل ينقذ ترمب «تيك توك» من الحظر؟

بعد تأييد محكمة أميركية قانون بيع التطبيق الصيني

شخص يحمل لافتة حول معارضته حظر «تيك توك» أمام مبنى الكابيتول في مارس 2023 (أ.ف.ب)
شخص يحمل لافتة حول معارضته حظر «تيك توك» أمام مبنى الكابيتول في مارس 2023 (أ.ف.ب)
TT

هل ينقذ ترمب «تيك توك» من الحظر؟

شخص يحمل لافتة حول معارضته حظر «تيك توك» أمام مبنى الكابيتول في مارس 2023 (أ.ف.ب)
شخص يحمل لافتة حول معارضته حظر «تيك توك» أمام مبنى الكابيتول في مارس 2023 (أ.ف.ب)

يقع مصير تطبيق «تيك توك» المملوك لشركة «بايت دانس» في الولايات المتحدة بين يدي المحكمة العليا ودونالد ترمب، الذي وعد بـ«إنقاذ» التطبيق حيث يبدو الحظر المحتمل في البلاد العام المقبل أكثر احتمالية.

فقد أيدت محكمة استئناف أميركية يوم الجمعة قانوناً يلزم «بايت دانس» المالكة لـ«تيك توك» ببيع المنصة أو مواجهة حظر العام المقبل، مما يوجه ضربة كبيرة للشركة الصينية التي تقف وراء تطبيق الفيديو.

ويأمر القانون، الذي وقَّعه الرئيس جو بايدن هذا العام، بحظر «تيك توك» في البلاد إذا لم يتخلَ التطبيق عن الشركة الأم بحلول 19 يناير (كانون الثاني) 2025 - أي قبل يوم من تنصيب ترمب رئيساً للولايات المتحدة.

محكمة الاستئناف الأميركية الناظرة في دعوى قضائية رفعتها منصة التواصل الاجتماعي «تيك توك» ضد الحكومة الأميركية (إ.ب.أ)

وجاء في الحكم الصادر بالإجماع من محكمة الاستئناف الأميركية لدائرة مقاطعة كولومبيا أن القانون - الذي يمس جوهر قضية الأمن القومي الساخنة المتعلقة بالصين والذي حظي بدعم قوي من الحزبين الجمهوري والديمقراطي في الكونغرس - دستوري ولا ينتهك حماية التعديل الأول لحرية التعبير، كما ادعت «تيك توك».

وكتبت اللجنة أن «الحكومة تصرفت فقط لحماية هذه الحرية من دولة أجنبية معادية والحد من قدرة هذا الخصم على جمع البيانات عن الأشخاص في الولايات المتحدة».

يضع القرار «تيك توك» في وضع غير مستقر في أحد أكبر أسواقها، على الرغم من أن المستقبل السياسي للقانون غير مؤكد. ومن المتوقع أن يتقدم «تيك توك» باستئناف قانوني. وإذا لم ينجح، فقد يتم حظر التطبيق في الولايات المتحدة قبل يوم واحد من تولي ترمب منصبه، في ضربة لمستخدمي التطبيق الأميركيين البالغ عددهم 170 مليوناً والمبدعين والمسوقين الذين يعتمدون على المنصة. ثم يعود الأمر إلى الرئيس الجديد لإيجاد طريقة لإقناع الكونغرس بإلغاء القانون نفسه الذي أقره بدعم ساحق من الحزبين هذا العام - أو إيجاد طريق آخر للقيام بذلك بنفسه، وفق صحيفة «فاينانشيال تايمز».

وقال آلان روزنشتاين، أستاذ القانون في كلية الحقوق بجامعة مينيسوتا: «إن الأمر برمته سيكون فوضى عارمة».

ماذا سيفعل «تيك توك» بعد ذلك؟

من المرجح أن يستنفد «تيك توك» كل السبل القضائية لإلغاء القانون. وستكون الخطوة الأولى هي السعي إلى مزيد من المراجعة من قبل محكمة الاستئناف في واشنطن أو نقلها مباشرة إلى المحكمة العليا الأميركية، والتي سيتعين عليها الموافقة على الاستماع إلى القضية. إذا كان الأمر كذلك، فمن المرجح أن تسعى المنصة أيضاً إلى الحصول على أمر قضائي لوقف القانون مؤقتاً من دخوله حيز التنفيذ في 19 يناير.

