كيف تهدّد هجمات الحوثيين في البحر الأحمر سلاسل التوريد العالمية؟

سفينة حاويات تبحر عبر قناة السويس في مدينة الإسماعيلية الساحلية المصرية على بعد 135 كيلومتراً شمال شرقي العاصمة المصرية القاهرة في 10 أكتوبر 2019 (أ.ف.ب)
سفينة حاويات تبحر عبر قناة السويس في مدينة الإسماعيلية الساحلية المصرية على بعد 135 كيلومتراً شمال شرقي العاصمة المصرية القاهرة في 10 أكتوبر 2019 (أ.ف.ب)
TT

كيف تهدّد هجمات الحوثيين في البحر الأحمر سلاسل التوريد العالمية؟

سفينة حاويات تبحر عبر قناة السويس في مدينة الإسماعيلية الساحلية المصرية على بعد 135 كيلومتراً شمال شرقي العاصمة المصرية القاهرة في 10 أكتوبر 2019 (أ.ف.ب)
سفينة حاويات تبحر عبر قناة السويس في مدينة الإسماعيلية الساحلية المصرية على بعد 135 كيلومتراً شمال شرقي العاصمة المصرية القاهرة في 10 أكتوبر 2019 (أ.ف.ب)

تواجه سلاسل التوريد العالمية خطر التعرّض لاضطراب شديد نتيجة قيام شركات شحن كبرى في العالم بتحويل رحلاتها بعيداً عن البحر الأحمر الذي يزداد فيه تعرض السفن التجارية لهجمات الحوثيين في اليمن، مع ما يترتّب على ذلك من ارتفاع بتكلفة الشحن، وزيادة في معدلات التضخم لدى الدول المستوردة. وقد ردّت الولايات المتحدة على هذه الهجمات، بإطلاق تحالف بحري لحماية التجارة في هذه المنطقة الحيوية.

سفينة الشحن «غالاكسي ليدر» بعد أن قرصنتها قوارب الحوثيين بالبحر الأحمر في 20 نوفمبر الماضي (رويترز)

أدى تصاعد الهجمات التي شنها الحوثيون في اليمن، ضد السفن التجارية في الأسابيع الأخيرة، إلى اتخاذ العديد من الشركات قراراً بتجنب أحد أكثر ممرات الشحن ازدحاماً في العالم.

وأعلنت جماعة الحوثي دعمها لحركة «حماس» في صراعها مع إسرائيل، وقالت إنها تستهدف السفن المسافرة إلى إسرائيل. وليس من الواضح ما إذا كانت جميع السفن التي تعرضت للهجوم كانت متجهة بالفعل إلى إسرائيل، وفق تقرير، اليوم (الثلاثاء)، لصحيفة «بي بي سي» البريطانية.

وتُعَد هذه الهجمات على السفن، انتهاكاً لحرية الملاحة في البحار المكفولة باتفاقية الأمم المتحدة ﻟﻘﺎﻧﻮن اﻟبحار.

هجمات تعرقل سلاسل التوريد

كثف الحوثيون هجماتهم على السفن التجارية في البحر الأحمر، منذ بدء الحرب بين إسرائيل و«حماس» في أكتوبر (تشرين الأول).

وتستخدم الجماعة، المدعومة من إيران، الطائرات المسيّرة والصواريخ ضد السفن المملوكة لأجانب التي تنقل البضائع عبر مضيق باب المندب، وهو ممر مائي يبلغ عرضه 20 ميلاً (نحو 32 كم) يفصل بين إريتريا وجيبوتي على الجانب الأفريقي من المضيق من جهة، واليمن من جانب شبه الجزيرة العربية من الجانب الآخر.

وعادة ما تسلك السفن هذا الطريق من الجنوب للوصول إلى قناة السويس المصرية شمالاً.

سفينة الحاويات التي تعمل بوقود الميثانول «لورا ميرسك» ترسو في ميناء كوبنهاغن، الدنمارك، 14 سبتمبر 2023... شركة «ميرسك» الدنماركية للشحن حوّلت مؤخراً مسار سفنها من البحر الأحمر نحو رأس الرجاء الصالح في أفريقيا نتيجة هجمات القرصنة التي يشنها الحوثيون ضد سفن تجارية في البحر الأحمر وخليج عدن (رويترز)

ولكن بسبب الهجمات والتهديد بشن هجمات مستقبلية، قامت العديد من كبرى شركات الشحن في العالم، بما في ذلك شركة «البحر المتوسط للشحن» (مركزها سويسرا) و«ميرسك» الدنماركية، بتحويل السفن بعيدا إلى طريق أطول بكثير من طريق البحر الأحمر وقناة السويس لبلوغ أوروبا، وهو عبور السفن حول رأس الرجاء الصالح في أفريقيا، ثم إلى الجانب الغربي من البحر الأبيض المتوسط.

