ستيف بانون.. على طريق اليمين الأوروبي

أضواء على شخصية المدير الجديد لحملة ترامب الانتخابية

ستيف بانون..  على طريق اليمين الأوروبي
TT

ستيف بانون.. على طريق اليمين الأوروبي

ستيف بانون..  على طريق اليمين الأوروبي

للمرة الثانية خلال ثلاثة أشهر، فصل المرشح الجمهوري دونالد ترامب بعض قادة حملته الانتخابية، وعين آخرين بدلا عنهم. وهذه المرة، اختار ستيف بانون رئيس شركة «شبكة برايتبارت الإخبارية» اليمينية، مديرًا لحملته الانتخابية. وجاء تعيين بانون، اليميني المتطرف، خلفًا لمدير الحملة السابق بول مانافورت في خضم غبار فضيحة الكشف عن علاقات الأخير العملية والمالية مع حزب أوكراني موالٍ لروسيا، إذ كشف النقاب عن تلقيه أموالاً من «حزب الأقاليم» بزعامة الرئيس فيكتور يونوكوفيتش بين 2007 و2012. وأنه حول المبالغ إلى شركتي «لوبي» في العاصمة الأميركية بهدف شراء النفوذ والضغط للتأثير على سياسات الإدارة الأميركية.
ولد ستيف بانون قبل 62 سنة في مدينة نورفولك بولاية فيرجينيا، وتلقى تعليمه الجامعي في جامعة جورجتاون بالعاصمة واشنطن، ثم في كلية إدارة الأعمال بجامعة هارفارد. ومن هارفارد، انتقل بانون للعمل في المؤسسات المالية بشارع المال في نيويورك «وول ستريت»، حيث جمع ثروة وأخذ يسخّرها لخدمة آرائه اليمينية. ومن ثم نشط في مجال دعم القضايا المنظمات اليمينية المتشددة ومنها جماعة «حفلة الشاي» داخل الحزب الجمهوري.
في عام 2012، أسس بانون معهد «غافرنمنت أكاونتابيليتي» (المحاسبة الحكومية)، وتعمد انتقاد الديمقراطيين، خصوصا إدارة الرئيس باراك أوباما، وكان قد سبق له أن شن عليه حملة شعواء منذ ترشح أوباما لرئاسة الجمهورية عام 2008. ومن الكتب التي أصدرها المعهد الذي أسّسه بانون، أولاً: «كلينتون كاش» (أموال كلينتون وفي هذا الكتاب يزعم كيفية مضاعفة الرئيس السابق بيل كلينتون، وزوجته هيلاري (المرشحة الديمقراطية للرئاسة حاليًا) دخلهما عشر مرات خلال عشر سنوات، وذلك بإلقاء محاضرات وقبول تبرّعات (خصوصا تبرّعات أجنبية) لـ«مؤسسة كلينتون».
ثانيًا: «هارتلاند فاير» (نار قلب الوطن)، وهو عن «صحوة المرأة المحافظة (البيضاء)».
ثالثًا: «إنديفيتد» (غير المنهزمة)، عن السياسية الجمهورية اليمينية سارة بالين، حاكمة ولاية آلاسكا السابقة، التي ترشحت لمنصب نائب الرئيس مع المرشح الجمهوري للرئاسة السيناتور جون ماكين عام 2008.
وفي وقت لاحق، حوّل بانون هذه الكتب إلى أفلام وثائقية. ثم ذهب إلى هوليوود، وصار ينتج أفلاما ذات توجّهات يمينية فاقعة عن «الوطنية» الأميركية. ثم، في عام 2012، صار رئيسًا لشبكة برايتبارت الإخبارية اليمينية (توجد مكاتبها الرئيسية في هوليوود بولاية كاليفورنيا). وصار يكرّر عبارات آندرو برايتبارت، مؤسس الشبكة، عن الفلسفة اليمينية. ومما قاله: «كلمة ضد هي اسم عائلتنا (أي صلب فلسفتنا). فنحن ضد الحكومة، وضد الطبقة السياسية الحاكمة، وضد واشنطن». كما ينقل عنه قوله: «نحن نملك المال، ونملك الأفكار. لكننا نحتاج إلى (إتقان) تكتيكات الليبراليين».
وفي الأسبوع قبل الماضي، يوم أعلن ترامب اختياره بانون مديرًا لحملته الانتخابية، قال مركز «بيو» في واشنطن للاستطلاعات والأبحاث أن أقل من خمسة في المائة من الأميركيين يعتمدون في متابعة الأخبار على مؤسسات شبكة «برايتبارت»، ومنها مواقع إنترنت وقنوات تلفزيونية وإذاعات. وأوضحت أن نسبة 80 في المائة من هؤلاء مَن يعرفون أنفسهم بأنهم يمينيون، أو يميلون نحو اليمين.
خلال سنوات بانون مع شبكة «برايتبارت» تحالف بانون مع شخصيات أميركية يمينية مشهورة، منها شخصيتان مؤثرتان، الأولى: الدكتور روبرت ميرسار (70 سنة) أحد أباطرة الإنترنت، الذي تقدر ثروته بأكثر من مليار دولار. وهو من بين الذين يدعمون مؤسسة «هيريتيدج فاونديشن» اليمينية المحافظة و«معهد كاتو» المحافظ وكلاهما في العاصمة واشنطن، ومركز «ميديا ريسيرتش» اليميني في ضواحي واشنطن. والثانية جاريد تايلور، رئيس تحرير مجلة «أميركان رينيسانس» (النهضة الأميركية) اليمينية، ورئيس مركز «نيو سينشوري» (القرن الجديد)، وعضو مجلس إدارة «مجلس المواطنين المحافظين»، ومؤلف عدة كتب من بينها: «وجها لوجه مع العرق» و«الهوية البيضاء» و«سباق مع الزمن» و«العرق والهجرة ومستقبل أميركا».
وبعد إعلان ترامب عن وقوع اختياره على بانون، أجرت صحيفة «واشنطن بوست» مقابلة مع تايلور في منزله بضواحي العاصمة الأميركية. وكتب ديفيد فايغل، الذي أجرى المقابلة، أن تايلور «كان يراجع إعلانا لصالح ترامب عن المهاجرين من المكسيك، وعن اللاجئين من سوريا. ومع الإعلان صورة مئات الأجانب في قطارات وزوارق (يتجهون نحو أميركا)».. وفي الإعلان العبارة الآتية: «ستكون أميركا تحت ترامب آمنة ومطمئنة. لن يدخلها الإرهابيون. لن يؤذيها المجرمون. ستكون حدودنا آمنة. ستكون عائلاتنا مطمئنة». وتابعت الصحيفة الليبرالية معلقة: «عندما أعلن ترامب أن بانون سيكون مدير حملته الانتخابية، احتفل تايلور بفتح زجاجات شمبانيا. إنه من أعمدة (المتعنصرين الأميركيين)». (إذ تحاشت الصحيفة استعمال كلمة العنصريين).
* اليمين الأوروبي
يوم الثلاثاء قبل الماضي، بعد تولي بانون قيادة حملة ترامب، أعاد موقع «بلومبيرغ» ما كان كتب عنه في العام الماضي، تحت عنوان: «هذا الرجل أخطر مخطِّط سياسي في أميركا. إنه ليس من اليمين، ولا من اليمين المتطرف. إنه من اليمين الخطر». وأضاف الموقع، واصفا حفلا في منزله: «كان هناك نايجل فاراج، زعيم حزب استقلال المملكة المتحدة اليميني البريطاني وفيليب روبرتسون آية الله اليمينيين»..
وذكر الموقع أنه خلال الحفل تكلّم روبرتسون، واشتكى من أن إحدى القنوات التلفزيونية أوقفت برنامجه الأسبوعي لأنه شن هجومًا عنيفًا على المثليين جنسيا.
وسارع بانون، وأيده، وانتقد القناة. ثم تكلم فاراج عن اليمين الأوروبي، فقال محذرًا: «إذا لم تقفلوا حدودكم، ستصيرون مكسيكيين، وإذا لم تقفل أوروبا حدودها سنصير مسلمين. بماذا أنصحكم؟ سيروا على طريق اليمين الأوروبي». وسارع بانون، فأيده.
كعادته، رغم أن الحفل كانت فيه شخصيات مهمة، ارتدى بانون ما يعتبره «الزي الرسمي» الخاص به وهو عبارة عن سروال قصير (شورت) وقميص ونعل مطاطي، وبدا بمظهره المألوف الذي يطغى عليه شعره المنفوش الذي يبدو وكأنه لا يهتم به أبدا. وعلى جانب من حائط المنزل، بدت صورة كابتن قوات المارينز مورين، ابنة دانون، وخريجة كلية «ويست بوينت» العسكرية. وفي الصورة تحمل رشاشًا أوتوماتيكيا، وهي تجلس على كرسي الرئيس العراقي صدام حسين (كانت في الكتيبة الأميركية التي دخلت القصر بعد احتلال بغداد عام 2003).
* «المتمرد»
بالإضافة إلى يمينية بانون المتطرفة، وبالإضافة إلى «تعنصره» ما آراؤه في الساحة السياسية الانتخابية راهنًا؟
كعادته، يركز ستيف بانون آراءه على الأشخاص ويعطي مواقفه طابعًا شخصيًا ذاتيًا. إنه لا يركز مثلاً على الحزب الديمقراطي، بل على شخص هيلاري كلينتون. ولا يركز على الأميركيين السود، بل على شخص مثل القس الأسود الليبرالي جيسي جاكسون.
وهو يفتخر بأنه إبان انتخابات عام 2008 التي فاز بها باراك أوباما على سيناتور أريزونا الجمهوري جون ماكين، كان «الأذن اليمنى» لسارة بالين، المرشحة مع ماكين لنيابة الرئيس، وهي محسوبة على يمين ماكين ومن الجناح المتشدّد في الحزب الجمهوري.
ثم خلال العام الماضي، عندما ترشّح دونالد ترامب لرئاسة الجمهورية، أقنعه بانون بأن يزور الحدود الأميركية - المكسيكية، وقال له: «قل للأميركيين إنك لن تسمح بعبور ذبابة إذا ما فزت برئاسة الجمهورية». وفي العام نفسه، خرج جون بوينر، رئيس مجلس النواب الأميركي القيادي الجمهوري، من الساحة السياسية بعدما نشرت صحف أن بانون زاره في مكتبه وكان يحمل العلم الكونفدرالي (علم ولايات الجنوب التي تمرّدت وانفصلت عن الولايات المتحدة خلال القرن التاسع عشر لرفضها إلغاء الرق).
* بداية.. ديمقراطية
مع هذا، لم يكن بانون هكذا في بداية حياته السياسية، بل كان ديقراطيًا على خُطى عائلته. وعن هذه الخلفية قال ذات يوم: «أنا من عائلة آيرلندية كاثوليكية ديمقراطية صوّتت لآل كنيدي في كل الانتخابات». لكنه تغيّر خلال فترة رئاسة الرئيس الديمقراطي جيمي كارتر، وبرّر تحوّله الراديكالي من الليبرالية الديمقراطية إلى اليمين الجمهوري المتطرف بأنه يعتبر جيمي كارتر «أسوأ رئيس ديمقراطي»، وفي ذلك الحين اتجه لتأييد منافسه الجمهوري رونالد ريغان، الذي وصفه بأنه «كان شجاعًا بقدر ما كان كارتر جبانًا».
وفي الحقيقة، يمكن اعتبار بانون «متمردًا» أكثر منه «يمينيا»، وذلك لأنه، مثل ترامب، غاضب على كل الساسة التقليديين في واشنطن، جمهوريين وديمقراطيين. ولأنه، من خارج الطبقة أو البيئة السياسية التقليدية في واشنطن - مثل ترامب - ينتقد حتى غزو العراق بقيادة الولايات المتحدة إبان رئاسة الرئيس الجمهوري جورج بوش الابن. وفي اختصار بليغ لمسيرته السياسية يقول بانون عن نفسه إنه في عام 1978 تحول من الديمقراطيين إلى الجمهوريين، وفي العام 2008، تحوّل من الجمهوريين إلى «المتمردين»، وذلك بعد انتقاده الرئيس السابق بوش الابن لأنه - كما يزعم: «كان في سوء كارتر، وأدخل الوطن في ورطات لا نعرف كيف نخرج منها».
* «شبكة برايتبارت الإخبارية»
عام 2007 أسس أندرو برايتبارت، من عائلة يهودية ألمانية الشركة، التي كانت في البداية مجرد موقع لنشر الأخبار. إلا أنه مع تطور تكنولوجيا الإنترنت، طورها فصارت تشمل أخبارا بالصور والفيديو. كما حولها المؤسس بصورة واضحة نحو اليمين، بل اليمين «المناكف» حسب تعبيره. إذ ذات يوم أضحى «موقع هافينغتون بوست» ليبراليا مناكفا، وموقع «برايتبارت» يمينيا مناكفا. ومنذ ذلك الحين نشرت برايتبارت عددًا من الفيديوهات المثيرة.
وارتفعت شعبية بريتابارت خصوصا وسط البيض اليمينيين. وفي عام 2012، انضم إلى الشركة بانون رئيسًا وشريكًا. وضاعف عدد الصحافيين، وأعاد تصميم الموقع ليصير، ليس فقط جذابًا، ولكن، أيضا، أكثر يمينية.