وقالت منصة «تيك توك» يوم الجمعة: «إن المحكمة العليا لديها سجل تاريخي راسخ في حماية حق الأميركيين في حرية التعبير، ونتوقع أن يفعلوا ذلك تماماً في هذه القضية الدستورية المهمة».

وقال عزيز حق، أستاذ في كلية الحقوق بجامعة شيكاغو، إن أعلى محكمة في أميركا «أشارت إلى أن الكيانات التي تدير المنصات لها مصالح التعديل الأول». لكنها كانت أيضاً «منفتحة على حدود حرية التعبير في سياق الأمن القومي».

ما الذي يمكن أن يفعله ترمب؟

في غياب انتصار قانوني، فإن بقاء «تيك توك» على الأرجح سيكون في يد ترمب. فقبل انتخابه، قال إنه لن يحظر التطبيق عند عودته إلى البيت الأبيض، في محاولة منه للحفاظ على «المنافسة» في سوق تهيمن عليه ميتا مارك زوكربيرج المملوكة لمارك زوكربيرج، والتي وصفها الرئيس المنتخب بأنها «عدو الشعب».

من غير المحتمل أن يكون لدى ترمب السلطة القانونية كرئيس لإيقاف القانون من جانب واحد. ويمكنه أن يطلب من الكونغرس - حيث سيسيطر زملاؤه الجمهوريون على كلا المجلسين - إلغاء القانون. ويمكنه أيضاً أن يضغط على المدعي العام الجديد بعدم تطبيقه، مع طمأنة شركتي «أبل» و«غوغل» بأنهما لن يُعاقبا إذا استمرا في دعم التطبيق على متاجر التطبيقات الخاصة بهما.

وأشار روزنشتاين إلى أن القانون يسمح لـ«تيك توك» بالاستمرار إذا قرر الرئيس أن التطبيق لم يعد تحت سيطرة الصين - بحجة أن ترمب يمكنه ببساطة أن يعلن أن هذا هو الحال.

محبو «تيك توك» خلال تجمعهم في مارس 2024 أمام مبنى الكابيتول بعد إقرار مشروع قانون حظر تطبيق الفيديو الشهير (أ.ب)

هل ستبيع «بايت دانس» تطبيق «تيك توك»؟

إن أوضح طريقة لتجنب حظر «تيك توك» هي من خلال عملية بيع تفصل التطبيق وبيانات مستخدميه في الولايات المتحدة عن الشركة الصينية الأم. وقد جادلت «تيك توك» بأن الموعد النهائي في 19 يناير قصير للغاية بالنسبة لعملية البيع، نظراً لتكاملها المعقد مع «باست دانس». لكن محكمة الاستئناف يوم الجمعة لم توافق على ذلك، قائلةً إنها «فترة زمنية كبيرة».

وسيكون البيع صعباً أيضاً من منظور تنظيمي، وقد يثير رد فعل عنيف من المسؤولين الصينيين والجمهور. وبعد صدور القانون في أبريل (نيسان) الماضي، قالت «بات دانس» إنها لا تنوي بيع الشركة.

في عام 2020، قامت الصين بتحديث قواعدها الخاصة بمراقبة الصادرات التي تمنح بكين في الواقع رأياً في أي صفقة من شأنها بيع التكنولوجيا الصينية إلى مشترٍ أميركي. وفي العام الماضي، قالت وزارة التجارة الصينية إنها «ستعارض بشدة» البيع القسري لـ«تيك توك».

مشترون يحومون

وبغض النظر عن ذلك، فقد كان بعض المشترين يحومون حول الصفقة. أنشأ فرانك ماك كورت، وهو رجل أعمال إعلامي ورياضي أميركي، «كونسورتيوم» من المستثمرين الذين سيقدمون عروضاً لشراء «تيك توك» من خلال كيانه غير الربحي، «بروجيكس ليبرتي»، الذي تم إنشاؤه في عام 2021 للدعوة إلى إنترنت أكثر إنصافاً. وقال متحدث باسمه هذا الأسبوع إن مجموعة المستثمرين التابعة له قد قدمت التزامات غير رسمية بأكثر من 20 مليار دولار من رأس المال.

