روسيا تستبق «لقاء فيينا» بسحب مصير الأسد.. وخلاف حول هويات «المجموعات الإرهابية»

عبد اللهيان سيحل مكان ظريف.. ومراقبون يتحدثون عن عدم نضوج ظروف الحل

سوري يعاين أثار الدمار الذي ألحقه الطيران الروسي في الريف الشرقي لمدينة درعا الجنوبية أول من أمس (رويترز)
سوري يعاين أثار الدمار الذي ألحقه الطيران الروسي في الريف الشرقي لمدينة درعا الجنوبية أول من أمس (رويترز)
TT

روسيا تستبق «لقاء فيينا» بسحب مصير الأسد.. وخلاف حول هويات «المجموعات الإرهابية»

سوري يعاين أثار الدمار الذي ألحقه الطيران الروسي في الريف الشرقي لمدينة درعا الجنوبية أول من أمس (رويترز)
سوري يعاين أثار الدمار الذي ألحقه الطيران الروسي في الريف الشرقي لمدينة درعا الجنوبية أول من أمس (رويترز)

استبقت روسيا «لقاء فيينا 2» المرتقب انعقاده اليوم السبت بمسعى لإيجاد حل للأزمة السورية المتفاقمة منذ العام 2011. بإعلان رئيسها فلاديمير بوتين أنه لا يمتلك «الحق بأن يطلب من الرئيس السوري بشار الأسد التنحي عن السلطة»، حاصرة بذلك النقاشات المرتقبة بتحديد هوية «المجموعات الإرهابية»، وهو موضوع خلافي شائك، لم تنجح الدول المعنية بالأزمة في الوصول إلى أي قواسم مشتركة بشأنه.
من جهة أخرى، من المنتظر أن تشارك إيران في الاجتماع الدولي المرتقب ممثلة بمساعد وزير خارجيتها أمير حسين عبد اللهيان، وذلك لارتباط الوزير محمد جواد ظريف بجولة أوروبية مع الرئيس الإيراني حسن روحاني. ونقلت وكالة «تاس» عن السفارة الإيرانية في موسكو أن عبد اللهيان سيمثل طهران في اللقاء المتعدد الأطراف في فيينا، مؤكدة أن «تخفيض مستوى تمثيل البلاد في المفاوضات يرتبط بانشغال وزير الخارجية محمد جواد ظريف بفعاليات أخرى مدرجة على جدول أعماله». هذا، وسبق أن أعلن عبد اللهيان نفسه في تصريحات له من لبنان يوم الأربعاء أن المشاركة الإيرانية في المفاوضات المكرّسة لتسوية الأزمة السورية تتوقف على «أجوبة يجب أن تقدّمها واشنطن عن الأسئلة بشأن خطوات أحادية أقدمت عليها دون استشارة الآخرين». ومن جانبها، أكدت وزارة الخارجية الروسية أن إيران «لم تفقد اهتمامها بمفاوضات فيينا حول سوريا»، وقال ميخائيل بوغدانوف، مبعوث الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى الشرق الأوسط وأفريقيا، في وقت سابق، إن الجانب الإيراني بصدد اتخاذ قرار بشأن المشاركة في «لقاء فيينا»، مؤكدا أن «اهتمامهم كبير».
في هذه الأثناء، قبل اللقاء الدولي المرتقب، التقت «مجموعتا عمل»، الأولى مكلفة بتحديد «المجموعات الإرهابية» والثانية قائمة «المعارضين» الذين يمكن أن يشاركوا في المفاوضات مع النظام، بينما تبدأ مجموعة ثالثة إنسانية عملها فيما بعد. وأعربت موسكو وطهران، على حد سواء، عن استيائهما من تلك المباحثات الجانبية ووصفت روسيا الخطوة الأميركية بـ«الفاشلة»، معلنة «رفضها تقسيم المشاركين في مفاوضات فيينا إلى أساسيين وفرعيين». وللعلم، يشارك في المحادثات في فيينا اليوم ممثلون عن إيران وروسيا والسعودية وتركيا والاتحاد الأوروبي إضافة إلى ممثلين عن دول أخرى مثل الصين ومصر ولبنان ودولة الإمارات العربية المتحدة وقطر وسلطنة عمان والأردن.
وفي حين حث وزير الخارجية الأميركي جون كيري، ليل أول من أمس، الدول المشاركة في مباحثات سلام سوريا على «إظهار المرونة»، لافتا إلى أن فرص التوصل لحل دبلوماسي تتوقف في جانب منها على «الميزان العسكري»، شدد وزير الخارجية البريطاني فيليب هاموند على «وجوب تنحي الأسد في إطار المرحلة الانتقالية في سوريا». وقال هاموند في تصريح من العاصمة التشيكية براغ: «على بشار الأسد أن يتنحى في إطار المرحلة الانتقالية في سوريا، لكننا نقر بأنه إذا كان ثمة مرحلة انتقالية فمن الممكن أن يشارك فيها إلى حد معين». وأردف: «نحن واضحون لجهة أننا لن نسعى إلى تدمير المؤسسات الحكومية في سوريا، نقول بوضوح بأننا نأمل بإبقاء تلك المؤسسات».
