عزلة مرسي تتضاعف في خريف «برج العرب»

يشكو في سجنه من قلة زواره وتراجع أنصاره وبعده عن «تفاهمات الجماعة»

مدخل سجن برج العرب («الشرق الأوسط»)
مدخل سجن برج العرب («الشرق الأوسط»)
TT

عزلة مرسي تتضاعف في خريف «برج العرب»

مدخل سجن برج العرب («الشرق الأوسط»)
مدخل سجن برج العرب («الشرق الأوسط»)

في الخريف يغطي أوراق أشجار السجن غبار الإسمنت الرمادي، أما الورود المتفتحة على جانبي البوابات الحديدية للعنابر فتختنق من التراب الأسمر المنبعث من مصانع مواد البناء المجاورة. وفي داخل الزنازين، في مثل هذا الوقت من كل سنة، تتحول حياة نحو ثمانية آلاف سجين إلى جحيم. ومن بين هؤلاء الرئيس المصري الأسبق محمد مرسي (64 عاما).
وتقول السلطات إنها وضعت خطة للحد من انبعاثات المصانع القريبة لحماية نزلاء سجن برج العرب (نحو 250 كيلومترا شمال غربي القاهرة)، من خطر التلوث. بينما يؤكد مسؤول في المصنع المواجه لمبنى السجن، والذي ينتج 5.5 مليون طن إسمنت سنويا، إنه جرى تقليل نسبة التلوث أخيرا إلى نحو 66 في المائة. لكن أحد السجناء ممن خرجوا حديثا يقول إن الفرق ما زال شاسعا بين ثقل الهواء المقبض في الخريف، وطراوة النسيم وخفة الريح في باقي فصول السنة. ففي مثل هذه الأيام من كل عام، تهب الرياح من ناحية الغرب محملة بغبار الإسمنت. ويعد من أكبر المصانع ذلك الواقع، بمبانيه الضخمة وضجيجه وأدخنته، في مواجهة السجن مباشرة من الناحية اليسرى للقادم إليه من الطريق الجنوبي.

