لبنان يفحص خيار «التعافي» بلا تمويل صندوق النقد الدولي

الحكومة تنكب على إعداد مشروع قانون الفجوة المالية

مصرف لبنان المركزي (رويترز)
مصرف لبنان المركزي (رويترز)
TT

لبنان يفحص خيار «التعافي» بلا تمويل صندوق النقد الدولي

مصرف لبنان المركزي (رويترز)
مصرف لبنان المركزي (رويترز)

يستعيد ملف الإنقاذ الاقتصادي، صدارة الاهتمامات على مستوى الحكومة في لبنان، عقب إنجاز استحقاق الانتخابات البلدية والاختيارية، بما تمثله من دور حيوي مساهم في التنمية الشاملة، وقبيل بدء موسم صيفي وسياحي واعد يؤمل أن يضخ مبالغ بمليارات الدولارات تعوّض نسبياً جفاف التدفقات الاستثمارية والربط الصريح للتمويل والمساعدات الخارجية بشروط سياسية وإصلاحية معقّدة.

ويجري رصد تحولات استثنائية في الأوساط الرسمية، كما في القطاع الخاص، حسب مرجع مصرفي كبير؛ توخياً لإدخال تعديلات غير ثانوية على خطة التعافي المنشودة والمطلوبة بإلحاح من المجتمع الدولي، مع ترجيح اعتماد خيارات بديلة لمعالجة الفجوة المالية الحادة، وتتعدى الصعوبات الواقعية للتقدم إلى محطة إبرام اتفاق نهائي مع صندوق النقد الدولي، بعد الفشل على مدى ثلاث سنوات ونيّف، في تنفيذ الالتزامات من قِبل الجانب اللبناني، والواردة ضمن مندرجات الاتفاق الأولي الموقّع بين الطرفين.

دعم دولي

واكتسب هذا التوجه قوة دفع دولية ومواكبة محلية سريعة بلغت أروقة الحكومة، في ضوء المداخلات المحدثة التي وردت على لسان نائبة المبعوث الخاص للولايات المتحدة الأميركية إلى الشرق الأوسط مورغان أورتاغوس، واستخلاصها أن حصرية السلاح بيد الدولة، وتنفيذ الإصلاحات الهيكلية، هما الشرطان الأساسيان لحيازة لبنان مفتاح تدفق المنح والاستثمارات الدولية.

سلام مترئساً اجتماعاً في السراي الحكومي حضره وفد من صندوق النقد الدولي برئاسة الممثل المقيم له بلبنان فريدريكو ليما الشهر الماضي (الحكومة اللبنانية)

ولم يكن خافياً، وفق المسؤول المصرفي الذي تواصلت معه «الشرق الأوسط»، أن إفصاحات المبعوثة الأميركية التي تبدأ قريباً جولة اتصالات جديدة ضمن مهمتها في بيروت، تساهم بقوّة في تعديل المقاربات والاقتراحات الرامية إلى توزيع مسؤوليات الفجوة المالية، ولا سيما لجهة إشارتها إلى أن «الإصلاحات التي نتحدث عنها مهمة جداً، وصندوق النقد ليس الخيار الوحيد. ولديّ خطة كبيرة ورؤية قد تمكّن لبنان (ربما) من الاستغناء عن الصندوق. وإذا تمكنا من تحويله بلد استثمارات يمكننا استعمال أموال المستثمرين هنا، وتجنيبه المزيد من الديون».

وبمعزل عن صدقية وموضوعية الترويج المستمر لرؤية صندوق النقد المتضمنة عملياً إعفاء «الدولة» عبر تحييد الأموال العامة من موجبات تسوية الفجوات المالية، تكفَّلت هذه الطروحات المستجدّة، تنشيط الحيوية وعرض اقتراحات معدّلة تنشد العدالة في توزيع الأعباء مع التخفيف بالحد الأقصى المتاح من المعاناة اللاحقة بالمودعين؛ توخياً لاعتمادها في المداولات الجارية على المستويات النيابية والحكومية، واستطراداً في أوساط البنك المركزي والجهاز المصرفي، عشية انكباب الحكومة على إنجاز مشروع قانون آليات احتواء الخسائر المقدرة بنحو 72 مليار دولار، من دون احتساب نحو 11 مليار دولار للاحتياجات الإعمارية جراء الحرب الإسرائيلية.

