«المتحف الكبير» يُعيد تسويق مصر سياحياً وحضارياً

توقعات باستقباله 15 ألف زائر يومياً خلال الفترة المقبلة

TT

«المتحف الكبير» يُعيد تسويق مصر سياحياً وحضارياً

تمثال رمسيس الثاني في بهو المتحف المصري الكبير (الشرق الأوسط)
تمثال رمسيس الثاني في بهو المتحف المصري الكبير (الشرق الأوسط)

لا صوت يعلو في مصر راهناً على صوت افتتاح المتحف الكبير، خصوصاً أن قطاعاً كبيراً من المصريين يعدّون افتتاح المتحف «حدثاً تاريخياً مهماً»، ووجهةً مميزةً لاجتذاب مزيد من السائحين.

وشهدت مصر خلال الساعات التي سبقت الافتتاح استنفاراً غير مسبوق في العاصمة المصرية، خصوصاً بالمنطقة المحيطة بالمتحف (غرب القاهرة)؛ لاستقبال الوفود المشارِكة في حفل الافتتاح.

وتراهن مصر على المتحف الكبير في تحقيق استراتيجيتها السياحية خلال السنوات الست المقبلة، حيث تهدف إلى استقبال نحو 30 مليون سائح بحلول عام 2031، مقابل 15 مليون سائح العام الماضي.

وأسهم المتحف في تغيير الجغرافيا المحيطة به في الجيزة (غرب القاهرة)، حيث تمَّ تحسين البنية التحتية والصورة البصرية على نحو لافت بالمنطقة التي تحتضن المتحف.

ووفق رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، رئيس «مجموعة طلعت مصطفى»، وأحد رعاة حفل افتتاح المتحف، فإن «المتحف سوف يحافظ على التوازن بين مدخلات ومخرجات العملة الصعبة خلال الفترة المقبلة».

المتحف المصري الكبير يفتح أبوابه للعالم (الشرق الأوسط)

وأكد، خلال المؤتمر الصحافي الذي عُقد قبيل حفل الافتتاح مساء السبت، أن «افتتاح المتحف الكبير أسهم في إنعاش حركة السياحة أخيراً، وفي زيادة أسعار الغرف الفندقية، حيث وصل سعر الليلة في فنادق القاهرة وأسوان إلى أكثر من ألف دولار، عادّاً هذا الرقم مميزاً وجديداً على فنادق القاهرة بشكل خاص».

وتوقَّع مصطفى الذي تشرف شركته على تطوير عدد من الفنادق التاريخية، ويمتلك مجموعةً من الفنادق بالبلاد، أن تشهد مصر خلال الفترة المقبلة زيادةً في الحركة السياحية الوافدة من الخارج، مستشهداً بزيادة الحركة في مدينة شرم الشيخ بعد استضافتها مؤتمر «توقيع اتفاقية السلام» في قطاع غزة بحضور عدد كبير من رؤساء العالم، في مقدمتهم الرئيس الأميركي دونالد ترمب. وقال إن «الحركة السياحية في المدينة كانت تعاني خلال الأشهر الماضية؛ بسبب الأوضاع الإقليمية لكن نسبة الإشغال في فنادق المدينة تبلغ راهناً نحو 85 في المائة، حيث تضاعف سعر الغرف 4 مرات».

جانب من المؤتمر الصحافي بالمتحف المصري الكبير (الشرق الأوسط)

ولمواكبة الحركة السياحية خلال الفترة المقبلة بعد افتتاح المتحف الكبير، بدأت «مجموعة طلعت مصطفى» في مشروع إنشاء فندق ضخم خلف المتحف الكبير على مساحة 350 ألف متر، وسيكون بإمكان نزلاء هذا الفندق، وفق مصطفى، الذهاب إلى المتحف سيراً على الأقدام عبر نفق للمشاة.

ولفت إلى تطوير فنادق «مينا هاوس» المجاور للمتحف الكبير، و«ماريوت» بالزمالك، و«أولد كتراكت» في أسوان لمواكبة انتعاشة حركة السياحة المتوقعة في البلاد.

ويرى رجل الأعمال المصري محمد منصور، عضو مجلس أمناء المتحف، أن «المتحف الجديد سيجلب لمصر أكثر من 5 ملايين سائح سنوياً»، مشيداً بالبنية التحتية في مشروعات الطرق.

ويتوقَّع حسن علام، الرئيس التنفيذي لـ«مجموعة حسن علام القابضة»، ورئيس مجلس إدارة الشركة المشغلة للمتحف المصري الكبير، استقبال المتحف الجديد نحو 15 ألف زائر يومياً، بعدما كان يستقبل نحو 6 آلاف زائر خلال التشغيل التجريبي في الأشهر الماضية.

