«الذهب الأخضر»... إرث ثقافي يتحول إلى رافد اقتصادي

مساحات شاسعة لتلبية الطلب المحلي والدولي على البن السعودي

زراعة البن مهنة توارثتها الأجيال في جنوب السعودية (الشرق الأوسط)
زراعة البن مهنة توارثتها الأجيال في جنوب السعودية (الشرق الأوسط)
TT

«الذهب الأخضر»... إرث ثقافي يتحول إلى رافد اقتصادي

زراعة البن مهنة توارثتها الأجيال في جنوب السعودية (الشرق الأوسط)
زراعة البن مهنة توارثتها الأجيال في جنوب السعودية (الشرق الأوسط)

مَن مِنا لا يحب القهوة ورائحتها؟ هي رفيقة الصباح... ومصدر إلهام الكتّاب والمفكرين، في دوامات عملهم المضنية... وهي المسكّنة في أوقات الشدة... والدليل على ذلك أن نحو نصف تریلیون فنجان يتم استهلاكها سنوياً في العالم، بحيث باتت القهوة، بمذاقاتها المختلفة، جزءاً أساسياً في حياة الفرد بشكل يومي، ومن الأكثر تداولاً في العالم.

من هنا، جاءت تسمية البن الذي تتكون منه القهوة، بـ«الذهب الأخضر»، حيث إنه يمثل مصدراً كبيراً للدخل في كثير من البلدان، ويزرع على مساحة تزيد على 10 ملايين هكتار في أكثر من 50 دولة.

وتعدّ البرازيل الأولى عالمياً في تصدير البن، وتشكل حصتها نحو 30 في المائة من حجم التصدير العالمي.

وكان تقرير «منظمة القهوة الدولية» الصادر في ديسمبر (كانون الأول) 2023، ذكر أن إنتاج القهوة العالمي زاد بنسبة 5.8 في المائة، إلى 178 مليار دولار، مقارنة بـ168.2 مليار دولار، خلال الفترة نفسها من عام 2022.

السعودية من أكبر المستهلكين

وتولي السعودية اهتماماً بتعزيز حضور القهوة بوصفها من أهم عناصر الثقافة الوطنية التي ارتبطت بالمجتمع عبر التاريخ. وهو ما يفسر إطلاقها «عام القهوة السعودية 2022» بدعم من برنامج جودة الحياة، أحد برامج تحقيق «رؤية 2030». وفي هذا الإطار، أسس «صندوق الاستثمارات العامة»، في مايو (أيار) 2022، الشركة السعودية للقهوة، بهدف دعم المنتج المحلي والارتقاء به إلى المصاف العالمية في المستقبل، حيث ستعمل الشركة على تطوير الزراعة المستدامة في منطقة جازان الواقعة جنوب المملكة.

وتعدّ المملكة ضمن أكثر 10 دول في العالم استهلاكاً للقهوة. وبحسب الدراسات التي أعلنتها وزارة البيئة والمياه والزراعة خلال العام الماضي، تشهد السعودية نمواً سنوياً لاستهلاك القهوة بنحو 4 في المائة، للفترة بين عامي 2016 و2021. بينما يتوقع أن ينمو قطاع البن بنسبة 5 في المائة خلال السنوات المقبلة، ليصل إلى 28.7 ألف طن بنهاية عام 2026، وهو ما يخلق فرصاً استثمارية جاذبة له.

هذا الأمر دفع بالحكومة إلى إقرار برامج ومبادرات خاصة تستهدف دعم زراعة البن من أجل تطوير القطاع وزيادة الإنتاج. وحالياً، تنتج المملكة أكثر من 400 ألف شجرة بُن الأرابيكا ما يتجاوز 800 طن سنوياً، فيما المستهدف زراعة 1.2 مليون شجرة بُن بحلول 2026.

«حبوب القهوة» تزرع في مساحات واسعة جنوب البلاد (الشرق الأوسط)

وتحتضن جنوب السعودية أكثر من 2535 مزرعة بُن، وما يزيد على 500 مزرعة نموذجية، في وقت تسعى فيه المملكة إلى جعل 15 محافظة في الجزء الجنوبي الغربي مصدراً مهماً لإنتاج البُن من نوع الأرابيكا - وهو نوع يمتاز بالجودة عن بقية الأنواع - ورفع نسبة إنتاج محصوله في المملكة كداعم للاقتصاد الوطني وفق مستهدفات «رؤية 2030».

