إعلاميون ليبيون يفرون خارج البلاد هربًا من تهديدات المتطرفين

بعضهم تعرضوا للقتل وآخرون غيَّبهم الاختطاف

ندى زوي مذيعة قناة «ليبيا أولا»  وفي الإطار سالم المجبري.. مراسل تلفزيوني ليبي جرى اختطافه في بنغازي («الشرق الأوسط»)
ندى زوي مذيعة قناة «ليبيا أولا» وفي الإطار سالم المجبري.. مراسل تلفزيوني ليبي جرى اختطافه في بنغازي («الشرق الأوسط»)
TT

إعلاميون ليبيون يفرون خارج البلاد هربًا من تهديدات المتطرفين

ندى زوي مذيعة قناة «ليبيا أولا»  وفي الإطار سالم المجبري.. مراسل تلفزيوني ليبي جرى اختطافه في بنغازي («الشرق الأوسط»)
ندى زوي مذيعة قناة «ليبيا أولا» وفي الإطار سالم المجبري.. مراسل تلفزيوني ليبي جرى اختطافه في بنغازي («الشرق الأوسط»)

تجلس المذيعة الليبية ندى زويّ، في حديقة الفندق المجاور لمطار القاهرة الدولي، وتتذكر في وقت الاستراحة زملاءها الذين قتلهم المتطرفون أو اختطفوهم من شوارع بنغازي. الفندق هنا مكان مثالي، فهو يقع بالقرب من استوديوهات قناة «ليبيا أولا» التي تعمل فيها، وعلى مسافة ليست بالبعيدة عن بيتها الجديد قرب ضاحية «التجمع الخامس»، وعلى بعد أربعين دقيقة بالسيارة، من جامعتها بمدينة الإسماعيلية التي قررت استكمال دراسة الطب فيها.
ما زالت آثار الفزع والرعب تبدو على ملامحها وفي نبرات صوتها، وهي تروي لـ«الشرق الأوسط» الأيام الصعبة التي شهدتها في مدينة بنغازي. بعد أن انتقلت إلى القاهرة أخيرا جاءتها الأنباء عن قيام المتطرفين باختطاف زميلها سراج المجبري، مراسل القناة في المدينة التي تشهد حرب شوارع بين الجيش الوطني الليبي والمتطرفين من تنظيم «أنصار الشريعة» والدواعش المدعومين من جماعة الإخوان في ليبيا.
ومنذ بدء المعارك بين جبهة المتطرفين والجيش التابع للسلطات الشرعية في البلاد، استهدفت الجماعات المتشددة المنتشرة في درنة وبنغازي وسرت وطرابلس وسبها العديد من الإعلاميين، سواء من العاملين في التلفزيون أو الصحف أو حتى مواقع الإنترنت، وتعرض بعضهم للقتل، غالبيتهم ليبيون إلى جانب عدد من المصريين والتونسيين، بينما غيَّب الاختطاف آخرين من شوارع بنغازي، كان آخرهم «المجبري» وهو شاب في العقد الثالث من العمر. واضطر إعلاميون ليبيون للفرار خارج البلاد هربا من تهديدات المتطرفين.
ومنذ سقوط نظام معمر القذافي ومقتله في خريف عام 2011، أصبحت توجد في ليبيا العشرات من القنوات التلفزيونية والإذاعية ومواقع الإنترنت الإخبارية، لكن المتطرفين تمكنوا بعد معاركهم ضد السلطات الشرعية في العاصمة طرابلس من السيطرة على البنية التحتية لإعلام الدولة، واضطرت وسائل الإعلام الرافضة لحكم المتطرفين و«الإخوان»، سواء التابعة للقطاع الخاص أو للسلطة، لتأسيس منظومتها لمواجهة هذا الواقع الجديد، وفي الوقت الراهن تبث غالبية هذا النوع من القنوات التلفزيونية من خارج البلاد.
يقول أحد المديرين في قناة تلفزيونية ليبية خاصة تبث من وسط القاهرة إن اجتياح المتطرفين للعاصمة طرابلس الصيف الماضي أدى إلى انتقال البرلمان للعمل من مدينة طبرق في شرق البلاد، ودفع الحكومة لإدارة أعمالها من مدينة البيضاء في الشرق أيضا، بينما لم تجد المحطات التلفزيونية الوقت لتأسيس مقار جديدة بعيدا عن العاصمة، فاضطرت للانتقال إلى عدة بلدان منها مصر والأردن والإمارات. ويضيف أنه جرت في البداية الاستعانة بأطقم العمل من أبناء البلاد التي لجأت إليها، لكن جرى بعد ذلك ضم الإعلاميين الليبيين الفارين من جحيم الإرهاب، سواء كانوا معدين أو مذيعين، بينما أصر عدد آخر من المراسلين على الاستمرار في العمل من داخل ليبيا، مما عرض عددا منهم للقتل والاختطاف.
وبخلاف اصطياد المراسلين الإعلاميين من داخل المدن الخطرة، تجري كذلك عمليات قنص لسيارات الأطقم التلفزيونية أثناء تنقلاتها عبر الطرق الطويلة، خلال الشهور الأخيرة، كما حدث حين قُتل خمسة من طاقم قناة «برقة» الذي كان متوجها في طريقه من مدينة طبرق إلى مدينة البيضاء، وكان يضم أربعة ليبيين ومصريا. كما جرى قتل صحافيين تونسيين آخرين، هما سفيان الشورابي ونذير القطاري. وتقول الحكومة الليبية إن «التنظيمات الإرهابية» هي التي قامت بكل هذه الاغتيالات.
