«صندوق الاستثمارات العامة» يدعم مساعي السعودية لتحقيق الأمن الغذائي

أسّس شركات وشراكات لتوطين المعرفة وتعظيم قدرات الإنتاج المحلي وتعزيز سلاسل التوريد العالمية

مزرعة ضمن مشاريع إحدى شركات صندوق الاستثمارات العامة (الشرق الأوسط)
مزرعة ضمن مشاريع إحدى شركات صندوق الاستثمارات العامة (الشرق الأوسط)
TT

«صندوق الاستثمارات العامة» يدعم مساعي السعودية لتحقيق الأمن الغذائي

مزرعة ضمن مشاريع إحدى شركات صندوق الاستثمارات العامة (الشرق الأوسط)
مزرعة ضمن مشاريع إحدى شركات صندوق الاستثمارات العامة (الشرق الأوسط)

تمضي السعودية في تعزيز قدراتها المحلية في إنتاج الغذاء وشراكاتها الدولية لضمان استمرارية سلاسل التوريد، في خطوة تتمثل في تحقيق الأمن الغذائي والاكتفاء الذاتي، والحفاظ على إمدادات الغذاء، ومواجهة تحديات التغير المناخي وندرة الموارد المائية، وفق معلومات حصلت عليها «الشرق الأوسط».

وتعد المملكة في مقدمة دول المنطقة في التعامل بنجاح مع ملف الأمن الغذائي منذ عقود، حيث قطعت أشواطاً كبيرة عبر إطلاق استراتيجيات ومبادرات عدة تنسجم مع «رؤية 2030»، في الوقت الذي تمثل مساهمات «صندوق الاستثمارات العامة» ركيزة رئيسية في دعم منظومة العمل السعودي لتعزيز الأمن الغذائي، منسجمةً مع أهداف «رؤية السعودية 2030»، واستراتيجية الهيئة العامة للأمن الغذائي السعودية، والاستراتيجية الوطنية للزراعة.

وتأتي خطوات المملكة بعد أن أحدثت جائحة كورونا إشكالية في ضمان الأمن الغذائي واستمرارية سلاسل توريد الغذاء، لتصبح إحدى أهم الأولويات الاستراتيجية المستقبلية لأغلب دول العالم، في ظل وصول معدلات المعاناة من نقص التغذية -في العام السابق للجائحة- إلى ما يقارب 10 في المائة من سكان العالم (811 مليون شخص حول العالم)، وفقاً لتقرير منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة، وارتفاع هذا المعدل بعدما ألقت الجائحة بظلالها على سلاسل التوريد العالمية.

وخلال العامين الماضيين، ارتفعت وتيرة الاهتمام العالمي بضمان الأمن الغذائي بعد أن أثّر الصراع في شرق أوروبا على مصادر توريد ما يتراوح بين 20 و30 في المائة من الحبوب وما يقارب 80 في المائة من زيوت دوار الشمس عالمياً، حيث دفعت هذه الحالة المضطربة لتوافر الغذاء، الكثير من دول العالم لإطلاق مزيد من البرامج والمبادرات التي تعزز عبرها قدراتها المحلية على إنتاج الغذاء وشراكاتها الدولية لضمان استمرارية سلاسل التوريد، ومن أهمها دول منطقة الخليج العربي التي تستورد ما يصل إلى 80 في المائة من احتياجاتها من السلع الغذائية، حسب منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة.

دور «صندوق الاستثمارات العامة»

وحسب معلومات، يمكن من خلال مراقبة طبيعة الأنشطة الاستثمارية للصندوق في القطاع ملاحظة السعي إلى تحقيق أهداف رئيسية على صعيد ملف الأمن الغذائي، وذلك في إطار الدور الأشمل للصندوق في الاقتصاد المحلي.

ويشمل ذلك تحفيز قدرات قطاع الزراعة والغذاء والتجزئة المحلي، وتعزيز قدراته الإنتاجية من خلال مجموعة من المشاريع الإنتاجية، وتمكين القطاع الخاص وتحفيزه على الاستثمار بهدف إيجاد منظومة أعمال وسلاسل توريد خدمية محلية متكاملة، وتوسعة شبكة الشراكات والاستثمارات الدولية لضمان استمرارية سلاسل التوريد العالمية.