ويُعدّ المتحف المصري الكبير أكبر متحف مخصص لحضارة واحدة في العالم. وعبَّر عدد كبير من المصريين خلال الساعات الماضية عن سعادتهم وفخرهم بهذا الحدث الذي عدّوه «مميزاً وتاريخياً».

المتحف المصري الكبير تم تصميمه بالتناغم مع الأهرامات (رئاسة مجلس الوزراء)

واحتفل المئات خارج أسوار المتحف في الليلة السابقة للافتتاح على أنغام الأغاني الوطنية، حاملين أعلام مصر، وسط أجواء من البهجة والنشوة لافتتاح الصرح الكبير الذي يضم نحو 100 ألف قطعة أثرية، في مقدمتها مقتنيات الفرعون الذهبي توت عنخ آمون، التي تعرض كاملة للمرة الأولى، بجانب تمثال رمسيس الثاني الذي يتوسَّط بهو المتحف، و«الدرج العظيم» الذي يحتضن كثيراً من التماثيل الضخمة، وعمود مرنبتاح، ومتحف مراكب الملك خوفو، ومعمل الترميم، والمسلة المعلقة التي يظهر بقاعدتها خرطوش الملك رمسيس الثاني أحد أعظم ملوك مصر القديمة.

وقد فاز التصميم الحالي للمتحف المُقدم من شركة «هينغهان بنغ للمهندسين المعماريين» بآيرلندا Heneghan Peng Architects، والذي اعتمد تصميمه على أن تُمثل أشعة الشمس الممتدة من قمم الأهرامات الثلاثة عند التقائها كتلة مخروطية هي المتحف المصري الكبير. وقد تم البدء في بناء مشروع المتحف في مايو (أيار) 2005، حيث تم تمهيد الموقع وتجهيزه، وفي عام 2006، أُنشئ أكبر مركز لترميم الآثار بالشرق الأوسط، خُصص لترميم وحفظ وصيانة وتأهيل القطع الأثرية المُقرر عرضها بقاعات المتحف، الذي تم افتتاحه خلال عام 2010.

وعدَّ وزير الآثار الأسبق وعالم المصريات، الدكتور زاهي حواس، افتتاح المتحف «رسالة للعالم كله بأن مصر تصون آثارها». وقال في تصريحات سابقة لـ«الشرق الأوسط» إن «المتحف سيضع مصر على قمة العالم»، متوقعاً أن يحقق عائدات كبيرة خلال الفترة المقبلة تغطي تكلفته التي وصلت إلى مليارَي دولار.

يضم المتحف الكبير نحو 100 ألف قطعة أثرية من عصور مختلفة (الشرق الأوسط)

ووُضع حجر أساس المتحف المصري الكبير عام 2002، وافتُتحت مرحلتاه الأولى والثانية اللتان شملتا مخازن الآثار ومركز الترميم عام 2010، ثم تعطَّل التنفيذ بسبب أحداث 2011، قبل أن يتم استئناف العمل مجدداً عام 2014، وكان من المقرر افتتاحه عام 2020 لكن جائحة «كوفيد - 19» تسببت في تعطيل المشروع وتأجيل الافتتاح.

وأعلنت مصر عزمها على افتتاحه في 3 يوليو (تموز) الماضي، قبل أن تؤجل الحفل بسبب الهجمات الإسرائيلية على إيران وحرب غزة، حتى تم تحديد الافتتاح في الأول من شهر نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي.

وحقَّقت مصر أرقاماً قياسية في أعداد السائحين خلال العامين الماضيين، فوصل عددهم في 2024 إلى 15.7 مليون سائح. وتستهدف مصر وصول الرقم إلى 30 مليون سائح بحلول عام 2031، معوّلة على المتحف الكبير من بين مشروعات أثرية وثقافية أخرى.

وأبدى حواس سعادته بــ«الوعي الأثري الذي تسبب فيه حفل افتتاح المتحف بين المصريين»، مشيراً إلى «اهتمام العالم كله بالمتحف وافتتاحه، لا سيما معروضات (الفرعون الذهبي) توت عنخ آمون التي تعدّ درة تاج المتحف الكبير».

واحتفت السلطات ووسائل الإعلام المصرية بالمتحف، واصفة إياه بأنه «هدية مصر للعالم»، وعدَّت افتتاحه «حدثاً تاريخياً»، و«فصلاً جديداً في تاريخ الحضارة المصرية»، و«حلماً يليق بمصر، وبحضارتها الممتدة عبر آلاف السنين».