الأمر يشبه الأحلام المجهضة. في البداية كان المئات من الشبان الليبيين يتطلعون للتغيير بالتخلص من نظام القذافي الذي كان يستحوذ على وسائل الإعلام طيلة حكمه لمدة 42 عاما. ومن بين هؤلاء الشبان والفتيات المذيعة «زويّ» التي كانت، في البداية، مجرد «صحافية بالمدرسة» ثم ناشطة، تقف مع المتظاهرات والمتظاهرين ضد نظام القذافي في ميدان المحكمة الشهير المطل على الميناء البحري لمدينة بنغازي.
تقول: «دخلت مجال العمل الإعلامي بعد ثورة 2011، لأن الإعلام أيام القذافي كان منطقة مغلقة على من فيها». كانت الطموحات بلا حدود أمام «زوي» وأقرانها الحالمين بالتغيير. تضيف: «كان هناك حماس كبير جدا من كل الشعب الليبي لبناء مرحلة جديدة. بدأت مجموعات من الشبان تؤسس للعمل المدني والجمعيات الخيرية والصحف المحلية».
وقتذاك دخلت «زوي» في مجموعة اسمها «مجموعة التغيير» مكونة من شبان يعملون على مساعدة الأسر المحتاجة من ضحايا الحرب بين «الثوار وقوات القذافي». ولم تنس نشاطها الإعلامي في المدرسة الثانوية والجامعة، فبدأت تلفت الأنظار لموهبتها.
تقول إنها تعرفت في بنغازي على مدير إذاعة اسمها إذاعة «سنابل» مخصصة للأطفال. وقدمت برنامجا عن الطفل اسمه «حوار الصغار» استمر شهرين. ثم تلقت أول عرض للعمل في قناة تلفزيونية اسمها «ليبيا الحرة» التي كانت لديها إذاعة بالاسم نفسه أيضا.
كانت ليبيا في ذلك الوقت قد بدأت تتنفس الصعداء بعد مقتل القذافي. كانت البلاد تستعد لتحقيق أحلام الثوار في الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية، لكن هذا كان أمرا بعيد المنال كما سيتضح في ما بعد.
في بدايات 2012 كان غالبية الليبيين يريدون أن يطووا صفحة الماضي. والحراك السياسي والإعلامي بلا حدود. واتفقت «زويّ» على أن تقدم برنامجا أسبوعيا على قناة «ليبيا الحرة» تكون فكرته ترفيهية اسمه «ويك إند».. توضح: «كنت أرى أن الناس أصابهم الملل من الحديث عن الحرب والسياسة، وأصبحوا يريدون أشياء أخرى مختلفة. كان برنامجي نوعا من الترفيه يعرض كل يوم جمعة. ولم أكن حينها أتوقع أن يكون له كل ذلك الصدى خاصة في أوساط المراهقين».
ولأنها تدرس الطب البشري في الفرقة الثانية في «جامعة العرب» في بنغازي قدمت وقتذاك أيضا، وبمناسبة شهر رمضان، برنامجا اسمه «طبيبك» على القناة نفسه، لكنها أصيبت بالفزع حين اكتشفت أن القناة التي تعمل فيها تابعة لجماعة الإخوان الليبية.
معروف أن جماعة الإخوان في هذا البلد جماعة صغيرة ومكروهة من غالبية الشعب، لكن الجماعة تمكنت من عقد تحالفات واسعة مع المتطرفين الآخرين، للاستحواذ على الحكم، وهو ما حدث منذ 2012 إلى أن انتخب الليبيون برلمانا جديدا الصيف الماضي، لم يحصل فيه «الإخوان» إلا على نسبة ضئيلة من المقاعد.
وبالعودة إلى تلك الفترة، أي مع بداية صعود «الإخوان»، حيث كانت «زويّ» تعمل في قناة «ليبيا الحرة»، تتذكر بعد نحو ثلاث سنوات من الواقعة قائلة: «حينها اكتشفت أن القناة ذات توجهات غريبة، وهناك أشياء تدور فيها غير مفهومة. حين سألت قالوا لي إن توجهاتها أصبحت إخوانية. عندها قررت الانسحاب منها، ومكثت في البيت إلى أن جاءني عرض من قناة أخرى اسمها (بي بي إن)، أو (بنغازي تي في)، طلبوا مني أن أقدم برنامجا أسبوعيا عن الصحة والتغذية. كنت أنزل وأعمل تقارير عن الناس في المطاعم وماذا يأكلون، وأستعين بمتخصصين عن الطعام الصحي وغيره».
وبينما كانت الأمور تسير على هذا النحو، كان الصراع السياسي يتصاعد وينذر بمواجهات عنيفة. جرى اختطاف رئيس الوزراء في ذلك الوقت، الدكتور علي زيدان، وبدأت سطوة المتطرفين المدعومين من «الإخوان» تتعاظم، وتفجرت موجة من الاغتيالات ضد ضباط وجنود الجيش. هنا بدأت القوات المسلحة، التي كانت قد تضررت بشدة من ضربات حلف الناتو أثناء «الثورة» ضد القذافي، في جمع شتات نفسها، وأعلنت منذ منتصف العام الماضي عن «عملية الكرامة» للقضاء على الإرهابيين والمتطرفين.