وقد بلغ إنتاج البن نحو 492 طناً توزعت على عدد من المناطق، جنوباً، في مقدمتها منطقة جازان التي تنتج 415 طن، وفيها أكثر من 384 ألف شجرة بن مثمرة، بالإضافة إلى منطقة عسير التي تنتج 50 طناً من 45 ألف شجرة مثمرة، ومنطقة الباحة بإنتاج يصل إلى 27 طناً من 25 ألف شجرة.

هذه الأرقام كشف عنها لـ«الشرق الأوسط»، المتحدث الرسمي في وزارة البيئة والمياه والزراعة صالح بن عبد المحسن بن دخيّل، شارحاً أنه من بين أشهر أنواع البن التي تنتجها هذه المناطق؛ البن الخولاني، والشدوي، والعديني.

وتتم زراعة البن في فصل الشتاء، ويبدأ إزهاره في الربيع والصيف، في السنة الثالثة من زراعته.

وأكد دخيّل أن زراعة البن تشهد نمواً ملحوظاً تماشياً مع خطط الوزارة لتطوير المحاصيل ذات الميز النسبية، وتطبيق تقنيات حصاد مياه الأمطار ونظم الري الحديثة، إلى جانب الاستفادة من المياه المجددة في الزراعة، بهدف المساهمة في رفع الناتج المحلي وتحقيق عوائد اقتصادية مرتفعة.

وبيّن أن الوزارة تعمل على تعزيز إنتاج البن في المدرجات الزراعية، من خلال تشجيع المزارعين ودعمهم ببرامج كثيرة، ومن أبرزها برنامج التنمية الريفية الزراعية المستدامة (ريف السعودية)، الذي أطلق عام 2020، بهدف تحسين القطاع الزراعي الريفي، ودعم تطوير البن ورفع كفاءته الإنتاجية وتسويقه، ورفع مستوى معيشة صغار المزارعين وتحسين نمط حياتهم، مما أسهم في توفير فرص استثمارية كبيرة في القطاع.

ولفت دخيّل إلى أن هذه البرامج حفّزت المزارعين على التوسع في زراعة البن، واستصلاح مدرجاتهم الزراعية، حيث تم إنشاء 60 مزرعة نموذجية للبن، لزيادة الإنتاج وتعزيز الأمن الغذائي في المناطق الريفية.

أهداف استراتيجية

من ناحيتها، شرحت رئيسة مجلس إدارة جمعية البن بمنطقة عسير، نوره آل عائض، الأهداف الاستراتيجية التي حددتها الجمعية من أجل زراعة 14 ألف هكتار بزراعة مليوني شجرة وإنتاج نحو 4 آلاف طناً على الأقل، بدءاً من الوقت الراهن وحتى عام 2027.

وتأسست الجمعية، في نوفمبر (تشرين الثاني) 2022، من قبل مجموعة من مزارعي البن في عسير ينتمون إلى عدة محافظات رئيسية، للمساهمة في تطبيق أحدث منهجيات العمل لتنمية قطاع البن في المنطقة.

وزارة البيئة والمياه والزراعة تعمل على تعزيز إنتاج البن في المدرجات الزراعية (الشرق الأوسط)

وأكدت آل عائض في حديثها لـ«الشرق الأوسط»، أن أهداف الجمعية تعكس التزام المملكة بتطوير وتعزيز قطاع البن، وتبرز الجهود المبذولة لزيادة الإنتاجية وتلبية الطلب المحلي والدولي على منتجات القهوة.

وكانت جمعية البن بمنطقة عسير أعلنت نمو القطاع بقفزة وصلت إلى 262 في المائة في 2023، وذلك بعدد المزارع وإنتاجية البن، بحسب بياناتها الإحصائية عن المنطقة.

وأشارت آل عائض إلى مساهمة زراعة البن في دعم الإنتاج ورفع الناتج المحلي غير النفطي، وتشجيع التسويق المحلي والتصدير، «شرط دعم الفلاحين بالتدريب والتكنولوجيا، وتحسين البنية التحتية للزراعة... فلرفع القدرة الإنتاجية للبن السعودي، يمكن اتباع خطوات عدة منها تحسين التقنيات الزراعية، وتوفير الدعم التقني بتقديم دعم فني واستشارات للفلاحين حول أفضل الممارسات والتقنيات الزراعية المتقدمة، إضافة إلى خلق بيئة ملائمة للاستثمار في القطاع الزراعي وتقديم الحوافز والتسهيلات، وتعزيز التسويق من خلال تطوير استراتيجيات فعّالة للتسويق لتسهيل تداول وتسويق البن المحلي».

