لماذا قلَّصت إيران وجودها العسكري في سوريا؟ خيانة وتمويه وهدية

مصادر عراقية تقول إن سوريا «ضرورة إيرانية» لتهديد أمن إسرائيل

أرشيفية لقادة إيرانيين عسكريين شرق سوريا (المرصد)
أرشيفية لقادة إيرانيين عسكريين شرق سوريا (المرصد)
TT

لماذا قلَّصت إيران وجودها العسكري في سوريا؟ خيانة وتمويه وهدية

أرشيفية لقادة إيرانيين عسكريين شرق سوريا (المرصد)
أرشيفية لقادة إيرانيين عسكريين شرق سوريا (المرصد)

هل قلَّصت إيران بالفعل وجودها العسكري في سوريا؟ قد يعني هذا التخلي جزئياً عن موقع استراتيجي في المواجهة مع إسرائيل، لكن ليس من الواضح أن طهران تفعل ذلك كإجراء تكتيكي مؤقت، أم أنها خطوة متقدمة في سياق تغيير دراماتيكيّ وشيك في المنطقة.

وأخْلَت القوات الإيرانية مقرّات في دمشق وجنوب البلاد، وصولاً إلى الحدود مع الجولان، وفقاً لما نقلته وكالة الصحافة الفرنسية، التي ألمحت نقلاً عن مصادر إلى أن القرار احترازي بعد ضربات استهدفت أبرز قادة «الحرس الثوري الإيراني».

وطال قصف صاروخي، قالت طهران إن إسرائيل هي من نفّذته مطلع أبريل (نيسان)، القنصلية الإيرانية، وأسفر عن مقتل 7 عناصر في «الحرس الثوري»، بينهم قياديان، أحدهما محمد رضا زاهدي، أكبر مسؤول عسكري إيراني في سوريا.

ورداً على استهداف القنصلية، أطلقت إيران ليل 13 أبريل مئات المُسيّرات والصواريخ على إسرائيل، في أول هجوم إيراني مباشر على الدولة العبرية، واستهدفت هجمات، نُسبت إلى إسرائيل، وسط إيران، الأسبوع الماضي، لكن إيران قلّلت من أهميتها.

ولم تعد إيران تمتلك رأس الحربة الخاص بـ«الحرس الثوري» في سوريا بعد «الضربة الأخيرة الموجعة»، على حد الوصف الذي استعمله تقرير لوكالة «بلومبرغ» الأسبوع الماضي.

خامنئي يقف أمام جثث 7 من ضباط «الحرس الثوري» قضوا في ضربة القنصلية الإيرانية (إ.ب.أ)

وخلال الأسابيع الماضية، حاولت تقارير صحافية، بعضها نقل معلومات عن مصادر إيرانية، تكريس الانطباع أن طهران تقلِّل من حضورها في سوريا.

لكنَّ سياسيين عراقيين، بينهم قيادي شيعي في تحالف «الإطار التنسيقي»، يستبعدون تخلي إيران عن «الأهمية الاستراتيجية لسوريا، وليس (الرئيس بشار) الأسد» في نزاعها مع إسرائيل.

وقال السياسي، لـ«الشرق الأوسط»، إنه «رغم استعداد مسلحين عراقيين للانتقال إلى سوريا لشغل الفراغ الذي تركه العسكريون الإيرانيون، فإن العملية قد تكون في إطار التمويه»، وأشار إلى أن «الحضور الإيراني –بالمعنى الميداني المتعارف عليه– محدود منذ البداية».

ونقلت وكالة الصحافة الفرنسية عن مصدر مقرب من «حزب الله» اللبناني أن مقاتلين من «حزب الله» وآخرين عراقيين حلّوا مكان القوات الإيرانية في ريف دمشق ودرعا والقنيطرة ودمشق.

وقال مصدران مقربان من أجواء الفصائل العراقية إن «كتائب حزب الله وحركة النجباء تلقت طلبات من طهران لإرسال مسلحين لديهم خبرة ميدانية سابقة في الأراضي السورية»، دون أن يؤكدا أنهم انتقلوا بالفعل إلى هناك.

وقال السياسي العراقي، لـ«الشرق الأوسط»، إن «الاستراتيجية الإيرانية لا تعمل بهذه الطريقة (...) لا يمكن لها أن تترك الأذرع تدير بلداً شديد الأهمية».

وقال سياسي ثانٍ إن «تسريب الانسحاب قد ينطلي على حيلة إيرانية بأنهم تركوا سوريا»، وفسَّر كلامه بأن هذا «التمويه يمنح لهم الوقت الكافي للتحقيق في تسريب المعلومات لطرف ثالث، أو رابع».

وخلصت اتصالات أجرتها «الشرق الأوسط» مع سياسيين ومسؤولين سابقين على صلة بالملف السوري، إلى 3 فرضيات تفسر معنى الحديث عن تقليص الوجود الإيراني في سوريا.

عناصر من «الحرس الثوري» الإيراني في سوريا (أرشيفية - متداولة)

«خيانة وجواسيس»

يقول مسؤول حكومي سابق في بغداد، على صِلةٍ بالملف السوري، وسبق أن التقى الأسد مرات كثيرة بين عامي 2015 و2019، إن إيران لديها الآن شكوك جدية بأن ضباطاً وقيادات سورية أمنية تواطأت ضد الإيرانيين وسرَّبت إلى طرف ثالث ورابع معلومات عن تحركاتهم داخل سوريا.