لبنان يدخل مرحلة «إدارة الصراع» بدل إنهائه

آثار القصف في القطاع الشرقي من جبهات جنوب لبنان (أ.ب)
آثار القصف في القطاع الشرقي من جبهات جنوب لبنان (أ.ب)
TT

لبنان يدخل مرحلة «إدارة الصراع» بدل إنهائه

آثار القصف في القطاع الشرقي من جبهات جنوب لبنان (أ.ب)
آثار القصف في القطاع الشرقي من جبهات جنوب لبنان (أ.ب)

تثير المفاوضات الجارية حول تثبيت وقف إطلاق النار في جنوب لبنان، وما يرافقها من نقاشات بشأن مستقبل الجنوب ودور الجيش اللبناني والضمانات الدولية، تساؤلات متزايدة حول ما إذا كان لبنان يتجه إلى إعادة إنتاج النموذج الذي أعقب حرب يوليو (تموز) 2006، أم أنه دخل مرحلة مختلفة كلياً فرضتها الحرب الأخيرة وما نتج عنها من وقائع ميدانية وسياسية جديدة. إذ بعد نحو عقدين على حرب عام 2006 التي أفضت إلى القرار 1701، وانتشار الجيش اللبناني جنوبي الليطاني، وانطلاق مسار طويل من ضبط الاشتباك بين إسرائيل و«حزب الله»، تبدو الظروف الحالية مختلفةً سواءً لناحية حجم الدمار الذي أصاب الجنوب أو طبيعة المقاربة الدولية للمرحلة المقبلة.

خلال لقاء مع «الشرق الأوسط»، رأى الأستاذ الجامعي والمحامي الدكتور علي مراد أن الواقع الميداني في لبنان، بعيداً عن «خطابات تسجيل النقاط وإعلان الانتصارات»، يفرض مقاربة مختلفة لمسار الحرب ومستقبل الجنوب، مشيراً إلى أن الجنوب لا يزال محتلاً ويعاني دماراً غير مسبوق، بينما تبدو أزمة النزوح مرشحة للاستمرار لفترة طويلة.

مراد أردف: «إن الحديث عن إنهاء الصراع في لبنان لا يمكن أن يتحقّق إلا من خلال إنجاز مجموعة من الأهداف الأساسية، تتمثّل في وقف الحرب بصورة نهائية، وانسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي اللبنانية المحتلة، وإعادة الأسرى، وإطلاق عملية إعادة الإعمار، وتأمين عودة آمنة ومستدامة للنازحين إلى مناطقهم».