هذا المصنع، مثل غيره في بلدة الغربانيات بمنطقة برج العرب (غرب مدينة الإسكندرية بنحو 50 كيلومترا)، يعمل على مدار الساعة، ويذهب الغبار المتصاعد من أبراج المداخن الشاهقة، في معظم شهور السنة، إلى الصحراء، ولا يمر على السجن إلا مع دخول شهر أكتوبر، فيقضي على النسيم الطيب الذي كان يرطب ليالي السجناء ويبعث فيها الحياة. ويزيد عمر المصنع عن عشرين عاما، بينما عمر مبنى السجن يبلغ نحو عشر سنوات فقط.
يعيش مرسي وحده داخل زنزانة يبلغ عرضها أربعة أمتار وطولها خمسة أمتار، ضمن القسم المعروف في السجن باسم «العنبر البسيط»، وذلك منذ وصوله إلى هنا في خريف عام 2013، لكن أحد المصادر الأمنية يقول إنه منذ صدور أحكام غير نهائية عليه بالإعدام والحبس، في عدة قضايا، تم اتخاذ إجراءات تمهيدا لنقله إلى غرفة أخرى تخص المحكومين، وتقع في القطاع المعروف باسم «الليمان»، لكن مع الاستمرار، حتى الآن، في تمتعه بنفس المميزات التي تليق برئيس سابق لم تصدر عليه أحكام نهائية وباتة بعد. ومن أهم هذه المميزات مطالعة الصحف. ومشاهدة التلفزيون.
غرفة حبس مرسي يصلها عبر النافذة الحديدية، معظم أوقات السنة، النسيم من شواطئ القرى السياحية الفاخرة ومن البحيرات الصناعية على البحر المتوسط، والتي لا تبعد عن السجن سوى كيلومترين شمالا. الرئيس الأسبق حسني مبارك كان يمضي بعض أيام الصيف في هذه المنطقة، لكن في قصر برج العرب الرئاسي الضخم المحاط بأشجار النخيل في مواجهة البحر. لقد تغير الزمن.. تغير حتى قبل أن يستمتع مرسي بقضاء أيام في ذلك القصر الذي يمكن أن يرى قبابه الآن عبر نافذة السجن.
رغم كل شيء، ورغم بعد المسافة، ما زال الموج يهدر ويبعث بعبق اليود في اتجاه الزنازين، ويختلط مع روائح الأزهار العطرة، ويتسلل إلى داخل غرف الحبس المغلقة بالأقفال. غرفة مرسي مفروشة أيضًا بسجاد مزركش يغلب عليه اللون الأحمر. ويوجد فيها مقعد وسرير. بيد أن كل هذا لا يقي من مرارة الوحشة والفقد التي تبدو عليه من صمته ومن خلال كلامه الذي أصبح قليلا، كما يشير المصدر الأمني. فهو محبط.. وأخبار مظاهرات أنصاره تتراجع، وجماعته ليس لها حظ يذكر في انتخابات البرلمان الحالية هذه الأيام، بعد أن كان لها الأغلبية في أول برلمان بعد ثورة 2011.
يُعرف مقر حبس مرسي في وسائل الإعلام باسم «سجن برج العرب». لكن السجن نفسه له اسمان آخران مشهوران في أوساط السجناء والسكان المحليين، الأول هو «سجن الغربانيات» نسبة إلى البلدة الصغيرة التي بني فيها، وهي بلدة أكثر سكانها من قبيلة «البراهمة» المشهورة في غرب الإسكندرية، ويعمل كثير من أبنائها في المصانع المجاورة للسجن. أما الاسم الثاني المنتشر في أوساط كوادر جماعة الإخوان التي ينتمي إليها مرسي فهو «سجن 440 شديد الحراسة». واستقبل هذا السجن الذي تبلغ مساحته نحو ثلاثة كيلومترات مربعة، المئات من القيادات الإخوانية الوسطى في عهد مبارك، إضافة للمحكومين الجنائيين الخطرين.
حين جرى إيداعه هذا السجن للمرة الأولى، اشتكى مرسي من مشكلة غبار الإسمنت وسأل الحراس عن أبعاد هذه القضية بيئيًا. كان ما زال مملوءا بالأمل، وكان يعتقد أن مسألة عزله لن تطول وأن المجتمع الدولي لن يصمت. في إحدى المرات، عقب نقله للقاهرة بالطائرة لحضور جلسة من جلسات محاكمته، وإعادته في المساء للسجن، أي حين كان ما زال سجينا «طازجًا»، قال للحراس إنه شاهد المصنع من خلف زجاج الطائرة، وأن «هبوب الغبار الأسود لا يمكن أن يستمر».
أظهر اهتماما كبيرا بضرورة حل المشكلة «لأنها تؤثر بالسلب على صحة النزلاء». وتعهد لمن حوله داخل السجن وهو يتحدث بثقة أنه سيحل قضية الغبار الخانق فور رجوعه للسلطة. لكن الرجاء طال أمده دون أن تبدو هناك أي مؤشرات على القدرة على تحقيق أي شيء لا بالنسبة له ولا بالنسبة لجماعته ولا للسجناء الذين يعيش وسطهم.
فقد جاء خريف العام التالي دون جديد، رغم الزيارات التي قام بها مسؤولون كبار من الحكومة في أكتوبر 2014 للوقوف على مقدار التلوث المنبعث من المصنع ووضع خطة للحد منه بواسطة الفلاتر الحديثة. على أية حال لم يلمس الرئيس الأسبق تغيرا يذكر. أضف إلى ذلك أن اهتمام مرسي بالشأن العام للسجن، الذي أبداه حين كان يعتقد أن عودته للحكم مسألة وقت، تراجع كثيرا عما كان عليه في أول الأمر. كما أن الأحكام التي صدرت بعد ذلك بحقه وبحق المئات من قيادات وكوادر الجماعة بالإعدام والسجن، غيرت من أولوياته على ما يبدو. أو كما يوضح المصدر الأمني: أصبح أكثر ميلا للعزلة.
ويزيد أن مرسي في الشهور الأولى من سجنه هنا، وحتى أواخر العام الماضي، كان واثقًا من أن الأمور ستتغير لصالحه أو على الأقل قد تتحقق له ولجماعته معادلة ما. كان يتابع أخبار مظاهرات أنصاره في القاهرة ومدن أخرى في الصحف وفي التلفزيون، وبادر بإرسال رسالة لهم جرى تمريرها خلال نقله لحضور جلسة في المحكمة التي تعقد في العاصمة، لكن، كما يقول المصدر الأمني نفسه الذي يعمل في السجن، ساءت حالته النفسية بعد أن علم، عقب عودته من جلسة محاكمته في يناير (كانون الثاني) الماضي، أن زملاءه من قيادات الجماعة في سجني طرة والعقرب بجنوب القاهرة، يعدون ورقة لعرضها على السلطات سعيًا للخروج من أزمتهم.
معاناة مرسي تبدو مضاعفة، وهي تتزايد بمرور الأيام. كانت شهيته مفتوحة للكلام وللطعام، حتى مطلع هذا العام، وفقًا لإفادة من مصدر في السجن. وفي مثل هذا الوقت قبل اثني عشر شهرا تمكن من تسريب كلمات تشجيع من بين جدران زنزانته إلى مؤيديه، وكان يبدو مما ورد فيها أنه يتمتع بالفعل بمعنويات مرتفعة. لكن هذا الحال، كما يقول المصدر، تغير إلى الأسوأ، فـ«الرئيس الأسبق أصبح يشكو قلة زواره وتراجع أنصاره واختفاء المظاهرات التي كانت تدعو لعودته، كما أنه حزين لبعده عن التفاهمات التي يتردد أن قيادات من الإخوان تقوم بها، بعيدا عنه، لتعديل مسار الجماعة بعد أن صنفتها السلطات كمنظمة إرهابية عقب عزله».