من جهتها، قالت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل في مؤتمر صحافي عقدته يوم أمس بأنه «لا يمكن حل الأزمة السورية إلا بالوسائل السياسية»، وأعربت عن أملها في أن تسفر جولة جديدة من المحادثات التي تعقد في فيينا عن تحقيق بعض التقدم في هذا الاتجاه. وأضافت ميركل «آمل أن يكون اجتماع الغد خطوة صغيرة على الطريق نحو حل سياسي ينبغي أن نتحلى من أجله بالمزيد من الصبر». كذلك أعرب وزير الخارجية الألماني فرانك فالتر شتاينماير عن أمله في حدوث تقدم نحو حل سلمي للنزاع السوري، مشددًا على أن «الهدف هو عملية سياسية تؤدي عبر هدنة وحكومة انتقالية إلى دستور جديد وانتخابات». وذكر شتاينماير خلال لقائه مع نظيره العُماني يوسف بن علوي أن المؤتمر الأول بشأن سوريا الذي عقد نهاية أكتوبر (تشرين الأول) الماضي كان «بداية ناجحة»، واستدرك قائلا: «إننا لا نستخف بالصعوبات التي أمامنا، لكن لا يوجد طريق آخر».
أما بن علوي، فتحدث عن «زخم إيجابي لتطوير خطة تصب في مصلحة السوريين»، مشيرا إلى أننا «لا نزال في بداية الطريق». وأعرب بن علوي - الذي قابل رئيس النظام السوري أخيرًا - عن استعداد حكومة بلاده للتوسط بن الرياض وطهران بخصوص الأزمة في سوريا «إذا طلب الطرفان ذلك». واعتبر أن وجود علاقات مستقرة بين الطرفين المذكورين «أمر مهم للغاية بالنسبة لبلاده».
وفي بكين، أعلنت الصين أنها تولي اهتماما كبيرا لمحادثات فيينا حول سوريا، مؤكدة تمثيلها في الاجتماع المقبل على مستوى نائب وزير الخارجية لي باو دونغ. وأعرب متحدث باسم وزارة الخارجية الصينية في تصريحات أدلى بها أمس عن أمله في توصل الأطراف المشاركة في «لقاء فيينا» إلى توافق حول إطلاق عملية التسوية السياسية للأزمة السورية في أقرب وقت.
على صعيد آخر، يرى مراقبون أن «لقاء فيينا» المرتقب يواجه «عقبة كبيرة بتعريف المجموعات الإرهابية»، فيما يعتبر آخرون أن مجرد حصر التطلعات الدولية في هذا المجال واستبعاد سبب الخلاف الأساسي، ألا وهو مصير الأسد، إقرار بعدم نضوج ظروف الحل السياسي للأزمة. وهو ما عبّر عنه يزيد صايغ الباحث في مركز «كارنيغي» لـ«الشرق الأوسط» في بيروت الذي اعتبر أنّه «قد يكون هناك أرضية كافية لتفاهم روسي – أميركي حول سوريا، إلا أنه لا مؤشرات حالية لإمكانية تحقيق تفاهم رباعي شامل يشمل إلى جانب موسكو وواشنطن، الرياض وطهران».
وأوضح صايغ لـ«الشرق الأوسط»: «إن ما قد تسير به الولايات المتحدة الأميركية وإيران، قد لا تقبل به روسيا والسعودية مثلا». ورأى أن إطار فيينا الحالي «لا يسمح بإتمام المساومات والمقايضات العملية المطلوبة لحل الأزمة، باعتبار أن حصر الحديث بين الأطراف المجتمعة على طاولة فيينا بتعريف الجماعات المقاتلة على الأراضي السورية، يوحي بعدم جدوى القمة والنقاشات الحاصلة». واستطرد «أي لقاء دولي يريد أن يبحث جديا في حل للأزمة في سوريا ينبغي أن يبحث في مصير الأسد وفي آلية الحكم الانتقالي، وكل ما عدا ذلك يندرج في إطار المراوغة وتضييع الوقت».
وأشار صايغ إلى أن «المعطيات الحالية تفيد بأن روسيا وإيران قد تسيران بصيغة معينة تتخليان من خلالها عن الأسد شرط أن يتم تأمين مصالحهما المستقبلية في سوريا، لكن معالم هذه الصيغة لم تتبلور بعد».
ومعلوم أن «لقاء فيينا 2» ينعقد بغياب أي طرف سوري، تماما كما حصل في «لقاء فيينا 1»، ويرد عضو «الائتلاف الوطني السوري» المعارض الدكتور برهان غليون في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن استمرار «تغييب العنصر السوري، المعني الأول بالملف، لخروج الموضوع من إطاره الداخلي كصراع سوري – سوري بحيث يتحول إلى صراع إقليمي ودولي.. نرى أن الأطراف المجتمعة تسعى لتحقيق مصالحها بعيدا عن المصلحة السورية العليا». وتابع غليون «أن التعاطي مع الملف السوري بهذه الطريقة يمكن اختصاره بالكارثي، وللأسف، المعارضة السورية تتحمل مسؤولية كبيرة في هذا الإطار، كونها لم تنجح في تشكيل قيادة وطنية موحدة، جامعة في ظلها الفصائل العسكرية كما المجموعات السياسية».
واستبعد غليون أن ينجح «لقاء فيينا 2» في تحقيق أي خروق تذكر على مستوى الأزمة السورية، معتبرا أنّه «كان هناك منذ البداية خطأ بالتقديرات والحسابات، ولعل الانصراف للجدال حول تحديد قوائم الإرهابيين والمعارضين أكبر دليل على أن ما تسعى إليه الدول المجتمعة غير جدي وهدفه تقطيع الوقت».