ولفتت إلى أن «تعزيز التسويق المحلي والتصدير يدعم التحول نحو اقتصاد غير نفطي... كما أن الاهتمام بقطاع البن يسهم في تعزيز التنمية المستدامة عبر توفير فرص عمل جديدة وتعزيز دور القطاع الزراعي في الاقتصاد المحلي».

تعزيز الهوية الوطنية

وبحسب آل عائض، فإن تعزيز الهوية الوطنية مهم، عن طريق توصيف وتسجيل سلالات البن السعودي الذي يسهم في تعزيز الهوية الثقافية والاقتصادية للمملكة على المستوى الدولي، إضافة إلى تسجيل السلالات المحلية معياراً دولياً يفتح أبواب الاستثمار والتصدير للبن المحلي إلى الأسواق الدولية.

وأوضحت آل عائض أن معدل إنفاق السعودیین على إعداد القھوة أكثر من ملیار ریال (266 مليون دولار)، بواقع یتجاوز 80 ألف طن، وذلك بفعل ارتباط القهوة بالإرث الثقافي للمملكة، عبر تاریخ حافل بالعادات والتقالید، وقیم الكرم والضیافة، والحضور الإنساني والجمالي والفني في الأغاني والقصائد واللوحات، حتى أصبحت عنصراً رئیسياً في الثقافة والموروث الشعبي السعودي، وعلامةً ثقافیةً تتمیز بھا المملكة، سواء من خلال زراعتھا، أو طرق تحضیرھا وإعدادھا وتقدیمھا للضیوف.

توقعات بمزيد من النمو

من جهته، أبان المدير الفني والتجاري في شركة «ديوان القهوة التجارية» علي الديواني، أن السوق المحلية شهدت إقبالاً كبيراً وزيادة في الطلب من قبل المواطنين والمقيمين والزائرين في المملكة، إضافة إلى دخول جهات محلية من شركات وجمعيات من أجل المساهمة في توفير البن الأخضر، وكذلك جهود المحامص في تحويله للقهوة السعودية أو السوداء بمختلف مشروباتها.

وأكد أن مستقبل هذا القطاع محلياً يبشر بنمو كبير للاتجاه نحو التصدير مستقبلاً، مشيراً إلى أن الطابع الجبلي والزراعي في البلاد سيوفر فرصة جيدة للسوق العالمي بتجربة البن السعودي عالي الجودة وذي النكهات الفريدة.

ختاماً، لا شك أن جهوداً كبيرة تبذل من أجل تعزيز قطاع البن في السعودية ورفع مستوى المملكة عالمياً في هذا المجال، بينما تبقى مواصلة تأمين جودة الإنتاج وتوفير متطلبات استمرارية المزارعين على زراعة البن من أبرز المقوّمات التي تؤمّن الأرضية الضرورية لاستدامة هذا القطاع، ولتستمر القهوة السعودية ورائحتها المتميزة مصدراً لجذب المستثمرين والذواقة من جميع أنحاء العالم.


مقالات ذات صلة

مجموعة stc تختتم مشاركتها في «LEAP 2026» بتفاعل واسع

جمانا الراشد الرئيس التنفيذي لـ«المجموعة السعودية للأبحاث والإعلام» ورياض معوض الرئيس التنفيذي لقطاع الأعمال في مجموعة ««stc خلال توقيع الاتفاقية (الشرق الأوسط)

مجموعة stc تختتم مشاركتها في «LEAP 2026» بتفاعل واسع

اختتمت مجموعة «stc» مشاركتها في «ليب 2026» بتوقيع شراكات استراتيجية، وإطلاق مبادرات تدعم التحول الرقمي في المملكة.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد الابتكار والتقنيات الحديثة يعززان فرص الاستثمار في قطاع الرعاية الصحية بالسعودية (واس)

من المختبر إلى السوق... الأبحاث الصحية ترسم مساراً استثمارياً جديداً في السعودية

تتجه الأبحاث الصحية في السعودية إلى التحول من نشاط علمي يهدف إلى تطوير الرعاية والعلاجات إلى قطاع استثماري واعد.