المواجهات احتدمت في شوارع بنغازي. الصواريخ تسقط في كل مكان. كانت «زويّ» قد أصبحت في الفرقة الثالثة في الكلية.. «الصواريخ كانت تسقط أمام بيتنا.. وتسقط على الجامعة.. كنت أرى أمامي الحرب والضرب. قلت ما فائدة برنامج عن الغذاء الصحي في هذه الظروف؟». لكن مدير القناة طلب منها أن تعود للعمل لاستكمال حلقات البرنامج، فقالت له إنها إذا ظهرت على الشاشة فستتحدث عما يجري في بنغازي من حرب.. «مَنْ يريد أن يشاهد برنامجا عن الطعام الصحي بينما القذائف الصاروخية تنفجر حول بيته؟ إنه وقت الحرب ضد الإرهاب». إلا أن مدير القناة رفض تقديم أي فكرة تتناول التطورات الخطيرة التي دخلت فيها البلاد أو الحديث عن المتطرفين. تقول «زويّ»: «سألت عن موقفه الغريب هذا، فاكتشفت أن القناة تابعة أيضا لجماعة الإخوان، وأنا آخر من يعلم».
الثقة التي كانت تتعامل بها مع قنوات «الإخوان» التلفزيونية تعود، كما تقول، لطريقتهم الغريبة. فهم لم يطلبوا منها ارتداء الحجاب. تضيف: «يدفعونني للظهور على الشاشة رغم أنني لست محجبة. هم كانوا يريدون تقديم أنفسهم للناس على أنهم ليسوا من (الإخوان)، فتقدمت باستقالتي فورا. وتركت القناة».
هناك إعلاميون ليبيون آخرون اضطروا لترك ليبيا بسبب الأحداث الإرهابية خاصة بعد انتشار «داعش» وقيامه بقع رؤوس الناس. تقول «زويّ»: «طبعا.. أي إعلامي يتحدث عن وجود إرهاب في ليبيا يتحول لهدف للمتطرفين. ليس بالنسبة للإعلاميين فقط، في الحقيقة، ولكن التهديد يطال أي ناشط، أو أي مواطن يضع مجرد تعليق على الإنترنت. هنا تتم تصفيته».
عمليات استهداف الإعلاميين دفعت «هيئة دعم الصحافة الليبية»، التي يرأسها الكاتب إدريس المسماري، إلى مطالبة المجتمع الدولي والمؤسسات الحقوقية الدولية بالتضامن مع الشعب الليبي، وتوفير الحماية للصحافيين والإعلاميين الليبيين. كما دفعت هذه الأحداث العديد من المنظمات المعنية بالإعلام حول العالم إلى التنبيه للخطر الذي يواجهه الصحافيون في ليبيا.
تتذكر «زوي» حين كانت في بنغازي قائلة: «كنت أمر وأنا في طريقي إلى مقر القناة التلفزيونية التي كنت أعمل فيها، على بوابة اسمها (بوابة الأنصار) تديرها عناصر من تنظيم أنصار الشريعة، ولم أكن محجبة. كنت في خطر وأشعر بأنهم سيقتلونني. كانت تنتشر بينهم مقولات غريبة مثل أن قتل غير المحجبة يؤدي إلى دخول الجنة، وقتل أربع محجبات بحجاب غير مكتمل يدخل الجنة أيضا. بمروري على البوابة اكتشفت أن طلابا كانوا يدرسون معي في كلية الطب في جامعة بنغازي أصبحوا منتمين لهذا التنظيم، وسقط بعضهم في ما بعد قتلى من أجله. إنه غسيل دماغ للشباب».
في آخر أيامها في بنغازي اضطرت لوضع حجاب أو غطاء للرأس خوفا من استهدافها، وحتى لا يتعرفوا عليها كونها مذيعة أصبحت ذات وجه مألوف. وفي ذلك الوقت من أواخر العام الماضي، حيث اشتد القتال بين الجيش والمتطرفين، كان هناك من أخذ يبتعد عن العمل في وسائل الإعلام تماما داخل ليبيا بعد تعرضه لتهديدات. تقول: «هناك من لجأ لمصر ومن سافر للإمارات ومن يعمل من الأردن».
الوضع كان مخيفا في بنغازي. القذائف العشوائية تسقط على أي أحد.. «كنا في البداية نسكن في شارع جمال عبد الناصر في وسط بنغازي، ثم بعد احتدام المعارك انتقلنا إلى منطقة الماجوري التي كانت في البداية أكثر أمنا من شارع جمال.. استهدف (أنصار الشريعة) بيت جيراننا وقتلوا جارنا، واسمه علي، لأنه ينتمي للجيش. في يوم من الأيام استيقظنا في البيت على صوت انفجار هائل وتسبب ذلك في تحطم باب شرفة بيتنا. كان ذلك تفجير لقاعة اليمامة وهي قاعة أفراح تقع في الشارع نفسه. ثم قتل المتطرفون أحد أقاربنا. هذه كانت القشة التي قصمت ظهر البعير، وجعلتني أترك بنغازي».
التحقت «زويّ» بالعمل في قناة «ليبيا أولا» في القاهرة لأسباب لها صلة أيضا بالاقتتال في بنغازي. فقد اغتال المتطرفون شقيق مذيعة أخرى كانت تعمل في القناة نفسها، وبسبب انشغالها في إجراءات العزاء استعانت القناة بـ«زويّ» التي كانت ممتلئة بالغيظ مما يجري في بلادها من حرق وقتل. وقدمت برنامجا سياسيا لأول مرة... «كنت مشحونة بما رأيته في بنغازي. وبدأت تقديم برنامج تغطية مباشرة تدور فكرته حول نقل الأحداث في ليبيا وأخذ اتصالات من الجمهور واستضافة المتخصصين».