قانون آلية احتواء الخسائر

وبرز ضمن المستجدات التي سبقت تصريحات أورتاغوس وتلتها، التوجّه الرسمي لتوسيع نطاق اﻟﻧﻘﺎشات الهادفة إلى إعداد القانون، مع الحرص التام على أولوية الشراكة الاستشارية مع إدارة صندوق النقد الدولي، وبما يضمن مشاركة فعالة من قِبل الأطراف الأساسية ذات الصلة، عبر تكثيف التواصل المنتج بين ثلاثي الفريق الاقتصادي الحكومي وحاكمية البنك المركزي وجمعية المصارف، باعتبار أن أصل الأزمة يكمن في تحديد ماهية ومصير توظيفات البنوك التي تتعدّى 80 مليار دولار لدى «المركزي»، والتي تشكل الضمانة الصلبة لإتاحة السداد المتدرج لأموال المودعين البالغة نحو 84 مليار دولار.

ومن اﻟﺿروري في المرحلة اللاحقة لتشريع قانون الفجوة وارتباطه بسريان مشروع قانون إعادة تنظيم أوضاع المصارف، أن ﺗﺣﺎﻓظ اﻟﺑﻧوك، حسب المرجع المصرفي، ﻋﻠﻰ ﺣﻘوق اﻟﻣﻠﻛﯾﺔ اﻟﻣﺷﺗرﻛﺔ اﻟﻣﺗﺑﻘﯾﺔ ﺑﻌد اﻟﺗﻘﯾﯾم، بعدما ﺑذﻟت ﺟﮭوداً ﻛﺑﯾرة ﻹدارة ﻣراﻛزھﺎ ﻓﻲ ﺣﻘوق اﻟﻣﻠﻛﯾﺔ ﻣﻊ اﺳﺗﯾﻌﺎب ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺧﺳﺎﺋر اﻟﻧﺎﺗﺟﺔ ﻋن اﻷزﻣﺔ اﻟﻧظﺎﻣﯾﺔ، علماً أن ﺟزءاً ﻛﺑﯾراً ﻣن ﺣﻘوق اﻟﻣﻠﻛﯾﺔ اﻟﻣﺗﺑﻘﯾﺔ، ﺗم ﺿﺧﮫ ﻣن ﻗِﺑل اﻟﻣﺳﺎھﻣﯾن ﺑﻌد ﺑداﯾﺔ اﻷزﻣﺔ، وﻓﻘاً ﻟﺧريطﺔ الطرﯾق اﻟﺗﻲ حددها ﻣﺻرف ﻟﺑﻧﺎن ﺑﻣوﺟب اﻟﺗﻌﻣﯾم 154.

الفجوة المالية

وترى جمعية المصارف، بلسان الأمين العام فادي خلف، أن معالجة الفجوة لا تتحقّق فقط عبر تقليص المطلوبات أو إعادة هيكلة المصارف، بل تبدأ أولاً بتنظيم حسابات مصرف لبنان وتحديد التزامات الدولة تجاهه. بالتالي، لا يمكن شطب ديون «المركزي» تجاه المصارف؛ كونها تُعدّ التزاماً تجارياً صريحاً بموجب القانون. علماً أن السياسات التي استنزفت الاحتياطيات الأجنبية، من دعم غير مدروس وتمويل مزمن لعجز الدولة، تشكّل السبب الجوهري للفجوة المالية.