بندر مسلم (الرياض)
تكنولوجيا تتيح المبادرة لمليون طالب وطالبة في الجامعات السعودية استخدام تقنيات «جيميناي» مجاناً لمدة عام (شاترستوك)

مليون طالب جامعي في السعودية يحصلون على «جيميناي» من «غوغل» مجاناً لمدة عام

تتيح مبادرة سعودية لمليون طالب جامعي استخدام «جيميناي» مجاناً لمدة عام مع برامج تدريبية لدعم مهارات الذكاء الاصطناعي والتعلّم.

نسيم رمضان (الرياض)
خاص تتجه التجارة الرقمية في السعودية نحو مرحلة تصبح فيها المدفوعات أكثر سلاسة وأقل ظهوراً داخل تجربة التسوق (أدوبي)

خاص وكلاء الذكاء الاصطناعي يفتحون مساراً جديداً للتجارة الرقمية في السعودية

تتجه التجارة الرقمية في السعودية نحو الدفع غير المرئي والتسوق عبر وكلاء الذكاء الاصطناعي، مع بقاء المصادقة والأمن أبرز التحديات.

نسيم رمضان (الرياض)
عالم الاعمال مقر البنك الأهلي في مركز الملك عبد الله المالي في العاصمة السعودية الرياض (الشرق الأوسط)

«الأهلي السعودي» يعيّن فواز الثميري نائباً للرئيس التنفيذي

أعلنت مجموعة البنك الأهلي السعودي تعيين فواز بن عبد الله الثميري نائباً للرئيس التنفيذي للبنك الأهلي السعودي

«الشرق الأوسط» (الرياض)

وكالات تصنيف ائتماني تحذر ألمانيا من مخاطر الديون

منظر عام لمدينة فرانكفورت بألمانيا (رويترز)
منظر عام لمدينة فرانكفورت بألمانيا (رويترز)
TT

وكالات تصنيف ائتماني تحذر ألمانيا من مخاطر الديون

منظر عام لمدينة فرانكفورت بألمانيا (رويترز)
منظر عام لمدينة فرانكفورت بألمانيا (رويترز)

قبيل بدء مناقشات مشروع موازنة عام 2027 في البرلمان الألماني، حذَّرت وكالات تصنيف ائتماني ألمانيا من ارتفاع أعباء الفوائد مع تزايد الديون.

وقالت مالغورتساتا فيغنر، خبيرة شؤون ألمانيا لدى وكالة «فيتش» للتصنيف الائتماني، في تصريحات لصحيفة «فيلت آم زونتاج» الألمانية المقرر صدورها الأحد: «رغم أن ألمانيا لا تزال تستفيد من شروط تمويل مواتية نسبياً، فإن ارتفاع أسعار الفائدة في أسواق رأس المال وتزايد الاقتراض يرفعان تكلفة خدمة الدين». وترى وكالة «سكوب» الأوروبية للتصنيف الائتماني أن هذا الأمر يعد مشكلة أيضاً.

وقال محلل شؤون ألمانيا لدى الوكالة، يوليان تسيمرمان: «عندما يتعين إنفاق جزء أكبر من الموازنة على الفوائد، تتوفر أموال أقل لمشروعات سياسية أخرى. وهذا يزيد الضغط من أجل ضبط المالية العامة وخفض العجز على المدى الطويل».

وتأتي تحذيرات أيضاً من الكتلة البرلمانية للتحالف المسيحي، حيث قال رئيس لجنة الموازنة في الكتلة البرلمانية للتحالف، كريستيان هازه: «نفقات الفوائد المتزايدة باستمرار ستصبح في المستقبل المنظور أكبر مشكلة لنا».

وينص مشروع الموازنة الذي طرحه وزير المالية لارس كلينغبايل على نفقات بقيمة 555.4 مليار يورو. ومن المخطط تسجيل صافي اقتراض جديد بقيمة 118.7 مليار يورو، مقارنة بـ98 مليار يورو مخطط اقتراضها في عام 2026. ويضاف إلى ذلك ديون جديدة من الصناديق الخاصة بالبنية التحتية وبالجيش الألماني.