كما أوقفت شركة «بريتيش بتروليوم» (مركزها لندن) جميع شحنات النفط عبر البحر الأحمر، ملقية اللوم على «تدهور الوضع الأمني».

وستستغرق الرحلات التي تم وسيتم تحويلها من البحر الأحمر لرأس الرجاء الصالح، أوقات شحن إضافية تصل إلى 10 أيام على الأقل وتكلف الشركات ملايين الدولارات الإضافية.

«ميرسر ستريت» ناقلة نفط مملوكة لليابان ترفع العلم الليبيري وتديرها شركة «زودياك» البحرية المملوكة لإسرائيل التي تعرضت لهجوم قرصنة قبالة ساحل عمان في 26 نوفمبر 2023... الصورة في كيب تاون، جنوب أفريقيا، 2 يناير 2016 (رويترز)

أهمية طريق شحن البحر الأحمر

تمر السفن التي تعبر قناة السويس من أو إلى المحيط الهندي، عبر مضيق باب المندب والبحر الأحمر. ويمر عبره سنوياً نحو 17 ألف سفينة وما بين 10 - 12 في المائة من التجارة العالمية.

تُعد قناة السويس أسرع طريق بحري بين آسيا وأوروبا ولها أهمية خاصة في نقل النفط والغاز الطبيعي المسال.

وتم شحن نحو تسعة ملايين برميل من النفط يومياً عبر قناة السويس في النصف الأول من عام 2023، وفقاً لشركة تحليلات الشحن «فورتيكسا» (Vortexa).

ناقلة النفط الخام الأميركية «كريتي بريز» في الصورة أثناء عبورها قناة السويس، مصر، 15 فبراير 2022 (رويترز)

وقال محللون في شركة S&P Global Market Intelligence المختصة بتحليل أسواق الطاقة والسلع العالمية، إن ما يقرب من 15 في المائة من البضائع المستوردة إلى أوروبا والشرق الأوسط وشمال أفريقيا تم شحنها من آسيا والخليج عن طريق البحر. ويشمل ذلك 21.5 في المائة من النفط المكرر وأكثر من 13 في المائة من النفط الخام.

وتحمل سفن الحاويات أيضاً جميع أنواع السلع الاستهلاكية التي تظهر في المحلات التجارية، بما في ذلك أجهزة التلفاز والملابس والمعدات الرياضية وغيرها من السلع؛ حيث تبلغ قيمة البضائع التي يتم نقلها عبر البحر الأحمر سنوياً نحو تريليون دولار.

سفن شحن في ميناء حيفا التجاري على البحر المتوسط، مدينة حيفا، إسرائيل، في 13 ديسمبر 2023... تتعرّض سفن تجارية في البحر الأحمر وخليج عدن لعمليات قرصنة من جانب الحوثيين الذين يقولون إنهم يستهدفون السفن المسافرة إلى الموانىء الإسرائيلية (غيتي)

ما تأثير الاضطراب على المستهلكين؟

التأثير الأكثر إلحاحاً الذي يسببه التهديد الذي يواجه السفن التي تعبر البحر الأحمر وقناة السويس، هو ارتفاع تكلفة تأمينها، ما يعني زيادة الشركات لأسعار السلع التي تعبر في هذه السفن، لتغطية تكاليف زيادة بوليصة المخاطر.

فعادة، تقوم السفن بإخطار شركات التأمين الخاصة بها عند الإبحار عبر مناطق عالية المخاطر لدفع كلفة تأمين إضافية. فقد كانت بوليصة تأمين المخاطرة التي دفعتها شركات الشحن 0.07 في المائة فقط من القيمة الإجمالية للسفينة (بحمولتها) في بداية ديسمبر (كانون الأول)، لكنها ارتفعت - نتيجة الهجمات الأخيرة للحوثيين على السفن في البحر الأحمر - إلى نحو 0.5 - 0.7 في المائة (من قيمة السفينة) في الأيام الأخيرة، وفق تقرير اليوم (الثلاثاء) لصحيفة «الغارديان» البريطانية.