ويظهر دعم استمرارية سلاسل التوريد المحلية في قطاع الأغذية في الاستثمار في كثير من الشركات ومنها «أمريكانا فودز» بهدف تعزيز قدراتها الإنتاجية لتلبية احتياجات الأسواق المحلية، الإقليمية والعالمية، بالإضافة إلى الاستثمار في شركة التجارة الإلكترونية «نون» بهدف تعزيز مرونة واستمرارية سلاسل التوريد المحلية وصولاً للمستهلك.

تسهم مبادرات وشركات الصندوق في تعزيز الأمن الغذائي للسعودية وسلاسل التوريد العالمية

توطين المعرفة

وحسب المعلومات التي حصلت عليها «الشرق الأوسط»، فإنه في إطار تعزيز توطين المعرفة وتعظيم قدرات الإنتاج المحلي من السلع الغذائية الرئيسية، يجري العمل حالياً عبر الشراكة بين شركة تطوير منتجات الحلال -المملوكة بالكامل للصندوق- والشركة البرازيلية للصناعات الغذائية (بي آر إف) المالكة لعلامة الدواجن «ساديا» على توطين تربية وإنتاج دواجن العلامة محلياً، ومن المنتظر خلال العامين المقبلين طرح المنتج في السوق المحلية بجودته العالمية.

في الوقت الذي حرصت شركة «سالك» -المملوكة بالكامل لـ«صندوق الاستثمارات العامة»- على تعزيز قدرات الإنتاج في شركات محلية قائمة فعلياً مثل «المراعي»، و«نادك»، بمنظومة استثمارية ذكية تعتمد على ضخ استثمارات.

وتأتي تلك الخطوات ضمن جهود الصندوق لتمكين القطاع الخاص وزيادة مساهمته في الاقتصاد والناتج المحلي، إذ تعزز استثمارات «سالك» قدرات شركات القطاع الخاص وتمكنها من الوصول بمنتجاتها إلى أسواق جديدة ضمن جهود الصندوق لتمكين الشركات السعودية.

واعتمد الصندوق منظمة متكاملة تشمل الاستثمار في مجموعة من شركات المنتجات الغذائية المحلية، ومنها «الشركة السعودية للقهوة - جازين» التي تستهدف تسليط الضوء على واحدة من الزراعات التراثية في المملكة وإيجاد منظومة أعمال متكاملة لها تضمن توسعها.

وتعمل الشركة على دعم منتج القهوة المحلي والارتقاء به إلى المصاف العالمية ورفع مكانة البلاد بوصفها لاعباً رئيسياً عالمياً، وتعزيز جهود تطوير الزراعة المستدامة في منطقة جازان بجنوب المملكة، بوصفها موطناً رئيسياً لبن الأرابيكا الأشهر عالمياً.

وفي الإطار نفسه، ضمن مكانة السعودية كأحد اللاعبين العالميين في إنتاج وتصدير التمور، أطلق الصندوق شركة «تراث المدينة» التي تهدف لأداء دور رئيسي في رفع وتحسين قدرة وجودة الإنتاج للتمور بمنطقة المدينة المنورة، بما يسهم في تعزيز صناعة التمور المحلية، وتسويقها محلياً ودولياً.

كما تشمل الاستثمارات تعزيز تراث حليب الإبل عبر إطلاق علامة «نوق» لمنتجات حليب الإبل من شركة «سواني» المملوكة بالكامل للصندوق، والتي استهدفت تحفيز الاستثمار في هذا النوع من المنتجات المرتبطة بالتراث السعودي، وتحفيز سلاسل التوريد المرتبطة بها، حيث تم إطلاق متاجر متخصصة لها.

وأسس الصندوق كذلك «شركة تطوير منتجات الحلال» التي تُعنى بتوطين وتطوير الصناعات المرتبطة بمنتجات الحلال في السعودية، ويشكل قطاع الأغذية أحد مرتكزات عملها، بهدف زيادة الصادرات وتعزيز مكانة المملكة في قلب صناعة الحلال العالمية.

عملية فرز للحبوب في أحد المشاريع

تمكين القطاع الخاص

وفي سياق تمكين القطاع الخاص وتعزيز قدرات نموه وتحفيز ريادة الأعمال، يسهم الصندوق في تعزيز بيئة الأعمال والدخول إلى قطاعات استثمارية جديدة وتنشيطها وتسجيل معدلات نمو جيدة بها بما يحفز القطاع الخاص ويمكنه من الدخول إليها ويُسهل عمليات ريادة الأعمال وتأسيس الشركات الناشئة ويعزز أعمال الشركات الصغيرة والمتوسطة.

