الاثنين - 28 جمادى الآخرة 1438 هـ - 27 مارس 2017 مـ - رقم العدد13999
نسخة اليوم
نسخة اليوم  27-03-2017
loading..

من التاريخ: سيسيل رودز... أبو الاستعمار البريطاني في جنوب أفريقيا

من التاريخ: سيسيل رودز... أبو الاستعمار البريطاني في جنوب أفريقيا

السبت - 5 جمادى الآخرة 1438 هـ - 04 مارس 2017 مـ رقم العدد [13976]
سيسيل رودز
نسخة للطباعة Send by email
د. محمد عبد الستار البدري
بدأ النشاط الاستعماري البريطاني في أفريقيا متأخراً بعض الشيء مقارنة بالحركة الاستعمارية الإنجليزية لمناطق أخرى. إذ بدأت هذه الحركة في القرن السادس عشر على استحياء شديد في شكل نشاط تجاري لم يكن الهدف الأساسي منه الاحتلال العسكري بقدر ما كان الحاجة لتوسيع التجارة، فأنشئت الشركة التجارية الملكية في غرب أفريقيا ولم تدخل في موجة الاستعمار إلا في مرحلة لاحقة.
ويمكن إرجاع تأخر الاستعمار إلى عدد من الأسباب الأساسية على رأسها انشغال الإنجليز (ثم البريطانيين بعد الوحدة مع اسكوتلندا) باستعمار أميركا الشمالية وكندا ثم أستراليا. وساهم في ذلك الاعتقاد السائد بضعف الموارد الطبيعية في أفريقيا الغربية، لا سيما أن أعماق القارة لم تكن مُكتشفة بعد، فلم تركز الأعين الاستعمارية على أفريقيا بالشكل المتوقع. ومن ثم فإن اهتمام لندن لم يتحول إلى اهتمام سياسي أو استراتيجي إلا في مرحلة لاحقة، عند استعمار الهند ورغبة لندن في ضمان خطوط الاتصالات معها ما جعلها تسعى للاستيلاء على منطقة الرأس (رأس الرجاء الصالح) - أو الكاب - Cape. وهذا الأمر تحقق عام 1794 بموافقة ملك هولندا صاحب المستعمرة الذي كان في حرب مع فرنسا العدو اللدود للإنجليز بعد اندلاع الثورة الفرنسية.
في مؤتمر صلح فيينا عام 1814 أصرّ وزير الخارجية البريطاني اللورد كاسلراي على إقرار المجتمع الدولي بسيطرة بلاده على منطقة الرأس، خاصة، بعدما هدّدت فرنسا الطريق التقليدي للتجارة البريطانية باحتلالها مصر، فكان لا بد إذ ذاك من تأمين الطريق البديل حتى لو كان أطول.
ولكن، على الفور، قوبل الحكم البريطاني لمنطقة الرأس بمعارضة شديدة من قبل السكان الغربيين، وغالبيتهم من أصول هولندية وعُرفوا باسم «البوير» Boer (أو «البور») - أي «المزارعون». هؤلاء ما ارتاحوا للحكم البريطاني، ولكنهم كانوا عاجزين عن تغيير المسيرة الدولية، ولم تكن لديهم الرغبة في الدخول في صراع مفتوح مع البريطانيين. ومن ثم، قامت حالة من السلام المتوتر بين الحكام الجدد و«البوير» لبعض الوقت إلى أن قررت الحكومة البريطانية إلغاء الرّق عام 1834 في كل أرجاء الإمبراطورية.
هذا الأمر ما كان مقبولاً لـ«البوير» لأسباب مرتبطة بالتمييز العرقي من ناحية، ولاقتناعهم الديني بأن المسيحية لم تُحرم الرق، خاصة في العهد القديم. بيد أن السبب الحقيقي كان يختلف عن هذا المبرّر المعنوي، إذ كان «البوير» مزارعين، وبالتالي، يعتمدون بشكل مباشر على العبيد الأفارقة كأيد عاملة. ولم يكن مقبولاً بالنسبة لهم تحقيق التطور المطلوب إلا من خلال الإبقاء على الرق، وهو نفس ما حدث بعدها ببضعة عقود في الحرب الأهلية الأميركية، عندما كانت الولايات الجنوبية تعتمد على الرق لأسباب زراعية. ولكن الفارق هنا أن «البوير» ما كانوا يتمتعون برفاهية الدخول في حرب ضروس ضد البريطانيين. وبناء عليه، قرّروا ترك منطقة الرأس للبريطانيين ونزحوا شمالاً فيما عرف بالطريق العظيم (أو الرحلة العظيمة) Great Trek، خارجين بأسرهم وماشيتهم وعبيدهم، مستخدمين العربات التي تجرها الثيران، فاستولوا على الأراضي الشمالية. ومع أن عدداً كبيراً من مؤرخيهم ادعوا أن تلك الأراضي كانت خالية من السكان الأفارقة الأصليين، فواقع الأمر أنها كانت أراضي تابعة في أجزاء كبيرة منها إلى إمبراطورية قبيلة الزولو Zulu الشهيرة. وأوردت كتب التاريخ حدوث معركة شرسة وكبيرة بين «البوير» المهاجرين و«الزولو» عُرفت «بنهر الدم»، أسفرت عن مقتل ما يقرب من ثلاثة آلاف مقاتل من «الزولو»، استعمر بعدها «البوير» المناطق المختلفة وأسسوا جمهوريتين، هما