وبالمثل، قال وزير الخزانة السابق ستيفن منوتشين في مايو (أيار) إنه كان يجمع مجموعة مستثمرين لمحاولة شراء التطبيق، بينما قالت شركة «رامبل»، وهي منصة تواصل اجتماعي يمينية، في مارس (آذار) إنها ستشارك في «كونسورتيوم» للاستحواذ على «تيك توك».

وقد أبرمت مجموعة البرمجيات «أوراكل» صفقة مع «تيك توك» في عام 2020 تُعرف باسم «بوجيكت تكساس» لتخزين البيانات الشخصية للمستخدمين الأميركيين في الولايات المتحدة، ولكن من غير المرجح أن تستحوذ على التطبيق بالجملة. وقد بدأت «تيك توك» في نقل البيانات الأميركية إلى «أوراكل كلاود» في عام 2022.

شعار «تيك توك» على هاتف ذكي مع علم أميركا في الخلفية (د.ب.أ)

ماذا يعني ذلك بالنسبة للعلاقات الأميركية الصينية؟

اعتُبر حظر تطبيق «تيك توك» في الولايات المتحدة أحد أحدث الدلائل على أن العلاقات الأميركية الصينية تسير في مسار هبوطي، وعلى انعدام الثقة على نطاق واسع في الشركات الصينية العاملة في الولايات المتحدة. وكانت التوترات التجارية قد تصاعدت هذا الأسبوع بعد أن أصدرت الولايات المتحدة حملة أخرى على صناعة الرقائق الصينية، وهي الثالثة خلال ثلاث سنوات.

وقد أعرب مؤيدو الحظر عن مخاوفهم من أن الحزب الشيوعي الصيني قد يصل إلى بيانات مستخدمي تطبيق «تيك توك» أو يتحكم في خوارزميته لاستهداف المعلومات المضللة - على الرغم من أن الحكومة الأميركية لم تقدم دليلاً على إساءة استخدام التطبيق. وقالت «تيك توك» إنها لن تمتثل لمحاولة ممارسة السلطة عليها بهذه الطريقة.

وقال كريغ سينغلتون، الخبير في الشؤون الصينية في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، إن حكم المحكمة كان «خسارة رمزية واستراتيجية» للصين في المنافسة التكنولوجية الأوسع مع واشنطن، واصفاً إياها بأنها «أداة قوية» للتأثير وجمع البيانات في الولايات المتحدة.

ويمكن للسلطات الصينية أن ترد على حظر الولايات المتحدة لـ«تيك توك» بوسائل سياسية مثل إصدار ضوابط تصدير أكثر صرامة - على سبيل المثال، على المعادن التي تُعد مكونات أساسية لصنع رقائق الكمبيوتر - أو عن طريق المنع التام لأي عملية بيع، متذرعة بمخاوف تتعلق بالأمن القومي والمنافسة العادلة.

وسيعتمد تأثير حكم المحكمة الأميركية على العلاقات الثنائية على ما إذا كان ترمب سيسعى إلى تهدئة التوترات التنافسية مع الصين بشأن التطبيق عندما يصبح رئيساً مرة أخرى أم لا؟


مقالات ذات صلة

«تيك توك» تبيع حصة الأغلبية في عمليات أميركا لمستثمرين غير صينيين

الولايات المتحدة​ لقطة تُظهر شعار «تيك توك» مع علمي الولايات المتحدة والصين (ا.ف.ب)

«تيك توك» تبيع حصة الأغلبية في عمليات أميركا لمستثمرين غير صينيين

أبرمت شركة «بايت دانس» الصينية مالكة تطبيق «تيك توك» أمس ​الخميس بشكل نهائي صفقة لتأسيس شركة مشتركة يملك شركاء أميركيون الأغلبية فيها.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق أشخاص يستخدمون هواتفهم أمام شعار منصة «إنستغرام» (رويترز)