وبذلك، فإن الدولة، وفقاً لقناعة الجمعية المعززة بقرار قضائي لمجلس شورى الدولة، مدعوّة إلى تطبيق القوانين، بدءاً بالمادة 113 من قانون النقد والتسليف التي تحمّلها مسؤولية تغطية خسائر المصرف المركزي، علماً أن توظيف أموال المودعين لدى مصرف لبنان جاء بغالبيته نتيجة التزام المصارف بالتعاميم الصادرة عنه وبأصول التعامل التي فرضها مصرف لبنان على المصارف.

مقرّ مصرف لبنان المركزي في بيروت (رويترز)

ومع رصده «مرحلة جديدة في الأفق»، لاحظ خلف أنه «بات واضحاً أن أي خطة تعافٍ لا يمكن أن تنجح إلا من خلال شراكة مسؤولة بين الأطراف المعنيّة، تقود إلى استعادة الثقة وحماية حقوق المودعين دون المس بمقومات استمرارية القطاع المصرفي». وهذه الثوابت لم تعد مجرّد وجهة نظر مصرفية، بل «أصبحت محوراً لمواقف رسمية متقدّمة، برزت خلال اللقاءات الأخيرة التي عقدتها جمعية المصارف مع جهات رسمية عدّة، كان آخرها مع حاكم مصرف لبنان كريم سعيد، الذي تميّز بالمصارحة ووضوح الرؤية، وبمواقف تستحق التوقّف عندها؛ لأنها أعادت توجيه النقاش إلى سكّة المنطق والعدالة».

ومع توخي تصحيح مسار النقاش العام عبر المواقف الرسمية المستجدة، والتطلع إلى ترجمتها في انتهاج سياسات عملية ونصوص وتشريعات واضحة قابلة للتطبيق، يمكن وفق خلف، انضاج فرصة حقيقية لإنقاذ ما تبقّى من مقومات، ضمن رؤية تشاركية تعترف بالطابع النظامي للأزمة، وبالتالي الإقرار بأن المسؤولية ثلاثية الأبعاد تشمل الدولة، ومصرف لبنان، والمصارف. في حين يقود أي اختزال أو تحميل أحادي للعودة إلى الحلقة المفرغة.


مقالات ذات صلة

المشرق العربي رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري (رويترز)

بري: حديث رئيس الجمهورية أمام الهيئات الاقتصادية غير دقيق

أعلن المكتب الإعلامي لرئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري، في بيان مساء اليوم، أن حديث الرئيس جوزيف عون أمام الهيئات الاقتصادية حول موضوع اتفاق نوفمبر غير دقيق.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي الرئيس جوزيف عون مستقبلاً وفداً من الهيئات الاقتصادية (الرئاسة اللبنانية)

سجال المفاوضات مع إسرائيل يهز علاقة بري وعون

شدد الرئيس اللبناني جوزيف عون على أنه على إسرائيل أن تدرك أنه عليها أولاً تنفيذ وقف إطلاق النار بشكل كامل للانتقال بعدها إلى المفاوضات

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي رئيس الجمهورية جوزيف عون مستقبلاً رئيس البرلمان نبيه بري (أرشيفية - رئاسة الجمهورية)

بري وعون... تواصل مستمر ولقاء مؤجل

على وقع الضغوط والتحولات المتسارعة التي تشهدها الساحة اللبنانية، تبرز العلاقة بين رئيس الجمهورية جوزيف عون ورئيس البرلمان نبيه بري

كارولين عاكوم (بيروت)
المشرق العربي البطريرك الراعي مستقبلاً السفير بخاري في بكركي (الوكالة الوطنية للإعلام)

تأكيد سعودي على ترسيخ مناخات الأمان والاستقرار في لبنان

شدّدَ اللقاء الذي جمع البطريرك الماروني بشارة الراعي في الصرح البطريركي مع سفير المملكة العربية السعودية في لبنان وليد بخاري على أولوية تثبيت الاستقرار في لبنان