وبعيدًا عن هنا، أي بالانتقال إلى سجن ملحق مزرعة طرة، ستجد هناك القيادي الإخواني، محمد سعد الكتاتني رئيس البرلمان السابق، وزعماء آخرين من الجماعة، بينما يوجد في سجن العقرب شديد الحراسة والمجاور لطرة، القيادي المهم في الجماعة خيرت الشاطر، نائب المرشد، إضافة للمرشد نفسه، محمد بديع، وعدد من الفريق الرئاسي لمرسي.
وبحسب مصادر مقربة من الإخوان خرجت أخيرا من سجني طرة والعقرب، فإن بنود ورقة حل الأزمة بين الإخوان والسلطات، التي يجري تعديلها شهرًا بعد شهر من طرف الجماعة، منذ مطلع هذا العام، لم تعد تتضمن مسألة مرسي ومصيره، ولا تشترط إجراء انتخابات رئاسية مبكرة أو تعديل الدستور. ورفض مصدر مقرب من أسرة مرسي التعليق على هذه القصة، لكنه أقر بأن الكثير من أفراد عائلة الرئيس الأسبق توقفوا عن عناء زيارته في سجن برج العرب واكتفوا بأن تكون لقاءاتهم به خلال حضوره لجلسات محاكمته بالقاهرة «لأن هذا أيسر من الإجراءات المعقدة لزيارته في السجن».
كل شيء تغير. طريق برج العرب المؤدي للسجن، الذي كان مزدحمًا بزوار مرسي وأنصاره ورجال الأمن وحواجزهم، أصبح خاويًا من هؤلاء ومن أولئك منذ مطلع السنة.. تمشي بالسيارة دون أن يعترضك أحد بين صفوف من النخيل الذي يتدلى منه البلح الأحمر والأصفر. وفي ميدان مدينة برج العرب الرئيسي تبدو الحركة دائبة أمام المحال التجارية، ووكلاء مصانع مواد البناء. وعلى الواجهات انتشرت لافتات التأييد لمرشحي الانتخابات البرلمانية. مرشحون معروف عنهم أنهم وقفوا مع الثورة التي أطاحت بحكم مرسي وجماعته.
في الميدان كذلك تعكس لوحات الإعلانات عن الإسمنت وحديد التسليح والأخشاب ولوازم الموبيليا والديكور، طبيعة المنطقة الصناعية وما فيها من عمال مغتربين مشغولون بـ«لقمة العيش، لا السياسة» كما يعلق صاحب أحد مصانع الجص. يؤدي الميدان إلى أربعة محاور.. الأول إلى الطريق الصحراوي المتجه إلى القاهرة، والثاني ينحدر شمالا إلى طريق محافظة مطروح ذات الطابع القبلي والتي حصل فيها مرسي على أكثر من 80 في المائة من الأصوات في انتخابات الرئاسة في 2012. والطريق الثالث يؤدي إلى الجنوب حيث مطار برج العرب واستاد كرة القدم الكبير. أما الاتجاه الغربي فيذهب بك إلى مبنى السجن.
وبالإضافة إلى الأشجار، يكثر على جانبي الطريق المرصوف بالقار أبراج الحمام والمساجد الأهلية الصغيرة المطلية بالجير مثل مسجد الفتح، على اليسار، ومسجد النور على اليمين، على بعد نحو خمسة كيلومترات من السجن. ومن هنا كانت حركة المواصلات، في السابق، لا تتوقف بسبب كثرة عدد أنصار مرسي ممن كانوا يسعون للوصول إلى بوابة السجن للتظاهر أو للزيارة. ويقول صاحب حافلة أجرة يدعى جمال إنه أصبح من النادر وصول أي إخواني إلى هنا.
حتى السيارات الفارهة التي كانت تحمل أقارب لمرسي، اختفت. ويضيف أن ثمن تذكرة ركوب الحافلة من ميدان برج العرب إلى بوابة السجن كانت لا تقل عن خمسة جنيهات، في الأيام الأولى لوصول مرسي للسجن، لكنها أخذت تقل بسبب تراجع عدد زواره إلى ثلاثة جنيهات، ثم، مع خريف هذه السنة، عادت إلى السعر العادي، وهو نصف جنيه للراكب.
خسائر صغيرة أخرى وقعت هنا، وتسبب فيها تغير أحوال الإخوان. فحين وصل مرسي للسجن، أقام بعض التجار الطامحين مقاه ومحال تجارية لسد حاجة الزوار والأنصار الذين كانوا يملأون الباحة المواجهة للسجن، والمخصصة لانتظار السيارات. وباختفاء الزوار تقريبا، لم تتبق من تلك المشاريع الصغيرة سوى كافيتريا واحدة وأربعة دكاكين. وحتى هذه الكافيتريا أصبحت شبه مهجورة، ويقول صاحبها إنه، حتى شهور مضت، لم يكن يوجد فيها موضع لقدم. الجراج الذي كانت تقف فيه السيارات الفاخرة، وتملأه عن آخره، والتي كان يأتي فيها عدد من أقارب مرسي وأنصاره، تحول إلى أطلال. ومن النادر اليوم أن تجد وسيلة مواصلات من هنا.
حين تقترب من منطقة بوابات السجن، ترى لافتة كبيرة مكتوب عليها ممنوع الاقتراب والتصوير. لكن عدد رجال الحراسة أصبح أقل من السابق. فالبوابة الخارجية مثلا لا يقف عليها الحراس إلا في أوقات الزيارات الاعتيادية فقط، أي من الصباح حتى العصر، ثم ينتقلون إلى بوابة داخلية أقرب إلى المدخل الرئيسي للسجن. وعلى السور توجد شعارات عن تماسك الدولة والتفاف الشعب حول الجيش.
يقول إمام مسجد النور، حسين، بعد أن انتهى من صلاة ظهر الجمعة، إن غالبية السكان هنا وسطيون، وضد الغلو في التدين، وأيدوا حكم مرسي في البداية ثم رفضوه مثل معظم المصريين. وتوجد خلف المسجد بيوت صغيرة ملحق بها أبراج حمام. المظاهر العامة للسكان هم من البدو الذين ما زالوا يحافظون على زيهم التاريخي، أي الثياب البيضاء والصداري السوداء والطواقي الحمراء. وهم من أبناء قبائل عربية تنتشر من غرب الإسكندرية حتى الحدود مع ليبيا. وسبق لها استقبال مرسي والاحتفاء به كرئيس، وألبسته زيها التقليدي، لكنها تخلت عن الإخوان ومؤيديهم وأعلنت انحيازها للجيش، من خلال مجلس القبائل الذي جرى استحداثه بعد عزل مرسي وأصبح مجلسا يقدم استشارات للدولة والرئيس الجديد عبد الفتاح السيسي.
يواجه سجن برج العرب من ناحية الساحل قرية مراقيا السياحية الشهيرة التي تستضيف كبار القوم في الصيف، وكذا قرية الدبلوماسيين التجاريين، وهي قرية سياحية أيضًا على البحر المتوسط. وتوجد نقطة أمنية على مدخل برج العرب من ناحية الطريق الساحلي، وكانت بمثابة بوابة تعج برجال الشرطة والجيش وتقوم بإجراءات تفتيش صارمة للمتجهين ناحية طريق السجن، لكنها اليوم أصبحت خاوية وحواجزها الحديدية مبعثرة وكأنه لم يعد هناك خشية من وجود مرسي في هذه المنطقة، رغم أن السلطات سربت معلومات منذ عدة أسابيع عن محاولة فاشلة لاقتحام السجن من جانب نحو ثلاثين عنصرا من جماعة الإخوان لتهريب الرئيس الأسبق.