ومن ناحية ثانية، اعتبر مراد، وهو من أبناء بلدة عيترون الحدودية في الجنوب، أن «القلق الأساسي يتمثّل في محاولة إيران الإمساك بالملف اللبناني؛ لأن ذلك قد يقود إلى إدارة طويلة الأمد للصراع بدلاً من إنهائه، وهو ما يبقي أسباب التوتر قائمة ويحول دون الوصول إلى تسوية نهائية ومستقرة».

الاستهداف الإسرائيلي لمدينة صور (رويترز)

سلاح «حزب الله» والعقدة الأساسية

وشدّد مراد أيضاً على أنه «لن يكون هناك إنهاء فعلي لهذا الصراع من دون معالجة واضحة وحاسمة لملف سلاح (حزب الله)»، معتبراً أن «بقاء هذا الملف من دون حل سيجعل لبنان أمام نموذج مختلف تماماً عن مرحلة ما بعد حرب عام 2006»، معتبراً أن «المقارنة مع عام 2006 لم تعد واقعية في ظل المتغيرات الحالية، فالجنوب اليوم مدمّر بصورة غير مسبوقة، بينما تظهر الوقائع الميدانية والعسكرية بوضوح أن المعادلات القائمة يصعب قلبها في المدى المنظور».

ومن ثم، أكد الدكتور مراد أن هذا الواقع «يفرض البحث عن حلول سياسية مستدامة تعالج جذور الأزمة بدل الاكتفاء بإدارة الصراع... كما أن إنهاء الصراع لا يزال مرتبطاً بمعالجة الملفات الجوهرية العالقة، لا بالاكتفاء بوقف العمليات العسكرية أو إدارة التوتر القائم. وبالتالي، فإن أي مقاربة لا تعالج أسباب الأزمة ستقود إلى إعادة إنتاجها بصورة أو بأخرى».

الاستهداف الإسرائيلي لمدينة صور (أ.ف.ب)

... مرحلة ما بعد 6002 انتهت

من جهة أخرى، يشدد رئيس «مركز الشرق الأوسط للدراسات» العميد الركن المتقاعد الدكتور هشام جابر أن الواقع القائم في جنوب لبنان «يختلف جذرياً عن مرحلة ما بعد حرب يوليو (تموز) 2006»، معتبراً أن الكلام عن العودة إلى معادلات القرار 1701 كما طُبقت، آنذاك، لم يعد واقعياً في ظل المتغيرات الميدانية والسياسية التي فرضتها الحرب الأخيرة.

وقال جابر لـ«الشرق الأوسط» موضحاً: «ما جرى بعد عام 2006 يختلف تماماً عما يجري اليوم. في ذلك الوقت انسحبت إسرائيل سريعاً من الأراضي اللبنانية التي احتلتها، وانطلقت مسارات سياسية ودبلوماسية بدعم عربي ودولي واسع، أما اليوم فإسرائيل متمسكة بالمناطق التي تحتلّها ولا تبدو مستعدة للتخلي عنها بسهولة». وتابع مشيراً إلى أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يواجه ضغوطاً داخلية تدفعه إلى التمسك باستمرار الحرب وعدم تقديم تنازلات. وأردف: «نتنياهو لا يستطيع الظهور بمظهر مَن خاض حرباً طويلة انتهت من دون مكاسب واضحة. لذلك فإن استمرار الضغط العسكري يشكل بالنسبة إليه وسيلة لتحسين شروط التفاوض وإخضاع الموقف اللبناني».

آثار القصف في القطاع الشرقي من جبهات جنوب لبنان (آ ف ب)

وقف مؤقت... لا نهاية للحرب

جابر، وهو من مدينة النبطية، قال إن ما يجري حالياً لا يرقى إلى وقف شامل للحرب، بل إلى «وقف مؤقت لبعض العمليات العسكرية»، مشيراً إلى أن إسرائيل ما زالت تحتفظ بحق تنفيذ ضربات عسكرية متى شاءت وأينما شاءت ضد أهداف تعتبرها مرتبطة بـ«حزب الله». وأضاف: «الإسرائيليون يقولون بوضوح إنهم يحتفظون بحرية العمل العسكري في لبنان. لذلك لا يمكن الحديث عن نهاية للحرب بقدر ما يمكن الحديث عن إدارة للصراع وضبط لمستوى المواجهة».

وفي تقييمه للمشهد الحالي، شدد جابر على أن المقارنة مع عام 2006 لم تعد صالحة؛ إذ «انتهت مرحلة ما بعد 2006... نحن أمام واقع جديد مختلف كلياً، وإسرائيل لن تقبل بالعودة إلى المعادلات السابقة أو إلى الوضع الذي كان قائماً قبل الحرب الأخيرة».

واشنطن تدير الصراع

يرى جابر أن «الولايات المتحدة تدير الصراع أكثر مما تعمل على إنهائه. وهي لو كانت تريد إنهاءه بشكل كامل لمارست ضغوطاً كافية لوقف الحرب نهائياً. أما ما نراه اليوم فهو إدارة للصراع ومحاولة لمنع انفجاره، لا أكثر».

وهنا يشير إلى أن إسرائيل تتعامل مع الشريط الحدودي والقرى المدمرة باعتبارها «منطقة أمنية عازلة»، و«هناك عشرات القرى المدمرة بالكامل تقريباً، وسكانها لا يستطيعون العودة إليها بسبب حجم الدمار وغياب إمكانات إعادة الإعمار، ما يجعل الأزمة مرشحة للاستمرار لفترة طويلة».

تحديات أمام الجيش اللبناني

وعن دور الجيش اللبناني، رأى جابر أن المؤسسة العسكرية تواجه تحديات كبيرة تتجاوز قدراتها الحالية، موضحاً أن بعض الطروحات المتداولة في المفاوضات، ولا سيما ما يتعلق بإبعاد مقاتلي «حزب الله» عن جنوب الليطاني، لا يمكن تنفيذها بمعزل عن انسحاب إسرائيلي كامل وضمانات أمنية واضحة. وشرح: «لا يمكن مطالبة الجيش بتنفيذ إجراءات أحادية فيما يستمر الاحتلال الإسرائيلي وتبقى الاعتداءات قائمة. هذا أمر غير واقعي، والجيش لا يستطيع وحده معالجة المشكلة بهذه الطريقة».

واختتم جابر بالتأكيد أن المرحلة المقبلة ستبقى محكومة بمنطق الاستنزاف المتبادل، و«نحن أمام مرحلة إدارة صراع لا إنهائه... ولا أتوقع اختراقاً كبيراً في المدى المنظور. الحرب تحوّلت عملياً إلى حرب استنزاف منخفضة الوتيرة بين إسرائيل و(حزب الله)، لكن من يدفع الثمن الحقيقي هو الشعب اللبناني، ولا سيما أهالي الجنوب الذين استنزفتهم الحرب والنزوح والدمار».

مفاوضات مختلفة عن كل المحطّات السابقة

وإذا كانت قراءة العميد الركن الدكتور جابر تنطلق من الوقائع الميدانية والعسكرية التي فرضتها الحرب الأخيرة، فإن العميد الركن خالد حمادة، الباحث في الشؤون الأمنية والسياسية، يربط مستقبل هذه المرحلة بمسار المفاوضات نفسه، معتبراً أن طبيعتها تختلف جذرياً عن جميع المحطات السابقة، وأن نجاحها يبقى رهناً بالتفاهم الأميركي - الإيراني.

حمادة رأى في لقاء مع «الشرق الأوسط» أن المفاوضات الجارية بين لبنان وإسرائيل تختلف جذرياً عن كل المحطّات السابقة، سواءً كانت اتفاقات عام 2000 أو 2006 أو 2024 المرتبطة بالقرار 1701. وأضاف أن «الظروف العسكرية والسياسية والإقليمية تبدّلت بالكامل، بينما لا تزال نتائجها مرتبطة بمآلات الحوار الأميركي - الإيراني».