«الشرق الأوسط» (بيروت)

مقتل 9 أشخاص وإصابة 13 وفقدان 3 في غارات إسرائيلية على جنوب لبنان

يحمل المشيعون نعوش ثلاثة من عناصر الدفاع المدني اللبناني الذين استشهدوا في غارة جوية إسرائيلية على بلدة مجدل زون خلال جنازتهم في مدينة صور الجنوبية (رويترز)
يحمل المشيعون نعوش ثلاثة من عناصر الدفاع المدني اللبناني الذين استشهدوا في غارة جوية إسرائيلية على بلدة مجدل زون خلال جنازتهم في مدينة صور الجنوبية (رويترز)
TT

مقتل 9 أشخاص وإصابة 13 وفقدان 3 في غارات إسرائيلية على جنوب لبنان

يحمل المشيعون نعوش ثلاثة من عناصر الدفاع المدني اللبناني الذين استشهدوا في غارة جوية إسرائيلية على بلدة مجدل زون خلال جنازتهم في مدينة صور الجنوبية (رويترز)
يحمل المشيعون نعوش ثلاثة من عناصر الدفاع المدني اللبناني الذين استشهدوا في غارة جوية إسرائيلية على بلدة مجدل زون خلال جنازتهم في مدينة صور الجنوبية (رويترز)

قتل 9 أشخاص وأصيب 13 وفقد 3 آخرون في غارات إسرائيلية اليوم الخميس على جنوب لبنان.

ووفقاً لما ذكرته «الوكالة الوطنية للإعلام» في بيان لها: «أدى العدوان الجوي الذي نفذته الطائرات الحربية الإسرائيلية اليوم إلى استشهاد ثلاثة مواطنين في بلدة جبشيت وجرح سبعة آخرين وتدمير مبنى سكني».

وأشارت الوكالة إلى «استشهاد أربعة مواطنين في بلدة تول أيضاً وجرح ستة آخرين وتدمير مبنى سكني»، لافتة إلى «استشهاد مواطنين اثنين في بلدة حاروف وتدمير منزل».

وطبقاً للوكالة، «تعرض منزل عائلة موظف في مجلس الجنوب في بلدة الحنية - قضاء صور، لغارة صهيونية غادرة، ما أدى إلى انهياره بشكل كامل على رؤوس قاطنيه».

وقال مجلس الجنوب، في بيان صحافي، إن مصير الموظف وابنه ووالدته لا يزال مجهولاً في ظل منع فرق الإسعاف من الوصول إلى موقع الغارة، مناشداً الجيش اللبناني وقوات «اليونيفيل» ولجنة المكانيزم تسريع الاتصالات لوصول فرق الإسعاف إلى معرفة مصير الموظف وعائلته والقيام بما يلزم.

يذكر أن اتفاقاً لوقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل قد دخل حيز التنفيذ اعتباراً من منتصف ليل يوم الخميس قبل الماضي، بعد أسابيع من الغارات الجوية الإسرائيلية التي بدأت فجر الثاني من مارس (آذار) الماضي، رداً على هجمات لـ«حزب الله».


المنظمون: إسرائيل احتجزت 211 ناشطاً من «أسطول الصمود» المتجه إلى غزة

تُظهر لقطات كاميرات المراقبة أفراد طاقم الأسطول الثاني الذي أبحر من ميناء برشلونة الإسباني حاملاً مساعدات إنسانية للفلسطينيين في غزة وهم يرفعون أذرعهم بينما الجيش الإسرائيلي اعترض السفينة (رويترز)
تُظهر لقطات كاميرات المراقبة أفراد طاقم الأسطول الثاني الذي أبحر من ميناء برشلونة الإسباني حاملاً مساعدات إنسانية للفلسطينيين في غزة وهم يرفعون أذرعهم بينما الجيش الإسرائيلي اعترض السفينة (رويترز)
TT