وبذلك من المقرر أن يتجاوز إجمالي الاقتراض الجديد في عام 2027 مستوى 200 مليار يورو.

وقبيل مناقشات موازنة عام 2027 في البرلمان الألماني، انتقد ديوان المحاسبة الألماني مسار الائتمان المتضخم من وجهة نظره الذي تنتهجه حكومة الائتلاف بين التحالف المسيحي والحزب الاشتراكي الديمقراطي.

ودعا نائب رئيس الكتلة البرلمانية للتحالف المسيحي، ماتياس ميدلبرغ، في الوقت نفسه إلى اتباع سياسة تقشف صارمة خلال السنوات المقبلة. وقال ميدلبرغ في تصريحات لصحيفة «نويه أوسنابروكر تسايتونغ» الألمانية: «نحن نعيش بشكل يفوق إمكانياتنا بكثير. ثلث ما ننفقه ممول بالديون. لذلك يتعين علينا التقشف بصرامة أكثر بكثير».

وفيما يتعلق بالاقتراض الجديد في عام 2027، قال ميدلبرغ: «ارتفاع نسبة الديون بهذا الشكل يمثل خطراً شديداً على المدى الطويل». وحذر ميدلبرغ قائلاً: «قد نفقد تصنيفنا الائتماني الممتاز. وهذا من شأنه أن يرفع أسعار الفائدة، وعلى المدى الطويل سيدفع أيضاً الأسعار بشكل عام إلى الارتفاع، على حساب جميع المستهلكين».

وطالب خبير الشؤون المالية قائلاً: «لذلك يجب تشديد جهود التقشف بشكل كبير الآن... يجب إعادة إطلاق مبادرة خفض تكاليف شاملة على وجه السرعة وبطموح أكبر فيما يتعلق بالميزانيات المستقبلية... ولا ينبغي أن تكون حتى البرامج التي تحمل عنوان (المناخ) من المحظورات»، مضيفاً أن بعض هذه الإجراءات تفتقر إلى كفاءة يمكن إثباتها، مشيراً في هذا السياق إلى الدعم المرتفع للغاية للمضخات الحرارية أو الحافلات الكهربائية.


من المختبر إلى السوق... الأبحاث الصحية ترسم مساراً استثمارياً جديداً في السعودية

الابتكار والتقنيات الحديثة يعززان فرص الاستثمار في قطاع الرعاية الصحية بالسعودية (واس)
الابتكار والتقنيات الحديثة يعززان فرص الاستثمار في قطاع الرعاية الصحية بالسعودية (واس)
TT

من المختبر إلى السوق... الأبحاث الصحية ترسم مساراً استثمارياً جديداً في السعودية

الابتكار والتقنيات الحديثة يعززان فرص الاستثمار في قطاع الرعاية الصحية بالسعودية (واس)
الابتكار والتقنيات الحديثة يعززان فرص الاستثمار في قطاع الرعاية الصحية بالسعودية (واس)

من المختبرات ومراكز الأبحاث إلى غرف الاستثمار والشراكات الدولية، يتسع الدور الاقتصادي للبحث الصحي في السعودية مع تحول القطاع إلى أحد مسارات التنويع الاقتصادي. فالأبحاث التي تنطلق من احتياجات المرضى في المملكة، مدعومة بتوسع البنية الصحية وتسارع تبني الذكاء الاصطناعي والتقنيات الطبية، باتت تمثل جسراً بين تطوير الرعاية واستقطاب الشركات العالمية وتوطين المعرفة. ومع فرص استثمارية تقدر بنحو 330 مليار ريال (88 مليار دولار) في منظومة القطاع الصحي حتى عام 2030، تتشكل مساحة جديدة أمام البحث الطبي ليصبح أحد مكونات اقتصاد صحي قائم على الابتكار والشراكات ونقل التقنية.

ويأتي هذا التحول في وقت تعيد فيه السعودية رسم ملامح منظومتها الصحية ضمن «رؤية 2030»، عبر الانتقال من نموذج يركز على تقديم العلاج إلى منظومة أكثر شمولاً، تجمع بين الوقاية وتحسين جودة الحياة وتطوير الخدمات الصحية والاستفادة من التقنيات الحديثة. ويقود «برنامج تحول القطاع الصحي» هذا المسار من خلال تطوير المستشفيات ومراكز الرعاية الصحية والخدمات الإسعافية، وتعزيز التحول الرقمي، ورفع كفاءة الوصول إلى الخدمات وجودتها، بما يفتح المجال أمام القطاع الخاص والشركات العالمية للمشاركة في بناء القدرات الصحية وتطوير حلول وتقنيات تلائم احتياجات السوق المحلية.