طائرة هليكوبتر تابعة للحوثيين تحلق فوق سفينة الشحن «غالاكسي ليدر» أثناء قرصنة الحوثيين لهذه السفينة في البحر الأحمر قبالة سواحل ميناء الحديدة اليمني (د.ب.أ)

يمكن بالتالي توقع حدوث تأخيرات في وصول المنتجات إلى المتاجر؛ حيث من المُتوقع أن تستغرق رحلات سفن الحاويات ما لا يقل عن 10 أيام إضافية بسبب إضافة طريق رأس الرجاء الصالح نحو 3500 ميل بحري.

كما ستكلف المسافة الإضافية التي ستعبرها السفن التي حوّلت مسارها نحو رأس الرجاء الصالح، الشركات مبالغ إضافية. وارتفعت أسعار الشحن بنسبة 4 في المائة في الأسبوع الماضي، ومن المتوقع نتيجة ذلك أن تضيف الشركات هذه التكاليف إلى أسعار السلع التي يشتريها المستهلكون.

وتزداد المخاوف من أن يؤدي الاضطراب في سلاسل التوريد عبر البحر الأحمر بسبب هجمات الحوثيين، إلى ارتفاع أسعار النفط.

يمكن أن يؤدي ارتفاع أسعار النفط، وهو مكون رئيسي في وقود السيارات، إلى ارتفاع الأسعار في محطات الوقود ويؤدي بالتالي إلى ارتفاع نسب التضخم في الدول المستوردة للنفط.

المدمرة الأميركية «يو إس إس مايسون» تمر عبر رصيف ميناء في مدينة نورفولك، بولاية فيرجينيا الأميركية، في 8 أبريل 2021، قال مسؤولون أميركيون إن طائرة مسيّرة يشتبه أنها تابعة للحوثيين كانت تحلق في اتجاه المدمرة خلال حادث أطلق فيه الحوثيون من اليمن صاروخين باتجاه ناقلة تجارية محملة بوقود الطائرات بالقرب من مضيق باب المندب الرئيسي يوم الأربعاء الماضي 13 ديسمبر (أ.ب)

تحرّك دولي

دفعت الهجمات التي يشنها الحوثيون المتحالفون مع إيران، على السفن، الولايات المتحدة، إلى إطلاق عملية بحرية دولية لحماية السفن في طريق البحر الأحمر، وانضمت إليها دول من بينها بريطانيا وكندا وفرنسا والبحرين والنرويج وإسبانيا.

وعقد وزير الدفاع الأميركي لويد أوستن اجتماعاً افتراضياً مع وزراء من أكثر من 40 دولة اليوم (الثلاثاء)، ودعا مزيد من الدول إلى المساهمة في الجهود المبذولة للحفاظ على سلامة الشحن في المنطقة.

وكان وزير الدفاع الأميركي أعلن أمس (الاثنين) عن إطلاق العملية متعددة الجنسيات لحماية التجارة في البحر الأحمر في أعقاب سلسلة من الهجمات الصاروخية وبطائرات مسيّرة شنها الحوثيون المتحالفون مع إيران في اليمن.

وزير الدفاع الأميركي لويد أوستن يخاطب القوات الأميركية في مقر الأسطول الخامس للبحرية في المنامة، البحرين، 19 ديسمبر 2023 (رويترز)

وقال أوستن في زيارة، الثلاثاء، إلى دولة البحرين، التي تستضيف مركز الأسطول الأميركي في الشرق الأوسط، إن الدول المشاركة في التحالف تشمل بريطانيا والبحرين وكندا وفرنسا وإيطاليا وهولندا والنرويج وسيشيل وإسبانيا، حسب شبكة الإذاعة والتلفزيون الألمانية الدولية «دويتشه فيله».

صورة من مقر الأسطول الخامس الأميركي في البحرين (أرشيفية - متداولة)

وأضاف وزير الدفاع الأميركي أنّ هذه الدول ستقوم بدوريات مشتركة في جنوب البحر الأحمر وخليج عدن. وقال أوستن في بيان «هذا تحد دولي يتطلب عملاً جماعياً. ولذلك أُعلن اليوم عن إطلاق عملية حارس الازدهار، وهي مبادرة أمنية مهمة جديدة متعددة الجنسيات».

مقالات ذات صلة

بنك اليابان يحذِّر من مخاطر استمرار توترات حرب إيران

الاقتصاد محافظ بنك اليابان كازو أويدا في مؤتمر صحافي سابق بمقر البنك في العاصمة طوكيو (رويترز)

بنك اليابان يحذِّر من مخاطر استمرار توترات حرب إيران

قال البنك المركزي الياباني إنه يجب توخي الحذر من المخاطر التي تهدد النظام المالي للبلاد، والناجمة عن التطورات في الشرق الأوسط.