المنظمون: إسرائيل احتجزت 211 ناشطاً من «أسطول الصمود» المتجه إلى غزة

تُظهر لقطات كاميرات المراقبة أفراد طاقم الأسطول الثاني الذي أبحر من ميناء برشلونة الإسباني حاملاً مساعدات إنسانية للفلسطينيين في غزة وهم يرفعون أذرعهم بينما الجيش الإسرائيلي اعترض السفينة (رويترز)
تُظهر لقطات كاميرات المراقبة أفراد طاقم الأسطول الثاني الذي أبحر من ميناء برشلونة الإسباني حاملاً مساعدات إنسانية للفلسطينيين في غزة وهم يرفعون أذرعهم بينما الجيش الإسرائيلي اعترض السفينة (رويترز)

أعلن منظّمو «أسطول الصمود» العالمي، الذي كان متجهاً إلى قطاع غزة لكسر الحصار المفروض على القطاع، أن الجيش الإسرائيلي «اختطف» 211 ناشطاً، من بينهم مستشارة في بلدية باريس، خلال عملية نفّذها في المياه الدولية قبالة اليونان، وفق ما نشرت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وقالت المتحدثة باسم منظمة «غلوبال صمود - فرنسا»، هيلين كورون، الخميس في مؤتمر صحافي عبر الإنترنت، إن العملية جرت قرب جزيرة كريت، بعيداً من السواحل الإسرائيلية.

إيطاليا تطالب بالإفراج عن مواطنيها

وفي السياق، دعت الحكومة الإيطالية في بيان اليوم، إلى الإفراج الفوري عن جميع الإيطاليين المحتجزين بشكل غير قانوني الذين كانوا على متن «أسطول الصمود»، وأدانت الاستيلاء على سفن الأسطول.

وأعلن كل من وزارة الخارجية الإسرائيلية ومنظمي الأسطول في وقت سابق الخميس، أن البحرية الإسرائيلية اعترضت نحو 175 ناشطاً من «أسطول الصمود» قبالة اليونان، وباتوا في طريقهم إلى الدولة العبرية.

وكتبَت الوزارة على منصة «إكس»: «نحو 175 ناشطاً كانوا على متن أكثر من 20 سفينة (...) يسلكون حالياً طريقهم إلى إسرائيل بشكل سلمي».

وكان منظمو هذا الأسطول الذي يضم ناشطين مؤيدين للفلسطينيين يسعون إلى كسر الحصار الذي تفرضه إسرائيل على قطاع غزة، وتوصيل المساعدات إليه، قد أفادوا في وقت سابق بأن سفناً عسكرية إسرائيلية حاصرت قواربهم لدى وجودها قبالة سواحل جزيرة كريت اليونانية.

وكان الأسطول قد أبحر في الأسابيع الأخيرة من مرسيليا في فرنسا وبرشلونة في إسبانيا وسيراكيوز في إيطاليا.

وخلال ليل الأربعاء إلى الخميس، قال المنظّمون إن القوارب «حوصرت بشكل غير قانوني» من قبل سفن إسرائيلية.


«الكسب غير المشروع»: أموال «التسويات» مع رجال أعمال حقبة الأسد كبيرة

رئيس «لجنة مكافحة الكسب غير المشروع» باسل السويدان (الشرق الأوسط)
رئيس «لجنة مكافحة الكسب غير المشروع» باسل السويدان (الشرق الأوسط)
TT

«الكسب غير المشروع»: أموال «التسويات» مع رجال أعمال حقبة الأسد كبيرة

رئيس «لجنة مكافحة الكسب غير المشروع» باسل السويدان (الشرق الأوسط)
رئيس «لجنة مكافحة الكسب غير المشروع» باسل السويدان (الشرق الأوسط)

أكد رئيس «لجنة مكافحة الكسب غير المشروع» في سوريا، باسل السويدان، أن «الأصول المستردة» من «التسويات الاقتصادية» التي تجريها اللجنة لرجال أعمال ارتبطوا بنظام الأسد وعملوا تحت مظلته «كبيرة»، عادت بوصفها حقوقاً للشعب السوري ضمن «برنامج الإفصاح الطوعي».