وفي هذا الإطار، أكد رئيس اللجنة العلمية في المؤتمر العلمي السنوي لجمعية قسطرة القلب السعودية الدكتور سالم عسيري، في تصريح إلى «الشرق الأوسط»، أن التخصصات الصحية بما فيها التداخلات القلبية تشهد تطوراً متسارعاً خلال السنوات الأخيرة، مشيراً إلى أن العديد من الحالات التي كانت تتطلب تدخلاً جراحياً أو لم تكن تتوفَّر لها خيارات علاجية في السابق، أصبح بالإمكان علاجها اليوم عبر القسطرة القلبية التداخلي، مؤكداً أن الاستثمار في الأبحاث الصحية يُعَدُّ رافعة اقتصادية تجذب الشركات العالمية إلى المملكة.

عسيري وسط المتحدثين في المؤتمر (الشرق الأوسط)

التقنيات الحديثة

وأوضح عسيري في حديثه خلال المؤتمر السعودي الدولي للتداخلات القلبية، أن أحدث التقنيات في مجال علاج أمراض الشرايين التاجية وزراعة الصمامات أصبحت متاحة في المملكة، مؤكداً أن المراكز المتخصصة في السعودية تحرص على توفير التقنيات الحديثة فور حصولها على الاعتمادات اللازمة من الجهات التنظيمية، ومنها هيئة الغذاء والدواء الأميركية وهيئة الغذاء والدواء السعودية والجهات الدولية ذات الصلة، بما يضمن إتاحتها للمرضى في المملكة وفق أعلى المعايير الطبية.

وحول أهمية المؤتمرات المتخصصة في هذا المجال، ذكر عسيري أن أهميتها تكمن في جمع الخبراء العالميين والسعوديين تحت سقف واحد لتبادل الخبرات ومناقشة أحدث ما توصل إليه العلم في مجال القسطرة القلبية وزراعة الصمامات.

الذكاء الاصطناعي

وقال إن الكفاءات الطبية السعودية لا تقل مستوى عن نظيراتها العالمية، مشيراً إلى أن هذه اللقاءات تمثل فرصة مهمة للاستفادة من الخبرات المتقدمة في مجالات الذكاء الاصطناعي والتقنيات الطبية الحديثة، إلى جانب مناقشة الأبحاث المتعلقة بالمرضى والمنظومة الصحية في المملكة.

وأضاف أن المرحلة المقبلة ستشهد توسعاً في إجراء الدراسات والأبحاث التي تنطلق من البيئة الصحية المحلية وتتناول احتياجات المرضى في المملكة، لافتاً إلى وجود دراسات يجري العمل عليها حالياً، ومن المتوقع أن تنطلق دراسات أخرى من المنطقة خلال الفترة المقبلة.

وبيَّن عسيري أن المؤتمر لا يقتصر على الجوانب العلمية والطبية، بل يتضمن جلسات حوارية تجمع المختصين وصناع القرار من الجهات الصحية والتنظيمية، إلى جانب ممثلي المراكز الصحية الحكومية والخاصة وشركات التأمين.

عسيري يتحدث إلى الحضور خلال المؤتمر السعودي الدولي للتداخلات القلبية في الرياض (الشرق الأوسط)

«رؤية 2030»

وبحسب عسيري، فإن هذه الشراكة أصبحت ضرورة في ظل التحول الذي تشهده المملكة ضمن مستهدفات «رؤية 2030»، مشدداً على أهمية أن يكون القطاع الصحي جزءاً من هذا الحراك الاقتصادي. ويهدف المؤتمر إلى تبادل الخبرات والمعارف، ودعم التعليم الطبي المستمر، وتشجيع البحث العلمي والابتكار، بما يسهم في تطوير جودة الرعاية الصحية والارتقاء بالخدمات الطبية، وتعزيز مكانة المملكة في المجالات الطبية والبحثية.

