النمو المستدام للاقتصاد اللبناني مشروط بتقدم الإصلاحات الهيكلية

«موديز» قدّرت التحسّن الإيجابي بنسبة 2.5 % هذا العام

عمال يستخدمون رافعة لتعليق زينة شجرة عيد الميلاد المقامة أمام مسجد محمد الأمين في وسط بيروت (إ.ب.أ)
عمال يستخدمون رافعة لتعليق زينة شجرة عيد الميلاد المقامة أمام مسجد محمد الأمين في وسط بيروت (إ.ب.أ)
TT

النمو المستدام للاقتصاد اللبناني مشروط بتقدم الإصلاحات الهيكلية

عمال يستخدمون رافعة لتعليق زينة شجرة عيد الميلاد المقامة أمام مسجد محمد الأمين في وسط بيروت (إ.ب.أ)
عمال يستخدمون رافعة لتعليق زينة شجرة عيد الميلاد المقامة أمام مسجد محمد الأمين في وسط بيروت (إ.ب.أ)

خفّضت وكالة التصنيف الدولية «موديز»، في تقرير محدث، سقف ترقبات النمو الحقيقي للاقتصاد اللبناني هذا العام، من 5 في المائة المرتقبة محلياً، إلى 2.5 في المائة، مع إدراجها ضمن مسار إيجابي يرتفع إلى نسبة 3.5 في المائة خلال العامين المقبلين، ومع التنويه بأنّ هذه الأرقام «قابلة للتحسّن في حال تنفيذ الإصلاحات بشكلٍ سريع».

وتتلاقى مبرّرات الوكالة ضمنياً، مع تقديرات صندوق النقد الدولي التي تلاحظ أن التقدم المسجّل في ملف إبرام اتفاق مشترك مع لبنان، لا يزال «بطيئاً للغاية»، ويتعرض لانتكاسات تشريعية وقانونية، ما يؤكد مجدداً أن الأزمة لا تزال تتطلب توافقاً سياسياً جدياً لسن القوانين الإصلاحية الضرورية التي تمنح الصندوق الثقة الكافية للموافقة المكتملة على اتفاق يتضمن برنامج تمويل بمبالغ تتراوح بين 3 و4 مليارات دولار، وقابلة للزيادة أيضاً.

الرئيس اللبناني جوزيف عون خلال اجتماعه مع وفد من صندوق النقد الدولي (أرشيفية - الرئاسة اللبنانية)

ورغم التباين في تقديرات النمو المتوقعة لهذا العام، فإن التبدلات الطارئة على المناخات السياسية وانضمام مسؤول مدني إلى اللجنة العسكرية المعنية بوقف الأعمال العسكرية بين الجانبين اللبناني والإسرائيلي، قلّصت نسبياً من مخاوف توسّع الأعمال الحربية، وأنعشت بالتالي، بحسب مسؤول مالي معني تواصلت معه «الشرق الأوسط»، التطلعات الحكومية لتصحيح الأرقام، وربما فوق مستوى 5 في المائة، ربطاً بكثافة النشاط التجاري والسياحي المعتاد في فترة الأعياد والعطلات بنهاية العام.

وتعدّ عودة الاقتصاد المحلي إلى مسار النمو الإيجابي، وبمعزل عن التفاوت في النسب المحققة أو المرتقبة، تحولاً نوعياً لتأثير عودة الانتظام إلى عمل المؤسّسات الدستورية، بعد 5 سنوات متتالية من الأزمات الحادة والتخبط في حال «عدم اليقين» سياسياً واقتصادياً. ثم تُوّجت باندلاع حرب تدميرية طاحنة، أودت إلى اتساع فجوة الخسائر الإعمارية والقطاعية بما يزيد على 7 مليارات دولار.