وأوضح المسؤول، لـ«الشرق الأوسط»، أن «الإيرانيين يحققون في الأمر، وهم قريبون من النتيجة»، ومع ذلك «هم يريدون استباق الأحداث بالتحرك احترازياً»، وأشار إلى أن «تقليص الوجود العسكري يتعلق فقط بالأشخاص الرسميين المرتبطين علناً بـ(الحرس الثوري)».

وفي 13 أبريل الماضي، نقلت وسائل إعلام إيرانية عن الجنرال مرتضى قرباني فر، كبير مستشاري قائد «الحرس الثوري»، إن تحقيقاً يجري حول ما إذا كان مكان اجتماع وحضور محمد رضا زاهدي، قائد قوات «الحرس» في سوريا ولبنان، قد تسرب.

وقال قرباني فر، إن «الجواسيس كثر في سوريا ولبنان، ويمكن للأعداء رصد الأفراد عبر الأقمار الاصطناعية وشبكة الاتصالات (...) الأعداء يتجسسون من عدة قنوات». وأضاف: «يكفي أن يكون هناك متسلل واحد لكي يُمرِّر المعلومات المشفَّرة للأعداء».

وتتركز الشكوك الإيرانية حول 18 قائداً جرى اغتيالهم خلال فترة قصيرة في هجمات نُسبت إلى إسرائيل، حسب «بلومبرغ»، التي نقلت عن منشقٍّ سوري معارض لنظام الأسد، ادّعى أنه تحدث مع مسؤول إيراني.

اللافت في كلام المنشق، وفق الوكالة، إن إيران بدأت تحقيقاً مشتركاً بين البلدين لمحاولة تتبع الخرق الأمني المحتمل، وفي مرحلة معينة، اختارت إيران إجراء تحقيق مستقل مع «حزب الله» اللبناني، لتجنب مشاركة المخابرات السورية.

وقال مسؤول عراقي لـ«الشرق الأوسط»، إن «إيران تعترف بأنها مخترَقة في سوريا، كما أن الفصائل العراقية تلقَّت نصائح من طهران بأن يُحسنوا التعامل مع الهواتف أو يغلقوها بشكل تام، كما فعل قبلهم (حزب الله) اللبناني».

ومع ذلك، فإن التحقيق والشكوك بـ«خيانة الأجهزة الأمنية السورية» لإيران لا تدفع الأخيرة إلى التخلي عن سوريا بسبب أهميتها الاستراتيجية في إزعاج إسرائيل، وقال السياسي العراقي: «ما أعرفه، أن (الرئيس السوري بشار) الأسد لا يقدم شيئاً ذا قيمة استراتيجية، سوى أن موقع سوريا مهم للتأثير في أمن إسرائيل، وهذا ما لا يمكن التخلي عنه حتى لو قال الأسد للإيرانيين: تفضلوا مع السلامة».

وخلص تقرير «بلومبرغ» إلى أن الأسد ليس على علم بالخروقات الأمنية التي أدت إلى استهداف قادة «الحرس الثوري»، كما أن تقرير وكالة الصحافة الفرنسية نفسه أفاد بأن سحب قوات إيرانية من محافظات عدة في سوريا، بدأ منذ مطلع العام، لكن وتيرته تسارعت أخيراً.

وحسب المرصد السوري لحقوق الإنسان، غادرت دفعة من المستشارين الإيرانيين خلال شهر مارس (آذار) مناطق عدّة في البلاد من بينها بانياس.

وأبقت إيران على قواتها في محافظة حلب (شمال) وفي محافظة دير الزور (شرق) التي تعد من أبرز مناطق نفوذها في سوريا.

أرشيفية تُظهر قائد «الحرس الثوري» الجنرال حسين سلامي (وسط) في طهران خلال تشييع عناصر قُتلوا بسوريا 22 يناير (نيويورك تايمز)

هدية لبايدن

يخلُص سياسيون عراقيون، ومصادر من الفصائل المسلحة، إلى أن إيران لن تخوض مواجهة مفتوحة هذا العام، على الأقل حتى تنتهي الانتخابات الأميركية.

وقال السياسي الشيعي، لـ«الشرق الأوسط»، إن «تقليص الوجود العسكري الإيراني في سوريا إجراء موجَّه إلى الرئيس الأميركي جو بايدن بالتحديد، ومنحه انتصاراً شكلياً في المنطقة، بسبب الرغبة الإيرانية في عدم فوز ترمب أو أي جمهوري متطرف في الانتخابات الرئاسية الأميركية».

ورأى السياسي العراقي أن الأشهُر الماضية شهدت كثافة غير عادية في الرسائل المتبادلة بين واشنطن وطهران، وبعضها حصل بشكل مباشر ونادر بحضور وزير الخارجية حسين أمير عبداللهيان.

وفي أجواء الفصائل العراقية المسلحة، تتداول قيادات محورية «تحديثاً إيرانياً وصل إليهم بعد الهجوم الإسرائيلي الأخير على أصفهان مفاده أن استمرار الهدنة قرار قائم حتى الآن، وأن تقدير الموقف الذي تعمل عليه طهران باستمرار لا يقترح غير ذلك مع الأميركيين في العراق وسوريا».

حيلة إيرانية

تفترض مصادر عراقية تصف نفسها بـ«العملياتية» سيناريو ثالثاً يستند إلى «معرفتهم بالتكتيكات الإيرانية»، وقالوا إن إيران تتعمد من خلال هذه التسريبات «التمويه على أمر ما».