ووفقاً للمعلومات فإن جهود الصندوق تسهم في تمكين تحوّل بعض مؤسسات القطاع الخاص المحلية إلى شركات إقليمياً وعالمياً عبر ضخ استثمارات ترفع رأس مال هذه الشركات وتعزز قدرتها على التوسع، وتطبق نظام حوكمة يمكنها من وضع استراتيجية واضحة للنمو.

والمثال على ذلك استثمار الصندوق في شركة «التميمي» التي بدأت في توسعها بشكل كبير على المستوى المحلي، وعززت تنوع معروضها من المنتجات، كما وفَّرت أماكن عرض للسلع والمنتجات الغذائية التي تنتجها شركات محفظة الصندوق الأخرى.

تعزيز سلاسل التوريد العالمية

وفي إطار توسعة شبكة الشراكات والاستثمارات الدولية لضمان استمرارية سلاسل التوريد العالمية، تسهم الشركات التابعة لمحفظة الصندوق بدور كبير عبر كثير من العقود وشراكات التوريد من الأسواق الخارجية، إلى جانب منظومة استثمارية عالمية تستهدف الاستثمار في الشركات والمؤسسات الغذائية حول العالم، لضمان أفضلية التوريد المستدامة للمملكة وبالأخص في أوقات الأزمات.

وفي هذا السياق، تأتي الشركة السعودية للاستثمار الزراعي والإنتاج الحيواني «سالك» كإحدى أهم الركائز التي تعتمد عليها استراتيجية الصندوق في تحقيق هذا الهدف. ويضم نشاط الشركة استثمارات محلية وعالمية تستهدف المساهمة بفاعلية في تحقيق استراتيجية الأمن الغذائي بتوفير المنتجات الغذائية واستقرار أسعارها من خلال إنشاء شركات تابعة بمفردها وعقد شراكات، وطنية وإقليمية ودولية.

وتضم قائمة الاستثمارات الدولية في قطاع الغذاء الكثير من الاستحواذات والشراكات، منها ما تقوم به شركة «سالك» من شراكات استثمار في زراعة الأزر في الهند، واستثمار في إنتاج اللحوم الحمراء في كل من البرازيل وأستراليا، بالإضافة إلى استثمار في شركة «بي آر إف» البرازيلية، واستثمار في «أولام» الزراعية القابضة ومقرها سنغافورة، وهي إحدى الشركات العالمية في مجال تجارة الحبوب والأرز والأعلاف والزيوت وتنتشر فروعها في 30 دولة حول العالم.

إحدى المزارع التي عمل فيها الصندوق لدعم سلاسل التوريد الغذائي حول العالم

تكامل الخدمات

وضمن مساعي تحقيق مرونة وانسيابية سلاسل التوريد وضمان الأمن الغذائي، تضم جهود الصندوق بناء وتعزيز منظومة الأعمال المتكاملة وسلاسل التوريد الخدمية المحيطة بالقطاع بوصفها ركيزة أساسية لضمان تكامل الخدمات، حيث تعمل شركة الحبوب الوطنية التابعة لشركة «سالك»، على تطوير قدرات التخزين وإنشاء صوامع ذات سعة عالية لضمان انسيابية حركة التوريد والتخزين.

وورَّدت شركة «سالك» إلى السعودية خلال الأعوام الأربعة الماضية أكثر من أربعة ملايين طن من السلع الاستراتيجية، حيث بدأت أول وارداتها في عام 2020 بكمية بلغت 60 ألف طن من القمح، في حين تقدَّر الكميات المورَّدة في العامين الماضيين من القمح بأكثر من 35 في المائة من احتياج البلاد.

ويعمل «صندوق الاستثمارات العامة» عبر هذه المنظومة الاستراتيجية الواسعة والمتكاملة بفاعلية على تحقيق مستهدفات «رؤية 2030» فيما يخص تعزيز الأمن الغذائي وتحقيق الاكتفاء الذاتي، والحفاظ على إمدادات الغذاء، وتحسين مؤشرات الأمن الغذائي، وتعزيز مشاركة القطاع الخاص في تحقيق النمو والتنوع الاقتصادي.