وتكفلت تضافر هذه الوقائع السلبية المتتالية بانكماش حاد للناتج المحلي من أعلى المستويات البالغة نحو 53 مليار دولار عشية انفجار الأزمة إلى نحو 20 مليار دولار في ذروة الانهيارات المالية والنقدية، والمعزّزة بإشهار الحكومة الأسبق بتعليق دفع مستحقات الديون العامة، قبل أن يستعيد الاقتصاد حيوية هشّة دفعت أرقامه إلى حدود 31.6 مليار دولار بنهاية عام 2023، وفق رصد إدارة الإحصاء المركزي، ليصل بعدها إلى نحو 43 مليار دولار، وفق تقرير مصرفي محلي، بدفع من مؤشرات متنوعة تشمل السياحة وزيادة الاستيراد واستمرار التضخم واستدامة التحويلات الخارجية، ولا سيما من المغتربين والعاملين في الخارج.

رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام يُشير بيده أثناء حديثه خلال اجتماع مع وفد مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة (أ.ف.ب)

إعادة هيكلة القطاع المالي

لكن بلوغ مرحلة النمو المستدام للاقتصاد، والاستفادة من التزام الدول المانحة بدعم لبنان، يظل مشروطاً بتطبيق برنامج الإصلاح المعدّ من قبل صندوق النقد الدولي، حيث تتمحور المطالب الرئيسية حول إعادة هيكلة القطاع المالي، واعتماد استراتيجية متوسطة الأجل لتعبئة الإيرادات وترشيد النفقات، وخفض نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي واستعادة الاستدامة المالية، فضلاً عن أولويات معالجة ضعف الحوكمة وتعزيز إطار مكافحة الفساد، وإجراء عمليات تدقيق موثوقة لمجمل المؤسسات والحسابات العامة.

وليس خافياً في هذا السياق، ملاحظة إدارة الصندوق أن موازنة الحكومة للعام المقبل، لم ترتقِ إلى مستوى التطلعات الإصلاحية المطلوبة، والاستجابة لضرورة الشروع بإعادة هيكلة الديون الخارجية للبلاد، والتي تشمل سندات «اليوروبوندز» المقدرة بأكثر من 41 مليار دولار، كجزء لا يتجزأ من استعادة القدرة على تحمل الديون. في حين تنبّه إلى أن الحكومة تستمر في الاعتماد على سياسة التقشف القاسي بغية فائض تشغيلي جزئي في الخزينة، بدلاً من التركيز على الإصلاح الهيكلي، والنظر في إصلاح السياسة الضريبية لإتاحة الحيز المالي اللازم للإنفاق على الأولويات مثل إعادة الإعمار والحماية الاجتماعية.

كما تبرز التباينات التي تقارب التناقضات في نقاط محددة بشأن منهجية معالجة الفجوة المالية ستظل عائقاً محورياً على مسار المفاوضات المستمرة بين الحكومة وصندوق النقد، خصوصاً في مقاربة مسألة الودائع التي تناهز 80 مليار دولار، حيث تعلو التحذيرات والانتقادات الحادة لمنحى «الاقتراحات المسرّبة» من اللجنة الحكومية التي تعكف على إعداد مشروع القانون الرامي إلى تغطية عجز القطاع المالي، والمتضمنة صراحة أو مواربة شطب ما يصل إلى 30 مليار دولار من إجمالي المدخرات لدى المصارف، وحصر الضمانة للسداد بمبلغ 100 الف دولار، وإصدار سندات «صفرية» الفوائد لمدة تتعدى 20 عاماً للمبالغ الأكبر.

وقد حافظت «موديز» على تصنيف لبنان السيادي عند الدرجة «سي»، وعلى النظرة المستقبليّة «المستقرّة» في تحديثها للتقييم الائتماني السيادي للحكومة اللبنانيّة، مؤكدة أن هذا التصنيف يعكس احتماليّة كبيرة بأن تتخطّى خسائر حاملي سندات الدين الدولية (اليوروبوندز) نسبة 65 في المائة. في حين يتم تداول هذه السندات حالياً في الأسواق الدولية بأسعار تقارب 25 في المائة من قيمتها الدفترية، بعدما انحدرت خلال الحرب الأخيرة إلى 6 في المائة فقط.

ولم يفت الوكالة الإشارة إلى أنّ تصنيف لبنان سيبقى على حاله، إلا إذا تمّ تطبيق إصلاحات جوهريّة على مدى سنوات عدّة من جهة، وتحسين القدرة على تحصيل الإيرادات وحصول تقدّم ملحوظ في ديناميكيّة الدين، كالنموّ الاقتصادي ومستويات الفوائد وإيرادات الخصخصة والقدرة على تسجيل فوائض أولية كبيرة من جهة موازية، وذلك لضمان استدامة الدين في المستقبل.