مقالات ذات صلة

في متحف الذهب الأسود بالرياض... التصميم في خدمة الفن

خاص التصميم الداخلي لمتحف الذهب الأسود «كابسارك» (هيئة المتاحف)

في متحف الذهب الأسود بالرياض... التصميم في خدمة الفن

مبنى كابسارك الذي صممته الراحلة زها حديد بتصميمه المميز والمنساب برشاقة يعد تحفة معمارية وبتحوله إلى متحف للذهب الاسود أصبح مركزا ثقافيا وفنيا بامتياز.

عبير مشخص (لندن)
يوميات الشرق رفيق أناضول (سيلا شيلوني - نيويورك تايمز)

في متحف الذكاء الاصطناعي تشعر بالفن... وهو بدوره يشعر بك

يُعدّ «داتالاند»، الذي أسّسه أناضول وزوجته الرسامة إفسون إركيليتش، إضافةً مُرتقبةً بشدة إلى المشهد الفني - التقني المُزدهر في لوس أنجليس.

يوميات الشرق جانب من المقتنيات التي سيضمها المتحف (حسابه على «فيسبوك»)

متحف السينما المصرية لاستعادة «زمن الفن الجميل»

يواصل المنتج المصري هشام سليمان العمل على مشروع «متحف السينما المصرية»، الذي من المنتظر أن يضم مقتنيات خاصة لعدد من نجوم السينما المصرية.

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق نجح متحف أورسيه في تبسيط ترميم الأعمال الفنية من خلال تحويل العملية الدقيقة التي استغرقت عاماً كاملاً للوحة غوستاف كوربيه التي يبلغ طولها 22 قدماً إلى حدث عام (إليوت فيردييه - نيويورك تايمز)

متحف باريسي يحوِّل عملية ترميم لوحة شهيرة إلى عرض ممتع للزوار

عادةً ما تتم عمليات ترميم الأعمال الفنية العظيمة بهدوء خلف الأبواب المغلقة، لكن هذه المرة، سمح متحف «أورسيه» في باريس للزوار بالاطلاع من كثب على عملية الترميم…

إيلين شيلينو (باريس)
يوميات الشرق من مقتنيات متحف أم كلثوم (متحف أم كلثوم)

احتفاء مصري بمرور ربع قرن على تدشين متحفي أم كلثوم وعبد الوهاب

احتفى بيت المعمار المصري بمرور ربع قرن على تدشين متحفي أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب، ضمن احتفالات وزارة الثقافة المصرية باليوم العالمي للمتاحف.

محمد الكفراوي (القاهرة )

الذكاء الاصطناعي يتنبأ بانخفاض السكر قبل حدوثه بيوم

النموذج يستهدف الحد من المضاعفات المرتبطة بانخفاض السكر في الدم  (جامعة سيدرز-سيناي للعلوم الصحية)
النموذج يستهدف الحد من المضاعفات المرتبطة بانخفاض السكر في الدم (جامعة سيدرز-سيناي للعلوم الصحية)
TT

الذكاء الاصطناعي يتنبأ بانخفاض السكر قبل حدوثه بيوم

النموذج يستهدف الحد من المضاعفات المرتبطة بانخفاض السكر في الدم  (جامعة سيدرز-سيناي للعلوم الصحية)
النموذج يستهدف الحد من المضاعفات المرتبطة بانخفاض السكر في الدم (جامعة سيدرز-سيناي للعلوم الصحية)

طوّر باحثون في الولايات المتحدة نموذجاً جديداً يعتمد على الذكاء الاصطناعي، قادراً على التنبؤ باحتمال إصابة المرضى المنومين في المستشفيات بانخفاض مستوى السكر في الدم، قبل حدوثه بما يصل إلى 24 ساعة.

وأوضح فريق البحث من جامعة سيدرز - سيناي للعلوم الصحية أن النموذج يمنح الأطباء فرصة للتدخل المبكر، ما يسهم في الحد من المضاعفات الخطيرة المرتبطة بانخفاض السكر في الدم، ونُشرت النتائج، الجمعة، بدورية «npj Digital Medicine».

ويُعد انخفاض مستوى السكر في الدم، أو نقص سكر الدم، من المضاعفات الشائعة والخطيرة لدى المرضى المنومين، خصوصاً المصابين بالسكري، أو الصائمين قبل العمليات الجراحية، أو الموجودين في وحدات الرعاية الحرجة. وقد يؤدي الانخفاض الحاد في مستويات السكر إلى مضاعفات خطيرة، مثل التشنجات، وفقدان الوعي أو الغيبوبة، واضطرابات نظم القلب، مما يجعل الكشف المبكر عن المرضى الأكثر عرضة للخطر والتدخل الوقائي أمراً بالغ الأهمية.