«دويتشه فيله» تواجه احتمالات إغلاق الخدمة اليونانية ووقف عدد من البرامج

المقر الرئيس لقناة "دويتشه فيله" في مدينة بون (دويتشه فيله)
المقر الرئيس لقناة "دويتشه فيله" في مدينة بون (دويتشه فيله)
TT

«دويتشه فيله» تواجه احتمالات إغلاق الخدمة اليونانية ووقف عدد من البرامج

المقر الرئيس لقناة "دويتشه فيله" في مدينة بون (دويتشه فيله)
المقر الرئيس لقناة "دويتشه فيله" في مدينة بون (دويتشه فيله)

خرج العشرات من موظفي قناة «دويتشه فيله» التلفزيونية الألمانية في مظاهرة في برلين، الخميس الماضي، رفضاً لاقتطاع 21 مليون يورو من ميزانية القناة المموّلة من ميزانية الحكومة السنوية، ما سيؤثر على عشرات الوظائف داخل القناة. وللمرة الثانية خلال سنتين، تقرّر الحكومة الألمانية تخفيض ميزانية تمويل القناة بعدما اقتطعت قبل سنتين 20 مليون يورو، ما تسبب بعمليات طرد جماعية آنذاك لتحقيق أهداف خفض الميزانية.

الاقتطاع الجديد في ميزانية القناة، التي تبث بـ32 لغة مختلفة، سيؤدي إلى إغلاق الخدمة اليونانية بشكل كامل بعد أكثر من 60 سنة على عملها. وحقاً، أثار إغلاق الخدمة اليونانية جدلاً في العاصمة اليونانية أثينا، خاصة أن القناة لعبت دوراً مهماً في التخلص من الديكتاتورية العسكرية في اليونان عام 1974، باصطفافها الواضح إلى جانب اليونانيين الذين كانوا يناضلون في سبيل الديمقراطية.

ثم لعبت القناة، مجدداً، دوراً مهماً إبّان أزمة اليورو عام 2015، وكانت تبث وجهة نظر ألمانيا إلى اليونانيين. ولقد برّر مجلس إدارة القناة قرار إغلاق الخدمة اليونانية بالكامل بالقول إن «اليونان بات بلداً ديمقراطياً وجزءاً من الاتحاد الأوروبي منذ سنوات».

وقف عدد من البرامج

إضافة إلى سبق، سيصار إلى وقف عدد من البرامج في مختلف الخدمات واللغات، ومن أبرزها البرامج الحواري «بتوقيت برلين» الذي يبث بـ4 لغات من بينها العربية. ويستضيف هذا البرنامج صحافيين ومحللين أسبوعياً لتحليل أبرز حدث في الأسبوع. وبإلغاء هذا البرنامج لا يبقى للخدمة للعربية سوى برنامج واحد هو إخباري مسائي يومي، علماً بأن الخدمة ألغت أيضاً نشرات الأخبار التقليدية.

من جهة ثانية، على الرغم من تعهد القناة بأن تخفيض الميزانية إلى 395 مليون يورو، لن يؤدي إلى عمليات طرد جماعية، فإنه سيؤثر على قرابة 160 وظيفة، معظم شاغليها لا يعملون بعقود دائمة. وسيعاد من ثم توزيع هؤلاء وربما تخفيض مرتباتهم.

أيضاً، قد يخسر قرابة 200 موظف يعملون بالدوام الحر (فريلانسر) عملهم نتيجة تخفيض الميزانية، بحسب نقابة «فيردي» التي دعت للمظاهرة الأسبوع الماضي. وذكرت النقابة، وهي الأكبر في ألمانيا، أن الاقتطاع من ميزانية القناة سيؤدي «إلى التخلي عن 200 موظف، بشكل أساسي من الذين يعملون بنظام العمل الحر». وانتقدت قرار تخفيض التمويل بالقول إن «هذا سيؤدي إلى خسارة كبيرة في مدى الوصول، وإلى تقوية الأصوات التي تنشر المعلومات المضللة». وبالتالي، اعتبرت أن هذا الاقتطاع من ميزانية القناة سيؤدي إلى «خسارة ألمانيا للمنافسة الدولية، كما أن الأصوات التي تدعم القوى الديمقراطية في العالم ستصبح أكثر هدوءاً».

شعار القناة (دويتشه فيله)

من البنية التحتية والإدارة

بحسب مجلس إدارة «دويتشه فيله»، سيأتي أكثر من ثلث إجمالي التخفيضات من البنية التحتية والإدارة، بالإضافة إلى استخدام الذكاء الاصطناعي. وللعلم، يعطي تمويل القناة من ميزانية الحكومة بُعداً سياسياً لا تحمله القنوات الألمانية الأخرى التابعة للدولة والمموّلة من ضريبة البث التي يدفعها المواطنون ولا تتأثر بالميزانيات السنوية للحكومة.

كارل يونغستين، رئيس مجلس البث في القناة، انتقد قرار الحكومة تخفيض الميزانية المخصصة للقناة، واصفاً القرار بالـ«مؤسف»، وأردف: «بسبب هذا القرار يجب على القناة أن تتوقع انخفاضاً كبيراً في مدى وصولها إلى المشاهدين، وهذا أمر مؤسف للغاية، خاصةً أن روسيا والصين تتوسعان بشكل ضخم في قنوات البروباغندا التابعة للدولة، وانسحاب الولايات المتحدة من البث الدولي يخلق فجوة متزايدة».

ورأى يونغستين أن تخفيض الميزانية «سيضعف وجهات النظر الألمانية والأوروبية دولياً في وقت تسعى فيه أوروبا بشكل طارئ للحصول على شركاء وحلفاء جدد».

كذلك، وصف أشيم ديرك، أمين عام مجلس إدارة قناة «دويتشه فيله»، قرار تخفيض ميزانية القناة بأنه «يتعارض» وتعهدات الحكومة «بتقويتها»، كما يذكر بيان الحكومة الائتلافية التي تشكلت العام الماضي بقيادة حزب «الاتحاد الديمقراطي المسيحي» بزعامة المستشار فريدريش ميرتس.

وأضاف ديرك أنه «من دون زيادة الميزانية العام المقبل، فإن ارتفاع التكلفة في كل المجالات سيؤثر على نوعية العمل الصحافي والبنية التحتية ومدى الوصول الذي تتمتع به القناة». واعتبر أنه «فقط من خلال تمويل مناسب يمكن لقناة (دويتشه فيله) أن تقدم مساهمة أساسية ناجحة في الصحافة الحرة ومواجهة المعلومات المضللة».

التخفيض يقتصر على السنة الحالية

تخفيض ميزانية القناة يقتصر الآن على العام الحالي، ومن غير المعروف ما إذا كانت الحكومة ستزيد من مخصصاتها لها في ميزانية العام المقبل. ولا تستهدف الحكومة الألمانية ميزانية القناة بحد نفسها، بل تقول إن كل الوزارات عليها تخفيض ميزانياتها بهدف إعادة تحويل بعض التمويل إلى استثمارات تتعلق بالأمن والنمو.