وقبل هذه الواقعة أشاعت جماعة الإخوان أن مرسي مريض في السجن. كما أشاعت مرة أخرى أنه يخشى على حياته، ويخشى من دس السم له في الطعام. ويقول طبيب في مستشفى السجن طلب عدم الإشارة لاسمه لأنه غير مخول له الحديث للإعلام، إن مرسي بصحة جيدة، ويجري توقيع الكشف الطبي عليه بشكل دوري، لكنه رفض التعليق على مشكلة غبار الإسمنت وأضرارها سواء بالنسبة للرئيس الأسبق أو باقي السجناء.
الطريف في كل هذا، كما يقول مسؤول حكومي، إن شركة الإسمنت التي تواجه السجن، أجرت توسعات مع بداية تولي مرسي حكم مصر في 2012، وانضمت إلى مجموعة «إنترسمنت إس إيه العالمية» التي تمتلك عشرات المصانع المماثلة حول العالم، وتقترب القيمة الكلية لمبيعاتها السنوية من ثلاثة مليارات يورو. وغير معروف إن كان مرسي يعلم بهذا أم لا، لكن شكواه من غبار الإسمنت لإدارة السجن أسهمت على ما يبدو في قيام وزير البيئة، خالد فهمي، في خريف العام الماضي بزيارة المصنع ومراجعة مدى التزامه بتركيب فلاتر التنقية والتحكم في الانبعاثات الترابية.
ويقول مسؤول في مصنع الإسمنت إن تثبيت معدات تحكم في الغبار على المطاحن، والكسارات والأفران حدت من الانبعاثات الملوثة، خاصة بعد تركيب أجهزة تعمل على إعادة تدوير الغبار المتولد والحد من اضطرابات الغاز في الأفران وتجنب سرعات التدفق الزائدة، مؤكدًا قيام المصنع أخيرًا بتحديث نظام تنظيف الفلاتر، وتركيب فلاتر نسيجية، مما أدى إلى تراجع نسبة التلوث بنسبة تزيد عن ستين في المائة، مشيرًا إلى أن مصنعه ليس الوحيد في المنطقة.
ومن جانبه، يوضح أحد ضباط مصلحة السجون في محافظة الإسكندرية التي يقع سجن برج العرب في نطاقها، إن السلطات ما زالت تواصل مساعيها لإلزام مصانع الإسمنت هنا بتركيب مزيد من الفلاتر لمنع خروج الغبار، لأن الأذى الذي يتسبب فيه لا يطال السجناء فقط، ولكن يعاني منه أيضًا عشرات الضباط ومئات الجنود والموظفين الذين يقومون على إدارة السجن وتأمينه.
ويشير أيضًا إلى أن إدارة السجن نفسها تحاول جاهدة منذ سنوات الحد من خطر تلوث المنطقة، وهذا لا علاقة له بوجود الرئيس الأسبق في هذا السجن. ويزيد قائلا إن مشكلة الغبار لا تزيد مدتها عن عدة أيام أو أسابيع في الخريف، ولم تصل بعد إلى «الخطورة الداهمة» على صحة السجناء ورجال أمن السجن، ومع هذا تكثر الإدارة من زراعة الأشجار والورود في كل مساحة ممكنة للحد من غبار الإسمنت ورائحته الخانقة.
على جانبي مدخل عنبر مرسي توجد أحواض ورد يبدو أنها تحظى بعناية أفضل من تلك الموجودة أمام باقي العنابر. ولا ينافسها إلا أحواض الورد الموجودة أمام مكاتب ومساكن ضباط السجن. المكان بشكل عام تكسوه الخضرة. هنا أشجار الظل وأشجار النخيل المحملة بالبلح الموسمي. ويوجد سجناء يمتهنون في الأصل مهنة الفلاحة يسهمون في الاهتمام بالزراعة في باحات السجن، أثناء قضاء مدة محكوميتهم، جنبًا إلى جنب مع تربية بعض الأبقار لصالح مصلحة السجون.
مثل هؤلاء، وعلى قلة عددهم الذي لا يزيد عن بضعة عشرات، يعدون من جمهور مرسي الذي يحرص على الإشارة إليهم بيده حين يكون مزاجه معتدلا في أوقات التريض خارج غرفته. ومن بين جماهير مرسي داخل السجن أيضًا، طائفة تعرف باسم «المُصنِّع». وهو لقب يطلق على السجين صاحب الصنعة والذي يتم الاستعانة به من قبل إدارة السجن لأشغال مختلفة مثل النجارة أو الأعمال الميكانيكية أو إصلاح الأجهزة الكهربائية. يبلغ عدد هؤلاء ما لا يقل عن مائتين، ويحظون بحرية في الحركة داخل السجن، وحين يردون بأيديهم على تحية مرسي فإنهم، كما يقول السجين السابق محمود، يفعلون ذلك باعتباره رئيسًا سابقًا لمصر، بغض النظر عن التهم الموجهة إليه أو أنه من جماعة مصنفة «منظمة إرهابية».
محمود (41 عامًا) صاحب محل أجهزة كهربائية في الإسكندرية، وكان مختصًا أثناء قضاء مدة محكوميته في سجن برج العرب، بضبط وإصلاح أجهزة التلفزيون والراديو. وبحكم قدرته على التنقل بين ردهات العنابر والزنازين والحدائق الملحقة بها، فقد شاهد مرسي ثلاث أو أربع مرات. ويضيف أنه كان يبدو عليه الحزن وانشغال البال وهو يتمشى وحده بين أحواض الياسمين في الجنينة أمام العنبر.
ويحظى السجين «المُصنِّع» بـ«رفاهية» من خلال قدر من الحرية لا يتمتع به حتى مرسي نفسه أو حتى السجناء الكبار من أصحاب الملايين، والمحكوم عليهم في قضايا مخدرات أو جرائم الاستيلاء على الأموال العامة. ووفقًا للمصادر لم يشارك الرئيس الأسبق في أي فعاليات تذكر من تلك التي تنظمها إدارة السجن للتخفيف عن السجناء. ففي بعض الليالي الطويلة تنظم مصلحة السجون جولة لمطرب من المطربين لكي يقدم وصلات غنائية خاصة في المناسبات الوطنية والأعياد. وأحيانًا تستعين ببعض الدعاة لإلقاء دروس دينية سواء من داخل السجن أو من خارجه. كما تقوم الإدارة بتنظيم دورة لكرة القدم والسلة والكرة الطائرة للمساجين، كلاعبين وكمتفرجين أيضًا.
وقبل عدة أسابيع أنهى سجين يدعى سعيد (39 سنة) مدة عقوبته هنا. وكان يقيم في العنبر رقم 11 القريب من مرسي. يقول وهو يتذكر تلك الأيام إنه في بداية وصول الرئيس الأسبق جرى تشديد الإجراءات على جميع العنابر. «ولم نخرج للشمس لمدة أسبوع. ثم بدأت القبضة تتراجع، إلى أن أصبحت الأمور عادية. أو على الأقل عادت كما عهدتها في بداية دخولي السجن عام 2102».
ويضيف سعيد، وهو صياد سمك أمضى ثلاث سنوات عقوبة لحيازته متفجرات كان يستخدمها في الصيد أن مرسي يحظى بمعاملة مختلفة «فهو رئيس سابق»، و«لديه غرفة خاصة وإمكانات لشراء ما يريد من كافيتريا السجن»، وبغض النظر عن ذلك، إلا أن الكل، سواء مسجونين أو سجانين، شركاء في استنشاق الغبار الأسود.