ويعتمد النموذج الجديد على تقنية ذكاء اصطناعي تُعرف باسم «الذاكرة طويلة وقصيرة المدى (LSTM)»، وهي نوع من الشبكات العصبية المصممة لتحليل البيانات المتسلسلة واكتشاف الأنماط التي قد تشير إلى وقوع أحداث مستقبلية، مثل انخفاض مستوى السكر في الدم.

ويحلل النموذج البيانات المتوافرة في السجلات الطبية الإلكترونية، بما يشمل الأدوية التي يتلقاها المريض، ونتائج الفحوصات المخبرية، ومواعيد الوجبات، إلى جانب مؤشرات سريرية أخرى مرتبطة بحالته الصحية.

ولضمان دقة التنبؤ، يشير الفريق إلى أن النظام يجمع هذه البيانات على فترات، تمتد كل منها إلى 4 ساعات على مدار 5 أيام، ثم يحللها، لتقدير احتمال تعرض المريض لانخفاض مستوى السكر خلال الساعات الأربع والعشرين التالية.

وطوّر الباحثون النموذج، واختبروه باستخدام بيانات أكثر من 143 ألف حالة دخول لمرضى بالغين في 3 مستشفيات تابعة لمنظومة سيدرز-سيناي الصحية خلال الفترة بين عامي 2014 و2025. كما أجروا اختباراً إضافياً باستخدام بيانات مستقبلية في الوقت الفعلي، وهو ما أكد قدرة النموذج على العمل بكفاءة داخل بيئة المستشفيات، وليس فقط في ظروف الاختبارات البحثية.

عوامل رئيسية

وأوضح الباحثون أن دور النموذج لا يقتصر على إصدار تنبيه مبكر، بل يحدد أيضاً العوامل الرئيسية التي رفعت مستوى الخطر لدى كل مريض، ما يزوّد الفرق الطبية بمعلومات عملية تساعدها على تعديل العلاج أو النظام الغذائي أو جرعات الأدوية قبل حدوث انخفاض السكر، بما يعزز فرص الوقاية من المضاعفات ويحسن جودة الرعاية داخل المستشفيات.

ويقدّر فريق البحث أن استخدام هذه الأداة في مستشفى كبير قد يسهم في منع 3 إلى 4 حالات انخفاض سكر يومياً؛ ما يعني أن تعميمها على نطاق واسع قد يحقق أثراً ملموساً في تعزيز سلامة المرضى. وأكد الباحثون أن أهمية النموذج تكمن في أنه ليس مجرد نموذج نظري، بل جرى تطويره والتحقق من فعاليته للعمل في الوقت الفعلي اعتماداً على البيانات التي تجمعها المستشفيات بالفعل.

وفي الختام، أشار الفريق إلى أن اعتماد هذه التقنية على نطاق واسع قد يمهد الطريق نحو نموذج أكثر استباقية للرعاية الصحية يعتمد على تحليل البيانات، لا سيما للمرضى المصابين بالسكري أو غيرهم من الفئات المعرضة لاضطرابات مستويات السكر في الدم.


صادق الصبّاح: مسلسل «ممكن» إثراءٌ لا إثارة و«المدّاح» عائد

الممثلان نادين نجيم وظافر العابدين بطلا مسلسل «ممكن» (شركة الصبّاح إخوان)
الممثلان نادين نجيم وظافر العابدين بطلا مسلسل «ممكن» (شركة الصبّاح إخوان)
TT

صادق الصبّاح: مسلسل «ممكن» إثراءٌ لا إثارة و«المدّاح» عائد

الممثلان نادين نجيم وظافر العابدين بطلا مسلسل «ممكن» (شركة الصبّاح إخوان)
الممثلان نادين نجيم وظافر العابدين بطلا مسلسل «ممكن» (شركة الصبّاح إخوان)

كل الأعمال الدراميّة التي تُنتجها شركة «الصبّاح إخوان – سيدرز آرت»، وأَحدثُها مسلسل «ممكن»، هي بمثابة محرّكٍ للاقتصاد اللبناني. توظّف مئات الأيادي العاملة محاوِلةً ترميم القليل ممّا هدّمته الحروب المتعاقبة على وطن الأرز.

ثم تشاء الحرب التي تُلاصق لبنان كقَدرٍ محتوم، أن تضربَ عقرَ دار المُنتج صادق أنور الصبّاح وتسوّيَ أرضاً البيتَ الوالديّ في الجنوب.