اليمن يعلن مقتل المتحدث باسم تنظيم «داعش»

«داعش» خاض صراعاً وتنافساً على الموارد والعناصر مع تنظيم «القاعدة» (الشرق الأوسط)
«داعش» خاض صراعاً وتنافساً على الموارد والعناصر مع تنظيم «القاعدة» (الشرق الأوسط)
TT

اليمن يعلن مقتل المتحدث باسم تنظيم «داعش»

«داعش» خاض صراعاً وتنافساً على الموارد والعناصر مع تنظيم «القاعدة» (الشرق الأوسط)
«داعش» خاض صراعاً وتنافساً على الموارد والعناصر مع تنظيم «القاعدة» (الشرق الأوسط)

أعلن اليمن، الثلاثاء، مقتل المتحدث باسم تنظيم «داعش» الإرهابي، المكنى «أبو حذيفة الأنصاري»، خلال عملية نفذتها قوات خاصة مشتركة تابعة لتحالف دعم الشرعية وقوة مكافحة الإرهاب اليمنية «القوة 22» في مدينة سيئون بمحافظة حضرموت، في ضربة استخباراتية تستهدف أحد أبرز وجوه التنظيم.

وكشفت مصادر يمنية مطلعة لـ«الشرق الأوسط» أن الاسم الرباعي للمتحدث هو ميثاق ثابت هيثم الحجيلي، وهو يمني من محافظة حجة، وأكدت المصادر التي فضلت حجب هويتها أنه المتحدث باسم التنظيم ككل، مما يعكس أهميته في سلم القيادات داخل التنظيم الإرهابي.

وقال الجهاز المركزي لأمن الدولة في اليمن (الاستخبارات)، في بيان، إن العملية نُفذت فجر الثلاثاء، في إطار التعاون وتبادل المعلومات الاستخبارية بين الجهاز وقيادة القوات المشتركة لتحالف دعم الشرعية بقيادة السعودية، موضحاً أن القوات تمكنت من القضاء على المطلوب في أثناء اختبائه في أحد المنازل السكنية بمدينة سيئون.