«الشرق الأوسط» (طوكيو)
الاقتصاد سفينة حربية يابانية بميناء «داروين» في أستراليا (أ.ب)

اليابان تلغي قيود تصدير الأسلحة وتفتح أبوابها للسوق الدولية

كشفت اليابان، الثلاثاء، عن أكبر تعديل شامل لقواعد تصدير الأسلحة منذ عقود، حيث ألغت القيود المفروضة على مبيعات الأسلحة الخارجية...

«الشرق الأوسط» (طوكيو)
الاقتصاد شاشة تعرض حركة الأسهم على جسر مشاة بمدينة شنغهاي الصينية (رويترز)

الأسهم الصينية تتراجع مع ترقب محادثات سلام أميركا وإيران

تراجعت أسهم البر الرئيسي الصيني في ظل ترقب المستثمرين محادثات سلام محتملة بين الولايات المتحدة وإيران.

«الشرق الأوسط» (بكين)
خاص ميناء نيوم في السعودية (نيوم)

خاص ميناء نيوم يُعيد رسم خريطة التجارة العالمية من شمال السعودية

في الخامس عشر من أبريل نشرت شركة «نيوم» السعودية على منصة «إكس» تغريدة لافتة تحمل رسالة مختصرة وبالغة الدلالة: «أوروبا - مصر - نيوم - الخليج: طريقك الأسرع».

زينب علي (الرياض)
الاقتصاد شاشة تعرض حركة الأسهم في وسط العاصمة اليابانية طوكيو (أ.ف.ب)

«نيكي» يغلق مرتفعاً وسط تفاؤل بشأن «اتفاق الشرق الأوسط»

أغلق مؤشر «نيكي» الياباني على ارتفاع يوم الثلاثاء، مدفوعاً بازدياد التفاؤل إزاء تقارير تفيد بأن طهران تدرس المشاركة في محادثات السلام مع واشنطن في باكستان.

«الشرق الأوسط» (طوكيو)

مرشح ترمب لرئاسة «الفيدرالي»: سأتخذ قراراتي بمعزل عن أي ضغوط من الرئيس

وارش يتحدث خلال جلسة الاستماع أمام لجنة الشؤون المصرفية في مجلس الشيوخ (أ.ف.ب)
وارش يتحدث خلال جلسة الاستماع أمام لجنة الشؤون المصرفية في مجلس الشيوخ (أ.ف.ب)
TT

مرشح ترمب لرئاسة «الفيدرالي»: سأتخذ قراراتي بمعزل عن أي ضغوط من الرئيس

وارش يتحدث خلال جلسة الاستماع أمام لجنة الشؤون المصرفية في مجلس الشيوخ (أ.ف.ب)
وارش يتحدث خلال جلسة الاستماع أمام لجنة الشؤون المصرفية في مجلس الشيوخ (أ.ف.ب)

في شهادة تاريخية أمام اللجنة المصرفية بمجلس الشيوخ، وضع كيفن وارش، المرشح لرئاسة الاحتياطي الفيدرالي، «استقلالية القرار النقدي» كقاعدة أساسية لمستقبل المصرف المركزي، مؤكداً لأعضاء اللجنة أنه سيتخذ قراراته بمعزل عن أي نصيحة أو ضغط من الرئيس دونالد ترمب، ومسلّطاً الضوء على نجاحه في الحفاظ على انخفاض التضخم باعتباره «الدرع الواقية» التي ستحصن استقلالية المؤسسة وتحميها من السجالات السياسية، مشدداً على أن «التضخم المنخفض هو خيار، وعلى الاحتياطي الفيدرالي تحمل مسؤوليته دون أعذار».

وقال وارش أمام أعضاء اللجنة الذين سيرفعون توصياتهم بشأن تثبيته في مجلس محافظي الاحتياطي الفيدرالي، بالإضافة إلى فترة ولاية مدتها أربع سنوات على رأس البنك المركزي: «استقلالية السياسة النقدية أمرٌ جوهري».

وأضاف أن الحفاظ على هذه الاستقلالية «يقع على عاتق الاحتياطي الفيدرالي إلى حد كبير» من خلال تحقيق أهدافه وعدم تجاوز صلاحياته الممنوحة له من الكونغرس.