منزل عائلة الصبّاح في النبطية جنوب لبنان قبل استهدافه وبعده منذ أسبوع (صور صادق الصبّاح)

«إعادة بناء البيت ممكنة، لكن كيف نعيد بناء الذكريات ولمسات أبي وأمّي فيه؟». سؤالٌ يهجسُ به الصبّاح كلّما تراءى له الركام الذي دُفنت تحته 40 سنةً من عُمر العائلة. يخبر «الشرق الأوسط» أنّ «مقاتلين اختبأوا في المنزل» المواجه لتلّة علي الطاهر الاستراتيجية في النبطيّة، بعد تعرّضهم لنيران إسرائيلية. ثم بدأوا يطلقون النار من الداخل فاستُهدف المكان فوراً ليلتحق بمئات المنازل المدمّرة.

«لعلّه راحَ فِداءً لِما تبقّى من بيوتٍ في المنطقة»، يقول الصبّاح لكنه يتساءل عن الضمانة التي تتيح التفكير في إعادة البناء وسط حالة عدم الاستقرار في الجنوب اللبناني. «أحمدُ الله أنّ مدفنَ والدي لم يُصَب بأذى. ثم أتذكّر أولادي وأولاد العائلة والأحفاد متحلّقين حولنا في حديقة المنزل، وأسأل نفسي عما إذا كان بالإمكان بعد تكرار مشهد هكذا».

إعادة بناء البيت ممكنة لكن كيف نعيد بناء الذكريات (صادق الصبّاح)

صادق الصبّاح أكثرُ العارفين أنّ الحياة ليست سينما ولا شاشة تلفزيون، وأنّ مَشاهدَها التي تمضي تذهبُ إلى غير رجعة. هو الباحثُ دوماً عن حكاياتٍ تنطبعُ في ذاكرة الجمهور العربي «ولا تستخفّ بعقلِه»، يُبدي رِضاه عن أحدثِ إنتاجات الشركة، مسلسل «ممكن»، رغم بعض الهفوات التقنية الناتجة عن الاضطرار إلى تسليم الحلقات بسرعة.

فاجأ المسلسل متابعيه لأسبابٍ عدّة، بدءاً بجرأة الطرح شكلاً ومضموناً، مروراً ببُنية الـ21 حلقة غير المعهودة في الدراما، وليس انتهاءً بالقصة التي تجعل المستحيل ممكناً.

انتهى عرض «ممكن» قبل أيام بعد تأجيله من رمضان إلى صيف 2026 (شركة الصبّاح إخوان)

«جوهر الحكاية هو أنه لا يجب إطلاق الأحكام المتسرّعة على البشر»، يقول المنتج اللبناني. على قاعدة أنّ الجميع يستحقّ فرصةً من الحياة، تجدُ بائعة الهوى «ميراج» واسمُها الحقيقي «نور» (الممثلة نادين نسيب نجيم) الحبَّ إلى جانب الطبيب «زياد» (الممثل ظافر العابدين)، الذي ارتكبَ هو الآخر خطأً قاتلاً خلال عملية جراحية.

تتآمرُ كل الظروف عليهما لتحولَ دون التقاء الحبيبَين. ويدور الجزء الأكبر من الحركة وسط ملهىً لَيليّ، بما فيه من إيحاءات جنسية وشرورٍ بشريّة.

تتآمر الظروف على بائعة الهوى «نور» والطبيب «زياد» لتحول دون استمرار حبّهما (شركة الصبّاح إخوان)

نادراً ما تغوص الدراما العربية في عالم مهنة الدعارة تحديداً، مضيئةً على تفاصيله وكواليسه كما يفعل «ممكن». يرى الصبّاح في تلك الجرأة ثراءً لا يبغي إثارة الجدل، بِقَدرِ ما يتوسّلُ طرحَ الأمور كما هي. «من واجب الدراما أن تحكي عن كل شيء» بما أنها مرآة للمجتمع؛ هذه هي قناعتُه، مع الأخذ في الاعتبار عدم الغرق في الابتذال. ويرى المُنتج أنّ المُشاهدين العرب يملكون ما يكفي من جاهزيّة لتلقّي المحتوى الجريء.

لكن انطلاقاً من الحرص على عدم خَدش مشاعر الجمهور، جاء قرار تأجيل عرض المسلسل من رمضان 2026 إلى الآن، وفق ما يوضح الصبّاح. «عندما شاهدت الحلقات الـ3 الأولى منه، شعرت بأنه غير لائق للشهر الكريم. فارتأينا بالتنسيق مع إدارة شبكة «إم بي سي»، تأجيلَه واقتصار الحلقات على 21 بدل 30 تفادياً للحشو مع الحفاظ على النهايات المشوّقة لكل حلقة».