وتابع حمادة: «في عام 2000، جرت مفاوضات غير مباشرة بين (حزب الله) وإسرائيل بوساطة ألمانية لتطبيق القرار 425، وانسحبت إسرائيل من دون قيد أو شرط، وتم ترسيم الحدود. أما اليوم فالمشهد مختلف بالكامل؛ لأن الدولة اللبنانية هي التي تتولى التفاوض، وليس الحزب».

ثم أضاف: «بعد حرب عام 2006، صدر القرار 1701 الذي نص على انتشار قوات (اليونيفيل) إلى جانب الجيش اللبناني جنوب الليطاني، مع إنشاء آلية لمراقبة تنفيذ القرار ومنع أي وجود مسلح خارج إطار الدولة في تلك المنطقة. إلا أن هذه الآلية أثبتت لاحقاً أنها لم تكن فعالة، فعادت الحرب وتجدد القتال».

وأوضح حمادة أن «ما يجري اليوم ليس قراراً دولياً جديداً، بل تفاهمات تستند إلى القرار 1701، لكنها تقوم على مفاوضات مباشرة تقودها الدولة اللبنانية، مع انتقال مسؤولية الأمن تدريجياً إلى الدولة، بعدما ثبت فشل آليات المراقبة السابقة». وعليه، رأى أن «الفارق الأساسي اليوم هو أن المفاوضات تسير على طريق إنهاء الصراع... إذ إن المذكرة الأميركية الأخيرة تتحدث للمرة الأولى عن إنهاء حالة الحرب بين لبنان وإسرائيل، وعن معالجة القضايا الحدودية بين الدولتين، وهو أمر لم يكن وارداً في القرار 1701».

من القرار 1071 إلى اتفاق الهدنة... ما الذي تغيّر؟

وقال الخبير الأمني والسياسي: «إذا قارنّا النصوص الحالية باتفاق الهدنة لعام 1949 نجد تشابهاً كبيراً؛ إذ قام اتفاق الهدنة على التزام لبنان كما إسرائيل بعدم استخدام القوات النظامية أو غير النظامية في أي عمل عسكري نحو الفريق الآخر، واليوم يجري تكريس مبدأ أن تتولى الدولة اللبنانية وحدها المسؤولية الأمنية، وألا يبقى أي سلاح خارج إطارها».

من جهة أخرى، لفت العميد الركن حمادة إلى أن «هناك اختلافاً جوهرياً أيضاً على المستوى الميداني بين الوضع الحالي وما سبق؛ ففي حرب 2006 كانت الإنجازات العسكرية الإسرائيلية محدودة، ولم تتوغل القوات الإسرائيلية إلى العمق اللبناني بالشكل الذي حصل اليوم. أما في المواجهة الأخيرة فقد تجاوزت القوات الإسرائيلية جنوب الليطاني ووصلت إلى مناطق أعمق، فيما تكبد (حزب الله) خسائر ميدانية كبيرة، ما يجعل ميزان القوى مختلفاً تماماً عما كان عليه عام 2006».

التفاهم الأميركي-الإيراني مفتاح نجاح المفاوضات

ثم أضاف: «الاتفاق الحالي يجري أيضاً في ظل تفاهم أميركي - إيراني، وهو عامل لم يكن موجوداً في السابق، كما أن الدور الإيراني في الملف اللبناني أصبح اليوم أكثر عمقاً وتأثيراً مما كان عليه في المراحل السابقة».

وعن فرص نجاح المفاوضات، شدد حمادة على أنه «من المبكر جداً الكلام عن إنهاء الصراع بصورة نهائية؛ لأن المفاوضات اللبنانية لا يمكن فصلها عن المفاوضات الأميركية - الإيرانية. لذا يجب انتظار ما ستؤول إليه تلك المحادثات، وعندها يمكن الحكم على انعكاساتها على لبنان... فإذا فشلت المفاوضات الأميركية - الإيرانية، قد تعود إيران إلى استخدام الساحة اللبنانية مجدداً. وبالتالي فإن العنصر الأكثر تأثيراً في المشهد لم يستقر بعد، ولا يمكن البناء على نتائج نهائية قبل اتضاح صورته».

واختتم بالقول: «إذا جرى تعطيل تنفيذ التفاهمات المطروحة، سواء لناحية تثبيت وقف إطلاق النار أو الانسحاب الكامل أو معالجة ملف سلاح (حزب الله)، فإن ذلك سيقود إلى جولة قتال جديدة؛ لأن أي اتفاق لا يكتمل بتنفيذ جميع مراحله لن يكون قابلاً للحياة».

خبراء لـ«الشرق الأوسط»: الجنوب دخل مرحلة جديدة وسط استبعاد العودة إلى معادلات قديمة


صدام حفتر... «صندوق رهانات» المرحلة الليبية

صدام حفتر... «صندوق رهانات» المرحلة الليبية
TT

صدام حفتر... «صندوق رهانات» المرحلة الليبية

صدام حفتر... «صندوق رهانات» المرحلة الليبية

حلّق صدام خليفة حفتر على مستويات مرتفعة، قبل أن يهبط، في أول قفزة مظلية استعراضية، بدت في أعين العديد من الليبيين بمثابة باب يدلف منه إلى ما هو آتٍ. وصدام، هو الابن الأصغر للمشير خليفة حفتر القائد العام لـ«الجيش الوطني»، ونائبه في القيادة العامة، من بين سبعة ذكور، ينخرط بعضهم داخل ليبيا في أعمال عسكرية ومدنية. والقفزة الجوية التي أقدم عليها صدام قبل قرابة عشرة أشهر تلتها ترقيته من رئيس أركان القوات البرية برتبة لواء، إلى فريق أول، ليصبح الرجل العسكري الأبرز في القيادة العامة، والقائم على إدارة المشهد العسكري راهناً، ومحور اهتمام القوى الدولية المتداخلة في ليبيا. الآن، ينخرط صدام - الذي يُنظر إليه على أنه وريث محتمل لأبيه لقيادة المؤسسة العسكرية - في توسيع الشراكات الدولية، ورسم استراتيجية جديدة تبسط قبضته على الحدود المترامية، وتطوي مساحات جغرافية تحت عباءة الجيش الذي أعيد بناؤه في بنغازي (شرقاً) بالعدّة والعتاد.

وسط ندرة المعلومات الموثّقة عن صدام، يرجح مقربون منه أنه وُلد عام 1987 في مدينة بنغازي، التي نشأ فيها بين سبعة أشقاء ذكور، وأربع شقيقات، وأطلق عليه والده هذا الاسم تيمناً بالرئيس العراقي الراحل صدام حسين.

مع بداية 2016، بدأت تتبلور بوضوح ملامح شخصية صدام ومسيرته. ففي العام ذاته، شوهد خلال حفل عسكري في الأردن مرتدياً الزي العسكري في أثناء تخرج طلاب الكلية العسكرية من بينهم عناصر بـ«الجيش الوطني»، في أول ظهور له يحمل رتبة عسكرية على كتفيه، رقي حينها إلى «نقيب». وفي ذلك الحين رد المتحدث باسم الجيش أحمد المسماري على المنتقدين، وقال: «صدام كغيره من الشباب الليبي المنضمّ للجيش، حصل على دورة تسعة أشهر في الأردن؛ وهو في هذه المناسبة يحضر حفل تخرج زملائه».

عقب ذلك، ارتبط اسم صدام بشكل وثيق بـ«اللواء طارق بن زياد معزز»، ثم «اللواء 106 مجحفل»، وهو من القوى العسكرية التي ينظر إليها مؤيدو الجيش على أنها «الأكثر تنظيماً وتأثيراً في المنطقة الشرقية»، في مقابل انتقادات موازية من آخرين.

وبحلول مايو (أيار) 2023، حصل صدام على رتبة «عميد»، وفي مارس (آذار) عام 2024، حمل رتبة «لواء ركن»، ومنح درجة دكتوراه فلسفة في العلوم العسكرية من الأكاديمية العسكرية للدراسات العليا والاستراتيجية بمصر، ليتولى في أعقابها منصب رئيس أركان القوات البرية. وفي أغسطس (آب) 2025، عُيّن نائباً للقائد العام للجيش برتبة فريق أول.