موجة حنين تجتاح منصات التواصل… لماذا يعود المستخدمون فجأة إلى عام 2016؟

شهدت الأسابيع الأولى من عام 2026 موجةً واسعة من الحنين إلى الماضي على الإنترنت، حيث اتجه مستخدمو وسائل التواصل الاجتماعي إلى استعادة ذكريات سابقة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
تكنولوجيا تعتمد «تيك توك» بشكل متزايد على التقنيات الآلية لرصد وحذف غالبية المحتوى المخالف قبل الإبلاغ عنه من المستخدمين (رويترز)

«تيك توك» تحذف نحو 3.9 مليون محتوى مخالف في السعودية نهاية 2025

«تيك توك» تحذف أيضاً أكثر من 17.4 مليون مقطع فيديو مخالف في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

نسيم رمضان (لندن)
يوميات الشرق مراهقون يحملون هواتف ذكية أمام شعار «تيك توك» (رويترز)

دراسة: وسائل التواصل لا تزيد مشكلات الصحة النفسية لدى المراهقين

خلصت دراسة واسعة النطاق إلى أن الوقت الذي يقضيه المراهقون أمام الشاشات في اللعب أو على وسائل التواصل الاجتماعي لا يسبّب مشكلات في الصحة النفسية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
رياضة عالمية «فيفا» سيمنح «تيك توك» فرصة تقديم تغطية واسعة للمونديال (الشرق الأوسط)

«فيفا» يوقع شراكة مع «تيك توك» لـ«نشر البهجة» في مونديال 2026

أعلن الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) عن توقيعه شراكة مع منصة «تيك توك»، وذلك قبل انطلاق نهائيات كأس العالم 2026.

«الشرق الأوسط» (زيورخ)

السعودية تفتح باب التملك العقاري للأجانب


جانب من العاصمة السعودية الرياض (رويترز)
جانب من العاصمة السعودية الرياض (رويترز)
TT

السعودية تفتح باب التملك العقاري للأجانب


جانب من العاصمة السعودية الرياض (رويترز)
جانب من العاصمة السعودية الرياض (رويترز)

دخلت السعودية، أمس (الخميس)، حقبة اقتصادية تاريخية بدخول نظام تملك غير السعوديين للعقار حيز التنفيذ، مُحوّلة سوقها المحلية إلى منصة استثمارية عالمية.

ويمثل هذا الحدث حجر زاوية في منظومة التشريعات العقارية الهادفة إلى إعادة صياغة ملامح السوق العقارية السعودية.

ويستهدف النظام، المنسجم مع «رؤية 2030»، تعزيز الاستثمار الأجنبي المباشر ورفع جودة الحياة، من خلال تمكين الأفراد والشركات من التملك عبر رحلة رقمية ميسرة من بوابة «عقارات السعودية». ويمنح النظام مرونة واسعة في مختلف المدن كالرياض وجدة، مع وضع ضوابط سيادية خاصة لمكة المكرمة والمدينة المنورة، تحصر التملك فيهما على المسلمين والشركات السعودية.

ومن المتوقع أن يساهم هذا التحوّل في تنشيط القطاعات الرديفة، مع ضمان أعلى مستويات الموثوقية القانونية عبر الربط بنظام التسجيل العيني، ترسيخاً لبيئة استثمارية شفافة وآمنة.


دافوس... «هندسة الأثر» تضع السعودية في قلب الاقتصاد العالمي الجديد

جلسة خاصة بالاقتصاد السعودي في دافوس (الشرق الأوسط)
جلسة خاصة بالاقتصاد السعودي في دافوس (الشرق الأوسط)
TT

دافوس... «هندسة الأثر» تضع السعودية في قلب الاقتصاد العالمي الجديد

جلسة خاصة بالاقتصاد السعودي في دافوس (الشرق الأوسط)
جلسة خاصة بالاقتصاد السعودي في دافوس (الشرق الأوسط)