مقالات ذات صلة

أكياس الشاي تُطلق مليارات الجزيئات البلاستيكية الدقيقة

صحتك أكياس من الشاي (أرشيفية - أ.ف.ب)

أكياس الشاي تُطلق مليارات الجزيئات البلاستيكية الدقيقة

أشار بحث جديد إلى احتمال وجود شيء آخر يُنقع مع أوراق الشاي وهو الجزيئات البلاستيكية الدقيقة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد مزارعات تونسيات يحصدن الفراولة في حقل بقربة في نابل بتونس (إ.ب.أ)

خبز العالم في «مرمى النيران»... أزمة الأسمدة تخنق مزارع الكوكب

مع دخول النزاع الأميركي الإسرائيلي الإيراني أسبوعه الثالث، يواجه العالم أزمة أسمدة غير مسبوقة تضع الأمن الغذائي، خاصة في الدول النامية، على حافة الهاوية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد سفينة الحاويات «سورس بليسنغ» التي أصيبت بمقذوفات أصابتها بالقرب من مضيق هرمز راسية في هامبورغ (رويترز)

سلاسل الإمداد في مهب الريح: «حرب هرمز» التهديد الأكبر منذ الجائحة

لم تعد تداعيات الحرب الإيرانية تقتصر على أسواق الطاقة فحسب، بل امتدت لتضرب عصب التجارة العالمية (سلاسل الإمداد) في مقتل.

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك يمد اللوز الجسم بكمية جيدة من فيتامين «هـ» الذي يعمل كمضاد للأكسدة (بكسباي)

فوائد تناول اللوز بشكل يومي

تناول اللوز يومياً يقدم العديد من الفوائد الصحية للجسم، إذ يُعد من المكسرات الغنية بالعناصر الغذائية المهمة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شؤون إقليمية الإمدادات الغذائية العالمية قد تتضرر بشدة إذا ما امتدّت حرب إيران (أ.ف.ب)

تحذير: حرب إيران قد تهدد الإمدادات الغذائية العالمية

حذّر رئيس إحدى كبرى شركات الأسمدة في العالم بأن الإمدادات الغذائية العالمية قد تتضرر بشدة هذا العام إذا ما امتدّت حرب إيران.

«الشرق الأوسط» (طهران)

استقرار الديون الخارجية للصين في عام 2025

سجلت الصين فائضاً تجارياً خلال فبراير الماضي قدره 52 مليار دولار (رويترز)
سجلت الصين فائضاً تجارياً خلال فبراير الماضي قدره 52 مليار دولار (رويترز)
TT

استقرار الديون الخارجية للصين في عام 2025

سجلت الصين فائضاً تجارياً خلال فبراير الماضي قدره 52 مليار دولار (رويترز)
سجلت الصين فائضاً تجارياً خلال فبراير الماضي قدره 52 مليار دولار (رويترز)

أظهرت بيانات رسمية استقرار الديون الخارجية للصين، خلال العام الماضي، مع وصولها إلى نحو 2.33 تريليون دولار.

وأفادت الهيئة الوطنية للنقد الأجنبي في الصين، السبت، بأن هذا الرقم يقل بنحو 15.5 مليار دولار، أو 0.7 في المائة، مقارنة مع نهاية عام 2024، وفقاً للبيانات التي أوردتها وكالة أنباء الصين الجديدة (شينخوا).

وقال لي بين، نائب رئيس الهيئة والمتحدث باسمها، إن هيكل عملات الديون الخارجية للصين شهد تحسناً في عام 2025، بينما بقي هيكل الاستحقاق مستقراً على شكل أساسي.

وبنهاية عام 2025، شكَّلت الديون الخارجية غير المسددة المقومة باليوان الصيني 55.5 في المائة من الإجمالي، بزيادة 1.4 نقطة مئوية قياساً بنهاية 2024.

وبالنسبة لهيكل الاستحقاق، شكَّلت الديون المتوسطة والطويلة الأجل 43.5 في المائة من الإجمالي بنهاية 2025، بانخفاض قدره 0.6 نقطة مئوية عن نهاية 2024، حسبما أظهرت بيانات الهيئة.

وكشفت البيانات أيضاً أن نسبة الديون الخارجية غير المسددة للصين إلى إجمالي الناتج المحلي بنهاية العام الماضي بلغت 11.9 في المائة، في حين بلغت نسبة الديون الخارجية غير المسددة إلى عائدات التصدير 56.3 في المائة.

وأوضح نائب رئيس الهيئة الوطنية للنقد الأجنبي، أن هذه المؤشرات بقيت ضمن عتبات الأمان المعترف بها دولياً، مضيفاً أن مخاطر الديون الخارجية للصين يمكن السيطرة عليها بشكل عام.