حمشو يوقع على تسوية مع الحكومة تحت برنامج الإفصاح الطوعي للفاسديناللجنة الوطنية لمكافحة الكسب غير المشروع (حساب فيسبوك)

وأوضح في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن اللجنة تلقت مئات طلبات الإفصاح الطوعي، أُنجزت منها تسويات متعددة، فيما رُفضت طلبات أخرى لعدم استيفائها المعايير.

كيف تحدد اللجنة حدود الكسب غير المشروع؟ سؤال توجهت به «الشرق الأوسط» لرئيس اللجنة باسل السويدان، الذي شرح أن الكسب غير المشروع «مفهوم قانوني يرتبط حُكماً بالأشخاص، ويُعرّف بأنه كل زيادة غير مبررة في الذمة المالية لا تتناسب مع الموارد المشروعة المعروفة لصاحبها، ويعجز عن تقديم تفسير قانوني ومقنع لمصدرها»، وهذا يشمل الشركات والعقارات والأسهم والتدفقات المالية. كما يتم ضمن منهج تحقيقي محوكم يعتمد على جمع البيانات وتحليلها وربطها ضمن صورة مالية متكاملة.

اجتماع للجنة مكافحة الكسب غير المشروع في سوريا (سانا)

وأشار السويدان إلى أن اللجنة رغم ارتباط عملها بالأشخاص، تعتمد معايير موضوعية في اختيار الحالات، من بينها كون الشخص يمثل ظاهرة مالية كبيرة أو جزءاً من شبكة اقتصادية معقدة، أو وجود تضخم واضح في الثروة لا يمكن تفسيره ضمن الإطار المشروع. وأكد أن المساءلة تقوم على الأدلة والقرائن المالية، وليس على الموقع أو الصفة.

الإفصاح الطوعي

وأصدر الرئيس السوري، أحمد الشرع، في الرابع من مايو (أيار) 2025، القرار الرئاسي رقم 13، الخاص بـ«تشكيل لجنة مكافحة الكسب غير المشروع»، لحماية المال العام ومكافحة الكسب غير المشروع بجميع أشكاله، واسترداد الأموال غير المشروعة.

وفي 28 ديسمبر (كانون الأول) 2025 أطلقت اللجنة «برنامج الإفصاح الطوعي» لمدة ستة أشهر، والموقع الإلكتروني الرسمي لها، والذي يتضمن خدمات الإبلاغ والإفصاح الطوعي والاستفسار والتواصل مع اللجنة.

السويدان أوضح أن «برنامج الإفصاح الطوعي» يمثل أحد الأدوات الأساسية التي اعتمدتها اللجنة ضمن نظام عملها الداخلي، وهو جزء من صلب العمل القانوني وليس إجراءً استثنائياً. ويعرّف البرنامج بأنه «آلية تتيح للأشخاص الذين ترتبط أموالهم بشبهات كسب غير مشروع الإفصاح عنها طوعاً، وإخضاعها لتدقيق مالي وقانوني شامل، وصولاً إلى تسوية منظمة تُحدد من خلالها الأموال أو الأصول التي يجب استردادها لصالح الدولة».

رجل الأعمال وسيم قطان

وأشار إلى أن اعتماد هذه الآلية جاء استناداً إلى توصيات أممية وتجارب دولية مماثلة، حيث تُظهر تجارب الأمم المتحدة والتجارب العالمية في هذا المجال أن الإفصاح الطوعي والتسويات الاقتصادية تُعد من أكثر الأدوات فاعلية في معالجة إرث الكسب غير المشروع، خاصة في الدول الخارجة من النزاعات.