وقال مصدر لـ«الشرق الأوسط»، إن طهران تريد «نصب شرك للجواسيس في سوريا، عبر إيهامهم بأنهم انسحبوا، للتعرف على الشبكة التي تُسرِّب المعلومات».

وقال مصدر آخر إن «قيادات عراقية تعمل في الميدان السوري للتحقق من العملاء»، على حد تعبيره.

لكنَّ المسؤول الحكومي السابق يعتقد أن إيران استشعرت حجم الضغط الدولي على الساحة السورية، بعد ازدياد الهجمات المباشرة على مصالحها هناك، وتريد إيهام الجميع بأنها تركت الميدان، لتتأكد من أن «إسرائيل وأميركا في طريقهما إلى تخفيف القبضة عليها في دمشق»، خصوصاً أن «المعلومات عن خيانة سورية للإيرانيين ليست جديدة، بل كانت أكيدة لهم منذ أشهر».


مقالات ذات صلة

من يقود إيران؟... مصادر ترسم لـ«الشرق الأوسط» خريطة حلقة المرشد الجديد

خاص المرشد الإيراني الجديد مجتبى خامنئي ورئيس مجلس الأمن القومي الإيراني علي لاريجاني (مهر)

من يقود إيران؟... مصادر ترسم لـ«الشرق الأوسط» خريطة حلقة المرشد الجديد

رسمت مصادر غربية لـ«الشرق الأوسط» خريطة الحلقة الضيقة المحيطة بالمرشد الإيراني الجديد، مؤكدة أن أي بحث جدي في وقف النار رهن شعور هذه الحلقة بـ«الإنهاك».

«الشرق الأوسط» (لندن)
المشرق العربي إشعار مطبوع ملصق بالقرب من نافذة أحد الفنادق يُعلم النزلاء بأنه ممنوع عليهم زيارة الفندق بسبب حالة الحرب في بيروت... 16 مارس 2026 (أ.ف.ب)

فنادق وشقق للإيجار في لبنان موصدة بوجه النازحين خوفاً من استهداف إسرائيلي

توصد فنادق وشقق للإيجار في لبنان أبوابها بوجه النازحين خوفاً من أن يكونوا عناصر معرضين للاستهداف الإسرائيلي.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
شؤون إقليمية طائرة الحرب الإلكترونية «إي إيه-18 جي غراولر» التابعة للبحرية الأميركية على سطح حاملة الطائرات «يو إس إس أبراهام لينكولن» خلال عملية «ملحمة الغضب» في 7 مارس الحالي (د.ب.أ)

«القيادة المركزية الأميركية»: ضرباتنا تستنزف قدرات إيران في مضيق هرمز

قال قائد القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم)، الأدميرال براد كوبر، إن القوات الأميركية تركز جهودها على التهديدات الإيرانية في مضيق هرمز.

«الشرق الأوسط» (لندن)
شؤون إقليمية يتصاعد الدخان عقب غارة جوية وسط الصراع الأميركي الإسرائيلي مع إيران في طهران (رويترز) p-circle

ترمب يتهم إيران باستخدام الذكاء الاصطناعي لنشر معلومات مضللة

اتهم الرئيس الأميركي دونالد ترمب إيران باستخدام الذكاء الاصطناعي «سلاحاً للتضليل» من أجل تشويه دعم واشنطن ونجاحاتها في الحرب

«الشرق الأوسط» (سان فرانسيسكو (كاليفورنيا))
شؤون إقليمية غارة جوية على أصفهان صباح الأحد (شبكات التواصل) p-circle

الضربات تتسارع داخل إيران… و«هرمز» في قلب الرهانات

تصاعدت الضربات بين إيران وإسرائيل بموازاة الصراع حول مضيق هرمز، ورفض واشنطن وطهران الحل الدبلوماسي، في وقت لوّح الرئيس الأميركي دونالد ترمب بقصف خرج مجدداً.

«الشرق الأوسط» (لندن - طهران - واشنطن - تل أبيب)

«اتفاق غزة»... زخم يتصاعد أمام تعقيدات ومخاوف

خيام تؤوي فلسطينيين نازحين إلى جانب مبانٍ مدمرة في مدينة غزة (أ.ف.ب)
خيام تؤوي فلسطينيين نازحين إلى جانب مبانٍ مدمرة في مدينة غزة (أ.ف.ب)
TT

«اتفاق غزة»... زخم يتصاعد أمام تعقيدات ومخاوف

خيام تؤوي فلسطينيين نازحين إلى جانب مبانٍ مدمرة في مدينة غزة (أ.ف.ب)
خيام تؤوي فلسطينيين نازحين إلى جانب مبانٍ مدمرة في مدينة غزة (أ.ف.ب)

زخم يتواصل بشأن ملف اتفاق وقف إطلاق النار في غزة بعد جمود زاد من وتيرته اندلاع حرب إيران قبل نحو أسبوعين، شمل لقاء بالقاهرة بين وفد من «حماس» ومبعوثين لـ«مجلس السلام» الذي يترأسه الرئيس الأميركي دونالد ترمب، تزامناً مع حديث إسرائيلي بشأن إعادة فتح معبر رفح الحدودي من الجانب الفلسطيني، وتحديد موعد لنشر «قوات الاستقرار الدولية».