جمهورية الأورانج الحرة Orange Free State وجمهورية الترانسفال Transvaal. ولما لم تجد بريطانيا سبباً حقيقياً للدخول في صدام مع «الجمهوريتين» الوليدتين وافقت على استقلالهما بشروط بريطانية سمحت لها بقدر لا بأس به من النفوذ فيهما، خاصة أن لندن كانت صاحبة رؤية واضحة في حركاتها الاستعمارية في القرن التاسع عشر اختلفت عن غيرها من الدول. فكما سبقت الإشارة كانت أهدافها الأساسية تجارية واستراتيجية، وليس استعمارية محضة بغرض نقل مواطنين لها وتوطينهم في تلك الأراضي. وهكذا، ما كانت بعيدة عن فكرة منح مستعمراتها الحكم الذاتي ما دام أن ذلك لا يؤثر على الاستراتيجية العامة لها وعلى نقاط التمركز الهامة لتجارتها الدولية. وهو ما حدث في كندا وأستراليا، وبعدهما في نيوزيلندا، ولعل في هذا ما يبرر عدم تعرض مستعمراتها لمعارضة قوية مقارنة بمستعمرات دول مثل فرنسا وهولندا وبلجيكا.
كان من المفترض أن تستمر هذه الحالة في جنوب أفريقيا، إلا أن الظروف الاقتصادية تغيرت سريعاً، وبدأ في عام 1867 اكتشاف الماس في مناطق بجمهورية الترانسفال، وهو ما دفع بالأوروبيين، وخاصة البريطانيين، للذهاب إلى هذه الجمهورية سعياً وراء الثراء السريع. وكان أبرز هؤلاء شخص اسمه سيسيل رودز Cecil Rhodes، الذي أصبح بعد فترة وجيزة المسيطر الفعلي على تجارة الماس في الترانسفال وخارجها. ثم أخذ رودز ينشر فكره الاستعماري على وجه السرعة ليتواكب مع طموحاته الاقتصادية، فقاد التوسع في الشمال إلى ما بعد الترانسفال، وأسس ما عُرف بـ«روديسيا» (المشتق اسمه من اسمه، والتي تشمل اليوم زيمبابوي وزامبيا). وكان حلم رودز الذي قدمه للملكة فيكتوريا معروفاً باسم «المنطقة من الرأس إلى القاهرة»، إذ كان يحلم بأن يكون الجنوب الأفريقي مرتبطاً بمصر مروراً بعموم شرق أفريقيا، وأن يغدو سوقاً بريطانية موحدة تحت الحكم البريطاني؟
لقد كانت طموحات رودز أكبر من أن يكون بالإمكان تجاهلها، خاصة بعدما اكتشاف مخزونات ضخمة من الذهب أيضاً في جمهوريتي الترانسفال والأورانج الحرة. وهو ما زاد من الهجرة البريطانية وبدأت هذه الهجرات تمثل خطورة واضحة على مستقبل «البوير»، خاصة أن هؤلاء المهاجرين الجدد (وخصوصاً من البريطانيين) والمعروفين باسم «الغرباء» أو Uitlanders أو Outlanders يمثلون تهديداً للأغلبية من «البوير» في الجمهوريتين. عندها قررت حكومتا الجمهوريتين رفع نسب الضرائب عليهم في محاولة لإبعادهم والتمييز ضدهم. بيد أن «الغرباء» تمكنوا من دفع هذه الضرائب بسبب أرباحهم الكبيرة من تجارة الذهب والماس. عندها لم يجد بول كروغر، رئيس جمهورية الترانسفال، مناصاً من اللعب بورقة التجنيس للسيطرة على عددهم، فأصدر قراراً بمد فترة الإقامة الممهدة للتجنيس لتكون من خمس سنوات إلى 14 سنة.
هذا الإجراء استفز «الغرباء» بشدة وبدأ يُنذر بمشاكل كثيرة، لكن خطر «الغرباء» على حكومة الترانسفال ارتبط أيضاً بالدعم الذي تلقوه من بريطانيا وهو ما أخاف كروغر وحكومته. خاصة، أن بريطانيا كانت متعاطفة معهم بميول توسعية بعد اكتشاف الثروات الطبيعية.
وهنا لعب سيسيل رودز دوره السيئ في افتعال المشاكل والمبرّرات لحث لندن على التدخل من خلال صياغة أمر واقع جديد، إذ دبّر محاولة انقلاب على كروغر في مدينة جوهانسبورغ عبر «الغرباء» وعملائه، ولكن الانقلاب أجهض وتيسر لحكومة كروغر السيطرة على القوات المناوئة بسهولة. ومن ثم، ازدادت حدة التوتر بعدما أخذ كروغر الأمور في يده وأخذ يتشدد تجاه «الغرباء».
وردت لندن بالضغط على زعيم الترانسفال مباشرة للقبول بمطالب «الغرباء» - ومنهم الأقلية البريطانية بطبيعة الحال - ودخلت في سلسلة من المفاوضات معه إلى أن ضاق كروغر ذرعاً بالوضع وعلق التفاوض، ثم أرسل إنذاراً للحكومة البريطانية يطالبها فيه بسحب قواتها من على حدود الترانسفال خلال 48 ساعة. غير أن هذا كان أكبر من أن تقبله لندن بما لديها من مآرب استعمارية، فكانت الإجابة هي الرفض وإعلان الحرب على الجمهوريتين لتبدأ «حرب البوير» كما سنرى في الأسبوع المقبل.