مقالات ذات صلة

لبنان يدرس خطة لضخ ملياري دولار في الاستهلاك والإنتاج

خاص شاب يقفز من صخرة إلى البحر ​​في بيروت (أ.ب)

لبنان يدرس خطة لضخ ملياري دولار في الاستهلاك والإنتاج

تدرس جهات رسمية واقتصادية ومصرفية في لبنان خطة تمويلية بقيمة ملياري دولار، تستهدف تحفيز الاستهلاك وزيادة الإنتاج الصناعي والصادرات.

علي زين الدين (بيروت)
المشرق العربي الرئيس اللبناني يلتقي وزير الخارجية الفرنسي في قصر بعبدا ببيروت مساء السبت (أ.ف.ب)

الرئيس اللبناني لبارو: نرحب بأي جهد فرنسي لمنع حصول فراغ بعد انسحاب «اليونيفيل»

أبدى الرئيس اللبناني جوزيف عون، السبت، خلال استقباله وزير الخارجية الفرنسي نويل بارو، ترحيبه بأي جهد فرنسي للتوصل إلى صيغة تحول دون حصول فراغ أمني ووضع الجيش

«الشرق الأوسط» (بيروت )
المشرق العربي دورية للجيش اللبناني على أطراف الضاحية الجنوبية لبيروت (المركزية)

لبنان: انتقادات سياسية وإجراءات أمنية رداً على مطالب «حزب الله» بتنسيق رسمي معه

أثارت مطالبة «حزب الله» بتنسيق القوى الأمنية معه قبل دخولها ضاحية بيروت الجنوبية انتقادات سياسية بلغت توجيه أسئلة الى الحكومة عن حقيقة هذه التفاهمات.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي آلية عسكرية تابعة للكتيبة الإسبانية العاملة ضمن الـ«يونيفيل» خلال دورية مؤللة في بلدة إبل السقي بجنوب لبنان (أ.ف.ب)

واشنطن: الاجتماع العسكري في موعده... وروبيو يضغط على إسرائيل لتثبيته

يترقّب لبنان ما ستؤول إليه الاتصالات التي يجريها وزير الخارجية الأميركي، ماركو روبيو، مع رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو.

محمد شقير (بيروت)
المشرق العربي علمان لبناني وإسرائيلي في موقع تذكاري قرب الحدود بين إسرائيل ولبنان خارج مستوطنة المطلة في إسرائيل (أ.ب)

تردّد سياسي لبناني حول إعادة النظر في قانون مقاطعة إسرائيل

أعاد الإخبار المقدَّم بحق السفيرة اللبنانية في واشنطن، ندى حمادة معوض، على خلفية تواصلها مع السفير الإسرائيلي لدى الولايات المتحدة.

بولا أسطيح (بيروت)

فيتنام توقع اتفاق تجارة حرة مع دول أوروبية منها النرويج وسويسرا

مصنع لتصنيع الملابس في فيتنام (رويترز)
مصنع لتصنيع الملابس في فيتنام (رويترز)
TT

فيتنام توقع اتفاق تجارة حرة مع دول أوروبية منها النرويج وسويسرا

مصنع لتصنيع الملابس في فيتنام (رويترز)
مصنع لتصنيع الملابس في فيتنام (رويترز)

أعلنت حكومتا النرويج وفيتنام، الأحد، أن النرويج وسويسرا وآيسلندا وليختنشتاين وقعت اتفاقية للتجارة الحرة مع فيتنام.

وقالت وزارة التجارة الفيتنامية، إنها وقعت الاتفاق في هانوي مع الدول الأعضاء في «الرابطة الأوروبية للتجارة الحرة».

وأوضحت الحكومة النرويجية في بيان أن نحو نصف صادرات النرويج إلى فيتنام ستكون معفاة من الرسوم الجمركية عند سريان الاتفاقية، على أن تصبح أكثر من 98 في المائة منها معفاة من الرسوم الجمركية في غضون 7 سنوات.