في المقابل، يتعين على إدارة القناة تعديل إنفاقها سنوياً بحسب الميزانية المخصصة لها. وفي العام الماضي مثلاً، خصّصت لها ميزانية أعلى بـ15 مليون يورو عن العام الذي سبق. ولكنها في عام 2024 اضطرت لاتخاذ خطوات بعدما قلصت الحكومة ميزانيتها من 413 مليون يورو إلى 410 ملايين يورو. وأنهيت حينذاك عقود أكثر من 50 موظفاً وتم تقليص ساعات عمل أكثر من 100 موظف آخر. وهذا مع الإشارة إلى أن القناة توظف حالياً أقل بقليل من 4 آلاف موظف.

أخيراً، يبقى أن نذكر أن «دويتشه فيله» تحوّلت في السنوات الماضية، أكثر من مرة، إلى مادة إخبارية دسمة بعد سلسلة من الفضائح ارتبطت بها، خاصة في الخدمة العربية. وإثر فضائح تتعلق بتحرّشات داخل القناة، خرجت قبل 4 سنوات اتهامات لموظفين بـ«معاداة السامية»، وطرد عدد منهم خاصة من الفلسطينيين.

ولكن القناة نفسها اتهمت بعد ذلك بتسييس الاتهامات، وبالحد من حرية التعبير عن الرأي داخل القناة، خاصة فيما يتعلق بانتقاد إسرائيل. وبالفعل، لجأ بعض الموظفين الذين طُردوا واتهموا بـ«معاداة السامية» إلى المحاكم، وكسب منهم معركته ضد القناة التي على الأثر اتهمت بالطرد التعسفي، وفاز عدد منهم بتعويضات مالية.


توجه مؤسسات إعلامية إلى منصات «التنبؤ بالأحداث» يثير تساؤلات مهنية


شعار منصة «كالشي» (رويترز)
شعار منصة «كالشي» (رويترز)
TT

توجه مؤسسات إعلامية إلى منصات «التنبؤ بالأحداث» يثير تساؤلات مهنية


شعار منصة «كالشي» (رويترز)
شعار منصة «كالشي» (رويترز)

أثار توجه مؤسسات إعلامية للتعاون مع «منصات التنبؤ» تساؤلات مهنية وأخلاقية عدة. وفي حين رأى خبراء أن الاتجاه إلى «أسواق التنبؤ» يعكس رغبة في جذب الجمهور المتعطش للمعرفة، فإنهم حذّروا من «تأثير هذا الانخراط على المصداقية»، مطالبين بوضع أطر قانونية وأخلاقية لتقنين استخدامها.

«أسواق التنبؤ» هي منصات رقمية تتيح للمستخدمين المراهنة على احتمالات وقوع أحداث مستقبلية، من نتائج الانتخابات إلى المؤشرات الاقتصادية. وهي قد تكون «شكلاً خطيراً من أشكال المقامرة، يتيح المراهنة على أحداث واقعية دون قيود أو قواعد اقتصادية وقانونية»، أو «قد تكون بديلاً جيداً لاستطلاعات الرأي إذا ما اعتمدت أطراً قانونية»، وفق تقرير لمعهد «نيمان لاب» المتخصص في دراسات الإعلام.

للعلم، شهدت الفترة الأخيرة اتجاهاً إعلامياً متزايداً لدمج «أسواق التنبؤ» في غرف الأخبار؛ إذ أعلن عن اتفاقات شراكة بين منصة «كالشي» (كل شيء) للتنبؤ في نيويورك، ومؤسسات إعلامية مثل «سي إن إن»، و«سي إن بي سي»، و«فوكس»، و«أسوشييتد برس»، كما وقعت اتفاقات مماثلة بين منصة «بولي ماركت» وكل من «سبستاك» و«داو جونز».

معهد «نيمان لاب» أفاد بأن منصتي «كالشي» و«بولي ماركت» تعملان على ترسيخ وجودهما في سوق صناعة الأخبار. وعادة ما تستخدمان لغة إخبارية في الترويج للمحتوى على منصات التواصل الاجتماعي مثل «عاجل» و«يحدث الآن»، متبوعة بروابط تتيح للمستخدمين المراهنة على الأخبار، لكن «الكثير منها ينطوي على معلومات مضللة».

ليلى دومة، الباحثة الجزائرية في علوم الإعلام والاتصال، عدّت تنامي اهتمام وسائل الإعلام بما يُعرف بـ«أسواق التنبؤ» انعكاساً لمساعي وسائل الإعلام مواكبة جمهور متعطش للمعلومة الفورية والتحليل الاستباقي، في بيئة تتسم بتسارع الإيقاع الإخباري واحتدام المنافسة.

وقالت دومة في مقابلة مع «الشرق الأوسط»، إن «أسواق التنبؤ تبدو أداة جذابة؛ إذ تقدم مؤشرات آنية ومُجمَّعة تستند إلى الحكمة، ما يمنحها جاذبية تحليلية وإمكانات تفاعلية تعزز انخراط الجمهور». وذكرت أن تلك المنصات «توفّر للمؤسسات الإعلامية وسيلة جديدة للرصد الاستراتيجي، تساعدها على استشراف الاتجاهات وتغذية تغطياتها بمقاربات قائمة على الاحتمالات».

إلا أن الباحثة الجزائرية تطرّقت إلى «تحديات عميقة» تواجه الانخراط في «أسواق التنبؤ»، تأتي «المصداقية» في صدارتها. وأوضحت أن «أسواق التنبؤ بطبيعتها، لا تُنتج حقائق مؤكدة، بل تقديرات احتمالية قد تتأثر بعوامل نفسية وسلوكية أو حتى بحملات تضليل منظمة، ما يبرز خطر الخلط بين الخبر والتحليل، أو بين المعلومة والتكهن، وهو ما قد يؤدي إلى إرباك المتلقي وتقويض ثقته بالوسيلة الإعلامية».

دومة شددت أيضاً على «ضرورة وضع تأطير صارم لاستخدام هذه الأدوات داخل غرف الأخبار، من خلال تبني معايير واضحة تضمن الشفافية في عرض المعطيات، وتُبرز طبيعتها الاحتمالية، إلى جانب الحفاظ على مسافة نقدية تحول دون الانزلاق نحو الترويج غير الواعي لنتائج غير مؤكدة».