لكن ذلك الزخم اللافت يصطدم بتعقيدات ومخاوف، وفق خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، واتفقوا على أن ترمب لديه أولوية إنهاء حرب إيران التي تؤثر على صورته داخل أميركا، في حين يبقى ملف غزة أمراً ثانوياً، ولا تتعدى تصريحات إسرائيل كونها إعلانات دعائية لن تترجم مثلاً لانسحاب تدريجي، كما يقر «اتفاق غزة».

وأفادت ثلاثة مصادر لـ«رويترز»، الاثنين، بأن مبعوثين من «مجلس السلام»، المكلف بالإشراف على قطاع غزة بعد الحرب، التقوا مطلع الأسبوع بممثلين عن «حماس» بالقاهرة، في «محاولة للحفاظ على وقف إطلاق النار في غزة الذي يتعرض لضغوط كبيرة منذ بدأت الولايات المتحدة وإسرائيل قصف إيران».

وأعلنت إسرائيل الأحد أنها ستعيد فتح معبر رفح بين غزة ومصر، والمغلق منذ بدء حملة القصف على إيران، أمام حركة المرور في الاتجاهين «ابتداء من الأربعاء المقبل، وذلك لحركة محدودة للأفراد فقط، وفقاً للآلية المعمول بها قبل إغلاقه، بالتنسيق مع مصر، وتحت إشراف بعثة الاتحاد الأوروبي».

وكان المعبر فُتح أمام الأفراد بشكل جزئي ومحدود في الثاني من فبراير (شباط) الماضي، غير أن إسرائيل أعادت إغلاقه تزامناً مع اندلاع حرب إيران في 28 من الشهر ذاته.

ومنتصف يناير (كانون الثاني) الماضي، أعلنت واشنطن الانتقال إلى المرحلة الثانية من خطة ترمب لإنهاء الحرب في القطاع، عبر بنود تشمل انسحاباً إسرائيلياً تدريجياً من غزة، ونزع سلاح «حماس»، ونشر قوة دولية لتحقيق الاستقرار. وحتى الآن، لا يزال الجيش الإسرائيلي يسيطر على أكثر من نصف القطاع، في حين ترفض «حماس» إلقاء سلاحها.

وأفادت «هيئة البث الإسرائيلية» مساء السبت الماضي، بأن القوة الدولية سيبدأ نشرها في قطاع غزة اعتباراً من مايو (أيار) المقبل.

فلسطينيون نازحون يتزاحمون للحصول على الطعام في بنك الطعام بالنصيرات وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

الخبير في الشؤون الإسرائيلية بـ«مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية»، سعيد عكاشة، يرى أن عودة الزخم بشأن «اتفاق غزة» محاولة تقديم صورة إيجابية للمجتمع الدولي، ودعائية لصالح إسرائيل تظهر من خلالها اهتماماً كبيراً بالملف، في ظل حروب متصاعدة بالمنطقة وتقارير عن احتمال حدوث مجاعة حقيقية بالقطاع، في محاولة للإبقاء على إظهار وحشية الطرف الإيراني فقط.

وفيما يخص المخاوف والتعقيدات المتعلقة بالاتفاق، أكد عكاشة أن إسرائيل لن تمضي في تنفيذ أي إجراءات فعلية بعد المرحلة الأولى من الاتفاق، إلا بعد تحقيق شرط نزع سلاح حركة «حماس»، لافتاً إلى أن انتشار قوات دولية حال حدث قد لا يتعدى كونه إجراء رمزياً وليس إدارة فعلية للقطاع؛ إذ تنفذ إسرائيل بعض الأمور بشكل جزئي لتجنب التصادم مع الإدارة الأميركية دون التزام كامل بالتنفيذ.

ويقر المحلل السياسي الفلسطيني، نزار نزال، بأن هناك زخماً عاد بشأن «اتفاق غزة» في ظل تلك الاجتماعات والتصريحات، لكنه يحذر من مخاوف بأن تكون مناورة إسرائيلية خاصة، وهي لم تنفذ أي التزامات من المرحلة الثانية، وأن تكون ثمة تهدئة للرأي العام العالمي ليس أكثر.

ويعتقد نزال أن التعقيدات مرتبطة بخلاف انشغال واشنطن وإسرائيل بالحرب، وأن تل أبيب لديها انتخابات قريبة بحسابات معقدة لن يستفيد منها «اتفاق غزة»، بل من الممكن أن يواجه تحديات، خاصة أن رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو لن ينسحب من القطاع، وهو مقبل على اقتراع جديد، فضلاً عن عدم دخول «لجنة إدارة غزة» لبدء عملها بالقطاع.

وعادت اتصالات الوسطاء بشأن الملف مجدداً، وجرى اتصال هاتفي بين وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، ونائب الرئيس الفلسطيني حسين الشيخ، الاثنين، تناول تطورات الأوضاع في قطاع غزة.

وأكد عبد العاطي «أهمية الإسراع بتمكين اللجنة الوطنية لإدارة غزة من الاضطلاع بمهامها من داخل القطاع، باعتبار ذلك خطوة أساسية في إدارة المرحلة الانتقالية وتثبيت التهدئة».

وحول الطلب المصري ضرورة تمكين «لجنة إدارة غزة» في الفترة المقبلة، استبعد عكاشة إمكانية تحقيق ذلك حالياً بسبب تعقيدات الأوضاع الأمنية، لافتاً إلى أن ملف غزة يعد أمام ترمب ثانوياً في ظل أولوية حسم الصراع مع إيران في المرحلة الراهنة لتفادي أي تأثيرات داخلية على الرئيس الأميركي.