وأفاد البيان بأن القيادي كان داخل المنزل برفقة 8 مدنيين، بينهم رجل وامرأتان وخمسة أطفال، مشيراً إلى أن القوات تمكنت من إخراج النساء والأطفال ونقلهم إلى مكان آمن من دون تعرضهم للإصابة أو الأذى.

التنظيمات الإرهابية في اليمن سبق لها السيطرة على مناطق واسعة قبل التصدي لها (إعلام محلي)

وتكشف هذه التفاصيل عن حساسية العملية التي جرت في منطقة سكنية مكتظة، إذ أكد الجهاز الأمني اليمني أن القوات تمكنت من تنفيذ المهمة وتحييد المطلوب من دون وقوع أضرار جانبية بالممتلكات أو المدنيين في الحي.

ووفق البيان، أسفرت العملية كذلك عن إلقاء القبض على شخص كان موجوداً مع «أبو حذيفة الأنصاري» داخل المنزل، بعد مقاومته للقوات وإصابته خلال التعامل معه، قبل تقديم العلاج الطبي له ونقله إلى مكان آمن.

المضبوطات في الموقع

خلال عملية مسح الموقع وجمع الأدلة، عثرت القوات اليمنية على عدد من المضبوطات، بينها حزام ناسف جرى إبطاله وتفجيره لتحييد خطره على المدنيين، إضافة إلى جهازي كمبيوتر محمول، وخمسة جوالات، وجهازين لوحيين.

وقال الجهاز المركزي لأمن الدولة في اليمن إن المضبوطات جرى تحريزها، فيما استكملت الجهات المختصة إجراءات الاستدلال والتوثيق، قبل أن تغادر القوات الخاصة المشتركة منطقة العمليات بعد نجاح تنفيذ المهمة.

تنظيم «داعش» في اليمن خسر أغلب قدراته العسكرية على الأرض (إعلام محلي)

وتشير المضبوطات الإلكترونية، في حال أظهرت عمليات الفحص محتويات ذات صلة بنشاط التنظيم، إلى احتمال أن توفر العملية معلومات إضافية عن شبكات الاتصال والاتصالات الرقمية للقيادي القتيل، خصوصاً أن استهداف القيادات الإرهابية يعتمد بدرجة كبيرة على ما يمكن استخلاصه من الأجهزة التي تضبط في مواقع العمليات.

ولم يكشف البيان عن تفاصيل إضافية بشأن هوية «أبو حذيفة الأنصاري» أو موقعه داخل الهيكل التنظيمي لـ«داعش»، مكتفياً بوصفه متحدث التنظيم، كما لم يوضح طبيعة المعلومات التي قادت القوات إلى المنزل أو الفترة التي قضاها القيادي مختبئاً في سيئون.

تعاون استخباراتي

تبرز العملية، بحسب الجهاز المركزي لأمن الدولة، بوصفها نتيجة مباشرة للتعاون الاستخباري بين الأجهزة اليمنية والقوات المشتركة للتحالف، إذ أشار البيان إلى تبادل المعلومات بشأن المطلوبين، والاستفادة من منظومات المراقبة والاستطلاع الاستخباري، إلى جانب التخطيط والتدريب العملياتي لتنفيذ المهمة.

ويأتي استهداف متحدث «داعش» في وقت تراجعت فيه قدرة التنظيم على الاحتفاظ بمناطق نفوذ واسعة في اليمن، بعد سنوات من العمليات الأمنية والعسكرية التي استهدفت عناصره وقياداته وشبكاته.

وكان التنظيم قد ظهر في اليمن بصورة علنية في أواخر عام 2014، مستفيداً من انهيار مؤسسات الدولة واتساع رقعة الحرب، وتمكن من بناء وجود في مناطق عدة، خصوصاً في البيضاء وأجزاء من حضرموت وشبوة، قبل أن يتعرض لضربات متتالية أدت إلى تراجع قدراته الميدانية.

ومع خسارته القدرة على فرض وجود جغرافي واسع، اتجه التنظيم إلى العمل عبر خلايا محدودة، والاعتماد على الاختباء في المناطق النائية أو داخل البيئات السكنية، وتنفيذ هجمات متفرقة باستخدام العبوات والمتفجرات.

ويمثل مقتل متحدث التنظيم ضربة تتجاوز الجانب الميداني، بالنظر إلى الدور الذي تضطلع به المنظومة الإعلامية في الحفاظ على التواصل بين القيادة والخلايا والأنصار، خصوصاً بالنسبة إلى تنظيم فقد معظم قدرته على السيطرة المكانية.