وقال وارش، الممول البالغ من العمر 56 عاماً والمحافظ السابق للاحتياطي الفيدرالي: «لا أعتقد أن استقلالية السياسة النقدية مهددة بشكل خاص عندما يُبدي المسؤولون المنتخبون - الرؤساء، أو أعضاء مجلس الشيوخ، أو أعضاء مجلس النواب - آراءهم بشأن أسعار الفائدة. لقد كلّف الكونغرس الاحتياطي الفيدرالي بمهمة ضمان استقرار الأسعار، دون أعذار أو مراوغة، أو جدال أو قلق. التضخم خيار، ويجب على الاحتياطي الفيدرالي أن يتحمل مسؤوليته. انخفاض التضخم هو سلاح الاحتياطي الفيدرالي الأقوى».

واعتبر وارش أن البيانات المستخدمة لتقييم التضخم غير دقيقة إلى حد بعيد، وقال إنه سيُجري مراجعة للبيانات، ومشيراً إلى أن الإجراءات الحالية التي يتبعها مجلس الاحتياطي الفيدرالي «معيبة».

وأوضح أنه يُفضل استخدام المتوسط ​​المُعدَّل أو الوسيط لتغيرات الأسعار للحصول على فهم أفضل لمعدل التضخم الأساسي.

وارش يتحدث خلال جلسة الاستماع أمام لجنة الشؤون المصرفية في مجلس الشيوخ (أ.ف.ب)

نقد «حقبة باول» وضرورة التغيير

وفي مواجهة اتسمت بالنقد الصريح، دعا وارش إلى «تغيير جذري» في آليات إدارة السياسة النقدية، معتبراً أن الإطار الحالي يحتاج إلى أدوات جديدة كلياً.

وانتقد وارش تمسك الإدارة الحالية بتوقعاتها لفترات أطول مما ينبغي، مشيراً إلى أن الاقتصاد لا يزال يدفع ثمن تداعيات أخطاء السياسة النقدية لعامي 2021 و2022، ومؤكداً في الوقت ذاته أن «لا مسألة أكثر إلحاحاً من تكلفة المعيشة» في الوقت الراهن.

وأبلغ وارش أعضاء مجلس الشيوخ أنه سيفي بتعهده بالتخلي عن ممتلكاته في حال تثبيته في منصبه، لكنه امتنع عن الخوض في تفاصيل كيفية التخلص من ملايين الدولارات من الأصول. وقال: «حتى لا يكون هناك أي شك في استقلاليتي، ولا أي شك في شفافية سجلي المالي، وافقت على التخلي عن جميع أصولي المالية تقريباً، وسيتم التخلي عن غالبيتها العظمى قبل أن أرفع يدي اليمنى وأؤدي اليمين الدستورية».

حتى قبل أن يُلقي وارش كلمته الافتتاحية، كرّر ترمب في مقابلة مع قناة «سي إن بي سي» أنه سيشعر بخيبة أمل إذا لم يُسرع مرشحه المُختار لخلافة رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول في خفض أسعار الفائدة. يُمثّل هذا التوقع تحدياً كبيراً لقائد البنك المركزي الذي يحتاج إلى حشد أصوات زملائه الذين ما زالوا قلقين بشأن تأثير صدمة أسعار النفط المستمرة على التضخم الذي يتجاوز بالفعل هدف الاحتياطي الفيدرالي البالغ 2 في المائة.

وقد صرّح وارش بأن خفض أسعار الفائدة مُبرّر لأن التغييرات التكنولوجية التي أطلقها الذكاء الاصطناعي سترفع الإنتاجية، وهو رأي يقول محافظو بنوك مركزية آخرون إنه قد يكون صحيحاً بمرور الوقت، ولكنه لا يجعل خفض أسعار الفائدة مناسباً بالضرورة على المدى القصير.

لقد فشل الاحتياطي الفيدرالي في تحقيق هدفه البالغ 2 في المائة لأكثر من خمس سنوات، أولاً بسبب صدمة جائحة كوفيد-19، ولكن مؤخراً بسبب تأثير تعريفات إدارة ترمب وارتفاع أسعار النفط المرتبط بالحرب في الشرق الأوسط، وهي مشكلة محتملة للمشرعين الجمهوريين قبيل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر (تشرين الثاني).