في حين يرى نزال أن مصر تحاول أن تفسد مخططات إسرائيل لإفساد «اتفاق غزة»، وتسعى مع كل الأطراف لجعله على قيد الحياة، وخلق زخم بشأن مطالبه بين وقت وآخر، مشيراً إلى أنه في المدى القريب قد لا نرى نتائج على أرض الواقع في غزة حال استمرت حرب إيران.


تصعيد عسكري وعملية إسرائيلية بريّة «محددة» في جنوب لبنان

آليات عسكرية إسرائيلية عند الحدود اللبنانية مع إعلان الجيش الإسرائيلي عن نشاط بريّ محدد يستهدف مواقع رئيسية في جنوب لبنان بهدف توسيع نطاق منطقة الدفاع الأمامي (رويترز)
آليات عسكرية إسرائيلية عند الحدود اللبنانية مع إعلان الجيش الإسرائيلي عن نشاط بريّ محدد يستهدف مواقع رئيسية في جنوب لبنان بهدف توسيع نطاق منطقة الدفاع الأمامي (رويترز)
TT

تصعيد عسكري وعملية إسرائيلية بريّة «محددة» في جنوب لبنان

آليات عسكرية إسرائيلية عند الحدود اللبنانية مع إعلان الجيش الإسرائيلي عن نشاط بريّ محدد يستهدف مواقع رئيسية في جنوب لبنان بهدف توسيع نطاق منطقة الدفاع الأمامي (رويترز)
آليات عسكرية إسرائيلية عند الحدود اللبنانية مع إعلان الجيش الإسرائيلي عن نشاط بريّ محدد يستهدف مواقع رئيسية في جنوب لبنان بهدف توسيع نطاق منطقة الدفاع الأمامي (رويترز)

يتزامن التصعيد على الجبهة اللبنانية مع حديث إسرائيلي عن تعبئة تصل إلى 450 ألف جندي احتياط استعداداً لتوسيع العمليات البرية، بالتوازي مع غارات مكثفة طالت جنوب لبنان والبقاع والضاحية الجنوبية لبيروت.

وقال الجيش الإسرائيلي في بيان: «بدأت قوات (الفرقة 91) خلال الأيام الأخيرة نشاطاً بريّاً محدداً يستهدف مواقع رئيسية في جنوب لبنان، بهدف توسيع نطاق منطقة الدفاع الأمامي». وأفادت الإذاعة الإسرائيلية بأن الجيش الإسرائيلي سيطلب المصادقة على رفع عدد قوات الاحتياط إلى 450 ألف جندي تحضيراً لعملية برية أوسع، في حين نقلت «يديعوت أحرونوت» عن مسؤول عسكري أن القتال قد يستمر حتى نهاية مايو (أيار).

بدوره، أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس بدء عملية برية، قائلاً إن سكان جنوب لبنان «لن يعودوا قبل ضمان سلامة سكان شمال إسرائيل»، وإن الجيش الإسرائيلي كُلّف بتدمير ما تعتبره إسرائيل بنى تهددها في القرى الحدودية.

أتى ذلك في وقت تستمر فيه المعارك مع «حزب الله» على محاور حدودية عدة، ونقلت وسائل إعلام محلية تسجيل اشتباكات على محور عديسة - الطيبة، مع محاولة تسلل إسرائيلية، في حين فجّر الجيش الإسرائيلي منازل في رب ثلاثين، ورُصد توغل آليات قرب يارون ومارون الراس.

آليات عسكرية عند الحدود اللبنانية مع استمرار التصعيد العسكري (رويترز)

منطقة عازلة وتثبيت نقاط متقدمة

في قراءة للتطورات العسكرية، قال العميد المتقاعد سعيد قزح لـ«الشرق الأوسط» إن الحديث «عن استدعاء نحو 450 ألف جندي إسرائيلي يشير إلى التحضير لعملية عسكرية واسعة في لبنان تتجاوز العمليات المحدودة على الخط الحدودي».

وأوضح قزح أن السيناريو الأدنى الذي يمكن تصوّره «يتمثل في تنفيذ عملية برية تهدف إلى إقامة منطقة عازلة داخل الأراضي اللبنانية يتراوح عمقها بين خمسة وعشرة كيلومترات»، مشيراً إلى أن هذا الاحتمال يتقاطع مع المعطيات الميدانية التي تتحدث عن تحركات إسرائيلية في عدد من النقاط الحدودية.

وأضاف أن «المعلومات المتداولة تتحدث عن احتمال توسيع نطاق هذه المنطقة العازلة، وصولاً إلى نهر الزهراني، وهو ما يعني تقدماً قد يصل إلى نحو 40 كيلومتراً داخل الأراضي اللبنانية». وقال: «إذا كان الهدف فعلاً الوصول إلى منطقة الزهراني، فإن الحديث عن تعبئة عسكرية كبيرة قد يصبح أكثر واقعية».

الدخان يتصاعد من أحد المباني التي استُهدفت بقصف إسرائيلي في بلدة الخيام عند الحدود الجنوبية (أ.ف.ب)

ولفت إلى أن المؤشرات الميدانية الحالية توحي بأن «إسرائيل تعمل على تثبيت نقاط عسكرية متقدمة داخل الشريط الحدودي بعمق يتراوح بين كيلومترين و4 كيلومترات، تمتد من تلال الخيام وصولاً إلى اللبونة، مروراً بمارون الراس وعيترون»، موضحاً أن هذه النقاط قد تشكل قواعد انطلاق لأي تقدم لاحق داخل الأراضي اللبنانية.