على صعيد آخر، أوضحت الهيئة الوطنية للنقد الأجنبي، أن قيمة التجارة الخارجية للصين من السلع والخدمات تجاوزت 3.93 تريليون يوان في فبراير (شباط) الماضي.

وأوضحت الهيئة أن صادرات السلع والخدمات وصلت إلى نحو 2.15 تريليون يوان، بينما تجاوزت قيمة الواردات 1.79 تريليون يوان، ما أدى إلى فائض قدره 360.3 مليار يوان.

وفيما يتعلق بأعمال تجارة الخدمات الرئيسية؛ بلغت قيمة خدمات السفر 159.6 مليار يوان، بينما بلغت قيمة الخدمات التجارية الأخرى 128.5 مليار يوان، وبلغت قيمة خدمات النقل 103.3 مليار يوان، في حين بلغت قيمة خدمات الاتصالات والكومبيوتر والمعلومات 62.8 مليار يوان في الشهر الماضي، وفقاً للبيانات.

ومن حيث القيمة الدولارية؛ بلغت قيمة صادرات الصين من السلع والخدمات 309.2 مليار دولار خلال فبراير الماضي، بينما وصلت قيمة وارداتها إلى 257.3 مليار دولار، ما أدى إلى فائض قدره 51.9 مليار دولار، وفقاً للهيئة.


بعد عام على قرارات ولي العهد... عقارات الرياض «تودِّع» المُضَاربة بتراجع 64 % في قيمة الصفقات

العاصمة السعودية الرياض (واس)
العاصمة السعودية الرياض (واس)
TT

بعد عام على قرارات ولي العهد... عقارات الرياض «تودِّع» المُضَاربة بتراجع 64 % في قيمة الصفقات

العاصمة السعودية الرياض (واس)
العاصمة السعودية الرياض (واس)

بعد مرور عام على حزمة القرارات التاريخية التي أصدرها ولي العهد الأمير محمد بن سلمان في 29 مارس (آذار) من عام 2025 لإعادة التوازن إلى سوق الرياض العقارية، بدأت ملامح خريطة طريق جديدة تترسخ في أزقة العاصمة ومخططاتها الشمالية. لغة الأرقام الصادرة عن البورصة العقارية لم تكن مجرد إحصاءات، بل إعلان صريح عن انحسار موجة المضاربات التي استنزفت السوق لسنوات، حيث سجَّلت قيم الصفقات تراجعاً دراماتيكياً بنسبة 64 في المائة، لتبدأ الرياض مرحلة «التصحيح الكبير» نحو نموذج عقاري مستدام يضع احتياجات المواطن والمطور الحقيقي في قلب المشهد.

وقد رسمت توجهات ولي العهد مساراً جديداً للسوق، عبر حزمة قرارات تنفيذية مفصلية، شملت فك الحظر عن ملايين الأمتار المربعة في شمال العاصمة، وتفعيل الرسوم على الأراضي الشاغرة لضمان تدفق المعروض السكني، جنباً إلى جنب مع تجميد زيادات الإيجارات وضبط العلاقة التعاقدية بين المؤجِّر والمستأجر. هذه الإجراءات ساهمت بشكل مباشر في استقرار تكاليف السكن والحد من القفزات السعرية غير المبررة التي شهدتها السنوات الماضية.

وانعكست آثار هذه الإصلاحات الهيكلية بوضوح في بيانات البورصة العقارية التابعة لوزارة العدل؛ حيث سجَّلت قيم الصفقات تراجعاً دراماتيكياً بنسبة 64 في المائة. إذ استقرت تداولات السوق عند نحو 53 ألف صفقة بقيمة تجاوزت 17.3 مليار دولار (65 مليار ريال)، مقارنة بنحو 48.3 مليار دولار (181 مليار ريال) في العام الذي سبق صدور القرارات. كما أظهرت البيانات تراجعاً في مساحات الصفقات الإجمالية لتسجِّل 153 ألف متر مربع، نزولاً من 228 ألف متر مربع، وهو ما يفسره الخبراء بانتقال السيولة من المضاربة في الأراضي الخام الكبيرة إلى مشروعات التطوير السكني المنظم.

إعادة تشكيل السوق العقارية

يرى مختصون ومهتمون بالشأن العقاري في تصريحات لهم إلى «الشرق الأوسط»، أن هذه الإجراءات التاريخية أعادت تشكيل السوق العقارية بمدينة الرياض، نحو نموذج أكثر استدامة، قائم على التطوير العقاري والطلب السكني الحقيقي، وقادته نحو مراحل جديدة من التوازن والنضج والتوجه للاستقرار السعري وتوافق المنتجات العقارية مع الاحتياجات الفعلية للسوق، مضيفين أن هذا التحول يمثل خطوة مهمة نحو بناء سوق عقارية أكثر استدامة وقدرة على مواكبة التحولات الاقتصادية التي تشهدها المملكة.