رهانات متقاطعة

فرض المنصب الرفيع الذي تولاه صدام حفتر في القيادة العامة - متجاوزاً قيادات عسكرية رفيعة شاركت والده في إعادة بناء الجيش - مسؤوليات عظمى، ووضعه في دائرة الاهتمام الدولي، وجعله محط أنظار ورهانات مؤيدين ومعارضين، محبين وكارهين. كلٍّ حسب معسكره وموقعه السياسي.

فمؤيدوه في شرق ليبيا وبعض مدن الجنوب، ولا سيما من يمتنّون لوالده، خليفة حفتر، لإعادة بناء الجيش الذي تفكك عقب مقتل العقيد معمر القذافي، يعقدون آمالهم عليه لقيادة مستقبل البلاد. أما مناوئوه، وخاصة في العاصمة، فتتباين نظرتهم إليه بين من يرونه «عدواً وخصماً»، ومن يرحبون بتصعيده شريطة أن يطرح نفسه عبر انتخابات «حقيقية وشفافة».

فكلما طال أمد الانقسام، واتسعت هشاشة الحدود، وتنامت الجريمة، ازداد تعلق شريحة واسعة من الليبيين بالمؤسسة العسكرية، واستعادت هيبة الزي العسكري حضورها باعتبارها عنواناً للأمن والانضباط.

وفي المحصلة، أسهمت حالة «اللا دولة» في تكريس حضور صدام وتعزيز حظوظه. لذا بات يتلاشى نسبياً في ليبيا وصف «الجيش الوطني»، من قبل مناوئين بأنه «جيش عائلي»، بلسان حال يقول: «أضحى لدينا جيش نظامي متماسك، بدلاً من تشكيلات مسلحة لا تكفّ عن الاقتتال».

غير أن هذا التحول في النظرة إلى صدام لم ينهِ الجدل المحيط بشخصه؛ إذ يواصل مناوئوه توجيه اتهامات إليه تتعلق بـ«انتهاكات لحقوق الإنسان»، بينما يتجاهل الرد عليها، ويتولى مقربون منه مهمة نفيها وتفنيدها والدفاع عنه.

وكلما حلا لبعض المؤيدين الإشادة بلغة جسد صدام في المناسبات الرسمية، ممتدحين ابتسامته الهادئة ونظرته المباشرة في أعين مستقبليه، وجدوا في المقابل من يرد عليهم بأنه «يفتقر إلى التدرج الطبيعي في المؤسسة العسكرية».

وفي أقل من عام على تعيينه نائباً للقائد العام، جاب صدام مناطق عدة في ليبيا، لا سيما جنوبها، والتقى أطيافاً مختلفة من المشايخ والأعيان والشباب. وعلى ندرة حديثه للجمهور، وظهوره صامتاً في غالبية الفعاليات، تحدث ذات مرة، بنبرة صوت تشبه والده، أمام قبائل براك الشاطئ، في نهاية العام الماضي، قائلاً: «أيها الأحرار، لقد كنتم وما زلتم الدرع الصامدة للوطن».

ولعل من أبرز المتغيرات التي لاحظها متابعون في خطاب صدام، استثماره استضافة ليبيا للتمرين الأميركي «فلينتلوك 2026» في مدينة سرت، منتصف أبريل (نيسان) الماضي؛ إذ عدّ ذلك «برهاناً على قدرة الشباب الليبي على التوحد، وتجسيداً لمدى مهنية واحترافية منتسبي المؤسسة العسكرية».

أكثر من مجرد نائب لأبيه

منذ أن قفز صدام مظلياً العام الماضي، لم يشاهَد في سماء ليبيا يكرر هذا الأمر، لكن لوحظ مراراً في العديد من الدول، منخرطاً في مباحثات أو لقاءات أو شراكات عسكرية، لا سيما مع روسيا وباكستان وتركيا ومصر وفرنسا.

فالعديد من الدول العربية والأوروبية، إلى جانب أميركا، لم تعد تنظر إلى صدام بوصفه قائداً عسكرياً في معسكر الشرق، أو نائباً لوالده فحسب، بقدر ما تراهن على دوره في نسج علاقات دولية مستدامة، وتهيئة آفاق أوسع للاستثمار، بما يسهم في ترسيخ الاستقرار في ليبيا، بحكم موقعها كبوابة لأفريقيا.

لذا، بعد أن كانت علاقات معسكر شرق ليبيا منحصرة في عدد محدود من الدول، من بينها مصر وروسيا والإمارات، باتت أكثر اتساعاً مع ترقّي صدام في هرم القيادة العامة، وامتدت إلى عواصم مؤثرة، من بينها واشنطن. من هنا - ووفقاً لمتابعين - بدأ صدام يدلف إلى «عالمه الجديد».

ومع الحديث عن «مبادرة أميركية» لحلحلة الأزمة الليبية ازدادت دائرة الضوء من حول صدام. وتقضي المبادرة بتوليه رئاسة المجلس الرئاسي خلفاً لمحمد المنفي رئيسه الحالي، وتنصيب عبد الحميد الدبيبة رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة رئيساً لحكومة موحدة.

وتميل أطراف موالية لـ«الجيش الوطني» إلى دعم هذه المبادرة، لكن أطيافاً عديدة في غرب ليبيا ترفضها بشدة، وترى أن دخول صدام إلى العاصمة طرابلس «لن يتم إلا على أجسامهم».

ولا يقتصر نفوذ صدام على الجانب العسكري فحسب، بل يمتد لعمق المشهد السياسي بفضل ظهير برلماني قوي وتأييد شعبي وازن. ويتجلى هذا الدعم في تصريحات عضو مجلس النواب عن مدينة الكفرة، جبريل أوحيدة، الذي اعتبر أن صعود صدام إلى سدة المجلس الرئاسي يمثل مكسباً سياسياً، وقال: «نحن رابحون إذا وصل إلى رئاسة المجلس الرئاسي».

«صندوق مغلق»

يظل صدام لمن هم خارج دائرته كـ«صندوق مغلق» لم يبح بكل أسراره بعد. فقوى دولية فاعلة في الملف الليبي في مقدمتها الولايات المتحدة تضعه في حساباتها وترى فيه «البديل المناسب» - ولو مؤقتاً - لتجاوز الانقسام العسكري والأمني والاقتصادي.

وفي المشهد الليبي، تظل القوة العسكرية هي الورقة الرابحة والأقوى لإدارة اللعبة السياسية؛ وهو ما يفسر التهافت الدولي والإقليمي على بناء شراكات مع القيادة العامة. ويتجسد هذا الحراك في إبرام اتفاقيات عسكرية استراتيجية، أبرزها التعاون مع باكستان لتزويد الجيش بـ16 مقاتلة من طراز «JF - 17» ضمن صفقة قُدّرت بنحو 4.6 مليار دولار، مما يعكس اعتراف عواصم كبرى بثقل القوة العسكرية التي يقودها المشير خليفة حفتر باعتبارها بوابة أساسية لأي تفاهمات.

«صدام العرب»

التغني بصدام، الذي يُطلق عليه مؤيدوه في بنغازي وما حولها «صدام العرب»، تجاوز «الأوبريتات» الغنائية، وما تنتجه الطبقة الشعبية البسيطة الحالمة بالأمان الذي يوفره الشرطي والعسكري، ووصل إلى أطياف قبائلية عديدة وقوى موالية ترى فيه «المُخلّص».

فكثيرون من سياسيين ونشطاء ومدونين وصفحات على مواقع التواصل الاجتماعي موالون لـ«الجيش الوطني» زادوا من الحديث خلال الأسابيع الماضية عن صدام، و«أنه القادر على قيادة ليبيا».

ولجهة الرهان على صدام، ذهب محمد بعيو، رئيس المؤسسة الليبية للإعلام في بنغازي، إلى أن «أميركا إذ تراهن على الفريق الشاب ليكون شريكاً أساسياً في الحل، فإنها تختار الطريق الصحيح؛ وتعرف أنها تراهن على من يعرف».