وأردفت: «يمكن لأسواق التنبؤ أن تشكل إضافة نوعية للعمل الصحافي إذا ما أُحسن توظيفها ضمن مقاربة مهنية متوازنة، تجمع بين الابتكار والمسؤولية»، وشددت على أنه «في حال غياب الضوابط، فإنها قد تتحول من أداة تحليل إلى مصدر تشويش ما يهدد أحد أهم أصول الإعلام الموثوق».

وللعلم، تتيح الشراكات الإعلامية مع «أسواق التنبؤ» ظهور بيانات «منصات التنبؤ» على شاشات المؤسسات الإعلامية، ما يقدّم للمشاهد نظرة على ما يمكن أن يحدث مستقبلاً في مختلف المجالات، لا سيما الاقتصاد، استناداً لتوقعات الجمهور.

من ناحية ثانية، رأى الدكتور أشرف الراعي، الخبير في الجرائم الإلكترونية وتشريعات الإعلام، في لقاء مع «الشرق الأوسط»، أن «تصاعد اهتمام المؤسسات الإعلامية العالمية بأسواق التنبؤ لا يُعد مجرد تطور تقني، بل يمثل تحولاً بنيوياً في فلسفة العمل الصحافي».

وأردف أن «الإعلام انتقل من موقع نقل الوقائع إلى دور أكثر تعقيداً يقوم على تحليل الاتجاهات واستشراف السيناريوهات المستقبلية، بالاستناد إلى بيانات جماعية ديناميكية تتشكل في الزمن الحقيقي... وأسواق التنبؤ تمنح وسائل الإعلام مؤشرات، قد تسبق الإعلان الرسمي أو النتائج النهائية، ما يخلق ميزة تنافسية كبيرة في بيئة إعلامية تقوم على السرعة والتأثير»، محذراً من أن «هذا التفوق قد يتحول إلى مصدر مخاطر إذا لم يُضبط ضمن أطر مهنية وقانونية واضحة».

وأشار الراعي إلى أن «التحدي الأبرز يتمثل في تآكل الحدود الفاصلة بين الخبر والتوقع، ما قد يؤدي إلى تضليل الجمهور أو خلق تصورات غير دقيقة عن الواقع، لا سيما إذا قُدّمت مُخرجات أسواق التنبؤ بصيغة حقائق مؤكدة».

ولفت إلى أن «هذه الأسواق قد تكون عرضة للمضاربات المنظمة أو التلاعب بالمعلومات، ما يثير تساؤلات جدية حول مسؤولية المؤسسات الإعلامية حال نشر بيانات أو مؤشرات غير موثوقة».

هذا، ولا يقتصر الأمر فقط على إشكاليات مهنية؛ بل يمتد إلى إشكاليات أخرى قانونية، تتضمن، بحسب الراعي، «المسؤولية المدنية والجزائية عن نشر معلومات مضللة أو غير دقيقة، لا سيما إذا ترتب عليها ضرر بالأفراد أو الأسواق. وقضايا حماية البيانات؛ إذ تعتمد بعض منصات التنبؤ على تحليل بيانات المستخدمين وسلوكهم، ما يفرض الالتزام بالتشريعات الخاصة بحماية الخصوصية وعدم إساءة استخدام البيانات. إضافة إلى إشكالية التلاعب بالأسواق؛ حيث قد تُستغل التغطيات الإعلامية نفسها للتأثير على اتجاهات التنبؤ، ما يخلق دائرة مغلقة من التأثير المتبادل بين الإعلام وهذه الأسواق».

ونبّه الراعي، من ثم، إلى أن هناك بعداً تنظيمياً يتعلق بضرورة تحديد الطبيعة القانونية لـ«أسواق التنبؤ»؛ هل تُعامل كمنصات مالية، أم كأدوات تحليل بيانات، أم كمساحات تعبير؟ وقال إن هذا «التصنيف يترتب عليه خضوعها لأطر رقابية مختلفة، سواء من (هيئات تنظيم الإعلام)، أو الأسواق المالية، أو الجهات المختصة بحماية البيانات».

وشدد على أن «الحفاظ على مصداقية الإعلام في ظل هذا التحوّل يتطلب إعادة تأطير العلاقة مع أسواق التنبؤ، بحيث تُستخدم بوصفها مصدراً تحليلياً داعماً لا بديلاً عن العمل الصحافي القائم على التحقق والتدقيق». ثم دعا إلى «تطوير مدونات سلوك مهنية واضحة، تلزم المؤسسات الإعلامية بالإفصاح عن طبيعة هذه البيانات وحدودها، وعدم تقديمها بوصفها حقائق نهائية».

واختتم الراعي بالقول إن «المرحلة المقبلة تستدعي تدخلاً تشريعياً متوازناً يحقق معادلة دقيقة بين تشجيع الابتكار في الإعلام الرقمي، ومنع إساءة استخدام أدوات التنبؤ، ما يضمن حماية الرأي العام وصون الثقة في وسائل الإعلام، باعتبارها ركيزة أساسية في تشكيل الوعي المجتمعي».


آن ـ كلير لوجاندر: «معهد العالم العربي» يجمع المَشاهد الثقافية ويواكب التحوّلات الفنّية

وجه جديد... ورؤية لمعهد أكثر انفتاحاً (أ.ف.ب)
وجه جديد... ورؤية لمعهد أكثر انفتاحاً (أ.ف.ب)
TT

آن ـ كلير لوجاندر: «معهد العالم العربي» يجمع المَشاهد الثقافية ويواكب التحوّلات الفنّية

وجه جديد... ورؤية لمعهد أكثر انفتاحاً (أ.ف.ب)
وجه جديد... ورؤية لمعهد أكثر انفتاحاً (أ.ف.ب)