وقال الخبير والمسوِّق العقاري، صقر الزهراني، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إن أثر هذه القرارات أحدث ملامح تحول واضح في بنية السوق، مضيفاً أن التراجع المسجل في قيمة الصفقات لا يعكس ضعفاً في النشاط بقدر ما يعكس انحسار المضاربات التي كانت تدفع الأسعار إلى مستويات لا ترتبط بالطلب السكني الحقيقي.

وأوضح أن قرارات التوازن العقاري، أسهمت في وضع مرجعية سعرية جديدة للأراضي السكنية، خصوصاً مع طرح الأراضي المدعومة بسعر يقارب 1500 ريال للمتر المربع، وهو ما أعاد ضبط التوقعات السعرية في عدد من الأحياء، وحدَّ من الارتفاعات غير المبررة التي شهدتها السوق في السنوات الماضية.

وأشار إلى أن الأراضي الخام في شمال الرياض سجَّلت ما يشبه «السقوط الحر» في الأسعار، بحسب ما نشرته تقارير السوق العقارية، حيث تراجعت أسعار بعض المواقع بنسب لافتة بعد سنوات من الارتفاعات المتسارعة التي غذّتها المضاربات وتوقعات النمو السريع، مضيفاً إلى أنه يُنظر إلى هذا التراجع بوصفه جزءاً من عملية تصحيح طبيعية تعيد تسعير الأراضي وفق معايير أكثر واقعية ترتبط بقيمة التطوير والطلب السكني الفعلي.

خريطة لمخططات الأراضي التي تم رصدها في الرياض (واس)

من المضاربة إلى التطوير العقاري

وأوضح الزهراني أنه خلال عام من قرارات التوازن العقاري، برزت عدة سمات مهمة، من أبرزها انتقال جزء من السيولة من المضاربة إلى التطوير العقاري، مع توجَّه أكبر نحو مشروعات التطوير المنظم بدلاً من تداول الأراضي الخام، كما برز المشتري السكني الحقيقي كمحرك رئيس للسوق بعد تراجع دور المستثمرين قصيري الأجل.

وأضاف أنه بدأت تظهر باكورة مشروعات البيع على الخريطة سواء في الوحدات السكنية أو الأراضي المطورة، وهو نموذج يُتوقع أن يتوسَّع خلال المرحلة المقبلة لما يوفره من حلول لزيادة المعروض السكني وخفض تكلفة التملُّك، كما تعيش السوق حالة ترقب للتنظيمات المرتقبة، وعلى رأسها رسوم العقارات الشاغرة التي يُنتظر أن تسهم في تشغيل الأصول غير المستغلة داخل المدن ورفع كفاءة استخدام المخزون العقاري.

وتوقع الزهراني أن تتجه السوق العقارية في الرياض في الفترة القادمة إلى مرحلة أكثر نضجاً واستدامة، مع توسع متوقع في مشروعات البيع على الخريطة وزيادة المعروض داخل المدن نتيجة استمرار الإصلاحات التنظيمية، مرجحاً أن يقود ذلك إلى استقرار الأسعار وتحقيق توازن أفضل بين العرض والطلب.

وأضاف أن ما تشهده السوق العقارية في الرياض اليوم لا يمثل حالة تباطؤ بقدر ما هو مرحلة إعادة تشكيل للسوق نحو نموذج أكثر استدامة، قائم على التطوير العقاري والطلب السكني الحقيقي، بما يدعم مستهدفات التنمية العمرانية ويعزز جودة الحياة في العاصمة.

سلوك السوق

من جانبه، قال الخبير والمسوِّق العقاري، عبد الله الموسى، لـ«الشرق الأوسط»، إن السوق العقارية بمدينة الرياض دخلت مرحلة مفصلية في دورتها الاقتصادية، فالتحولات التي شهدتها خلال هذا العام لا يمكن تفسيرها فقط من خلال الأرقام المتعلقة بعدد الصفقات أو قيمتها، بل ينبغي النظر إليها ضمن سياق أوسع يتعلق بإعادة تشكيل سلوك السوق وإعادة ضبط العلاقة بين العرض والطلب.