ولطالما تصادم ترمب مع باول بشأن السياسة النقدية منذ تعيينه رئيساً للاحتياطي الفيدرالي في ولايته الأولى بالبيت الأبيض. تنتهي ولاية باول رسمياً على رأس البنك المركزي في 15 مايو (أيار)، لكن من الممكن أن يبقى في منصبه لفترة أطول إذا تأخرت المصادقة على تعيين وارش.

في هذه المرحلة، لا يزال توقيت توصية اللجنة أو تصويت مجلس الشيوخ غير مؤكد. وقد صرّح السيناتور الجمهوري توم تيليس، عضو اللجنة، بأنه سيعرقل ترشيح وارش إلى أن تُسقط وزارة العدل الأريكية تحقيقاً مع باول يعدّه السيناتور تافهاً وجزءاً من مساعي ترمب للضغط على الاحتياطي الفيدرالي لخفض أسعار الفائدة أو إجبار باول على الاستقالة.

ورغم أن اجتماع السياسة النقدية الأسبوع المقبل قد يكون الأخير لباول رئيساً للاحتياطي الفيدرالي، لكن هذا المأزق قد زاد من احتمالية بقائه في منصبه حتى بعد انتهاء ولايته رسمياً. لا يبدو أن المدعية العامة الأميركية لمنطقة كولومبيا، جانين بيرو، حليفة ترمب، مستعدة للتخلي عن التحقيق مع باول، ولا يبدو أن الرئيس يضغط عليها للقيام بذلك، على الرغم من أن هذا الموقف يعني احتمال استمرار العمل مع رئيس البنك المركزي الحالي لأشهر إضافية، أو إشعال معركة قانونية أخرى بمحاولة تعيين بديل مؤقت من بين محافظي الاحتياطي الفيدرالي الستة الآخرين.

وفي غياب خليفة مؤكد للمنصب الرفيع، سبق للبنك المركزي أن عيّن رئيساً مؤقتاً للاحتياطي الفيدرالي. تمتد ولاية باول محافظاً للبنك المركزي حتى عام 2028، ما يعني أنه قد يبقى صانعاً رئيسياً للسياسات حتى في حال تثبيت وارش. كما صرّح ترمب بأنه قد يُقيل باول إذا لم يتخلَّ عن منصبه كمحافظ. ومن المؤكد أن مثل هذه الخطوة ستُثير طعناً قانونياً، كما حدث في محاولة الرئيس الصيف الماضي لإقالة ليزا كوك، محافظة الاحتياطي الفيدرالي.


بسبب الحرب... الاتحاد الأوروبي يدرس توسيع واردات وقود الطائرات الأميركي

طائرة تابعة لشركة «دي إتش إل» تقف خلف عدة شاحنات صهريجية في مركز الشركة بمطار لايبزيغ (د.ب.أ)
طائرة تابعة لشركة «دي إتش إل» تقف خلف عدة شاحنات صهريجية في مركز الشركة بمطار لايبزيغ (د.ب.أ)
TT

بسبب الحرب... الاتحاد الأوروبي يدرس توسيع واردات وقود الطائرات الأميركي

طائرة تابعة لشركة «دي إتش إل» تقف خلف عدة شاحنات صهريجية في مركز الشركة بمطار لايبزيغ (د.ب.أ)
طائرة تابعة لشركة «دي إتش إل» تقف خلف عدة شاحنات صهريجية في مركز الشركة بمطار لايبزيغ (د.ب.أ)

أعلن مسؤول النقل في الاتحاد الأوروبي أبوستولوس تزيتزيكوستاس، يوم الثلاثاء، أن التكتل الأوروبي يدرس توسيع وارداته من وقود الطائرات الأميركي، إلى جانب اتخاذ إجراءات لتعزيز استقرار قطاع الطيران، في ظل المخاوف المتزايدة من تداعيات الحرب الإيرانية على إمدادات الطاقة.

وأوضح تزيتزيكوستاس أن الاتحاد سيصدر توجيهات لشركات الطيران بشأن التعامل مع قضايا تشغيلية مثل مواعيد الإقلاع والهبوط، وحقوق المسافرين، والتزامات الخدمة العامة، في حال حدوث أي اضطرابات محتملة في إمدادات وقود الطائرات. وأضاف أنه لا توجد حتى الآن أي مؤشرات على نقص فعلي في الإمدادات، لكنه حذّر من أن إغلاق مضيق هرمز لفترة طويلة سيكون «كارثياً» على أوروبا والاقتصاد العالمي.