ويٌنظم المؤتمر جمعية التداخلات القلبية السعودية التي تعمل على تطوير التخصص في المملكة من خلال دعم التدريب والتعليم الطبي، وتشجيع البحث العلمي، وتعزيز التعاون بين الأطباء والجهات الطبية محلياً ودولياً، بما يُسْهِم في تحسين نتائج علاج مرضى القلب والارتقاء بالخدمات الصحية في البلاد.


التضخم الأميركي يضع الأسواق أمام مفترق طرق

جهاز تلفزيون معروض للبيع في متجر في هيوستن - تكساس (أ.ف.ب)
جهاز تلفزيون معروض للبيع في متجر في هيوستن - تكساس (أ.ف.ب)
TT

التضخم الأميركي يضع الأسواق أمام مفترق طرق

جهاز تلفزيون معروض للبيع في متجر في هيوستن - تكساس (أ.ف.ب)
جهاز تلفزيون معروض للبيع في متجر في هيوستن - تكساس (أ.ف.ب)

يدخل المستثمرون أسبوعاً حاسماً في تحديد مسار الأسواق الأميركية، مع ترقب بيانات التضخم التي قد ترجّح كفة «الاحتياطي الفيدرالي» بين إبقاء أسعار الفائدة مستقرة أو رفعها في اجتماعه منتصف سبتمبر (أيلول). وبعد موجة صعود قوية دفعت مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» إلى الاقتراب من مستواه القياسي، تعود ضغوط الأسعار وعوائد السندات لتشكل اختباراً جديداً للأسهم، في وقت لا يزال فيه المستثمرون منقسمين بشأن الخطوة المقبلة للبنك المركزي.

وانشغلت الأسواق خلال الأسابيع الأخيرة باحتمالات رفع أسعار الفائدة في الاجتماع المقبل لمجلس «الاحتياطي الفيدرالي» المقرر عقده يومي 15 و16 سبتمبر (أيلول). وارتفعت هذه التوقعات بعد خطاب ألقاه رئيس مجلس «الاحتياطي الفيدرالي» كيفين وارش في أواخر الشهر الماضي، أشار فيه إلى أن البنك المركزي قد يضطر إلى التحرك إذا ظل التضخم مرتفعاً، غير أن احتمال اتخاذ مثل هذه الخطوة لا يزال غير محسوم إلى حد كبير، وفق «رويترز».

وأبقت هذه الضبابية المستثمرين في حالة ترقب للتقلبات المرتبطة بتقرير مؤشر أسعار المستهلكين الشهري، المقرر صدوره في 11 سبتمبر، والذي يعد مقياس التضخم الأكثر متابعة في «وول ستريت».

امرأة تمر أمام واجهة متجر تعرض فساتين في بروكلين في أغسطس (أ.ف.ب)

وقال سيد فايديا، كبير استراتيجيي الاستثمار لدى «تي دي ويلث»: «أكد مسؤولو مجلس (الاحتياطي الفيدرالي) خلال الأشهر الأخيرة التزامهم باستقرار الأسعار، وفي مرحلة ما، سيتعين دعم هذه التصريحات بإجراءات إذا لم يُظهر التضخم تقدماً كافياً».

وأضاف: «سيؤثر مؤشر أسعار المستهلكين بالتأكيد في الاتجاه، سواء صعوداً أو هبوطاً... لذلك هناك الكثير على المحك في هذا التقرير».

وارتفع مؤشر «ستاندرد آند بورز 500 » بأكثر من 13 في المائة منذ بداية عام 2026، مدعوماً بعام استثنائي لأرباح الشركات. لكن المستثمرين يستعدون لاحتمال حدوث تراجع في سبتمبر، الذي يُعد تاريخياً أضعف شهر في العام بالنسبة للأسهم الأميركية.

ومع انتهاء موسم إعلان نتائج الربع الثاني، يترقب المستثمرون عوامل أخرى قد تلقي بظلالها على آفاق الأسهم، مثل القلق في سوق السندات أو تصاعد التوترات في الشرق الأوسط مجدداً.

صورة أوضح للتضخم

ستمنح بيانات أسعار المنتجين المستثمرين لمحة أولية عن اتجاهات التضخم في أغسطس (آب) خلال أسبوع عمل أقصر بسبب عطلة عيد العمال، إذ ستكون الأسواق الأميركية مغلقة يوم الاثنين.