أضاف أنه خلال السنوات التي سبقت هذه القرارات، شهدت السوق العقارية في الرياض ارتفاعات متسارعة في الأسعار مدفوعة بعدة عوامل، من بينها زيادة الطلب والنمو العمراني المتسارع، إضافة إلى دخول فئات استثمارية متعددة إلى السوق. ومع مرور الوقت، أصبح من الضروري إعادة التوازن بما يضمن استدامة السوق ويحد من الارتفاعات غير المبررة في الأسعار.

وزاد بأن التراجع الذي شهدته الصفقات خلال العام الأخير يمكن اعتباره انعكاساً طبيعياً لمرحلة إعادة ضبط إيقاع السوق، ففي هذه المرحلة يميل المشترون إلى التريث وإعادة تقييم قراراتهم الاستثمارية، بينما يقوم المطورون والمالكون بمراجعة استراتيجيات التسعير والتسويق بما يتوافق مع المعطيات الجديدة.

وأشار الموسى إلى أن أبرز السمات التي ظهرت خلال هذه الفترة، تمثَّل في ارتفاع مستوى الوعي لدى المتعاملين في السوق، حيث أصبح القرار الشرائي أكثر ارتباطاً بعوامل القيمة والجدوى الاقتصادية بدلاً من الاعتماد على توقُّعات ارتفاع الأسعار في المدى القصير، كما بدأت بعض الشركات العقارية في إعادة هيكلة نماذج البيع والتسويق، سواء من خلال تقديم خطط سداد أطول أو إعادة تصميم المنتجات العقارية بما يتناسب مع احتياجات السوق.

وأوضح أن هذه المرحلة أسهمت في تقليص حجم المضاربات العقارية التي كانت تؤثر في حركة الأسعار في بعض المناطق، وهو ما شجَّع في المقابل على توجه أكبر نحو التطوير الفعلي للأراضي وإدخالها في مشروعات تطويرية بدلاً من الاحتفاظ بها كأصول خام بانتظار ارتفاع الأسعار.

وأضاف أن ما يحدث اليوم في السوق العقارية في الرياض لا يمثل حالة ركود بقدر ما يمثل مرحلة انتقالية تعيد صياغة قواعد السوق، بحيث تنتقل من سوق تقودها المضاربات السعرية إلى سوق أكثر نضجاً واستقراراً يعتمد على القيمة الحقيقية للأصول العقارية وكفاءة التطوير طويل الأجل، مما يجعل هذا التحول خطوة مهمة نحو بناء سوق عقارية أكثر استدامة وقدرة على مواكبة التحولات الاقتصادية التي تشهدها المملكة.

وختم متوقعاً أن تستمر السوق العقارية في الرياض خلال المرحلة المقبلة في مسار أكثر توازناً ونضجاً، حيث ستصبح المنافسة بين المشروعات العقارية مرتبطة بشكل أكبر بجودة المنتج العقاري وكفاءة التطوير ومدى توافقه مع احتياجات السوق الفعلية، مع استمرار المشروعات الكبرى التي تشهدها المدينة، مما سيبقي القطاع العقاري أحد أهم القطاعات الاقتصادية المحفزة للنمو.


«وول ستريت» تسجل أطول سلسلة خسائر منذ 4 سنوات

متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)
متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)
TT

«وول ستريت» تسجل أطول سلسلة خسائر منذ 4 سنوات

متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)
متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)

واصلت الأسهم الأميركية تراجعها، يوم الجمعة، مع تعثر «وول ستريت» في ختام أسبوعها الخامس على التوالي من الخسائر، في أطول سلسلة خسائر منذ نحو أربع سنوات.

وهبط مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 0.8 في المائة في مستهل التداولات، موسّعاً خسائره، عقب تسجيله في الجلسة السابقة أكبر تراجع له منذ اندلاع الحرب مع إيران. كما خسر مؤشر «داو جونز» الصناعي 402 نقطة؛ أي ما يعادل 0.9 في المائة، بحلول الساعة 9:35 صباحاً بتوقيت شرق الولايات المتحدة، في حين انخفض مؤشر ناسداك المركب بنسبة 1 في المائة، وفق «وكالة أسوشييتد برس».

وتعكس هذه الخسائر تحولاً عن نمط التداول خلال الأسبوع، حيث تأرجحت السوق الأميركية يومياً بين الصعود والهبوط مع تبدّل الآمال بشأن إمكانية إنهاء الحرب.