المُشاهدون العرب جاهزون لتلقّي المحتوى الجريء (صادق الصبّاح)

بعض الرهانات في مسلسل «ممكن» كان محسوباً، كاختيار نادين نجيم وظافر العابدين لأداء الشخصيتَين الرئيسيتَين. وإذ يذكّر الصبّاح بأنّ «شهادته بنادين مجروحة»، يجيب على التساؤلات التي دارت حول انتقاء ممثلٍ تونسيّ وليس لبنانياً أو سورياً لتقديم شخصية «الدكتور زياد».

«أولاً، شركتُنا عربية وغير مَعنيّة بالتصنيفات الضيقة. ثم إنّ في ظافر كل المواصفات المطابقة لدور (زياد)»، يوضح الصبّاح. «بدءاً بالوسامة، وصولاً إلى الباع الطويل في الدراما العابرة للحدود، ولا سيّما تلك اللبنانية في مسلسل (عروس بيروت) حيث أتقنَ اللهجة»، ويلفت إلى أنّ العابدين كان ملائماً جداً للشخصية كما أنّ عدم ارتباطه بعملٍ آخر خلال تصوير «ممكن» شكّل عاملاً إضافياً لاختياره.

في ظافر العابدين كل المواصفات المطابقة للشخصية بما في ذلك الإطلالة واللهجة اللبنانية (صادق الصبّاح)

مثلُه مثلُ كثيرٍ من المُشاهدين، تلقّى المنتِج مفاجآتٍ إيجابية لم تكن من ضمن الرهانات. على رأس القائمة، الممثل آلان سعادة بشخصية «مازن»، مدير الملهى الليليّ حيث تعمل «ميراج».

«أعتقد أن آلان هو البطل الحقيقي للمسلسل»، يقول الصبّاح بثقة مضيفاً أنه لم يكن يعرف الممثل قبل «ممكن». «اكتشفتُ نجماً جديداً في الوطن العربي»، في إشارة واضحة إلى استمرارية التعاون بين «سيدرز آرت» وسعادة الآتي من عالم المسرح؛ مثلُه مثل أنجو ريحان التي أبدعت في شخصية بائعة الهوى «سلمى»، ومروى خليل بدَور شقيقة الدكتور زياد، وغيرهما من الوجوه المعروفة على الخشبة البيروتيّة.

الممثل آلان سعادة بشخصية مازن هو البطل الحقيقي للمسلسل (صادق الصبّاح)

يُقرّ الصبّاح بأنّ هذا اللقاء بين أهل المسرح ونجوم الدراما الذي حصل في «ممكن» بطلَبٍ من المخرج أمين دُرّة، شكّل عنصر إثراءٍ للمسلسل. كذلك فعلت بعض الوجوه الجديدة التي قدّمت أداءً آسراً، ويذكر الصبّاح من بينها الممثلة السورية روان مجر بشخصية «نسرين».

«أفضل ما في بعض ممثلي الجيل الصاعد أنهم قادرون على صناعة مَحاور وعلى تحويل الشخصيات الثانوية إلى أساسية»، يلفت الصبّاح.

قدّمت الممثلة السورية الصاعدة روان مجر أداءً مميّزاً في مسلسل «ممكن» (شركة الصبّاح إخوان)

إلّا أنّ المواهب التمثيلية الجديدة لا تتلاقى والجيل الصاعد من الكتّاب، حيث تكمن كبرى الأزمات التي تعاني منها شركة الصبّاح وسائر شركات الإنتاج العربية.

في «ممكن» جرت الاستعانة بكتّاب مخضرمين من مصر ولبنان، وقد تولّى القصة والسيناريو كلٌّ من منى الشيمي ومجدي أمين، لتأتيَ النتيجة نصاً سلِساً وقريباً من لغة الناس. لكن في المقابل، «ما زلنا نعاني أزمة كتّاب في المنطقة العربية، لأنّ الأقلام الجديدة غير قادرة على التقاط الأمزجة المطلوبة في الدراما».

ما زالت شركات الإنتاج تعاني أزمة كتّاب شباب في العالم العربي (صادق الصبّاح)

مزاج الشارع هو الأساس، وهو الذي يحدّد هويّات المسلسلات. ولكلِ منطقةٍ مزاجها. في مصر مثلاً، أكثر ما هو مرغوب منذ مدّة هي حكايات الأبطال الطالعين من البيئة الشعبية. وعلى هذا الأساس، تستعدّ شركة الصبّاح لمسلسلٍ رمضانيّ ضخم يؤدّي بطولته الممثل محمد رمضان، وهو من كتابة أحمد مراد وبيتر ميمي، بدعمٍ من الهيئة العامة للترفيه في المملكة العربية السعودية.