مدخل سجن برج العرب («الشرق الأوسط»)

الرئيس الأسبق محمد مرسي خلف القضبان

واحدة من الكافتيريات التي أقيمت أخيرًا أمام سجن برج العرب وأصبحت شبه مهجورة بعد تراجع عدد زوار الرئيس الأسبق على غير ما كان متوقعًا



العراق: السوداني يدين هجوماً على منزل رئيس إقليم كردستان في دهوك

رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (د.ب.أ)
رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (د.ب.أ)
TT

العراق: السوداني يدين هجوماً على منزل رئيس إقليم كردستان في دهوك

رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (د.ب.أ)
رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (د.ب.أ)

دان رئيس مجلس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني، اليوم السبت، هجوماً الذي استهدف منزل رئيس إقليم كردستان العراق نيجيرفان بارزاني في محافظة دهوك.

وقال المكتب الإعلامي لرئيس مجلس الوزراء، في بيان نشرته وكالة الأنباء العراقية (واع)، إن «رئيس مجلس الوزراء محمد شياع السوداني، بحث في اتصال هاتفي مع رئيس إقليم كردستان العراق نيجيرفان بارزاني، اليوم السبت، آخر تطورات الأوضاع في العراق والمنطقة، والجوانب الأمنية على المستوى الوطني، وسبل تأكيد الأمن والاستقرار».

وأعرب السوداني عن «استنكاره ورفضه للاستهداف الغاشم الذي تعرض له منزل بارزاني في محافظة دهوك»، مشيداً بـ «مواقفه الوطنية وحرصه على تعزيز الوحدة بين جميع العراقيين».

وأضاف البيان أن «رئيس الوزراء أمر بتأليف فريق أمني وفني مشترك من الأجهزة الأمنية المعنية في الحكومة الاتحادية، وحكومة الإقليم للتحقيق في جوانب الحادث، وتشخيص الجناة، واتخاذ جميع الإجراءات القانونية اللازمة بحقهم».

وأكد رئيس الوزراء حرص الحكومة على «منع أي جهة خارجة عن القانون أو إقليمية أو دولية، من جرّ العراق إلى الصراع الدائر في المنطقة، مع بذل كل الجهود المتكاملة لتأمين سيادة العراق وأمنه واستقراره، على مختلف الصعد، وفي إطار مسؤولية وطنية شاملة».


إيران تدفع ورقتها الحوثية إلى المعركة بعد شهر من الحرب

نموذج من الصواريخ التي اعتاد الحوثيون إطلاقها باتجاه إسرائيل (إعلام حوثي)
نموذج من الصواريخ التي اعتاد الحوثيون إطلاقها باتجاه إسرائيل (إعلام حوثي)
TT

إيران تدفع ورقتها الحوثية إلى المعركة بعد شهر من الحرب

نموذج من الصواريخ التي اعتاد الحوثيون إطلاقها باتجاه إسرائيل (إعلام حوثي)
نموذج من الصواريخ التي اعتاد الحوثيون إطلاقها باتجاه إسرائيل (إعلام حوثي)

بعد شهر كامل من بدء الحرب، دفعت إيران أخيراً بورقتها الحوثية إلى خضم المعركة الدائرة مع الولايات المتحدة وإسرائيل؛ حيث أعلنت الجماعة، السبت، إطلاق دفعة من الصواريخ باتجاه إسرائيل، بينما أعلنت الأخيرة اعتراض صاروخ واحد جاء من اليمن، دون التسبب في أي أضرار.

وخلال الأسابيع الأربعة الأولى من اندلاع الحرب، بدا لافتاً امتناع الحوثيين عن الانخراط العسكري المباشر، رغم تصعيد غير مسبوق من قبل بقية أطراف المحور الإيراني؛ خصوصاً «حزب الله» في لبنان، والفصائل المسلحة في العراق، وهو التريث الذي أثار تساؤلات حول دوافعه، قبل أن تتكشف تدريجياً ملامح حسابات معقدة داخل قيادة الجماعة.

وتشير تقديرات سياسية إلى أن الحوثيين واجهوا تحدياً مزدوجاً لجهة الرغبة في إثبات الولاء الاستراتيجي لإيران، وتعزيز مكانتهم داخل المحور، في مقابل الخشية من رد عسكري واسع قد يستهدف البنية التحتية الهشة في مناطق سيطرتهم، والتي تعرضت بالفعل لضربات مكثفة خلال العامين الماضيين.