في وقتٍ يبحث فيه العالم عن بوصلة وسط «ضبابية» المشهد الاقتصادي، قدمت السعودية من فوق جبال دافوس السويسرية نموذجاً فريداً في «هندسة الأثر» الاقتصادي. ومن المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، رسم وزراء ومسؤولون خريطة طريق لمرحلة قوامها «الذكاء التشغيلي»، حيث لم يعد الطموح مجرد تحقيق النمو، بل جودة هذا النمو وتكلفته المستدامة. وبينما كان العالم يترقب صدمات جديدة، كانت الرياض تعلن انتقالها من مرحلة «التخطيط الهيكلي» إلى مرحلة «تعظيم النتائج»، محولةً الاستقرار من مجرد حالة سياسية إلى «فرصة تنافسية» نادرة تجذب رؤوس الأموال العالمية في زمن التجزؤ.

وقد عُقدت جلسة حوارية خاصة في المنتدى تحت عنوان «نظرة على الاقتصاد السعودي»، بمشاركة وزير المالية محمد الجدعان، ووزير الاقتصاد والتخطيط فيصل الإبراهيم، ورئيس البنك الدولي أجاي بانغا، وعدد من المسؤولين.

الجدعان و«ضريبة الغموض»

أطلق وزير المالية، محمد الجدعان، مصطلحاً جوهرياً بوصفه «ضريبة الغموض» كأكبر تحدٍّ يواجه المستثمرين عالمياً. وأكد أن دور المملكة يتجاوز صياغة التشريعات إلى استئصال آفة هذا الغموض.

وشدد الجدعان على أن «المالية العامة هي مرساة الاقتصاد»، معلناً بوضوح: «لا نساوم على استدامة المالية من أجل الاقتصاد»، في إشارة إلى الموازنة الدقيقة بين تسريع المشاريع والحفاظ على متانة المركز المالي للدولة.

وأوضح أن «إبطاء» بعض المشاريع أحياناً ليس تراجعاً، بل هو إجراء ضروري لمنع «سخونة الاقتصاد» وضمان قدرة القطاع الخاص على المواكبة، وصولاً إلى جعل فلسفة الإصلاح «سلوكاً مؤسسياً» يتجاوز لغة الأرقام والمستهدفات.

البيئة الاستثمارية

وأكد وزير المالية السعودي، محمد الجدعان، أن المشهد الاقتصادي العالمي بات محكوماً بقاعدة «عدم اليقين»، وهو الواقع الذي ترفضه قطاعات الأعمال وتتحاشاه الشركات الكبرى.

وشرح الجدعان فلسفة المملكة في إدارة البيئة الاستثمارية، مشيراً إلى أن الشركات تمتلك القدرة والخبرة لتحديد أسعار تجارتها بناءً على التعريفات الجمركية الواضحة أو الضرائب الإضافية المعلنة، إلا أنها تقف عاجزة أمام غياب الرؤية والتقلبات غير المتوقعة. ومن هنا، شدد على أن الدور الجوهري لصنّاع السياسات يكمن في استئصال شأفة هذا الغموض، وضمان توفير «ملاذ آمن»، وبيئة مستقرة تتيح للأعمال النمو دون مفاجآت تشريعية أو إجرائية.

الجدعان يتحدث خلال جلسة خاصة في منتدى دافوس عن الاقتصاد السعودي (الشرق الأوسط)

القطاع الخاص

وفي سياق تعزيز جاذبية السوق السعودية، أكد الوزير أن المملكة تعمل جاهدةً على بناء «المرونة» في مفاصل اقتصادها الوطني، ومنح القطاع الخاص أهم أداة يحتاج إليها للنجاح، وهي «القدرة على التنبؤ».

وأوضح أن استقرار عملية صنع القرار ووضوح مساراتها يمثلان التزاماً سعودياً لضمان أن تكون العوائد الاستثمارية متسقة ومجزية، ومناسبة لحجم المخاطر التي يتحملها المستثمر، بما يعزز من ثقة الشركاء الدوليين في استدامة النهضة الاقتصادية التي تشهدها المملكة.

وشدد الجدعان على أن مرساة الاقتصاد هي المالية العامة، قائلاً: «لا نساوم عليها من أجل الاقتصاد». وأضاف: «نوازن بين نمو الاقتصاد والتنوع ونحافظ على هذا التوازن بدقة».