بحلول عام 2027، يكون قد مرَّ 40 عاماً على تأسيس «معهد العالم العربي»، وهو عمر النضج لهذه المؤسّسة الثقافية الفريدة من نوعها في العالم، والتي تحتلّ موقعاً جغرافياً متميّزاً في العاصمة الفرنسية، حيث تطلّ على كاتدرائية «نوتردام» ونهر السين وباريس التاريخية. ولأنّ المعهد شهد تغييراً في رئاسته عقب استقالة رئيسه السابق جاك لانغ وتسمية آن كلير لوجاندر، السفيرة السابقة ومستشارة الرئيس إيمانويل ماكرون الدبلوماسية لشؤون الشرق الأوسط والعالم العربي، مكانه، كان لا بدَّ من اللقاء بالرئيسة الجديدة الشابة التي تجيد اللغة العربية وتُبدي اهتماماً بالعالم العربي. ولوجاندر هي أول امرأة تُسند إليها هذه المهمّة البالغة الأهمية، نظراً إلى الدور الذي يضطلع به المعهد، ليس فقط على الصعيد الثقافي والفني واجهةً للثقافة والحضارة العربيتَيْن، وإنما أيضاً لما له من امتدادات على الصعيدين الدبلوماسي والاستراتيجي. من هنا، سعت «الشرق الأوسط» إلى التعرّف على رؤية الرئيسة الجديدة لدور المعهد، وكيفية تحديث صورته وتمكينه من تعميق وظيفته مركز إشعاع ثقافياً وحضارياً في «عاصمة النور»، وجسراً للتواصل والتلاقح بين ضفاف البحر الأبيض المتوسّط وما وراءها، وصولاً إلى الخليج وحتى البحر الأحمر.

مساحةٌ تلتقي فيها الثقافات بلا حواجز (أ.ف.ب)

روابط عضوية بين الفاعلين ثقافياً

تقول الرئيسة الجديدة: «الدول المعنية من الجانبين في (معهد العالم العربي) تستحق فتح فصل جديد. ونحن نأمل، بمناسبة الاحتفال بالذكرى الـ40 لتأسيسه، أن نتمكن من تحديد توجُّه جديد للـ40 عاماً المقبلة. والمهم بالنسبة إليّ هو إعادة بناء علاقة أقوى مع الدول المؤسّسة في العالم العربي. وخلال الـ40 عاماً الماضية، تطوَّرت المَشاهد الثقافية في هذه الدول بشكل كبير. ولذا، أودّ أن نتوصل إلى إقامة روابط وثيقة جداً، بل عضوية، مع جميع الفاعلين في المشهد الثقافي لهذه البلدان». واستطردت: «ثمة تطوّر مهم يتمثّل في بروز المشهد الثقافي في المنطقة الخليجية، الذي نما بقوة وبشكل لافت خلال الـ20 عاماً الأخيرة، وأصبح له موقعه ودوره، ونحن نرغب بشدّة في تعزيز روابطنا مع الفاعلين الفنّيين والثقافيين هناك».

قيادة جديدة لمعهد يبحث عن أفق أوسع (أ.ف.ب)

ومن التحوّلات التي تتوقَّف عندها، عودة سوريا إلى الفضاء الثقافي الذي يُعاد بناؤه، مشيرة إلى أنّ سوريا ستكون حاضرة للمرة الأولى منذ 15 عاماً في «بينالي البندقية للفنّ المعاصر» بجناح يضمّ مجموعة من الفنانين السوريين. ولذا، فإنّ المعهد لا يريد أن يكون بعيداً عن هذه العودة، وهو راغب في مساندتها والتفاعل معها.

أهمية تعليم اللغة العربية

ثمة هدف ثانٍ تريد الرئيسة الجديدة التركيز عليه، يتناول اللغة العربية وكيفية الدفع باتجاه تعليمها والترويج لها، في فرنسا وفي أوروبا أيضاً. ففي فرنسا، تُعد اللغة الثانية الأكثر تداولاً، ولها علاقات تاريخية وثيقة بالبلد وباللغة الفرنسية، وكانت لقرون رافداً ثقافياً رئيسياً في أوروبا. وثمة حاجة حقيقية في فرنسا وفي عدد من الدول الأوروبية، حيث الجاليات العربية الراغبة في أن يتعلّم أبناؤها اللغة العربية في معاهد واضحة وشفّافة وحديثة. وبنظرها، فإنّ «المعهد» قادر على المساعدة والإسهام في هذه المهمّة. وما تريده لوجاندر، في مواجهة الصور النمطية السلبية عن اللغة العربية، التي تعكس إما جهلاً بحامليها أو دوافع سياسية، هو أن يتولّى «المعهد» مهمّة الإسهام في انتشارها، خصوصاً أنه يحتضن مركزاً مُعتَرفاً به لتعليمها، وهو مؤهَّل لمنح شهادات مقبولة رسمياً. وطموحها يذهب أبعد من ذلك؛ إذ تريد أن يُعتَرف بإرث هذه اللغة، وأن يجري «تبنّيها» على المستوى الفرنسي. وقالت حرفياً: «لدينا دور نؤدّيه في هذا المجال، يتمثَّل في إظهار أنه ضمن إطار جمهوري، يمكن لهذا التاريخ واللغة والثقافة أن تجد أبهى صور العرض والتقدير، وهو تقدير لا يزال ينقصها اليوم على الساحة الفرنسية».

لوجاندر في الواجهة... والمعهد على طريق التحوُّل (غيتي)

العالم العربي اليوم

لا يستطيع «المعهد» أن يعيش مع محيطه أو يؤثّر فيه أو يتفاعل معه من دون تقديم إنتاج ثقافي. وما تريد لوجاندر الدفع باتجاهه هو بالفعل «تعزيز الإنتاج الثقافي المشترك»، سواء من خلال المعارض أو الأنشطة الثقافية المتنوّعة، بما يعني «تقديم المساعدة للفنانين الشباب العرب على إيجاد فرص، ومساعدتهم على إنتاج أعمال جديدة، وضمان تداخُل المشهدين الثقافيين (هنا وهناك) من خلال تواصل حقيقي». وتأسف لوجاندر لأنه «لا يزال هناك قدر من الجهل في فرنسا وأوروبا بشكل عام تجاه هذه المَشاهد الثقافية العربية الجديدة. وأنا واثقة أننا قادرون على بناء حداثة جديدة معاً، و(المعهد) هو المكان المناسب لذلك». ولأنّ رئيسته لا تريد إثارة الجدل بشأن فكرتها، فإنها تحرص على توضيحها بشكل كافٍ، وتقول: «ما يهمنا هو الرؤية التي يحملها العالم العربي اليوم، والتي يمكن أن تتفاعل مع المشهد الثقافي الأوروبي والفرنسي. وهذا يمرّ، في نظري، عبر بناء روابط أوثق مع المؤسّسات الثقافية في الجانبين، وليس فقط مع الدول على أنها كيانات سياسية، بل أيضاً مع الفاعلين الثقافيين فيها ومؤسّساتها الكبرى، من أجل إنشاء شبكة تعاون في خدمة الثقافة».