حشد للحوثيين في صنعاء دعا له زعيمهم للتضامن مع إيران (إ.ب.أ)

كما لعب العامل الداخلي دوراً مهماً؛ حيث تخشى الجماعة من أن يؤدي الانخراط في حرب إقليمية مفتوحة إلى تفاقم الأوضاع الاقتصادية والإنسانية، ما قد ينعكس سلباً على قبضتها الأمنية والسياسية في الداخل.

ومع ذلك، يبدو أن الضغوط الإيرانية، إلى جانب الرغبة في عدم الظهور كطرف متردد، رجَّحت كفة التدخل في نهاية المطاف دون الالتفات إلى أي ردود فعل انتقامية.

خطابات تمهيدية

جاء إعلان الانخراط في الحرب في بيان للمتحدث العسكري باسم الجماعة الحوثية، يحيى سريع، السبت، ادَّعى فيه «تنفيذ أول عملية عسكرية بدفعة من الصواريخ الباليستية، استهدفت أهدافاً عسكرية» في جنوبي إسرائيل.

وتوعَّد المتحدث الحوثي بأن عمليات الجماعة ستتواصل بالتزامن مع الهجمات التي تشنها إيران و«حزب الله» في لبنان والفصائل العراقية: «حتى يتوقف العدوان على كافة جبهات المقاومة» وفق تعبيره.

وقبل هذا البيان بساعات، كان سريع قد مهَّد للانخراط في الحرب، وقال إن جماعته ستنضم للقتال «في حال انضمام أي تحالفات أخرى مع أميركا وإسرائيل ضد إيران ومحورها، أو استخدام البحر الأحمر لتنفيذ عمليات عدائية من قبل واشنطن، وبما يقتضيه مسرح العمليات العسكرية».

الحوثيون رفعوا صوراً عملاقة لخامنئي في شوارع صنعاء عقب مقتله بضربة إسرائيلية (إ.ب.أ)

وفي أحدث خطبة لزعيم الجماعة الحوثية عبد الملك الحوثي، الخميس الماضي، كان قد رفع من نبرة المساندة الإعلامية لإيران، ولمَّح بالدخول في الحرب؛ حيث أكد على مبدأ «الوفاء بالوفاء» تجاه طهران التي قال إنها كانت «المتضامن الوحيد» مع جماعته خلال سنوات الحرب التي كانت أشعلتها جماعته، بالانقلاب على التوافق الوطني والمسار الانتقالي.

وفي الوقت ذاته، واصل الحوثي توظيف الخطاب التعبوي داخلياً، داعياً إلى خروج جماهيري واسع في مناطق سيطرة الجماعة، تأكيداً على دعم إيران والقضية الفلسطينية. وربط هذا الحشد الشعبي بما وصفه بـ«مواجهة المشروع الصهيوني»، متهماً إسرائيل بمواصلة انتهاكاتها في غزة، وعدم الالتزام بالاتفاقات.

كما حرص زعيم الحوثيين على تأكيد أن جماعته «ليست على الحياد»، وأنها جزء من معركة أوسع ضد الولايات المتحدة وإسرائيل، مع التشديد في الوقت نفسه على أنها لا تحمل «نوايا عدوانية» تجاه الدول الإسلامية.

تأثير الدور الحوثي

من خلال سجل المواجهة السابقة التي خاضها الحوثيون ضد إسرائيل، لا يتوقع المراقبون أن يكون هناك أثر ناري مهدد لتل أبيب، وذلك بسبب عدم قدرة الجماعة على إطلاق دفعات كبيرة من الصواريخ في يوم واحد، ما يعني أن التأثير سيقتصر على مشاغلة الدفاعات الإسرائيلية المنهكة بالتصدي للصواريخ الإيرانية وصواريخ «حزب الله»، فضلاً عن الطائرات المُسيَّرة.

وحسب تقارير وثَّقتها «الشرق الأوسط»، أدت الهجمات الحوثية خلال عامين من الانخراط في الهجمات ضد إسرائيل تحت لافتة مناصرة الفلسطينيين في غزة، إلى مقتل إسرائيلي واحد، بعد أن ضربت مُسيَّرة أطلقتها الجماعة شقة سكنية في تل أبيب. وإلى جانب هذا الهجوم سقط صاروخ حوثي بالقرب من مطار بن غوريون محدثاً حفرة كبيرة، إضافة إلى هجوم بمُسيَّرة ضرب مطاراً في جنوب إسرائيل، وتسبب في نحو 20 إصابة.

مُسيَّرة حوثية أطلقتها الجماعة من مكان مجهول باتجاه إسرائيل في وقت سابق (إعلام حوثي)

هذه الوقائع جاءت حصيلة إطلاق الحوثيين على مدار أكثر من عامين نحو مائتي صاروخ على الأقل، ومئات من الطائرات المُسيَّرة، ما يعني أنها كانت محدودة في التأثير القتالي، وأن دورها كان يقتصر على مشاغلة الدفاعات الجوية، وتدافع الإسرائيليين إلى الملاجئ مع كل عملية إطلاق.

بخلاف هذا التأثير المحدود، يظهر خطر الجماعة الحوثية الحقيقي في الهجمات البحرية من خلال الحوادث السابقة؛ حيث تبنت مهاجمة 228 سفينة خلال عامين، وأدت الهجمات فعلاً إلى غرق 4 سفن شحن، وقرصنة سفينة خامسة، وتضرر أكثر من 30 سفينة، فضلاً عن مقتل نحو 10 بحارة.

وأدت هذه الهجمات البحرية المميتة إلى توقف أكثر من 50 في المائة من الملاحة الدولية عبر باب المندب؛ إذ بدَّلت كبريات شركات الشحن الدولية مساراتها إلى طريق الرجاء الصالح، وهو ما تسبب في أضرار اقتصادية تتعلق بارتفاع أجور الشحن وزيادة التأمين، فضلاً عن تكبيد قناة السويس خسائر بمليارات الدولارات.