وانطلقت مجدداً العام الماضي محادثات التجارة الحرة التي تعثرت مدة طويلة وسط توتر عالمي بشأن الرسوم الجمركية الأميركية. واختتمت المفاوضات في يوليو (تموز) الماضي.

وقالت وزارة التجارة الفيتنامية إن الدولة الواقعة في جنوب شرقي آسيا تصدر بشكل رئيسي المأكولات البحرية والأحذية والمنسوجات والآلات والمعدات والإلكترونيات ومكوناتها إلى أسواق «الرابطة الأوروبية للتجارة الحرة»، وتستورد منها الآلات والمعدات الصناعية والمواد الكيميائية والأدوية والمواد الخام اللازمة للإنتاج.

وأضافت الوزارة أن متوسط حجم التجارة الثنائية بين فيتنام والدول الأعضاء في «الرابطة الأوروبية للتجارة الحرة» بلغ ملياري دولار سنوياً.


صندوق النقد الدولي يتوقع تراجع اقتصاد اليابان للمركز السادس عالمياً في 2027

علم اليابان أمام حاويات شحن بميناء صناعي في طوكيو (رويترز)
علم اليابان أمام حاويات شحن بميناء صناعي في طوكيو (رويترز)
TT

صندوق النقد الدولي يتوقع تراجع اقتصاد اليابان للمركز السادس عالمياً في 2027

علم اليابان أمام حاويات شحن بميناء صناعي في طوكيو (رويترز)
علم اليابان أمام حاويات شحن بميناء صناعي في طوكيو (رويترز)

أظهرت أحدث التقارير الواردة عن صندوق النقد الدولي بشأن توقعات الاقتصاد العالمي، أنه من المتوقع أن يتراجع إجمالي الناتج المحلي الاسمي لليابان ليصل إلى المرتبة السادسة عالمياً عام 2027، لتتفوق على كل من الهند وبريطانيا.

وأفادت وكالة أنباء «جي جي برس» اليابانية، الأحد، بأن السبب الرئيسي وراء انخفاض إجمالي الناتج المحلي لليابان بالدولار، يرجع إلى تراجع قيمة الين، رغم أنه لا يمكن التغافل عن تأثير تباطؤ النمو الاقتصادي.

وكان إجمالي الناتج المحلي الاسمي لليابان قد جاء في المرتبة الرابعة عالمياً في عام 2025، وذلك بعد الولايات المتحدة والصين وألمانيا.

وفي تقريره بشأن آفاق الاقتصاد العالمي، توقع صندوق النقد الدولي أن يصل إجمالي الناتج المحلي الاسمي لليابان إلى 4341.9 مليار دولار في عام 2026، وإلى 4467.6 مليار دولار في عام 2027.

وفي الوقت نفسه، من المتوقع أن يصل إجمالي الناتج المحلي الاسمي للهند إلى 4521.1 مليار دولار في عام 2027، ما سيجعلها رابع أكبر اقتصاد في العالم.


لبنان يدرس خطة لضخ ملياري دولار في الاستهلاك والإنتاج

شاب يقفز من صخرة إلى البحر ​​في بيروت (أ.ب)
شاب يقفز من صخرة إلى البحر ​​في بيروت (أ.ب)
TT

لبنان يدرس خطة لضخ ملياري دولار في الاستهلاك والإنتاج

شاب يقفز من صخرة إلى البحر ​​في بيروت (أ.ب)
شاب يقفز من صخرة إلى البحر ​​في بيروت (أ.ب)

​تدرس جهات رسمية واقتصادية ومصرفية في لبنان خطة تمويلية بقيمة ملياري دولار، تستهدف تحفيز الاستهلاك وزيادة الإنتاج الصناعي والصادرات، من خلال منح قروض للأفراد والشركات مناصفةً. وتتوقع ورقة العمل أن تسهم الخطة في توليد إيرادات إضافية للخزينة تصل إلى 574 مليون دولار في السنة الأولى، وفق الفرضيات التي تستند إليها، بما يدعم النشاط الاقتصادي والنمو.