الفكرة طَموحة والهدف واضح، لكن ترجمتها إلى واقع تطرح تحدّي التمويل. رئيسة «المعهد»، التي تعمل على إنضاج خطّتها، لديها منذ الآن مجموعة من الأفكار، من بينها استقدام فنانين وعرض أعمالهم، وتأهيل قيّمين على المعارض من المشهد الثقافي العربي، بدلاً من حصر هذه المهمّة بالفرنسيين أو الأوروبيين. وأكثر من ذلك، تشير لوجاندر إلى أنّ «المعهد» بصدد العمل على استحداث مجموعة من الجوائز في قطاعات فنّية متنوّعة، مثل التصميم والأدب والرسم وحتى الموضة، مع توفير إمكانات للإنتاج للفائزين، وإتاحة فضاءات وفرص للعرض، وبناء شراكات مع مؤسّسات فرنسية وغير فرنسية، إضافة إلى توفير إقامات فنيّة للفائزين في فرنسا وأوروبا. والهدف «اكتشاف مواهب ورؤى جديدة ورعايتها، وربطها بالمشهد الثقافي الفرنسي والأوروبي، وفتح آفاق جديدة أمامها».

هنا... تصبح الثقافة لغة مشتركة (أ.ف.ب)

إبراز المنطقة الخليجية

تشمل هذه الرؤية أيضاً دول الخليج، التي لم تحظَ بالقدر الكافي من اهتمام «المعهد»، وهو ما تسعى الرئيسة الجديدة إلى معالجته؛ إذ تؤكد تشجيع التعاون الوثيق مع المنطقة، مشيرة إلى وجود «إمكانات كبيرة للتعاون مع المتاحف الخليجية وإقامة شراكات معها». وتلاحظ أنّ المتاحف التي نشأت في السنوات الأخيرة «رائعة، لكنها تفتقر إلى برمجة واضحة للمعارض أو للأنشطة». كما ترصد معرض الرياض الدولي بوصفه فرصة للتعاون، مشدِّدة على رغبتها في «دخول المعهد إلى الفضاء الخليجي ومشهده الثقافي». وفي هذا السياق، تسعى لوجاندر إلى نفض الغبار عن المتحف وتحديثه.

تحدّي التمويل

كلما كبرت المشاريع، تضاعفت الحاجة إلى تمويلها. ويعيش «المعهد» تاريخياً حالة عجز مالي دأبت وزارة الخارجية الفرنسية على تغطيته. وإنما لوجاندر تؤكد ثقتها باستدامة وضعه المالي، مشيرة إلى نجاحه في تطوير موارده الذاتية من خلال المعارض والأنشطة؛ إذ بات ضمن أبرز 5 متاحف في باريس، ويستقبل ما لا يقلّ على مليون زائر سنوياً. وإلى جانب الدعم المالي السنوي من الدولة الفرنسية، يمتلك «المعهد» صندوقاً بقيمة 51 مليون يورو موظّفاً في أحد البنوك، يوفّر عائدات سنوية، وقد تكوَّن هذا الصندوق من إسهامات الدول العربية.

وتسعى الرئيسة إلى تطوير الموارد المالية لتمويل الأنشطة الجديدة، مع الحرص على أعلى درجات الشفافية في إدارة الميزانية. ومن هنا، تدفع نحو حوكمة جديدة ونظام إداري محدَّث، مع طرح فكرة إنشاء «مجلس أمناء» أسوة بالمؤسسات الأميركية الكبرى، وتعزيز شبكة الداعمين، عبر إشراك شخصيات وهيئات فاعلة في المشهد الثقافي من المجتمع المدني في الجانبين.

صورة «المعهد» بعد 10 سنوات

سؤال أخير لرئيسة المعهد يتناول رؤيتها له بعد 10 سنوات. ويأتي ردها حاملاً كثيراً من الطموحات؛ إذ ترى فيه «محوراً نتمكن من خلاله من ربط مختلف هذه الفضاءات الفنّية والثقافية العربية والفرنسية والأوروبية»، بحيث «يوفّر مساحة تتيح التلاقي والتفاعل». كما تسعى إلى تطوير المتحف الذي يضمه «المعهد» وفق «مفهوم جديد وحديث، يدمج بشكل أفضل الفنون المعاصرة والحديثة (من الجانب العربي)، التي لم نُبرزها بما يكفي حتى الآن. ومن أولوياتنا أن نمنحها حقّها من الاهتمام».

وتضيف لوجاندر: «أرنو إلى أن نستضيف هذا الإبداع المعاصر داخل مؤسّستنا، ثم نعمل على نشره وتشجيعه خارجها أيضاً. ومنطق الجوائز يوفّر دعماً ملموساً للفنانين الشباب». لذلك، ستعمل على «اقتناء أعمال المبدعين العرب الشباب وإنتاجاتهم، فيكون «المعهد» أفضل واجهة لعرض إنتاج هذا الجيل المعاصر».

وأخيراً، ترى في «المعهد» «فضاءً يشعر فيه الفرنسيون بالراحة، فيجدون فيه ما يعكس جانباً من هويتهم، ويجعلهم يتعرَّفون إلى أنفسهم من خلاله».