وأثبتت هذه التجارب أن الاعتماد الحصري على المسارات القضائية التقليدية قد يستغرق زمناً طويلاً، ويؤدي إلى تجميد الأصول أو فقدانها، في حين يتيح الإفصاح الطوعي استرداداً أسرع وأكثر كفاءة، مع الحفاظ على استمرارية الأصول ضمن الاقتصاد، مشيراً إلى أنه في هذا السياق، تم اعتماد البرنامج ضمن الإطار الذي نظمه القرار الرئاسي رقم 13 لعام 2025، مع تكييفه بما يتناسب مع خصوصية الواقع السوري.

رجال أعمال أجروا تسويات

وكانت «لجنة مكافحة الكسب غير المشروع» قد أعلنت، منتصف أبريل الحالي، انتهاء إجراءات استلام الأصول العائدة لكل من رجل الأعمال وسيم قطان وإخوته، والأصول المرتبطة بنعيم الجراح، وذلك في إطار طلبات الإفصاح الطوعي المقدمة إلى اللجنة والتسويات الاقتصادية.

ويملك قطان عدة شركات منها «لاروسا للمفروشات» و«مجموعة مروج الشام للاستثمار والسياحة»، ويشغل منصب مدير «شركة آدم للتجارة والاستثمار» و«شركة نقطة تقاطع». وهو أيضاً مدير وشريك مؤسس في عدة شركات أخرى. وأكد القطان أن تسليم «مول المالكي» و«مول قاسيون» بدمشق إلى اللجنة تم بالاتفاق والتفاهم، نافياً عبر «فيسبوك» صحة الأنباء التي تحدثت عن مصادرة مفاجئة لأصوله.

أما نعيم الجراح، فهو رجل أعمال فلسطيني سوري، كانت له شبكة علاقات واسعة داخل الأوساط الأمنية والاقتصادية في حقبة نظام الأسد، وفق تقارير أشارت إلى تلقيه دعماً من شخصيات نافذة ساعدته في تأسيس مجمع «أبتاون» الشهير في مشروع «دمر» بدمشق، و«القرية الشامية» التي صورت فيها حلقات مسلسل «باب الحارة».

رجل الأعمال الفلسطيني السوري نعيم الجراح

وشغل الجراح منصب رئيس مجلس إدارة «شركة خطوط كنده الجوية»، ومدير «شركة قتيبة» و«شركة جراح وشامي وأشقر للتطوير والاستثمار العقاري» وشركة «الجراح للاستثمارات» وشريك مؤسس في شركة «الرضا».

رجل الأعمال سامر الفوز أجرى تسوية اقتصادية مؤخرا (حساب فيسبوك)

كما أنجزت تسوية لرجل الأعمال سامر الفوز، الذي بدأ ظهوره خلال سنوات الحرب. وكشف السويدان في مقابلة صحافية نشرت مؤخراً عن أن هذه التسوية تضمنت نقل ملكية 32 شركة وأصول متنوعة، شملت شركات صلب وأسمنت وحديد وطيران، وشركات غذائية وهندسية وخرسانة، وفنادق ومطاعم ومنشآت سياحية، وحصص وأسهم في شركات تعدين وفوسفات، وأسهم في بنكين خاصين.

التسوية شملت أيضاً رجل الأعمال طريف الأخرس، وفق الإجراءات الرسمية المعتمدة، أما الأصول المرتبطة بعائلة فواز الأخرس (والد أسماء الأخرس زوجة الرئيس السابق بشار الأسد) فقد اتُّخذت بحقها إجراءات تحفظية كاملة شملت الحجز على الأصول محل الاشتباه، وفق السويدان.

غير أن أول تسوية أعلن عنها في إطار برنامج الإفصاح الطوعي كانت بداية يناير (كانون الثاني) الماضي مع رجل الأعمال، محمد حمشو، الذي كان يوصف بأنه أحد «حيتان» الاقتصاد السوري في حقبة حكم الأسد. وتضمنت وفق مصادر مطلعة، تسليم حمشو 80 في المائة من الأموال والأصول التجارية والصناعية والعقارية التي لديه للدولة، فيما نقلت تقارير أنه تمت استعادة ما قيمته نحو 800 مليون دولار من أموال وأصول.