العجز والدين

بدوره، قال وزير الاقتصاد والتخطيط، فيصل الإبراهيم، إن الاقتصاد السعودي انتقل إلى مرحلة «التوظيف الأمثل لرأس المال»، موضحاً أن المنظومة الاقتصادية اليوم تمتلك «ذكاءً تشغيلياً» يُمكّنها من التمييز بدقة بين توقيت تسريع النمو وتوقيت ضبط الإيقاع.

وأشار إلى ارتفاع العجز أو الدين وأنه لم يعد مجرد أرقام حسابية، بل أصبح «إنفاقاً استراتيجياً» موجهاً إلى قطاعات ذات قيمة مضافة وعوائد اقتصادية واضحة ومستدامة.

وحسب الإبراهيم، فإن الزخم الاقتصادي قوي في عدد كبير من القطاعات، وإن الأنشطة غير النفطية تمثل اليوم 56 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي وذلك للمرة الأولى، وبيَّن أن هذا التحول لم يحدث بشكل مفاجئ، بل جاء نتيجة نمو تدريجي خلال السنوات الماضية، حيث يبلغ معدل نمو الأنشطة غير النفطية نحو 5 في المائة.

وأضاف أن التوقعات تشير إلى نمو الأنشطة غير النفطية خلال السنوات الثلاث المقبلة بمعدل يتراوح بين 4.5 و5.5 في المائة مع وجود حوكمة واضحة لإقرار هذه التقديرات، وذكر أن 74 نشاطاً غير نفطي شهدت نمواً سنوياً بنسبة 5 في المائة أو أكثر خلال السنوات الخمس الماضية، فيما سجل 38 نشاطاً نمواً تجاوز 10 في المائة، مؤكداً أن هذا يعكس جودةً وتنوعاً في الأداء الاقتصادي.

وزير الاقتصاد والتخطيط يتحدث خلال جلسة خاصة عن الاقتصاد السعودي في دافوس (الشرق الأوسط)

الإصلاحات الهيكلية

ولفت إلى أن المؤشرات الداعمة لهذا التوجه تشمل نمو الصادرات غير النفطية، وزيادة عدد المصانع قيد التأسيس أو التشغيل، واتساع مشاريع قطاع السياحة، إضافةً إلى تحول ميزان تجارة الخدمات إلى فائض خلال فترة زمنية قصيرة، مما يعكس فاعلية السياسات الاقتصادية المتبعة.

وواصل الوزير أن السؤال لم يعد مرتبطاً بجدوى النمو أو زخمه بل بتكلفته، مؤكداً أهمية ضمان استمرار الزخم الاقتصادي بأثر أمثل وتكلفة مناسبة، وأن المرحلة السابقة استلزمت إنفاقاً مرتفعاً لتعويض عقود من الإمكانات غير المستغلة، غير أن المرحلة المقبلة ستركز على: لماذا يتم الإنفاق مقروناً بإصلاحات هيكلية مدروسة تحقق النتائج المطلوبة مع ضبط مستويات الصرف؟

وفيما يتعلق بالقطاعات، أوضح الوزير أن مجالات مثل الطاقة بمفهومها الواسع بما في ذلك حلول التحول الطاقي والرعاية الصحية وتقنيات الدفاع والذكاء الاصطناعي والتعدين ستواصل لعب دور محوري في النمو، مشيراً إلى أن الطلب على الرعاية الصحية يزداد، في ظل أن 70 في المائة من السكان دون سن 35 عاماً، مع توقعات ببدء مرحلة الشيخوخة بعد نحو 18 إلى 20 عاماً.

في سياق آخر، أشار الوزير إلى أن العالم يشهد حالة متزايدة من التجزؤ، معتبراً أن الوفاء بالالتزامات أصبح عملة نادرة، وأن الثقة باتت عنصراً أساسياً في استمرارية التجارة وكفاءة الأسواق، وأكد أن الاستقرار في هذا السياق أصبح قيمة نادرة وفرصة تنافسية.