وأشار إلى أن «الهدف المباشر من إقامة منطقة عازلة بعمق نحو عشرة كيلومترات يتمثل في حماية المستوطنات الحدودية من الأسلحة المضادة للدروع والأسلحة المباشرة التي يمكن أن تُستخدم من مسافات قريبة. أما إذا توسّع العمق ليصل إلى نحو 40 كيلومتراً، فسيكون الهدف حينها إبعاد خطر الصواريخ متوسطة المدى مثل صواريخ (غراد) التي يبلغ مداها نحو 40 كيلومتراً».

انتشار الفرق العسكرية

وتشير تقارير إسرائيلية إلى مشاركة عدة تشكيلات عسكرية في العمليات الجارية جنوب لبنان؛ فقد ذكرت صحيفة «معاريف» أن الفرقتين «91» و«36» تنشطان في المنطقة بالتوازي مع غارات جوية وقصف مدفعي. وأوضحت الصحيفة أن قوات «الفرقة 91» فعّلت وحدة العمليات الخاصة «769» بالتعاون مع لواء «جفعاتي»، في حين يعمل سلاح الجو والمدفعية على تنفيذ قصف مكثف لتهيئة ساحة العمليات ودعم تحركات القوات البرية.

مبنى مدمّر إثر قصف إسرائيلي استهدفه في بلدة برج قلاوية بجنوب لبنان (د.ب.أ)

غارات مكثفة على مناطق واسعة

ميدانياً، ومع استمرار التصعيد العسكري، شنّ الطيران الحربي الإسرائيلي منذ منتصف ليل الأحد سلسلة غارات مكثفة على قرى جنوب لبنان، مستهدفاً جبال البطم، وياطر، والسلطانية، وصربين، وبرج قلاوية، وشقرا، وبنت جبيل، وميفدون، والطيبة، إضافة إلى المنطقة الواقعة بين ياطر وبيت ليف، وفق ما أفادت «الوكالة الوطنية للإعلام».

كما أغار الطيران على منزل في بلدة كفرصير، ما أدى إلى سقوط قتيل، واستهدف منزلاً خالياً في بلدة صربين. وفي مدينة النبطية طالت غارة محيط مسجد أبي الفضل العباس في حي السراي القديم، ما أدى إلى أضرار كبيرة في الأبنية المحيطة. وشهدت المنطقة أيضاً غارات على بلدة الخيام، في حين استهدفت غارة أخرى المنطقة الواقعة بين بلدتَي عربصاليم وحبوش، كما طالت غارة ليلية بلدة الريحان في قضاء جزين.

آليات عسكرية عند الحدود اللبنانية مع استمرار التصعيد العسكري (رويترز)

وترافق التصعيد الجوي مع قصف مدفعي طال وادي السلوقي وأطراف بلدة دبين ومحيط نهر الخردلي، كما أطلقت المدفعية الإسرائيلية قنابل مضيئة فوق كفرشوبا ومزارع حلتا والمجيدية ووادي خنسا.

وأفاد بيان صادر عن مركز عمليات طوارئ الصحة العامة بأن غارات إسرائيلية على بلدة القنطرة في قضاء مرجعيون أدت في حصيلة أولية إلى استشهاد أربعة مواطنين، بينهم طفلان.

على الجانب الإسرائيلي، أفادت الجبهة الداخلية الإسرائيلية بدوي صفارات الإنذار في مستعمرة مسغاف عام في الجليل الأعلى.

كما أعلن «حزب الله» في بيانات متفرقة أن مقاتليه استهدفوا مركز «بيت الجندي» في مستوطنة كريات شمونة باستخدام صاروخ نوعي وسرب من المسيّرات الانقضاضية، قبل أن يعلن بعد الظهر في بيانين منفصلين أن عناصره استهدفوا مرتين مركز «بيت الجندي» في مستعمرة كريات شمونة الإسرائيلية بالصواريخ.

كتاب مرميّ على أرض أحد المواقع التي استُهدفت في بلدة برج قلاوية بجنوب لبنان (د.ب.أ)

استهدافات وإنذارات

وشنّ الطيران الإسرائيلي فجر الاثنين غارتين على حارة حريك في الضاحية الجنوبية لبيروت بعد 48 ساعة من الهدوء، كما استهدف أطراف بلدة يحمر في البقاع الغربي من دون إصابات. وتلقى رؤساء بلديات في الجنوب اتصالات تطالب بإخلاء بلداتهم.

وأتى ذلك بعدما كان قد طُلب مساء الأحد إخلاء مبنى «سنتر شمس» في شتورة بالبقاع احترازياً، وأُخلي مبنى في الرملة البيضاء في بيروت، وذلك إثر تلقي صاحب شركة «الإنصاف للصيرفة»، علي شمس، رسالة تطالبه بمغادرة عمله ومنزله في بيروت، علماً أن إسرائيل كانت استهدفت مقر الشركة في الحمرا عام 2024، متهمةً إياها بتحويل أموال إلى «حزب الله».