ويؤكد الجهاز المركزي لأمن الدولة أن الحكومة اليمنية ستواصل ملاحقة المطلوبين من عناصر التنظيمات الإرهابية وإلقاء القبض عليهم وتقديمهم للعدالة، مشدداً على استمرار التنسيق مع التحالف والشركاء الدوليين في جهود مكافحة الإرهاب.

وقال الجهاز إن اليمن «لن يكون ملاذاً لهم»، في رسالة تعكس سعي السلطات إلى منع التنظيمات الإرهابية من استغلال المناطق التي شهدت خلال السنوات الماضية فراغات أمنية أو صراعات محلية لإعادة بناء شبكاتها.


«فوبيا سبتمبر» تدفع الحوثيين لتشديد قبضتهم الأمنية

عناصر حوثيون يحرسون تجمعاً لأنصار الجماعة يؤيد العمليات العسكرية ضد الحكومة (رويترز)
عناصر حوثيون يحرسون تجمعاً لأنصار الجماعة يؤيد العمليات العسكرية ضد الحكومة (رويترز)
TT

«فوبيا سبتمبر» تدفع الحوثيين لتشديد قبضتهم الأمنية

عناصر حوثيون يحرسون تجمعاً لأنصار الجماعة يؤيد العمليات العسكرية ضد الحكومة (رويترز)
عناصر حوثيون يحرسون تجمعاً لأنصار الجماعة يؤيد العمليات العسكرية ضد الحكومة (رويترز)

بدأت الجماعة الحوثية استنفارها الأمني وإعداد خطة استخباراتية لمواجهة احتفالات اليمنيين بذكرى «ثورة 26 سبتمبر (أيلول) 1962»، قبل موعدها بنحو شهر، سعياً إلى منع تحول هذه المناسبة فرصةً للتخلص من سلطتها والتعبير عن رفض ممارساتها ونفوذها، وذلك بالتزامن مع التصعيد والمواجهات العسكرية مع الحكومة الشرعية.

وذكرت مصادر محلية في صنعاء لـ«الشرق الأوسط» أن الجماعة بدأت حملات الاعتقالات وتشديد الرقابة، التي تستهدف التجمعات والأنشطة واللقاءات الاجتماعية، ووضع قيود عليها، وتشديد الرقابة على أي أنشطة اجتماعية خارج نطاق إدارتها، إلى جانب فرض حالة تشبه منع التجول في الأوقات المتأخرة من الليل في كل الشوارع والأحياء والحارات.

ووفق المصادر، فقد اعتقلت شرطة الجماعة، خلال الأيام القليلة الماضية، مئات الشبان المتجمعين في سهرات ليلية بمختلف مناطق العاصمة المختطفة صنعاء، واقتادتهم إلى الأقسام ومقار الاحتجاز، حيث جرى التحقيق معهم بسرعة وإطلاق سراح غالبيتهم بعد إلزامهم التوقيع على تعهدات بعدم التجمع في الشوارع.

وشملت هذه الإجراءات المشردين الذين طاردتهم عناصر الجماعة لإبعادهم عن مراكز الازدحام والأسواق، وكذلك شملت المتسولين الذين مُنعوا من الخروج خلال ساعات الليل.

اليمنيون يعدّون الاحتفال بذكرى «ثورة 26 سبتمبر 1962» إحدى وسائل مواجهة الحوثيين (غيتي)

وقال سكان في السنينة، وهو حي مزدحم غرب صنعاء، لـ«الشرق الأوسط»، إن الجماعة نشرت عدداً كبيراً من الدوريات والعناصر الراجلة للعمل خلال ساعات الليل وملاحقة واعتقال الشباب والأطفال الذين يتجمعون في الأحياء والحارات لقضاء أوقاتهم في مضغ نبتة القات أو اللعب، وإجبارهم على العودة المبكرة إلى المنازل.

وأضافوا أن الباعة المتجولين مُنعوا من العمل أو الوجود في المناطق المزدحمة منذ المغيب، ودُفعوا إلى الانتقال لداخل الحارات.