وقبل اندلاع القصف الأميركي والإسرائيلي على إيران في 28 فبراير (شباط)، كان نحو خُمس إمدادات النفط والغاز الطبيعي المسال العالمية يمر عبر مضيق هرمز. ويعتمد الاتحاد الأوروبي على استيراد ما بين 30 في المائة و40 في المائة من احتياجاته من وقود الطائرات، يأتي نحو نصفها من منطقة الشرق الأوسط.

ومن المقرر أن تقدم المفوضية الأوروبية، يوم الأربعاء، حزمة أوسع من التدابير المرتبطة بالطاقة والنقل، تشمل إنشاء «مرصد لوقود الطائرات» لمراقبة مستويات الإمدادات بشكل دوري.

وقال تزيتزيكوستاس عقب اجتماع وزراء النقل في الاتحاد الأوروبي: «في حال ظهور اضطرابات فعلية في الإمدادات، يجب استخدام المخزونات الاستراتيجية بالشكل الأمثل، مع ضمان الشفافية الكاملة في أي عمليات سحب وطنية لتفادي تشوهات السوق».

وأضاف أنه لا توجد في الوقت الراهن أي مؤشرات على حدوث «إلغاءات واسعة النطاق» خلال الأسابيع أو الأشهر المقبلة. في المقابل، حذرت وكالة الطاقة الدولية الأسبوع الماضي من احتمال بدء نقص فعلي في الوقود بحلول يونيو (حزيران)، في حين تشير شركات الطيران الأوروبية إلى أن الضغوط الحالية تتركز في ارتفاع الأسعار فقط.

وقالت مجموعة «إيه آي جي» المالكة للخطوط الجوية البريطانية و«إيبيريا» إنها لا تواجه أي اضطرابات في إمدادات وقود الطائرات في مطاراتها الرئيسية، لكنها تتعرض لارتفاع ملحوظ في التكاليف. كما أعلنت مجموعة «دي إتش إل» الألمانية أنها مؤمّنة من حيث إمدادات الوقود لعمليات الشحن في أوروبا حتى يونيو، بينما تبقى التوقعات في آسيا أقل وضوحاً.

وأكد المسؤول الأوروبي أن المفوضية تسعى إلى تسريع تطوير وقود الطيران المستدام والوقود الاصطناعي، بهدف تقليل الاعتماد على الواردات، خصوصاً من الشرق الأوسط. إلا أن الاتحاد الدولي للنقل الجوي (إياتا) كان قد حذر من أن إنتاج الوقود المستدام لا يزال دون المستويات المطلوبة لتحقيق أهداف التحول الأخضر، مشيراً إلى أن تكلفته قد تصل إلى خمسة أضعاف الوقود التقليدي.

وتسمح قواعد الاتحاد الأوروبي المتعلقة بمكافحة «التزود بالوقود الزائد» باستثناءات في حالات النقص المحتمل، على أن يتم توضيح الإطار التنظيمي بشكل أدق يوم الأربعاء.

كما تدرس المفوضية الأوروبية خيار تنويع مصادر الاستيراد، بما في ذلك وقود الطائرات الأميركي (جيت إيه) الذي يتميز بدرجة تجمد أعلى من المعيار الأوروبي.

وختم تزيتزيكوستاس بالقول: «لا حاجة في هذه المرحلة إلى أي إجراءات تمس حياة المواطنين أو حركة السفر والعمل. أوروبا مستعدة لاستقبال السياح والضيوف خلال موسم الصيف». وأضاف أن ارتفاع أسعار الوقود لا يبرر التراجع عن حقوق تعويض الركاب في حالات التأخير أو الإلغاء.


وول ستريت تحافظ على استقرارها ترقباً للتطورات الجيوسياسية

متداولون يعملون في بورصة نيويورك (أ.ب)
متداولون يعملون في بورصة نيويورك (أ.ب)
TT

وول ستريت تحافظ على استقرارها ترقباً للتطورات الجيوسياسية

متداولون يعملون في بورصة نيويورك (أ.ب)
متداولون يعملون في بورصة نيويورك (أ.ب)

حافظت الأسهم الأميركية على استقرارها، يوم الثلاثاء، بعدما دعمت نتائج قوية لشركات كبرى، مثل «يونايتد هيلث»، معنويات المستثمرين، في وقت استقرت فيه أسعار النفط وسط ترقب الأسواق لنتائج محادثات وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران، في ظل استمرار التوترات العسكرية بين الجانبين.