رفض التعرض لقوات «اليونيفيل»

وبعدما كانت قوات «اليونيفيل» أعلنت مساء الأحد تعرضها لإطلاق نار، «يُرجّح أنه من قبل مجموعات مسلحة غير تابعة للدولة»، في إشارة إلى «حزب الله»، في ثلاث حوادث منفصلة أثناء قيامها بدوريات حول مواقعها في ياطر وديركيفا وقلاوية، مشيرة إلى أنها وقعت على مسافة قريبة، دانت وزارة الخارجية اللبنانية هذا الأمر، واصفة الاعتداء بأنه «خطير وغير مقبول، ويشكّل انتهاكاً للقانون الدولي ولقرارات مجلس الأمن».

كما ذكّرت بقرار مجلس الوزراء في 2 مارس (آذار) 2026 حظر الأنشطة العسكرية والأمنية لـ«حزب الله» وإلزامه بتسليم سلاحه للدولة، مؤكدة أن القرار «واضح ولا لبس فيه، وأن الدولة عازمة على فرض سيادتها وحصر السلاح بيد مؤسساتها الشرعية».


للمرة الأولى في تاريخ سوريا... احتفالات بـ«عيد النوروز» في ساحات دمشق

من احتفالات النوروز العام الماضي وسط دمشق (متداولة فيسبوك)
من احتفالات النوروز العام الماضي وسط دمشق (متداولة فيسبوك)
TT

للمرة الأولى في تاريخ سوريا... احتفالات بـ«عيد النوروز» في ساحات دمشق

من احتفالات النوروز العام الماضي وسط دمشق (متداولة فيسبوك)
من احتفالات النوروز العام الماضي وسط دمشق (متداولة فيسبوك)

المشهد في دمشق يتحول لصالح أكراد سوريا وثقافتهم هذا العام، فمن جهة يجري التحضير رسمياً وشعبياً في سوريا للاحتفال بعيد النوروز (21 مارس/ آذار) الذي يؤرخ لدخول الربيع وسنة جديدة في التقويم القديم، ومن جهة أخرى، أقيمت مراسم عزاء للسياسي الراحل وعضو الهيئة الرئاسية لـ«حزب الاتحاد الديمقراطي» صالح مسلم، في العاصمة السورية، بحضور نخبة من الشخصيات السياسية والاجتماعية والثقافية، مع ملاحظة أن كلا الأمرين يحدث للمرة الأولى في التاريخ السوري الحديث.

ومن المقرر أن تنطلق فعاليات الاحتفالات في دمشق، ليل الجمعة ويوم السبت 20 و21 مارس. وتأتي بعد المرسوم الذي أصدره الرئيس أحمد الشرع، قبل شهرين، وسط توقعات بمشاركة رسمية شعبية واسعة من مختلف الأطياف السورية.

وتصدر ملصق إعلاني ضخم لحفل فني بمناسبة عيد النوروز في ساحة الأمويين، إحدى أكبر وأهم ساحات العاصمة السورية، كمفاجأة لاقت ترحيباً من السوريين، فقد دعت وزارة الثقافة السورية إلى حضور حفل فني لفرقة «آشتي» للتراث الكردي الخميس المقبل، على مسرح دار الأوبرا، بينما يجري التحضير لاحتفال كبير على أرض ملعب الفيحاء في حي مشروع دمر شمال غرب دمشق، بالإضافة للاحتفالات في بعض الأحياء، مثل ركن الدين ووادي المشاريع، حيث يتركز الأكراد الدمشقيون.

دعوة وزارة الثقافة للاحتفال بعيد النوروز مساء الجمعة على مسرح الأوبرا في دمشق

ويحتفل الأكراد في 21 مارس من كل عام بعيد النوروز كرمز للحرية والهوية القومية، بالإضافة إلى الاحتفال بالربيع ورأس السنة الكردية. ومن طقوسه، إشعال النيران وعقد دبكات الرقص وارتداء الملابس التقليدية ضمن الساحات العامة والحدائق والبساتين.

الباحث والكاتب السياسي الكردي زيد سفوك، توقع أن يكون للنوروز في سوريا هذا العام «صدى واسع داخلياً وإقليمياً»، وقال لـ«الشرق الأوسط»: «لأول مرة في تاريخ الجمهورية السورية هناك اعتراف رسمي بعيد للكرد»، واعتبر زيد سفوك، وهو المنسق العام للحركة الكردستانية المستقلة في سوريا، أن «هذا العيد سيكون بمثابة إشراقة الربيع ونور الأمل بأن السلام هو السبيل الوحيد لتعيش الشعوب في أمان، لا سيما في ظل ما تشهده ساحة الشرق الأوسط من حروب ونزاعات وصراعات لن تؤدي سوى إلى دمار المستقبل».

وطيلة عقود طويلة من حكم نظام «البعث»، حظر الاحتفال بـ«النوروز»، وكل ما يتعلق بإظهار الهويات القومية المتنوعة في سوريا، وتشدد نظام الأسد في الحظر ولاحق الأكراد باعتبار إحياء طقوس العيد والتعبير عن الهوية والثقافة واللغة نشاطاً سياسياً ينم عن نزعة انفصالية تهدد الأمن القومي.

ومع اندلاع الثورة ضد النظام ربيع عام 2011، حاول النظام مناورة الأكراد لعزلهم عن الثورة، مظهراً بعض التساهل، إنما دون اعتراف رسمي باحتفالات النيروز أو بحقوق أخرى، لكن بإشراف مباشر من الأجهزة الأمنية.