وتستعد الجماعة لإغراق المجال العام بشعارات وفعاليات احتفالية بذكرى «21 سبتمبر 2014» وهو يوم سيطرتها على صنعاء، ضمن ما يرى فيه اليمنيون مساعيَ حثيثة لإعادة صياغة الوعي الجمعي وطمس الهوية الوطنية المرتبطة بـ«ثورة 26 سبتمبر 1962» التي أطاحت أسلاف الجماعة ونظامهم الإمامي.

إجراءات مبكرة

وفق المصادر، فقد لجأت الأجهزة الأمنية والمخابراتية التابعة للحوثيين إلى إعداد خطة تتضمن إجراءات مشددة لمنع حدوث احتفالات شعبية في أي منطقة خاضعة لسيطرة الجماعة، وحظر أي دعوة لأي تجمعات في الميادين والساحات العامة، والرقابة الصارمة على وسائل التواصل الاجتماعي للتعامل مع أي دعوة أو إعلان عن الاحتفالات الجماعية.

الحوثيون يعتزمون تكثيف تجمعات أنصارهم للتغطية على احتفالات اليمنيين بـ«ثورة سبتمبر 1962» (رويترز)

وكشفت المصادر لـ«الشرق الأوسط» عن أن الخطة تتضمن إجراءات استباقية للحد من مظاهر الاحتفالات الشعبية بذكرى الثورة، كالرقابة على بيع الأعلام والزينات، وإلزام التجار والباعة عدم البيع إلا بأعداد محدودة، والإبلاغ عن أي طلبات لكميات كبيرة والكشف عن هوية أصحابها.

وتعتزم الجماعة تكثيف احتفالاتها بذكرى انقلابها على الدولة والتوافق السياسي، وزيادة فعاليات التجمعات المؤيدة للتصعيد العسكري والبحري، وتبني خطاب يربط جميع الاحتفالات والتجمعات بذكرى «الثورة والانقلاب معاً»، إلى جانب مؤازرة العمليات العسكرية ضد قوات الحكومة الشرعية ومناطق سيطرتها.

ويعدّ اليمنيون الاحتفالات الحوثية بذكرى الثورة مجرد ادعاء؛ لأنهم يرون في فكر الجماعة وممارساتها نقيضاً كاملاً لمبادئ «ثورة 26 سبتمبر» والنظام الجمهوري الذي نشأ منها. فالثورة قامت في عام 1962 لإطاحة نظام الحكم الإمامي الذي يُنظر إلى الحوثيين بوصفهم امتداداً فكرياً وسلالياً يسعى إلى إعادته بصيغة جديدة.

«ثورة 26 سبتمبر 1962» تمثل إلهاماً لليمنيين يضاعف مخاوف الحوثيين (إكس - أرشيفية)

وتتضمن الخطة نشر الشائعات عن احتمالية استهداف واختراق التجمعات الشعبية ووقوع أعمال عنف مما يهدد بسقوط ضحايا، ضمن مزاعم الجماعة بوجود نيات لاستهدافها من أعداء خارجيين.

خوف من الذاكرة

تعتمد الخطة الأمنية على توجيه الدعوات المباشرة، وبرسائل ورقية توزع في كل الأحياء، للسكان للمشاركة في الاحتفالات الرسمية التي تنظمها الجماعة بهذه المناسبة وربطها باحتفالاتها بذكرى سيطرتها على صنعاء ومؤسسات الدولة، مع التحذير من الاستجابة لدعوات تصدر من أفراد أو جهات لا تتبع الجماعة للاحتفال بذكرى الثورة منفردة.

كما تتضمن الخطة تكثيف حملات الاعتقالات، ليس فقط ضد من يدعون إلى الاحتفال، بل وتوسيع الحملات الموجهة ضد موظفي الأمم المتحدة والمنظمات الدولية والسفارات بغرض ترهيب السكان، وتوسيع محاكمة المعتقلين الحاليين، وزيادة المساحات الإعلامية المخصصة لتغطية هذه الإجراءات.

وشدّد معدو الخطة الحوثية على ضرورة تعزيز الرقابة المفروضة على الناشطين السياسيين والحقوقيين والأحزاب السياسية، لا سيما قيادات وأعضاء حزب «المؤتمر الشعبي»، ومنع أي فعاليات أو لقاءات حزبية إلا بموافقة من الجهات الأمنية وتحت إشرافها.