وتقترح الخطة توفير التمويل عبر مصرف لبنان، إما بالسحب من توظيفات المصارف لديه، أو من خلال الإقراض المباشر من سيولته، على أن تتولى المصارف منح القروض للمستفيدين. ويُخصص مليار دولار للقروض الاستهلاكية، بما يشمل تمويل السيارات والإنفاق الشخصي، بينما يُوجَّه المليار الآخر إلى الشركات، ولا سيما لتغطية رأس المال العامل وتحديث الآلات الصناعية، بما يدعم الإنتاج ويحدّ من الاعتماد على الواردات ويعزز الصادرات.

ولا تزال الخطة في مرحلة التداول، وسط مساعٍ لاستكمال الملاحظات والتحسينات اللازمة تمهيداً لبحث إقرارها رسمياً. ويستند المقترح إلى توقعات بتحقيق عوائد اقتصادية ومالية، فضلاً عن المساهمة في تنشيط الاستهلاك والإنتاج بالتوازي، ودعم جهود الحكومة الرامية إلى استعادة الانتظام المالي.

وبحسب ورقة العمل التي حصلت عليها «الشرق الأوسط» من مسؤول كبير مشارك في المداولات، يُتوقع أن يحقق ضخ الملياري دولار، بوصفه تمويلاً أولياً لمرة واحدة، أثراً اقتصادياً يُقدّر بنحو 2.95 مليار دولار. وتعادل هذه القيمة نحو 6.4 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، إذا احتُسب على أساس 46 مليار دولار، أو 8 في المائة إذا اعتُمد تقدير يبلغ 36.9 مليار دولار، وفق ما تذكره الورقة استناداً إلى بيانات البنك الدولي.

مبنى «المركزي» اللبناني في منطقة الحمرا في بيروت (أ.ب)

آلية التمويل

وقال المسؤول إن النقاشات بلغت مرحلة متقدمة، مع إعداد مندرجات الخطة وتبويبها وتحديد خيارات مصدر التمويل عبر إتاحة السحب من توظيفات المصارف لدى البنك المركزي، أو بالإقراض المباشر من سيولته، معززاً بالربط المحكم لتوجيه التسهيلات مناصفة لصالح الأسر والشركات. وتعوّل الورقة على إمكان إعادة تدوير التمويل من خلال تحصيل القروض وإعادة إقراضها، بما يسمح باستمرار أثره الاقتصادي، وتقدّر هذا الأثر بنحو 3 مليارات دولار سنوياً على الاقتصاد الوطني.

وبموجب الآلية المقترحة، يتولى البنك المركزي مباشرة، عبر ضخ الأموال إلى المصارف، من خلال قيود نظامية تحدّد ماهيتها ووجهتها، كسحوبات من التوظيفات، أو عمليات إقراض بقيمة ملياري دولار، لتتولى بدورها، أي البنوك، إعادة إقراض هذه الأموال، بهامش مردود ثابت قدره نقطتان مئويتان للعملاء الشركات، و3 نقاط مئوية للمستهلكين، بحيث يبلغ إجمالي إيرادات محفظة التسهيلات الموظّفة، نحو 50 مليون دولار في السنة الأولى.

ومن الواضح أن تخصيص التمويل، سواء مباشرة، أو عبر تغطية السحب من توظيفات البنوك، أو باعتماد عملية الإقراض والتيسير عبر القنوات المصرفية، يتوفر، بشكل شبه حصري، من خلال احتياطي البنك المركزي بالعملات، والبالغ حالياً نحو 11.6 مليار دولار. بينما تقضي الخطة بتوزيع التسهيلات، على شكل قروض للمستهلكين والشركات بالتساوي، وتستهدف مجالات تتيح السداد القصير والمتوسط الأجل، بما يكفل الدوران المتكرر لسنوات مقبلة، وتعزيز تدفقات السيولة في الأسواق.

وإلى جانب الأثر الاقتصادي المضاعف على المدى القريب، وإعادة الاعتبار لوظيفة مصرفية حيوية، يمثل التمويل المقترح فرصةً هيكلية كبرى وضرورية لقطاعات إنتاجية أساسية، بعد غياب قسري لأغلب المنتجات الائتمانية بفعل انفجار الأزمة النقدية واحتجاز توظيفات المصارف لدى البنك المركزي، والبالغة نحو 80 مليار دولار.