وبعد دقائق من إغلاق جلسة الخميس القاتمة، أطلق الرئيس الأميركي دونالد ترمب إشارة جديدة عُدّت بمثابة بارقة أمل، إذ قرر تمديد المهلة التي حددها لنفسه لـ«تدمير» محطات الطاقة الإيرانية حتى السادس من أبريل (نيسان) المقبل، في حال لم تسمح طهران لناقلات النفط باستئناف المرور من الخليج العربي عبر مضيق هرمز إلى المياه المفتوحة.

وعقب الإعلان، تراجعت أسعار النفط مؤقتاً؛ في إشارة إلى تفاؤل حذِر بإمكانية استعادة بعض الاستقرار في مضيق هرمز. غير أن هذا التفاؤل سرعان ما تبدَّد، لتعاود الأسعار الارتفاع مع انتقال التداولات من آسيا إلى أوروبا، ثم إلى «وول ستريت».

ورغم إعلان ترمب تأجيلاً ثانياً خلال الأسبوع، استمرت المواجهات في الشرق الأوسط دون بوادر تهدئة، في وقتٍ لم تُظهر فيه إيران أي استعداد للتراجع، بينما لوّحت إسرائيل بـ«تصعيد وتوسيع» هجماتها.

وقال دوغ بيث، استراتيجي الأسهم العالمية بمعهد «ويلز فارغو» للاستثمار: «إن التباين في المسار الدبلوماسي بين الولايات المتحدة وإيران، هذا الأسبوع، أثار استياء المستثمرين، ومع نهاية الأسبوع لم يعد بإمكانهم تحمُّل ضبابية المشهد».

من جهته، كتب جيم بيانكو، رئيس استراتيجيات الاقتصاد الكلي بشركة «بيانكو» للأبحاث، أن «أي تصريحات إضافية من ترمب بشأن اتفاق محتمل لن يكون لها تأثير يُذكر على الأسواق، ما لم يؤكد الجانب الإيراني أن المفاوضات تمضي في الاتجاه الصحيح».

وارتفع سعر خام برنت بنسبة 2.2 في المائة ليبلغ 104.15 دولار للبرميل، مقارنة بنحو 70 دولاراً قبل اندلاع الحرب، في حين صعد خام غرب تكساس الوسيط الأميركي بنسبة 3 في المائة إلى 97.28 دولار.

ويخشى المستثمرون من أن تؤدي الحرب إلى اضطرابات ممتدة في إنتاج ونقل النفط والغاز بالخليج العربي، ما قد يحجب كميات كبيرة من الإمدادات عن الأسواق العالمية، ويشعل موجة تضخم حادة. ولن يقتصر أثر ذلك على ارتفاع أسعار الوقود، بل سيمتد إلى زيادة تكاليف النقل والشحن، ما يدفع الشركات لرفع أسعار منتجاتها.

وتشير تقديرات محللي «ماكواري» إلى أن أسعار النفط قد تصل إلى 200 دولار للبرميل في حال استمرت الحرب حتى نهاية يونيو (حزيران) المقبل، وهو مستوى قياسي غير مسبوق.

وقد بدّدت هذه المخاوف، إلى حد كبير، رهانات المستثمرين على خفض أسعار الفائدة من قِبل «الاحتياطي الفيدرالي»، هذا العام، إذ إن أي تيسير نقدي قد يُغذي الضغوط التضخمية بدل كبحها.

ومع ارتفاع أسعار النفط، صعدت عوائد سندات الخزانة الأميركية طويلة الأجل، حيث ارتفع العائد على السندات لأجل 10 سنوات إلى 4.46 في المائة، مقارنة بـ4.42 في المائة في ختام تعاملات الخميس، ومن 3.97 في المائة فقط قبل اندلاع الحرب.

وقد انعكس هذا الارتفاع، بالفعل، على تكاليف الاقتراض، مع صعود أسعار الفائدة على الرهون العقارية والقروض، ما يضيف ضغوطاً إضافية على النشاط الاقتصادي.

وفي «وول ستريت»، تراجعت غالبية الأسهم، حيث انخفضت أربعة من كل خمسة أسهم ضِمن مؤشر «ستاندرد آند بورز 500». في المقابل، كان سهم «نتفليكس» من بين الاستثناءات القليلة، مرتفعاً بنسبة 0.8 في المائة، عقب إعلانه زيادة أسعار خدماته. وعلى الصعيد العالمي، تراجعت الأسهم الأوروبية، في حين جاءت التداولات الآسيوية متباينة.