الاستنفار الأمني الحوثي يزداد كل عام مع اقتراب ذكرى «ثورة 26 سبتمبر 1962» (أ.ف.ب)

ومن المقرر، طبقاً للخطة، أن تُصدر وزارة الداخلية في حكومة الانقلاب الحوثي بيانات وخطابات تستهدف الدعوات الشعبية إلى الاحتفال، وتُشرعن إجراءات القمع والاعتقالات بالتحذير مما تسميها «مخططات مدفوعة من الخارج» تهدف إلى «زعزعة الأمن والاستقرار» و«شق الجبهة الداخلية».

وتنوي سلطات الجماعة فرض رقابة صارمة على قطاع التعليم والدوائر الحكومية، ومنع المدارس والجامعات من تنظيم أي فعاليات أو إذاعات مدرسية تحتفي بالثورة دون إشراف مباشر منها.

ويرى مراقبون سياسيون أن هذا الاستنفار الحوثي غير المسبوق يعكس «فوبيا» حقيقية لدى قيادة الجماعة من أي تحرك شعبي عفوي خارج عن سيطرتها.

ولم يعد «سبتمبر» مجرد ذكرى تاريخية بالنسبة إلى اليمنيين، بل تحول إلى أداة مقاومة مدنية وأسلوب احتجاج سلمي للتعبير عن الضيق من تدهور الأوضاع المعيشية، وانقطاع المرتبات، والقبضة الأمنية الخانقة في مناطق سيطرة الجماعة.


حضرموت تضع «الفيدرالية» على طاولة التسوية اليمنية

ممثلو المجتمع الحضرمي خلال مؤتمرهم التأسيسي في المكلا (إعلام حكومي)
ممثلو المجتمع الحضرمي خلال مؤتمرهم التأسيسي في المكلا (إعلام حكومي)
TT

حضرموت تضع «الفيدرالية» على طاولة التسوية اليمنية

ممثلو المجتمع الحضرمي خلال مؤتمرهم التأسيسي في المكلا (إعلام حكومي)
ممثلو المجتمع الحضرمي خلال مؤتمرهم التأسيسي في المكلا (إعلام حكومي)

تتجه حضرموت إلى دخول الاستحقاقات السياسية المقبلة برؤية تتجاوز المطالب الخدمية والتنموية، وتضع شكل الدولة وتوزيع السلطة والثروة في قلب مشاركتها في أي تسوية يمنية، إذ أقر المؤتمر العام التأسيسي للمجلس التنسيقي الحضرمي الأعلى الفيدرالية خياراً سياسياً قابلاً للنقاش، مؤكداً أن المحافظة طرف أصيل في المعادلة الوطنية، وأن مستقبلها لا يمكن أن يُحدَّد من دون مشاركة أبنائها.

ويأتي ذلك بينما تُستكمَل الترتيبات لعقد مؤتمر الحوار الجنوبي، في مسعى لإنتاج رؤية سياسية موحدة لمستقبل الجنوب ضمن مسار الحل الشامل في اليمن. وتمنح المواقف الحضرمية الجديدة المحافظة ورقة تفاوضية مبكرة، خصوصاً مع إصرارها على أن تكون مشاركتها في الحوار بوصفها طرفاً حضرمياً مستقلاً، لا مجرد امتداد لمكونات جنوبية أخرى.

وفي ختام أعماله بمدينة المكلا، اعتمد المؤتمر المشروع السياسي للمجلس، إلى جانب «الرؤية الحضرمية للحوار الجنوبي الشامل»، مرجعيتين لمواقفه وخياراته السياسية. كما شدَّد على رفض أي ترتيبات سياسية أو دستورية أو إدارية أو اقتصادية تخص حضرموت من دون مشاركة حضرمية فاعلة في صياغتها واتخاذ القرار بشأنها.

تأييد حضرمي لإجراءات مجلس القيادة الرئاسي في مواجهة الحوثيين (إعلام محلي)

ولم يطرح المؤتمر «الفيدرالية» بوصفها صيغة نهائية مفروضة، بل بوصفها خياراً سياسياً قابلاً للنقاش ضمن أي تسوية وطنية شاملة، مع ربطها بمنح حضرموت صلاحيات حقيقية في إدارة شؤونها ومواردها وضمان عدالة توزيع السلطة والثروة.

ويرفض المجلس، وفق مخرجات المؤتمر، إعادة إنتاج أنماط المركزية السياسية والاقتصادية والإدارية، التي يرى أنها أسهمت في اختلال توزيع السلطة والثروة وأعاقت التنمية والاستقرار.