ومن المقرر صدور تقرير أسعار المنتجين يوم الخميس، أي قبل يوم من بيانات مؤشر أسعار المستهلكين. ويتوقع اقتصاديون استطلعت «رويترز» آراءهم ارتفاع مؤشر أسعار المستهلكين بنسبة 0.4 في المائة على أساس شهري في أغسطس، وزيادة المؤشر الأساسي بنسبة 0.2 في المائة، باستثناء مكونات الغذاء والطاقة المتقلبة.

وظل التضخم لعدة سنوات أعلى باستمرار من المستوى المستهدف لمجلس الاحتياطي الاتحادي البالغ 2 في المائة سنوياً. لكن قراءة مؤشر أسعار المستهلكين للشهر السابق أظهرت ارتفاعاً طفيفاً للغاية في الأسعار.

وقال غاريت ميلسون، استراتيجي المحافظ لدى «ناتيكسيس إنفستمنت مانجرز سوليوشنز»: «ما يهم حقاً في قراءة مؤشر أسعار المستهلكين المقبلة هو ما إذا كانت ستؤكد بالفعل التباطؤ الذي شهدناه في يونيو (حزيران) ويوليو (تموز)». وأضاف: «الأمر يعود، بهذا المعنى، إلى قراءة واحدة».

احتمالات رفع الفائدة متقاربة

انخفضت احتمالات رفع أسعار الفائدة يوم الخميس، بعد تصريحات لمحافظ مجلس «الاحتياطي الفيدرالي» كريستوفر والر قال فيها إنه يميل إلى الدفع باتجاه إبقاء أسعار الفائدة مستقرة إذا أكدت البيانات المقبلة تراجع ضغوط التضخم.

وفي وقت متأخر من يوم الخميس، أظهرت العقود الآجلة لأموال «الاحتياطي الفيدرالي» احتمالات متقاربة تقريباً لرفع أسعار الفائدة في الاجتماع المقبل للمجلس.

وعقب تصريحات والر، قال اقتصاديون لدى «غولدمان ساكس» في مذكرة إنهم يتوقعون أن يبقي مجلس «الاحتياطي الفيدرالي» أسعار الفائدة دون تغيير، «رغم أن رفعها يظل ممكناً إذا جاءت بيانات مؤشر أسعار المستهلكين وأسعار المنتجين أعلى من توقعاتنا».

وقد تؤثر احتمالات تشديد السياسة النقدية سلباً على أداء الأسهم بعدة طرق، من بينها رفع تكاليف الاقتراض بما يؤدي إلى إبطاء الاقتصاد. كما أن رفع أسعار الفائدة، وما يترتب عليه من ارتفاع عوائد سندات الخزانة، قد يزيد المنافسة على الاستثمار من جانب السندات ويضغط على تقييمات الأسهم.

وبلغ عائد سندات الخزانة الأميركية لأجل 10 سنوات في أحدث تعاملاته 4.77 في المائة، مبتعداً عن مستوى 5 في المائة الذي سبق أن أشار المستثمرون إلى أنه قد يشكل مستوى مقلقاً للأسهم.

ومن المقرر أن تبدأ وزارة الخزانة الأميركية الأسبوع المقبل برنامجها الأكبر لإعادة شراء الديون طويلة الأجل، الذي أعلنت عنه الشهر الماضي، والذي يُنظر إليه باعتباره محاولة للحد من ارتفاع عوائد سندات الخزانة.

وفي سياق آخر، قد تحمل النتائج الفصلية لشركة «أوراكل» المقرر صدورها يوم الخميس تداعيات على تداولات الأسهم المرتبطة بالذكاء الاصطناعي. وتُعد «أوراكل» إحدى شركات الحوسبة السحابية العملاقة التي تنفق بكثافة على تطوير مراكز بيانات مخصصة للذكاء الاصطناعي.

وقد تراجعت في الأسابيع الأخيرة بعض الأسهم التي حققت أداءً قوياً في موجة الذكاء الاصطناعي، بما في ذلك أسهم شركات أشباه الموصلات، غير أن مجموعات أخرى ساعدت في دعم مؤشر «ستاندرد آند بورز 500».

وقال ميلسون من «ناتيكسيس»: «لا يزال سوق الأسهم هذا يتعامل مع تداعيات تراجع زخم الصعود في يوليو، ويبحث عن قيادة جديدة وعن سردية جديدة تدفع الحركة التالية في السوق».