وبيَّن أن السعودية تتعامل مع الاستقرار بوصفه نهجاً مؤسسياً يشمل السياسات والتنظيم والتنفيذ، مشيراً إلى أنه في عام 2024 وبينما انخفض الاستثمار الأجنبي المباشر عالمياً بنسبة 11 في المائة، ارتفع في المملكة بنحو 24 في المائة.

سوق العمل

من جانبه، قدّم رئيس مجموعة البنك الدولي، أجاي بانغا، خلال الجلسة نفسها، خريطة طريق للفصل بين التقلبات العابرة والأزمات الهيكلية الجسيمة. وبينما أبدى بانغا تفاؤلاً حذراً بقدرة القوى الكبرى على الصمود، أطلق صرخة تحذير تجاه «قنبلة موقوتة» تتعلق بسوق العمل في الدول الناشئة، معتبراً أن العالم اليوم يقف أمام مفترق طرق: إما صناعة الأمل وإما مواجهة عدم الاستقرار العالمي.

رئيس البنك الدولي يتحدث في جلسة خاصة بالاقتصاد السعودي في دافوس (الشرق الأوسط)

وأبدى بانغا دهشته من مرونة الاقتصاد العالمي، مشيراً إلى أن الولايات المتحدة والصين والهند حققت معدلات نمو تجاوزت التوقعات. وعزا هذا التفوق إلى الاستثمارات الضخمة في قطاعات الذكاء الاصطناعي، والبيانات، والبنية التحتية، مؤكداً أن هذه الاقتصادات تمتلك أنظمة مؤسسية مكَّنتها من تجاوز الظروف الصعبة؛ إذ سجلت الصين نمواً بنحو 5 في المائة، فيما لامست الهند حاجز الـ8 في المائة.

في المقابل، لفت بانغا إلى واقع مؤلم يواجه ربع الاقتصادات الناشئة، إذ لا يزال نصيب الفرد من الناتج المحلي أقل بنسبة 10 في المائة ممّا كان عليه قبل «كوفيد-19». وأرجع هذا التعثر إلى مشكلات متراكمة تتعلق بالديون والسيولة وسوء الإدارة المالية، منتقداً الإفراط في الاقتراض خلال حقبة الفائدة المنخفضة التي جعلت الاستدانة تبدو خياراً سهلاً ومغرياً لكنها أصبحت اليوم عبئاً ثقيلاً.

وسلَّط بانغا الضوء على تحدٍّ بشريّ هائل يواجه العالم في السنوات الـ15 المقبلة، إذ سيصل نحو 1.2 مليار شاب في الأسواق الناشئة إلى سن العمل. وحذر من فجوة مرعبة في الفرص، إذ تشير التقديرات إلى توفر 400 مليون وظيفة فقط، مما يترك 800 مليون شاب دون مسار مهني واضح، وهو تحدٍّ يراه بانغا أكثر إلحاحاً من النقاشات الدائرة حول الذكاء الاصطناعي.

وختم رئيس البنك الدولي تصريحاته بتحذير من أن الفشل في خلق فرص عمل لهؤلاء الشباب سيقود العالم إلى دفع ثمن باهظ يشمل الهجرة غير الشرعية، والانقلابات العسكرية، والاضطرابات الاجتماعية، مبيناً أنه في حال إحسان التعامل مع هذا الملف، سيتحول هؤلاء الشباب إلى محرك نمو عالمي يمتد لأربعين عاماً، أما الإخفاق فيعني تقويض الاستقرار العالمي لعقود قادمة.

التكنولوجيا والتعدين

وفي جلسة أخرى من المنتدى، كشف وزير الصناعة والثروة المعدنية السعودي، بندر الخريف، عن وجود «علاقة تكافلية» بين التكنولوجيا والتعدين؛ ففي حين يقود الذكاء الاصطناعي الطلب على المعادن، توفر التكنولوجيا الحلول لتأمين هذا الإمداد.

ووفق الخريف، فإن التكنولوجيا تقدم للقطاع التعديني الكفاءة والسلامة، من خلال المساعدة في تسريع استكشاف المعادن، وفهم أنواعها، ومكامن تركيزها، فضلاً عن معالجتها والمساهمة في تصنيع منتجاتها النهائية بطرق كالطباعة ثلاثية الأبعاد.