أما المفاجأة المصرية الثانية فموسم سابع من «المدّاح» على الرغم من الإعلان سابقاً عن انتهاء المسلسل. ويوضح الصبّاح أنّ المسلسل لم يقُل كلمته الأخيرة بعد لأنّ الجمهور والمنصّات على حدٍ سواء لا يريدونه أن يصمت.

يتجدّد مسلسل «المدّاح» في موسم سابع بعد الإعلان سابقاً عن نهايته (شركة الصبّاح إخوان)

على قائمة الأعمال الرمضانية كذلك، مسلسل «هلال رمضان» من بطولة الفنان السوري تيم حسن، الذي يجري تصويره في دمشق إلى جانب مسلسل آخر.

أما في منطقة القصيم السعودية، فينشغل النجم ناصر القصبي والمخرج سامر البرقاوي بتصوير حكاية تتّخذ خلفيةً لها تاريخ العقيلات، وهم رحّالة اشتهروا بالتجارة بين الجزيرة العربية وبلاد الشام.

وبانتظار دراما رمضان 2027، تنشغل شركة الصبّاح كذلك بمسلسلاتٍ أخرى خارج السباق الرمضاني، بما أنّ تجربة «ممكن» أثبتت أنّ المنصات كما المشاهدين، متعطّشون دائماً لمحتوى جديد.


مصر: المقاهي الشعبية ملاذ «البسطاء» لتشجيع «الفراعنة» بعد الفجر

مصريون يتابعون مباراة «الفراعنة» أمام إيران بالقاهرة (أ.ف.ب)
مصريون يتابعون مباراة «الفراعنة» أمام إيران بالقاهرة (أ.ف.ب)
TT

مصر: المقاهي الشعبية ملاذ «البسطاء» لتشجيع «الفراعنة» بعد الفجر

مصريون يتابعون مباراة «الفراعنة» أمام إيران بالقاهرة (أ.ف.ب)
مصريون يتابعون مباراة «الفراعنة» أمام إيران بالقاهرة (أ.ف.ب)

منذ بدء بطولة كأس العالم لكرة القدم، التي تقام في الولايات المتحدة الأميركية، والمكسيك، وكندا، بين 11 يونيو (حزيران) الحالي، و19 يوليو (تموز) المقبل، خطط الشاب الثلاثيني مينا ثروت، الموظف بإحدى الشركات الخاصة بحي المعادي، للسهر مع أصدقائه يومياً في أحد المقاهي الشعبية بحي حلوان (جنوب القاهرة) حيث يكرس معظم وقته في المساء وساعات الصباح الأولى لمشاهدة جميع مباريات البطولة، لكن مشاهدة مباريات المنتخب الوطني لها خصوصية، وتتطلب ترتيبات خاصة مع أصدقائه.

يقول ثروت لـ«الشرق الأوسط»: «حب كرة القدم من بين الأمور الكثيرة المشتركة مع أصدقائي، بعضهم من المنطقة التي أعيش فيها، وآخرون من بعض زملاء العمل الذين يعيشون في أحياء قريبة»، لذلك «قررنا أن نشاهد جميع المباريات ونسهر حتى الصباح، ثم نذهب بعدها إلى العمل، ويحرص بعضنا على النوم بضع ساعات بعد العودة من العمل كي يتمكن من السهر في اليوم التالي».

مقهى شعبي بالجيزة (الشرق الأوسط)

وتنتشر المقاهي الشعبية في معظم الشوارع والميادين المصرية، ويقدر عددها بنحو مليوني مقهى وفق آخر إحصاء حكومي مصري عام 2018. وبينما قد تكلف مشاهدة مباريات كأس العالم في مقهى شعبي عشرات الجنيهات، نظير طلب مقعد مع مشروب أو من دونه، فإن مشاهدة المباريات نفسها في كافيهات سياحية قد تكلف مئات الجنيهات للفرد الواحد.

ويلجأ الكثير من أصحاب مقاهي وسط القاهرة إلى تحميل أسعار مشاهدة مباريات كأس العالم على أسعار المشروبات، حيث يتم رفع سعر كوب الشاي من 20 جنيهاً في الأيام العادية إلى نحو 60 جنيهاً خلال مباريات كأس العالم، خصوصاً مباريات منتخب «الفراعنة».