وكثيرون غير بعيو تصدوا بالتحليل للصورة التي نشرها وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو للقائه حفتر في واشنطن، وعدوها دلالة على كيفية رؤية البيت الأبيض لنجل حفتر، الذي بات وشيكاً من خلافة والده في القيادة العامة.

وحلّل مصطفى الفيتوري، الكاتب الليبي، الموالي لنظام القذافي صورة صدام وروبيو، وقال: «تعني أن الضيف ليس فقط مقبولاً أميركياً، بل قد يكون مدعوماً، ولو مؤقتاً... هذه الصورة توحي بتأييد حفتر الابن في سعيه للوصول إلى طرابلس؛ ولكن سلماً لا حرباً».

وتبقى «الأوبريتات» والأغاني الشعبية التي تُنتج في شرق ليبيا راهناً للتغنّي بصدام، مقدمة لترسيخ صورته القيادية، وبداية لما هو آتٍ، في قابل الأيام، فور صدور قرار - يراه مقربون منه قريباً - بتنازل والده المشير حفتر عن قيادة الجيش له.

وفي أحدها يغني الفنانون خالد الزروق، وعبد الرحمن العوامي، وصفاء سعد: «اليوم عامرة يا دار ما تنضامي/ جاك الفرج والفرح والتشييد... اليوم ليبيا جالت/ هذا صدام، صدام العرب صنديد من صناديد... زغرتي يا صابرة/ صدام مستقبل الوطن أكيد».

صدام حفتر نائب القائد العام لـ"الجيش الوطني" الليبي (القيادة العامة)

حسابات و«جهوية» و«تدخلات خارجية»... تشابكات الأزمة الليبية

> لا تبدو الأزمة الليبية مجرد خلاف سياسي بين أطراف تتنافس على السلطة، بقدر ما تحولت، خلال السنوات الماضية، إلى شبكة معقدة من الحسابات الداخلية الممتزجة بـ«الجهوية»، و«الأجندات الخارجية»، والمصالح الاقتصادية، الأمر الذي جعل أي مسار نحو التسوية يصطدم بعقبات حادة. في الداخل، لا يزال الانقسام المؤسسي أحد أبرز أسباب استمرار الأزمة؛ فوجود سلطات متنافسة، وانقسام أمني وعسكري، وظهور نزوع جديد نحو الجهوية، بإعلان 9 بلديات من غرب ووسط إلى شمال غربي ليبيا عن تدشين «إقليم الوسطى»، يعد كاشفاً لتجذر الخلاف. كما أن غياب الثقة بين الأطراف المتنازعة يدفع كل طرف إلى التعامل مع أي مبادرة سياسية بحذر شديد، خشية أن تمنح خصومه مكاسب جديدة على حسابه، وبالتالي يتم عرقلة الوصول إلى صيغة توافقية لإدارة المرحلة الانتقالية. وتبقى الانتخابات، رغم الاتفاق الواسع على أنها المخرج الطبيعي للأزمة، إحدى أكثر القضايا تعقيداً... فالخلاف لا يقتصر على موعد إجرائها، بل يمتد إلى القوانين المنظمة لها، وشروط الترشح، وضمانات قبول النتائج، فضلاً عن تأمين العملية الانتخابية في مختلف أنحاء البلاد. لذلك، كثيراً ما تتحول المبادرات السياسية في ليبيا إلى جولات جديدة من الخلاف، بدلاً من أن تكون جسوراً نحو الحل. وفي موازاة ذلك، يحتل النفط موقعاً محورياً في المشهد الليبي. فالثروة النفطية ليست مجرد مورد اقتصادي، بل أصبحت ورقة نفوذ يستخدمها طرفا الأزمة في طرابلس وبنغازي، لتعزيز مواقعهما السياسية والمالية. وعليه، فإن الجدل المتكرر حول إدارة الإيرادات النفطية وآليات توزيعها يؤدي إلى زيادة حدة التوتر، خصوصاً مع ارتباط هذه العائدات بتمويل مؤسسات الدولة والإنفاق العام، وهو ما يجعل أي خلاف بشأنها يتجاوز البعد الاقتصادي إلى أبعاد سياسية وأمنية. ويرى متابعون أن جانباً كبيراً من الصراع يرتكز على السيطرة على المؤسسة الوطنية للنفط ومصرف ليبيا المركزي في طرابلس؛ إذ إن الجهة التي تسيطر على هاتين المؤسستين تتحكم في تدفقات النقد الأجنبي وعائدات النفط. أما العامل الخارجي، فلا يقل تأثيراً عن العوامل الداخلية. فما زالت ليبيا ساحة تتقاطع فيها مصالح قوى إقليمية ودولية، لكل منها أولوياتها ورؤيتها لمستقبل البلاد. وبينما تعلن هذه الأطراف دعمها للحل السياسي، فإن تباين مصالحها ينعكس أحياناً على مواقف القوى المحلية نفسها، ما يُبقي حالة الاستقطاب قائمة. وفي المحصلة، فإن تعقيد الأزمة الليبية لا يعود إلى سبب واحد، بل إلى تداخل السياسة بالأمن والاقتصاد، وامتزاج الحسابات المحلية بالمصالح الخارجية. وينتهي متابعون إلى أن أي حل قابل للتطبيق يحتاج إلى توافق ليبي واسع، تدعمه إرادة دولية منسجمة تحترم سيادة البلاد، مع معالجة الملفات الاقتصادية والأمنية بالتوازي مع المسار السياسي بعيداً عن أي «جهوية أو حسابات دولية».


موجات الحر الشديد تدفع أوروبا إلى حافة الهاوية

غرفة تبريد مجهزة بمكيف في باريس فتحت أمام العامة للتبرد خلال موجة الحر الشديد (رويترز)
غرفة تبريد مجهزة بمكيف في باريس فتحت أمام العامة للتبرد خلال موجة الحر الشديد (رويترز)
TT

موجات الحر الشديد تدفع أوروبا إلى حافة الهاوية

غرفة تبريد مجهزة بمكيف في باريس فتحت أمام العامة للتبرد خلال موجة الحر الشديد (رويترز)
غرفة تبريد مجهزة بمكيف في باريس فتحت أمام العامة للتبرد خلال موجة الحر الشديد (رويترز)

لم يستيقظ الأوروبيون بعد من وقع صدمة موجة الحر الشديد، التي لفت القارة، وتركت آثارها حتى بعد أن انجلت. فقد سجلت أوروبا أعلى درجات حرارة في تاريخها في شهر يونيو (حزيران)، مع تخطيها عتبة 40 درجة مئوية في كثير من الدول. وإذا كانت دول جنوب أوروبا أكثر اعتياداً على موجات الحر الشديد واستعداداً لها، فإن هذه الظاهرة جديدة على دول غرب ووسط أوروبا غير المؤهلة للتعامل مع درجات حرارة بهذه الحدة. وكان هذا ظاهراً في الآثار الفورية لموجة الحر وعدد الوفيات الذي قارب 1300 وفاة، بحسب منظمة الصحة العالمية، منذ 21 يونيو، قرابة الألف منها في فرنسا وحدها.

كشفت موجة الحر الأخيرة ضعف البنى التحتية في أوروبا، خاصة في قطاعي الصحة والنقل، وعدم استعدادها أو قدرتها على التأقلم مع درجات حرارة مرتفعة بهذا الشكل. وكادت المستشفيات في فرنسا تنهار بسبب ضغط المرضى المصابين بضربات حرّ، فيما توقفت القطارات عن العمل في ألمانيا وأغلقت طرقات سريعة بعد ذوبان الأسفلت والأضرار التي لحقت بسكك الحديد وإشارات المرور. واضطرت مدارس في بريطانيا وألمانيا وفرنسا وعدد آخر من الدول الأوروبية إلى إغلاق أبوابها أمام الطلاب لعدم جاهزية المباني للتعامل مع الحر الشديد. ورغم تكرر موجات الحر سنوياً في أوروبا منذ أعوام، فقد كانت موجة الحر الأخيرة الأقسى، وكان «من المستحيل حدوثها لولا التغير المناخي» بحسب دراسة أجرتها مبادرة «إسناد أحوال الطقس العالمية».