ويعكس هذا الموقف محاولة لتثبيت قضية حضرموت على مسار موازٍ للنقاش الأوسع حول مستقبل الجنوب وشكل الدولة اليمنية، خصوصاً أن المؤتمر وصف المحافظة بأنها «قضية سياسية أصيلة ومشروع سياسي مستقل».

وطالب المشاركون بتمثيل عادل لحضرموت في المناصب السيادية والعليا ومؤسسات الدولة المركزية، مع مراجعة أوضاع التعيينات بما يحقق العدالة والتوازن. كما فوضوا قيادة المجلس بتشكيل الوفود الحضرمية المشاركة في الحوار الجنوبي وأي مفاوضات مستقبلية، على أساس التوافق وتنوع المكونات والكفاءة والخبرة.

وزكّى المؤتمر سالم الخنبشي، عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني ومحافظ حضرموت، رئيساً للمجلس التنسيقي الحضرمي الأعلى، وفوضه باختيار هيئة الرئاسة وإعلانها خلال أسبوعين، إلى جانب توسيع دائرة الحوار والتشاور بما يضمن تمثيل مختلف القوى والأطياف السياسية والمجتمعية.

النفط في قلب المعادلة

لا تنفصل المطالب السياسية الحضرمية عن الملف الاقتصادي، إذ وضع المؤتمر ثروات حضرموت الطبيعية في صلب رؤيته لمستقبل المحافظة، معلناً أن مواردها حق أصيل لأبنائها وأساس لتنميتها واستقرارها.

وطالب المؤتمر بإدارة واستثمار النفط والغاز والمعادن وفق مبادئ الشفافية والعدالة والكفاءة والحوكمة، رافضاً استئناف تصدير النفط من حضرموت قبل ضمان حقوق المحافظة واستحقاقاتها، وفي مقدمتها حصتها البالغة 20 في المائة.

ممثلون عن مختلف شرائح المجتمع الحضرمي في تأسيس المجلس التنسيقي (إعلام حكومي)

كما دعا إلى وضع آلية تنفيذية محددة زمنياً لتنفيذ ما ورد في بيان مجلس القيادة الرئاسي الصادر في 7 يناير (كانون الثاني) 2025، وفوض قيادة المجلس بمتابعة الملف مع الجهات المعنية.

ويكشف الجمع بين المطالب السياسية والاقتصادية عن رغبة حضرمية في تحويل قضية الموارد من ملف مالي محلي إلى أحد مرتكزات التفاوض على شكل العلاقة بين المحافظة والدولة، بما يربط إدارة الثروة بمستقبل توزيع السلطة.

الأمن... والعلاقة الإقليمية

في الجانب الأمني، وضع المؤتمر حماية حضرموت وسكانها وثرواتها ومنافذها ومؤسساتها في مقدمة الأولويات، داعياً إلى بناء وتأهيل وتدريب وتسليح مؤسسات أمنية وعسكرية حضرمية مهنية تعمل وفق القانون.

كما أعلن رفض الإرهاب والتطرف والفوضى، وكل ما يهدد السلم الأهلي أو يستهدف المواطنين ومؤسسات الدولة والمصالح العامة.

وفي المقابل، حملت المخرجات رسالة واضحة بشأن علاقة حضرموت بالسعودية، إذ ثمّن المؤتمر العلاقات التاريخية والاجتماعية والاقتصادية بين الجانبين، ودعا إلى توسيع التعاون في مجالات الأمن، والتنمية، والاستثمار، والاقتصاد، والتعليم، والثقافة، والبنية التحتية.

جانب من الحضور النسائي في أعمال المؤتمر الحضرمي (إعلام حكومي)

وأدان المشاركون هجمات الحوثيين والميليشيات الموالية لإيران على السعودية، معلنين تضامنهم معها، ورفض أي مساس بأمنها وسيادتها واستقرارها، وعادّين أن أمن المملكة جزء من أمن حضرموت واليمن واستقرارهما.

كما أيَّد المؤتمر القرارات والإجراءات التي اتخذها مجلس القيادة الرئاسي ومجلس الدفاع الوطني في مواجهة الحوثيين، مؤكداً دعمه كل ما من شأنه حماية الدولة والمواطنين، وصون الأمن والاستقرار.