وأثار الإعلان عن تلك «التسوية»، في حينها، استياء في الشارع السوري، باعتبار أن حمشو كان جزءاً من الحرب التي شنها النظام البائد على المعارضة، إذ كان، حسب كثيرين، ذراعاً مالية عبر شركاته، وعسكرية عبر تشكيله ميليشيات رديفة للجيش، ودعائية عبر قنوات تلفزيونية كان يملكها.

وشدد السويدان، عبر تصريحات للإعلام الرسمي، على أن «التسويات الاقتصادية» التي أُجريت مع بعض رجال الأعمال لا تمنح أي حصانة جزائية، ولا تمس بحقوق الغير، ولا تؤثر في مسارات العدالة الانتقالية، موضحاً أنها تقتصر على معالجة الشق المالي الناتج عن جرم الكسب غير المشروع، فيما تبقى بقية المسارات القضائية قائمة.

عدم تعطيل القضاء

شدد السويدان على أن «الإفصاح الطوعي» لا يلغي المسار القضائي بل يعمل بالتوازي معه، موضحاً أن الهدف الأساسي هو تقليل الزمن الذي تستغرقه إجراءات التقاضي، وتخفيف العبء عن القضاء السوري، مع الحفاظ على استمرارية العمل القانوني.

وأكد أن اللجنة استمرت في تنظيم الضبوط وإحالة الملفات التي لم تستوفِ شروط الإفصاح، وهو ما سيشكّل الأساس للمرحلة التالية.

وكشف السويدان عن أن عدد الحالات التي تخضع للتدقيق يُقدّر بالآلاف، نتيجة تشعب الشبكات الاقتصادية المرتبطة بالكسب غير المشروع، التي لم تكن ظاهرة فردية بل منظومة ممتدة.

رئيس «لجنة مكافحة الكسب غير المشروع» باسل السويدان يتوسط محمد الطويل نقيب المحامين يسار ورامي النومان من مكتب العلاقات العامة في النقابة (موقع الهيئة)

وأوضح السويدان لـ«الشرق الأوسط» أن الأصول التي جرى ضبطها أو استردادها ضمن برنامج الإفصاح الطوعي لا تزال في مرحلة استكمال الإجراءات، حيث يتم تثبيت الملكيات واستكمال التحقيقات وتحليل الارتباطات المالية، قبل تحديد المسار النهائي.

وأكد أن هذه الأصول ستتجه إلى أحد مسارين: التسوية ضمن برنامج الإفصاح الطوعي، أو الإحالة إلى القضاء المختص، وفق نتائج التحقيق.

انتهاء المهلة

وأكد أن «برنامج الإفصاح الطوعي» يمنح فرصة زمنية محددة لتسوية الأوضاع ضمن إطار قانوني محوكم، لكنه ليس متاحاً لجميع الحالات، بل يخضع لمعايير قبول دقيقة، ويشكّل فرصة حقيقية للبعض لإعادة الاندماج في الاقتصاد النظامي. وأن المرحلة التي تلي انتهاء المهلة تمثل انتقالاً منظماً إلى مرحلة تعتمد على تفعيل كامل للمسار القضائي.

ولفت إلى أن بعض الملفات تتضمن شبهات تتعلق بجرائم مالية أخرى، مثل غسل الأموال أو تمويل الإرهاب أو الاتجار بالمخدرات، وفي هذه الحالات يتم إحالة الملفات إلى النيابة العامة المختصة، لضمان تكامل الإجراءات القانونية.

وأضاف أن اللجنة ستواصل التنسيق مع الجهات الرقابية، وفي مقدمتها الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش، لمعالجة الجوانب المؤسسية المرتبطة ببعض الملفات.