القبة الحرارية

كانت فرنسا المركز الرئيسي لموجة الحر الشديد في أوروبا، التي بدأت في 20 يونيو الماضي، والدولة الأكثر معاناة، وشهدت أكبر عدد من أيام الحر مقارنة بالدول الأخرى. فقد تشكلت «القبة الحرارية» فوق أجوائها ومكثت فيها 7 أيام تقريباً، توسعت خلالها لتشمل دولاً أخرى في جنوب أوروبا، مثل إسبانيا والبرتغال وإيطاليا، لتمتد بعدها إلى بلجيكا وهولندا وبريطانيا، ثم وصلت إلى وسط وشرق أوروبا، في ألمانيا وبولندا وتشيكيا والنمسا والمجر. ورغم أن ظاهرة «القبة الحرارية» ليست جديدة، فإنها لم تكن يوماً بهذه الحدّة في أوروبا. وتحدث هذه الظاهرة الجوية عندما يتمركز مرتفع جوي قوي فوق منطقة واسعة لعدة أيام، فيصبح أشبه بغطاء أو قبة تحبس الهواء الساخن بالقرب من سطح الأرض. وتكمن خطورة هذه الظاهرة في بقاء درجات الحرارة مرتفعة حتى الليل، ما يمنع الأشخاص والأبنية من التخلص من الحرارة التي تتكدس طوال اليوم. وقد وصلت بالفعل درجات الحرارة خلال موجة الحر إلى درجات قياسية في الليل، ولم تنخفض أحياناً عن 30 درجة مئوية، ما دفع خبراء للحديث عما يشبه «الليالي الاستوائية» في أوروبا.

ولا يتسبب التغير المناخي بهذه الظاهرة إلا أنه يساهم بجعلها أكثر تكراراً وأشد حرارة وأطول مدة. وبحسب خبراء أرصاد جوية في جامعة ريدينغ البريطانية، فإن عاملين يجعلان من «القبب الحرارية» أزمة صيف متكررة في أوروبا؛ العامل الأول أن التغير المناخي أدى إلى رفع درجات الحرارة على الأرض، ما يعني أنه عندما تتشكل «قبة حرارية» تبدأ من درجات حرارة أعلى من السابق، ما يسرع الوصول إلى درجات الحرارة القصوى. والعامل الثاني يتعلق بحركة الرياح المرتفعة أو «التيار النفاث»، وهذا العامل تغيّر بسبب ارتفاع درجات حرارة القطب الشمالي.

وبسبب قرب القارة الأوروبية من القطب الشمالي، الذي ترتفع درجة الحرارة فيه بمعدل 3 إلى 4 مرات المتوسط العالمي، فإن هذا يسرع من ارتفاع درجات الحرارة في أوروبا كذلك. وبحسب خبراء مناخ، فإن القارة الأوروبية تشهد ارتفاعاً في درجات الحرارة بمعدل يبلغ ضعف المتوسط العالمي، ما يجعلها عرضة لأنظمة «القبة الحرارية».

وتعي الحكومات الأوروبية ارتباط التغير المناخي بتزايد حدة موجات الحر الشديدة، التي تشهدها القارة، وقد أقرت الحكومات والاتحاد الأوروبي خططاً لتخفيض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون، لكن الالتزام بها غير متوازٍ لدى كل الدول الأوروبية. وتحاول أوروبا زيادة اعتمادها على الطاقة البديلة وزيادة المساحات الخضراء، من بين عدة خطوات، لكن الحرب في أوكرانيا والمخاوف المتعلقة بأمن الطاقة دفعتا بكثير من الدول إلى تأجيل خطط بإغلاق مناجم الفحم الحجري الشديد التلوث. كما أن الأزمات الاقتصادية المتتالية من أزمة «كورونا» إلى الحرب في أوكرانيا زادا من الضغوط على الاقتصادات الأوروبية، ما دفع بكثير من الحكومات لتأجيل خطط مناخية مكلفة خوفاً من زيادة النقمة الشعبية.

شقة علية في باريس أغلقت نوافذها بقماش لإبقاء الحر خارجاً خلال موجة الحر الشديد في يونيو 2026 (أ.ف.ب)

آثار اقتصادية

ولكن موجات الحر الشديد تحمل بدورها آثاراً اقتصادية مدمرة على الدول الأوروبية. فغياب ثقافة المكيفات ونقص البنية التحتية القادرة على التكيف مع درجات حرارة مرتفعة، سيؤديان إلى تقليص الإنتاجية وزيادة الأعباء المالية على الأفراد، بحسب عدد من الدراسات. وبحسب دراسة لمجموعة «أليانز» الألمانية، فإن موجات الحر يمكن أن تكلف ألمانيا أكثر من 130 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030. وأضافت الدراسة أن ارتفاع درجات الحرارة تقلص من الإنتاجية وتؤدي إلى رفع أسعار الطاقة، ما يؤثر على الشركات والاستثمارات. واعتبرت الدراسة أن الإنتاجية يمكن أن تنخفض بـ3 في المائة عن كل درجة حرارة تزيد على 30 درجة مئوية. واعتبرت الدراسة أن «تكييف الاقتصادات مع الحرارة الشديدة سيصبح عاملاً رئيسياً في التنافسية».

الشرطة الألمانية ترش المياه أمام ملعب أولمبيك في برلين للسماح لرواد حفل المغني الأميركي برونو مارس بالترطب يوم موجة الحر الشديد 28 يونيو (أ.ف.ب)

ضرورة التأقلم مع الحر الشديد

وتعدد الدراسة 4 محاور يجب العمل عليها لتصبح الاقتصادات الأوروبية قادرة على التأقلم مع الحر الشديد، في طليعتها تنظيم العمل، ثم تجهيز المباني، وإدارة الإنفاق العام، ودعم أفضل للأسر. وفي النقطة الأولى، يشير التقرير إلى أنه لا توجد قواعد قوية في كل الدول تحدد متى يجب التوقف عن العمل بسبب الحرّ، وهذا يجعل كثيراً من العمال غير محميين. ويوصي التقرير بتحديد درجات حرارة إلزامية يتم عندها تقليل العمل أو إيقافه، وتعويض العمال عن ساعات العمل الضائعة.

ويتحدث التقرير في المحور الثاني عن الأبنية، ويشير إلى أن معظم الأبنية الأوروبية غير مصممة لتحمل الحرّ، بل على العكس، هي مبنية لكي تحصر الحرارة في الداخل. وهذا يتطلب بحسب الدراسة تصميم مبانٍ جديدة لا تسخن بسهولة، وتحسين المباني القديمة لتبقى أكثر برودة وتوفير تبريد للفئات الضعيفة. ويشار إلى أن قرابة 20 في المائة فقط من الأبنية في أوروبا مجهزة بمكيفات، ومعظم هذه هي مبانٍ عامة، وليست منازل خاصة. حتى المستشفيات ودور العجزة والروضات والمدارس غير مجهزة بمكيفات، ما يجعل المرضى والكبار في السن والأطفال من الفئات الأكثر عرضة للخطر في أوقات الحرّ الشديد.

ويدعو التقرير في المحور الثالث الحكومات إلى وضع خطط بعيدة المدى للتكيف مع الحرّ عوضاً عن الاستجابة في أوقات الأزمات فقط، لأن هذا يعني أن كل موجة حر «تقضم» من الميزانية عوضاً عن أن تكون هناك استثمارات لحلول مسبقة. وبالفعل كان هذا ظاهراً، خاصة في البنى التحتية التابعة للمواصلات، سواء الطرقات أو السكك الحديد التي تعرضت للذوبان.