في المقابل، لفت إلى أن التوسع الهائل في تقنيات الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات يمثل المحرك الأكبر للطلب على المعادن الحرجة.

الخريّف يتحدث خلال جلسة خاصة في دافوس (الشرق الأوسط)

الذكاء الاصطناعي

من ناحية أخرى، أكد وزير الاتصالات وتقنية المعلومات السعودي، المهندس عبد الله السواحه، أن بلاده تتبنى طموحات عالمية لقيادة عصر الذكاء الاصطناعي، مشيراً إلى أن «الاستراتيجية الوطنية لا تستنسخ تجارب الآخرين، وتهدف إلى المساهمة في إضافة 100 تريليون دولار للقيمة الاقتصادية العالمية المقبلة».

السواحه يتحدث في إحدى الجلسات في دافوس (الشرق الأوسط)

وفي رده على تساؤلات بشأن طبيعة التوجه السعودي مقارنةً بالنموذجين الأميركي والصيني، أوضح السواحه، خلال جلسة حوارية في «المنتدى الاقتصادي العالمي» في دافوس، أن توجيهات الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، «تدفع دائماً نحو مضاعفة الأهداف 3 مرات سنوياً».


وزير الصناعة السعودي من دافوس: علاقة التكنولوجيا والتعدين «تكافلية»

الخريّف يتحدث في إحدى الجلسات التي استضافها «البيت السعودي» على هامش اجتماعات دافوس (الشرق الأوسط)
الخريّف يتحدث في إحدى الجلسات التي استضافها «البيت السعودي» على هامش اجتماعات دافوس (الشرق الأوسط)
TT

وزير الصناعة السعودي من دافوس: علاقة التكنولوجيا والتعدين «تكافلية»

الخريّف يتحدث في إحدى الجلسات التي استضافها «البيت السعودي» على هامش اجتماعات دافوس (الشرق الأوسط)
الخريّف يتحدث في إحدى الجلسات التي استضافها «البيت السعودي» على هامش اجتماعات دافوس (الشرق الأوسط)

شدد وزير الصناعة والثروة المعدنية السعودي، بندر الخريّف، على وجود «علاقة تكافلية» بين التكنولوجيا والتعدين؛ قائلاً إنه في حين يقود الذكاء الاصطناعي الطلب على المعادن، توفر التكنولوجيا الحلول لتأمين هذا الإمداد.

وأوضح الخريّف، خلال جلسة في المنتدى الاقتصادي العالمي، أن التكنولوجيا تقدم للقطاع التعديني الكفاءة والسلامة، من خلال المساعدة في تسريع استكشاف المعادن، وفهم أنواعها، ومكامن تركيزها، فضلاً عن معالجتها والمساهمة في تصنيع منتجاتها النهائية بطرق كالطباعة ثلاثية الأبعاد.

وفي المقابل، أشار إلى أن التوسع الهائل في تقنيات الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات يمثل المحرك الأكبر للطلب على المعادن الحرجة.

وقال الوزير إن عائد التكنولوجيا في الكفاءة والسلامة شجع السعودية للجوء إليها، مضيفاً: «نحن جريئون جداً في السعودية بشكل عام تجاه التكنولوجيا، ليس فقط في التعدين بل في كل شيء».

وأكد الخريّف أنها قدمت إمكانية رؤية مستقبل المناجم، خاصة المناجم تحت الأرض، مما عزز السلامة، وقلل التكلفة، ووفر استهلاك الطاقة، ومكّن من إدارة المناجم عن بُعد.

وعلى صعيد الاستثمار، أكد الخريّف أن نقص الاستثمار يمثل عائقاً رئيسياً أمام نمو القطاع، مشدداً على ضرورة تغيير «المفاهيم القديمة» لدى شركات الاستثمار والمصرفيين حول تخصيص الأصول في التعدين.

وفي هذا الإطار، أوضح الوزير أن «منتدى مستقبل المعادن»، الذي انطلق من الرياض قبل خمس سنوات، تحول إلى آلية دولية لفهم قيود شركات الاستثمار والمصرفيين، سعياً لتعزيز الاستثمار والابتكار في القطاع.