ردود الفعل المتوقعة

لم يكن الانخراط الحوثي مفاجئاً لإسرائيل؛ إذ كانت تصريحات المسؤولين فيها تتوقع مثل هذا السلوك، وهو ما قد يدفع تل أبيب إلى تكرار ضرباتها الانتقامية السابقة التي كانت قد بدأت في 20 يوليو (تموز) 2024، وشملت 19 موجة امتدت حتى توقف هجمات الحوثيين، بعد إبرام هدنة غزة في أواخر العام الماضي.

وكانت أبرز الضربات الإسرائيلية في 28 أغسطس (آب) الماضي، حين قُتل رئيس حكومة الحوثيين أحمد غالب الرهوي و9 من وزرائه في صنعاء، إضافة إلى ضربات أخرى أدت إلى مقتل رئيس أركان الجماعة محمد الغماري، وكذا قيادات مسؤولة عن إطلاق الصواريخ والمُسيَّرات.

طوربيد بحري استعرضه الحوثيون ضمن ترسانتهم المهددة للسفن في البحر الأحمر (إعلام حوثي)

كما استهدفت الموجات الانتقامية الإسرائيلية مواني الحديدة ومطار صنعاء ومصانع أسمنت ومنشآت كهرباء وطاقة، وتسببت في مقتل وإصابة مئات الأشخاص.

ومنذ بدأت تل أبيب ضرباتها الانتقامية، اتخذ قادة الجماعة الحوثية تدابير أمنية مشددة، خشية الاستهداف، كما اختفوا عن الظهور المباشر، وحتى عن مواقع التواصل الاجتماعي، واكتفى زعيمهم كما هي عادته بالظهور في خطبه المسجلة.

بالنسبة للولايات المتحدة، لا يُستبعد أن تعود لشن حملة جديدة ضد الجماعة الحوثية بعد حملتَي «حارس الازدهار» و«الفارس الخشن»؛ ليس لمنع إطلاق الصواريخ باتجاه إسرائيل، ولكن إذا خرقت الجماعة تعهدها السابق في منتصف العام الماضي بعدم مهاجمة السفن الأميركية.

وكانت الولايات المتحدة قد شنت حملة عسكرية واسعة ضد مواقع الحوثيين، بمشاركة بريطانيا في بعض الأوقات، ابتداء من يناير (كانون الثاني) 2024، تضمنت نحو ألفي ضربة جوية وبحرية، خلال فترتي الرئيسين جو بايدن ودونالد ترمب، واستهدفت منصات إطلاق الصواريخ ومخازن الأسلحة والبنى العسكرية للجماعة.

نوع من الصواريخ التي استعرضتها الجماعة الحوثية في صنعاء (رويترز)

وبعد أقل من 8 أسابيع توقفت الحملة العسكرية الأميركية الثانية (الفارس الخشن) التي كان قد أمر بها ترمب في مارس (آذار) 2025، وذلك بناء على وساطة قادتها سلطنة عمان، تعهدت خلالها الجماعة الحوثية بعدم استهداف السفن الأميركية في البحر الأحمر، مقابل وقف الحملة.

وأقرَّت الجماعة الحوثية بأن الضربات الغربية والإسرائيلية تسببت في مقتل وجرح أكثر من 1676 شخصاً من المدنيين، من ضمنهم 319 قتيلاً، ولكن الجماعة تواصل التعتيم على خسائرها العسكرية جرَّاء هذه الضربات.

ودائماً ما تحذر الحكومة اليمنية من تهور الحوثيين، وتقول إن انخراطهم في الحرب الإقليمية سيؤدي إلى مزيد من التدهور في الأوضاع الإنسانية، ويقوِّض فرص التوصل إلى تسوية سياسية للصراع الداخلي، ويفتح الباب لإسرائيل لتدمير ما تبقى من البنية التحتية التي تعاني أصلاً من الهشاشة في ظل الانقلاب الحوثي.


سيول جارفة تضرب تعز وتُخلف ضحايا ودماراً واسعاً

السيول جرفت منازل وممتلكات السكان في قرية النجيبة (إعلام محلي)
السيول جرفت منازل وممتلكات السكان في قرية النجيبة (إعلام محلي)
TT

سيول جارفة تضرب تعز وتُخلف ضحايا ودماراً واسعاً

السيول جرفت منازل وممتلكات السكان في قرية النجيبة (إعلام محلي)
السيول جرفت منازل وممتلكات السكان في قرية النجيبة (إعلام محلي)

اجتاحت سيول جارفة ناجمة عن أمطار غزيرة مناطق واسعة في جنوب محافظة تعز اليمنية (جنوب غرب)، مخلفة ما لا يقل عن 9 قتلى، بينهم أطفال، إضافة إلى دمار واسع طال المنازل والممتلكات، وجرف مساحات كبيرة من الأراضي الزراعية، في مشهد يعكس هشاشة البنية التحتية وتفاقم معاناة السكان في المناطق الريفية.

وتزامنت الكارثة مع تحذيرات متجددة أطلقها «المركز الوطني اليمني للأرصاد» من استمرار تأثير المنخفض الجوي خلال الساعات الـ24 المقبلة، وسط مخاوف من ارتفاع حصيلة الضحايا واتساع رقعة الأضرار، خصوصاً في القرى المعزولة التي يصعب الوصول إليها.

ووجّه سكان في أرياف مديريات المخا وموزع والوازعية، لا سيما في قرى الغرافي والثوباني والنجيبة والهاملي، نداءات استغاثة عاجلة إلى السلطات الحكومية والمنظمات الإنسانية، مطالبين بالتدخل السريع لإنقاذهم من تداعيات السيول التي داهمت منازلهم بشكل مفاجئ.

السيول أغلقت الطريق الرابط بين تعز وميناء المخا على البحر الأحمر (إعلام محلي)

وأوضح السكان أن السيول القادمة من المرتفعات المجاورة اجتاحت القرى خلال وقت قصير، متسببة في تهدم عدد من المنازل بشكل كلي أو جزئي، وجرف محتوياتها من مواد غذائية وأثاث، فضلاً عن نفوق أعداد من المواشي التي تُمثل مصدر الدخل الرئيسي للأهالي.