وارتفع مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 0.1 في المائة بعد تراجعين متتاليين، مقترباً من مستويات قياسية جديدة. كما صعد مؤشر «داو جونز» الصناعي بنحو 256 نقطة، أي ما يعادل 0.5 في المائة، بحلول الساعة 9:35 صباحاً بتوقيت شرق الولايات المتحدة، فيما سجل مؤشر «ناسداك» المركب ارتفاعاً طفيفاً بنسبة 0.1 في المائة.

وقادت شركة «يونايتد هيلث» المكاسب في السوق بارتفاع سهمها بنسبة 9.1 في المائة، عقب إعلانها عن أرباح وإيرادات فاقت توقعات المحللين خلال بداية العام، إلى جانب رفع توقعاتها لأرباح عام 2026 بالكامل.

ويعكس هذا الأداء أهمية ارتباط أسواق الأسهم بمسار أرباح الشركات على المدى الطويل؛ إذ يحقق المستثمرون مكاسب إضافية عندما تتجاوز الشركات التقديرات الحالية وترفع توقعاتها المستقبلية في الوقت ذاته.

كما ارتفع سهم شركة «كويست دياجنوستيكس» بنسبة 4.6 في المائة بعد إعلانها عن نتائج فصلية قوية تجاوزت التوقعات، إلى جانب رفع توقعاتها السنوية للأرباح. في المقابل، تراجع سهم «تراكتور سبلاي» بنسبة 7.5 في المائة بعد أن جاءت نتائجها دون تقديرات السوق.

وتشير بيانات اقتصادية حديثة إلى استمرار متانة الاقتصاد الأميركي رغم التقلبات المرتبطة بأسعار النفط الناتجة عن الحرب مع إيران؛ إذ أظهر تقرير ارتفاع إنفاق المستهلكين في مارس (آذار)، وهو أول شهر كامل من النزاع، بما يفوق توقعات المحللين، مع استقرار نسبي في مبيعات التجزئة عند استبعاد قطاع الوقود.

وقال برايان جاكوبسن، كبير الاستراتيجيين الاقتصاديين في شركة «أنيكس» لإدارة الثروات: «من المألوف القول إن الأثر الاقتصادي سيتوقف على مدة الصراع في الشرق الأوسط، لكن هذه المقولة تبقى صحيحة إلى حد كبير».

وفي أسواق الطاقة، تراجع سعر خام برنت، المعيار الدولي، بنسبة 0.5 في المائة ليصل إلى 95.02 دولار للبرميل، قبيل انتهاء الهدنة المقررة بين الولايات المتحدة وإيران فجر الأربعاء بتوقيت طهران.

ولا يزال الترقب يهيمن على الأسواق بشأن مصير مضيق هرمز، الممر الحيوي الذي تمر عبره شحنات النفط من الخليج العربي؛ إذ إن أي إغلاق طويل له قد يؤدي إلى تعطيل الإمدادات العالمية ورفع الأسعار بشكل حاد.

وتراوح سعر خام برنت خلال فترة الحرب بين نحو 70 دولاراً و119 دولاراً للبرميل، مع تصاعد المخاوف من اضطرابات طويلة الأمد في الإمدادات.

وفي أسواق الشركات، تراجع سهم «أبل» بنسبة 0.9 في المائة بعد إعلان تيم كوك تنحيه عن منصب الرئيس التنفيذي في الأول من سبتمبر (أيلول)، وانتقاله إلى منصب رئيس مجلس إدارة الشركة، على أن يتولى جون تيرنوس القيادة التنفيذية، وهو أحد أبرز مسؤولي الهندسة في الشركة.

في المقابل، ارتفع سهم «أمازون» بنسبة 1.9 في المائة بعد إعلان شركة «أنثروبيك» عن اتفاق جديد والتزامها باستثمار أكثر من 100 مليار دولار خلال العقد المقبل في خدمات الحوسبة السحابية عبر منصة «إيه دبليو إس» لتدريب وتشغيل نموذج الدردشة «كلود».

وعلى صعيد الأسواق العالمية، سجلت المؤشرات الأوروبية أداءً متبايناً بعد مكاسب قوية في آسيا، حيث ارتفع مؤشر «كوسبي» الكوري الجنوبي بنسبة 2.7 في المائة، مسجلاً أحد أكبر التحركات في الأسواق العالمية.

وفي سوق السندات، ارتفعت عوائد سندات الخزانة الأميركية بشكل طفيف؛ إذ صعد العائد على سندات العشر سنوات إلى 4.27 في المائة مقارنة بـ4.26 في المائة في ختام تداولات يوم الاثنين.