ويتطرق التقرير في المحور الرابع إلى المساعدات المقدمة للأسر. ويشير إلى أن الأشخاص الأكثر عرضة للحر يكونون غالباً من الأفقر، ومن غير القادرين على شراء أجهزة تبريد أو تجمل تكلفة الطاقة لاستخدام الأجهزة. ويدعو التقرير إلى زيادة الدعم الحكومي المخصص لهؤلاء.

درجة حرارة 41 درجة مئوية سجلت في وسط برلين يوم السبت الماضي 27 يونيو 2026 (رويترز)

تأثير على مدخول الأفراد

وتدعم ذلك دراسة، أجراها علماء في مجموعة «تحليلات المناخ»، تستنتج أن موجات الحرّ المصحوبة بالجفاف تقلص من المدخول الفردي بقرابة 3 في المائة في أنحاء أوروبا، مع خسائر أكبر للمناطق الأكثر تأثراً. وبحسب الدراسة، فإن ارتفاع معدل درجات حرارة الأرض ستعمق من عدم المساواة، وتدخل ملايين من الأوروبيين في خطر الفقر. ويحذر العلماء من أنه لو ارتفعت درجة الحرارة بـ2.7 درجة مئوية بحلول عام 2100، وهو المرجح في ظل السياسات المناخية العالمية الحالية، فإن متوسط الدخل الفردي الأوروبي سينخفض بنسبة 27 في المائة. أما في حال الالتزام باتفاقية باريس للمناخ التي تحد الارتفاع الحراري بـ1.5 درجة مئوية بحلول عام 2100، فإن انخفاض الدخل الفردي ينخفض بنسبة 7 في المائة. والأكثر تأثراً بذلك هم الـ20 في المائة الأفقر في أوروبا.

وتعدد الدراسة بعض العوامل التي تلعب دوراً في تراجع متوسط الدخل الفردي، منها الأوضاع الصحية السيئة وانخفاض الإنتاجية وانخفاض الإنتاج الغذائي وتراجع الخدمات الحيوية المرتبطة بالمياه، مثل النقل وتوليد الطاقة. وقياساً إلى أرقام جمعها العلماء من موجات الحر والجفاف بين عامي 2004 و2022، فإن أكثر الأشخاص تأثراً بذلك هم من يعيشون في إسبانيا والمجر واليونان ورومانيا وبلغاريا وقبرص.

ورغم الدراسات العملية منذ عقود التي تحذر من آثار التغير المناخي وارتفاع درجات حرارة الأرض، فإن الدول الأوروبية ما زالت غير مستعدة للتعامل مع آثارها. ففي بريطانيا، استنتجت لجنة تغير المناخ، وهي هيئة استشارية قانونية للحكومة البريطانية، أن خطط التكيف لدى الحكومة تعود إلى عام 2008، و«هي لم تعد ملائمة». أما في فرنسا، فقد انتقد المجلس الأعلى للمناخ، وهو أيضاً جهة استشارية للحكومة، الإجراءات المتخذة للتكيف مع موجات الحر، قائلاً إن «الفجوة تتسع» بين احتياجات التكيف والإجراءات. وفي ألمانيا خلصت دراسة مجموعة «تحليلات المناخ» إلى أن البلاد «تفتقر إلى حلول شاملة» لحماية السكان من آثار الإجهاد الحراري، وأنه «رغم إحراز بعض التقدم البطيء... فإن تنفيذ الخطط ما زال متعثراً إلى حد كبير».

ردّ فعل لا خطط بعيدة المدى

حتى الآن، فإن تصرفات معظم الحكومات الأوروبية تأتي كردة فعل على موجات الحر الشديد عند حدوثها، عوضاً عن إقرار خطط مدروسة طويلة المدى. فخلال موجة الحر الأخيرة، حول كثير من الدول الأوروبية المباني العامة المزودة بمكيفات لمناطق «للتبرد». في برشلونة بإسبانيا مثلاً، حددت الحكومة قرابة 500 ملجأ للتبرد معظمها مكتبات عامة وصيدليات ومراكز عامة. وفي أمستردام بهولندا حددت الحكومة مناطق مخصصة للتبرد تحوي على مياه للشرب وأماكن استراحة. وفي إيطاليا وعدد من الدول الجنوبية، منعت الحكومة العمل الخارجي مثلاً في قطاعات البناء والزراعة في أوقات ذروة الحرّ، وعوّضت العمال من صندوق حكومي مخصص كي لا يخسروا دخلهم. وفي فرنسا، حدّت الحكومة بيع المشروبات الكحولية خلال اليوم لتقليص الضغط على المستشفيات، وألغت نشاطات وحفلات خارجية. وفي ألمانيا، دعت شركة دويتشه بان المشغّلة للقطارات السريعة بين المدن إلى عدم السفر إلا للضرورة، وسمحت بإلغاء التذاكر من دون غرامة، واستخدمت الشرطة في برلين شاحنات ضخ مياه، تستخدم في المظاهرات، لرشّ المارة بالمياه وتبريدهم.

لكن الخبراء يحذرون من عدم كفاية «ردّ الفعل» على موجات الحرّ المتكررة، ويطالبون بضرورة تأقلم الدول الأوروبية كي تبقى قادرة على المنافسة. وهذا يتطلب تغييراً في ثقافة عدم قبول المكيفات، وهي الثقافة السائدة حالياً في معظم أوروبا، باستثناء الدول الجنوبية مثل إيطاليا واليونان وإسبانيا، حيث المكيّفات أكثر انتشاراً. ولكن في دول مثل فرنسا وألمانيا ما زالت مقاومة تركيب المكيفات كبيرة، والتبرير بأن المكيفات ستزيد من استهلاك الطاقة، وهو السبب الرئيسي في التغير المناخي الذي يساهم في رفع درجات حرارة الأرض. ولكن هذه الثقافة قد تكون بدأت تتغير اليوم؛ حتى حزب الخضر في ألمانيا بدأ يطالب بزيادة تجهيز الأبنية الأساسية، أي المستشفيات ودور العجزة والروضات والمدارس، بأجهزة تكييف، وفي الوقت نفسه توسيع مشاريع الطاقة البديلة، خاصة الشمسية، التي تستفيد من موجات الحر، ما يقلص الاعتماد على الطاقة التقليدية المضرة بالبيئة.

ثقافة المكيفات

ولكن مشكلة أوروبا أبعد من مجرد ثقافة عدم القبول بالمكيفات، فكثير من الدول تمنع بالقانون تركيب أجهزة تكييف ظاهرة خارج المباني التقليدية التاريخية للحفاظ عليها. كما أن الأبنية القديمة صممت لكي تحفظ الحرارة في الداخل لا العكس، لمواجهة الصقيع الذي يجلبه فصل الشتاء والخريف، في وقت كان الحرّ فيه معتدلاً في الصيف. حتى الأبنية الحديثة، شيّدت بواجهات زجاجية ضخمة لإدخال النور، وشيّدت لتكون مقابل الشمس من دون عوازل خارجية على النوافذ. هذه الأبنية التي بنيت كي تجذب السكان إليها بأنوارها ودفئها باتت اليوم هي المشكلة الرئيسية. وفي باريس وبرلين والمدن الأوروبية الكبرى، تعدّ الشقق المرتفعة المبنية على سطح المبنى الأكثر جاذبية بسبب مناظرها والنور الذي يدخلها. لكن هذه الشقق تحديداً تعدّ اليوم الأكثر خطراً. وقد أظهرت دراسة قديمة أجريت بعد موجة الحرّ القاسية التي ضربت أوروبا عام 2003، وتوفي خلالها قرابة 70 ألف شخص، 15 ألفاً منهم في فرنسا، بأن العيش في شقق العلية تحت السطح مباشرة، يزيد من خطر الموت بالحرّ 4 مرات، ووجدت الدراسة التي نشرت في مجلة «ذا لانسيت بلانيتيري هيلث» عام 2023، أن باريس سجّلت أعلى معدلات المخاطر للوفيات المرتبطة بالحرارة بين 30 عاصمة أوروبية شملتها الدراسة.