كلمة الوزير أسعد الشيباني في مأدبة إفطار رمضاني لأعضاء السلك الدبلوماسي المعتمدين السبت (الخارجية السورية)

وبعد الإطاحة بنظام الأسد، شهدت العاصمة دمشق أول عيد نوروز مارس 2025 بدون حظر، وبمشاركة شعبية غير مسبوقة من مختلف الأطياف.

وأصدر الرئيس السوري أحمد الشرع في 16 يناير (كانون الثاني) 2026، المرسوم رقم 13 الخاص بحقوق المواطنين الأكراد في سوريا. ونص المرسوم على اعتبار عيد النيروز عطلة رسمية. كما منح المرسوم الجنسية للمواطنين الأكراد المحرومين منها والمقيمين على الأراضي السورية، وعدّ اللغة الكردية «لغة وطنية».

الباحث والكاتب السياسي الكردي محمد ولي، يرى أن المرسوم 13 «يقطع مع ماضي النظام البعثي البائد الذي كان رصيده حافلاً بانتهاكات حقوق الإنسان والتهميش والإقصاء وإنكار هوية الكرد وحقوقهم». وقال لـ«الشرق الأوسط» إن الأكراد السوريين ينظرون «بإيجابية وارتياح عام وترحيب منقطع النظير» إلى إقدام الحكومة السورية على تنفيذ المرسوم وبشكل خاص ما يتعلق باعتماد اللغة الكردية لغة وطنية، ويوم النوروز عيداً وطنياً يرمز للتآخي والربيع والتحرر. وكذلك رعاية الفعاليات الثقافية بشكل رسمي.

وتابع أن إقرار الحقوق المشروعة للكرد في الإطار الوطني السوري يؤسس «لمستقبل واعد يقوم على الاعتراف القانوني والتعددية، يتقدَّم فيه الانتماء الوطني والثقة بين السوريين والسوريات»، مشيراً إلى أنه وبالمجمل سوريا تمر بمرحلة انتقالية حساسة ودقيقة بهذه الخطوات الرائعة التي تعزّز الصف السوري ووحدته»، ولافتاً إلى بقاء «الكرد يتطلّعون لتمكين حقوقهم وحمايتها دستورياً».

من احتفالات النوروز العام الماضي في حي المزرعة وسط دمشق (متداولة)

وحدد بلاغ رسمي صادر عن أمانة رئاسة الجمهورية، أيام تعطيل الجهات العامة بمناسبة أعياد «الثورة - الفطر السعيد - الأم - النوروز»، اعتباراً من يوم الأربعاء 18 مارس الحالي، ولغاية يوم الاثنين 23 منه. وهي المرة الأولى التي يرد فيها عيد النوروز على قائمة العطل الرسمية، ما اعتبر خطوة ضمن «عدة خطوات إيجابية بادرت فيها الحكومة السورية اتجاه الشعب الكردي في سوريا»، وفق الباحث زيد سفوك الذي وصفها بأنها بادرة «خير لبناء هذا الوطن والازدهار». ورأى في تخصيص مكان للاحتفال في قلب دمشق والاعتراف باللغة الكردية وثقافة الشعب الكردي يعد «إنجازاً عظيماً للحكومة قبل أن يكون للكرد».

وتابع سفوك أن «هذه المبادرات توضح الشفافية والنزاهة والديمقراطية في إدارة البلد، واعتراف رسمي بوجود الشعب الكردي في سوريا وضمان حقوقه المشروعة»، وأن «هذا كان دوماً مطلبنا كحركة كردستانية مستقلة في سوريا، أن نكون جميعاً يداً واحدة في بناء الوطن، وأن نتشارك ثقافاتنا دون تمييز، وأن نتقبل بعضنا البعض للنهوض بهذا البلد إلى بر الأمان».

وكان وزير الخارجية السوري، أسعد الشيباني، اعتبر الاحتفال الرسمي بعيد النوروز لأول مرة في تاريخ سوريا، تعبيراً عن الاحترام العميق لكل مكونات الشعب السوري، وقال خلال مأدبة إفطار رمضاني لأعضاء السلك الدبلوماسي المعتمدين لدى دمشق، السبت الماضي: «أن الاحتفال بعيد نوروز إلى جانب عيد الأم كعيد وطني تأكيد راسخ على أن سوريا الحرة تتسع لجميع أبنائها بثقافاتهم وتراثهم الغني الأصيل».

مراسم عزاء لصالح مسلم في دمشق اليوم الاثنين (هاوار)

هذا وأقيمت في العاصمة السورية دمشق، مراسم عزاء السياسي وعضو الهيئة الرئاسية لـ«حزب الاتحاد الديمقراطي» صالح مسلم بحضور نخبة من الشخصيات السياسية والاجتماعية والثقافية. وفق قناة الأنباء الكردية «هاوار»، ونقلت عن المعزّين إشادتهم خلال مراسم العزاء بصالح مسلم، ودوره السياسي كقيادي كردي بارز، وتوفي صالح مسلم في 11 مارس داخل أحد مشافي جنوب كردستان، وشيَّع جثمانه في 15 بمدينة عين العرب كوباني، بمشاركة السياسيين وممثلي القوى والأحزاب والكيانات السياسية من شمال وجنوب كردستان وشمال شرق سوريا. يشار إلى أن مسلم أظهر موقفاً رافضاً للاتفاق بين الحكومة و«قسد».

Your Premium trial has ended