وقد عصفت الأزمة عينها، والتي تختم عامها السابع على التوالي، بالإمكانات المالية لدى معظم المستهلكين، جراء انهيار سعر العملة ومحدودية السيولة المتاحة لسحوبات المودعين، بواقع بين حصص تتراوح بين ألف دولار، و500 دولار شهرياً، حسب توزيعات المستفيدين من تعاميم مصرف لبنان. في حين يمكن استثمار أو تخصيص جزء أو نسبة من عوائد المبادرة في ضخ سيولة إضافية ضمن القنوات المعتمدة لإيفاء الودائع.

صياد يلقي صنارته من شاطئ صخري عند غروب الشمس في بيروت (أ.ب)

فرص استثمارية كامنة

ووفق استبيانات ميدانية استندت إليها الخطة، تعمل الصناعة اللبنانية حالياً بنحو 50 في المائة من طاقتها المركبّة، ما يكشف فرصة استثمارية كامنة وذات عوائد مضمونة، يمكن مواكبتها سريعاً، بالعمل على ردم هذه الفجوة، عبر توجيه تسهيلات بنحو 700 مليون دولار إلى رأس المال العامل، بما يشمل المواد الأولية ونوبات العمل الإضافية، وتخصيص نحو 300 مليون دولار لتحديث الآلات.

ويرتقب، بعد اكتمال هذه العملية التمويلية، تحقيق زيادة وازنة ومستدامة في حجم الصادرات بنحو 1.14 مليار دولار، بفعل ارتفاع الصادرات السنوية من السلع والخدمات، أي بنسبة تناهز 38 في المائة قياساً بحجم الصادرات الحالي والبالغة قيمته نحو 3 مليارات دولار. بالإضافة إلى تحفيز النشاط القطاعي وتنويع المنتجات والسلع، وتوفير فرص عمل إضافية مع تحسين المداخيل للعاملين.

وبالتوازي، تقترح الخطة تخصيص المستهلكين بمليار دولار، يجري توزيعه، وفق تصورات أولية قابلة للمراجعة والتعديل، بمبالغ تصل إلى 400 مليون دولار لقروض السيارات لمدة 5 سنوات، و600 مليون دولار لقروض الإنفاق الشخصي، مع برمجة سداد الأقساط خلال سنة واحدة، بهامش فائدة صافٍ قدره 3 نقاط، تؤمن مردوداً بقيمة إجمالية تبلغ 30 مليون دولار. مما يتيح استدامة ضخ التمويل لسنوات تالية، وزيادة مبالغه.

وتظهر المحاكاة الرقمية أن تحفيز النشاط الاقتصادي عبر الحزمة التمويلية المقترحة بملياري دولار، تحقيق إيرادات حكومية إضافية بقيمة تصل إلى 574 مليون دولار في السنة الأولى، يتصدرها المردود من بند «الضريبة على القيمة المضافة» بمبالغ تناهز 310 ملايين، ويليه بند «الرسوم الجمركية ورسوم الانتاج» بمبلغ لا يقل عن 135 مليون دولار، ثم بند «الضريبة على الدخل» بنحو 100 مليون دولار. بالإضافة إلى عائد «ضريبة الأرباح المصرفية» الذي يراوح بين 8 و31 مليون دولار، حسب الآلية التي سيجري اعتمادها في منح التسهيلات.

وفي البعد الاقتصادي والمالي، تتجاوز المساهمة الإيجابية الصافية في ميزان المدفوعات من شريحة إقراض الشركات نحو 1.34 مليار دولار سنوياً، موزّعة ما بين عائدات التصدير والوفورات المتحققة في الاستيراد. كما تُسهم الخطة في رفع معدلات التشغيل وتحديث المصانع، بما يفضي تلقائياً إلى تحسين موقع لبنان التجاري الخارجي عبر تجديد الإنتاج الصناعي والخدماتي، وتنمية الصادرات، واستبدال سلع مستوردة بإنتاج محلي بديل.