وتتطلب مشاهدة مباريات المنتخب الوطني المصري ترتيبات وطقوس خاصة لدى ثروت وأصدقائه، يقول: «في مباريات المنتخب المصري، نحرص على الذهاب إلى المقهى قبل موعد المباراة بوقت كبير، ونحضر معنا الكثير من منتجات التسلية (اللب والفول السوداني والفشار) ونحمل علم مصر معنا، ويبدو أننا جميعاً نرتدي ملابس أنيقة دون ترتيب أو اتفاق مسبق».

مقهى شعبي في حي الشرابية (أ.ف.ب)

ولا تكتفي المقاهي الشعبية بوضع مقاعدها داخل جدرانها الضيقة، بل تتمدد إلى الشوارع وتكون عبارة عن مدرجات صغيرة متشعبة في أنحاء الأحياء المصرية، وتشكل زخماً كبيراً. واحتضنت المقاهي أعداداً كبيرة من المشجعين المصريين صباح السبت، من الذين حرصوا على مشاهدة مباراة مصر وإيران، حيث تأهل المنتخب المصري إلى دور الـ32 من البطولة عقب التعادل.

وربط أستاذ الاجتماع الدكتور سعيد صادق بين الزخم الاجتماعي لدى المصريين لمتابعة مباريات منتخبهم الوطني، وبين ما وصفه بـ«الحالة الاجتماعية الوطنية»، قائلاً في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» إن «كرة القدم خصوصاً البطولات الدولية تحظى بجاذبية لدى المصريين عموماً، لكن في السياق الحالي يمثل الزخم والإقبال والتفاعل الاجتماعي مع مباريات المنتخب الوطني حالة اجتماعية تبرز النزعة الوطنية، وقيم الولاء والانتماء».

ويرى صادق أن المشاهد المتداولة لمئات المصريين وهم يقفون أمام شاشات العرض في الشارع تعد تعبيراً عن هذه القيم، كما تكون فترة المباراة فرصة للتعبير عن مشاعر الجموع من خلال الصراخ والهتاف، حيث يبحث الناس، حسب صادق، عن «نجاح وطني في ظل روتين حياتهم اليومية ومتاعبهم الخاصة».

وحسب وسائل إعلام محلية، بلغ سعر اشتراك مشاهدة مباريات كأس العالم نحو 4 آلاف جنيه مصري (الدولار يساوي 49.50 جنيه مصري).

وعلى الرغم من عدم اهتمامه بمتابعة مباريات كرة القدم بشكل عام، فإن الأربعيني أشرف عبد الله، الذي يعمل في متجر ملابس بحي شبرا يحرص على مشاهدة مباريات المنتخب المصري في مقاهي وسط القاهرة، حيث يصطحب بعض أصدقائه من جيرانه بحي شبرا. يقول عبد الله لـ«الشرق الأوسط» إن «مشاهدة مباريات المنتخب الوطني في المقهى وسط المئات لها طابع مختلف، حيث نشعر بالتحام اجتماعي، ومشاعر وطنية فياضة، ورغم عدم اهتمامي بالكرة فإنني أجد سعادة كبيرة في تشجيع منتخب بلدي».

«انعكس الزخم والإقبال على مشاهدة مباريات كأس العالم بشكل عام والمنتخب المصري على وجه الخصوص على الأجواء بالمقاهي التي لديها اشتراك لبث المباريات»، وفق أحمد القناوي، صاحب أحد المقاهي بوسط القاهرة لـ«الشرق الأوسط»، وأضاف أن «مباريات كأس العالم تجذب الزبائن عادة لمشاهدتها بالمقهى، ونحن نستعد لذلك مسبقاً مع كل بطولة، لكن هذه المرة الأمر مختلف بسبب مشاركة المنتخب المصري؛ إذ فوجئنا بإقبال واسع غير متوقع، وزحام كبير، حتى إن الكثيرين تجمعوا في الشارع أمام الشاشة لعدم وجود مقاعد أو مكان لجلوسهم».

مصريون يحتفلون بالصعود إلى الدور الـ32 بكأس العالم (أ.ف.ب)

وتطرق استشاري الطب النفسي والمخ والأعصاب الدكتور جمال فرويز، إلى التأثيرات النفسية للزخم الاجتماعي خلال متابعة مباريات المنتخب المصري، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «الإقبال على مشاهدة مباريات المنتخب الوطني بكثافة يُعد انعكاساً للتكوين النفسي العام لمعظم المصريين الذين يحرصون على إعلان مفاهيم الولاء والانتماء وحب الوطن».

ويرى فرويز أن «الانفعالات والصراخ خلال مشاهدة المباريات يُخرجان الطاقة السلبية من المشاهدين، ما يشعرهم خلال الحدث بأنه ثمة أمل في النجاح وحصول أمر جماعي جيد يساعدهم على مقاومة إحباطاتهم الشخصية».