وأكَّدت شهادات محلية أن عدداً من الأسر باتت بلا مأوى، في ظل غياب الاستجابة العاجلة، وافتقار المناطق المتضررة إلى مراكز إيواء مجهزة أو مخزون كافٍ من المواد الغذائية والإغاثية.

وفي وادي العقمة بمديرية موزع، أفاد السكان بأن السيول جرفت رجلاً سبعينياً ما أدّى إلى وفاته على الفور، في حين شهد وادي الهاملي حادثة مماثلة تمثلت في جرف امرأتين، إلى جانب تسجيل أضرار مادية جسيمة في الممتلكات العامة والخاصة.

كما تعرضت الأراضي الزراعية في مديرية الوازعية لانجرافات واسعة، الأمر الذي يُنذر بخسائر طويلة الأمد في الأمن الغذائي المحلي، خصوصاً مع اعتماد السكان على الزراعة بوصفها مصدراً رئيسياً للعيش.

خسائر بشرية وأضرار متزايدة

قال مدير عام مديرية المخا، سلطان محمود، إن الأمطار الغزيرة التي شهدتها المديرية خلال اليومين الماضيين أسفرت عن وفاة 5 أشخاص وتضرر نحو 50 منزلاً، وفق حصيلة أولية، مشيراً إلى استمرار عمليات التقييم الميداني.

وأضاف أن فرق الطوارئ، بدعم من معدات مكتب الأشغال العامة، باشرت العمل على فتح الطرقات المتضررة وتأمين وصول فرق الإنقاذ إلى المناطق المنكوبة، تنفيذاً لتوجيهات محافظ تعز نبيل شمسان.

وحسب مصادر رسمية، توفي 3 أشخاص غرقاً في مديرية موزع، في حين لا تزال فرق الإنقاذ تواصل البحث عن مفقودين في عدد من القرى التي تضررت بشدة جرّاء السيول.

مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية جرفتها السيول في جنوب تعز (إعلام محلي)

وأكد مسؤولون محليون العثور على جثث 4 أطفال جرفتهم السيول، إلى جانب 5 ضحايا آخرين، بينهم 3 من كبار السن، مع توقعات بارتفاع العدد مع استمرار عمليات البحث والوصول إلى المناطق المعزولة.

وأشار المسؤولون إلى أن الطريق الرئيسي الرابط بين ميناء المخا وجنوب محافظة تعز تعرّض لأضرار كبيرة، وأُغلق لساعات قبل أن تُستأنف الحركة جزئياً، ما أعاق جهود الإغاثة وزاد من معاناة السكان.

كما لفتوا إلى أن عضو «مجلس القيادة الرئاسي»، طارق صالح، وجّه بتدخل عسكري للمساعدة في عمليات الإنقاذ، وكلّف خلية العمل الإنساني بتقديم مساعدات عاجلة للمتضررين.

طرق مقطوعة

وشهدت مناطق عدة في محافظة تعز أمطاراً غزيرة مصحوبة بسيول جارفة، أدّت إلى قطع طرق رئيسية وفرعية، ما تسبب في شلل جزئي لحركة التنقل بين المديريات.

وفي منطقة الكدحة، أفاد السكان بأن السيول أوقفت حركة السيارات على الطريق الوحيد الذي يربط المدينة بميناء المخا، ما أدى إلى تشكل طوابير طويلة من المركبات في الاتجاهين.

المناخ المتطرف في اليمن يتسبب موسمياً في سيول جارفة وأضرار واسعة (إ.ب.أ)

وأعرب الأهالي عن مخاوفهم من انهيار جسر متآكل على الطريق في حال استمرار هطول الأمطار، وهو ما قد يؤدي إلى عزل كامل لريف تعز الجنوبي، خصوصاً مع استمرار إغلاق الطريق البديل منذ سنوات.

وفي مديرية جبل حبشي، تحدّث السكان عن ظهور تشققات أرضية واسعة في إحدى المناطق السكنية بالتزامن مع هطول الأمطار، محذرين من احتمال توسعها أو تحولها إلى انهيارات أرضية، في ظل تشبع التربة بالمياه.

وطالب الأهالي بإرسال فرق جيولوجية متخصصة لتقييم الوضع واتخاذ التدابير اللازمة، تفادياً لوقوع كارثة جديدة قد تُهدد حياة السكان.

من جهته، جدّد المركز الوطني للأرصاد والإنذار المبكر تحذيراته للمواطنين في المناطق المتوقع هطول الأمطار عليها، داعياً إلى تجنب الوجود في مجاري السيول أو عبورها أثناء هطول الأمطار وبعدها.

كما نصح بالابتعاد عن أعمدة الكهرباء والأشجار العالية، نظراً لمخاطر الصواعق والانهيارات، مع توقع استمرار حالة عدم الاستقرار الجوي نتيجة تعمق المنخفض.

مخاوف يمنية من تفاقم الأوضاع الإنسانية جرّاء الأمطار الموسمية والسيول الجارفة (إ.ب.أ)

وأشار المركز إلى احتمال هطول أمطار غزيرة إلى شديدة الغزارة مصحوبة بعواصف رعدية وتساقط البَرَد أحياناً على عدد من المحافظات، بينها تعز وصنعاء وإب والضالع، إضافة إلى مناطق أخرى في البلاد.

بدوره، قال الخبير في الطقس جميل الحاج إن عدداً من المناطق اليمنية شهدت سيولاً جارفة خلال الساعات الماضية، متوقعاً استمرار هطول الأمطار بوتيرة متفاوتة خلال الأيام المقبلة.

وأوضح أن السيول قد تتجدد بشكل متكرر في محافظات عدة، بينها تعز ولحج وإب، مع احتمال امتداد الحالة الجوية إلى حضرموت ومأرب وشبوة، ما يزيد من مخاطر الفيضانات والانهيارات الأرضية.