فيلم جوليا روبرتس الجديد يوفر الريبة ويتفادى الحقيقة

أثار لغطاً حول موقفه من المرأة

أندرو غارفيلد وجوليا روبرتس في «بعد الصيد» (ذا بيغ إندي بيكتشرز)
أندرو غارفيلد وجوليا روبرتس في «بعد الصيد» (ذا بيغ إندي بيكتشرز)
TT

فيلم جوليا روبرتس الجديد يوفر الريبة ويتفادى الحقيقة

أندرو غارفيلد وجوليا روبرتس في «بعد الصيد» (ذا بيغ إندي بيكتشرز)
أندرو غارفيلد وجوليا روبرتس في «بعد الصيد» (ذا بيغ إندي بيكتشرز)

«الشرق الأوسط» في «مهرجان ڤينيسيا الدولي» (4)

حتى الآن تميّزت أفلام المخرج الإيطالي لوكا غوادانينو بإثارتها قضايا تحظى بالاهتمام أكثر مما تُعَدّ أعمالاً فنية خالدة.

ذاع اسمه عالمياً عندما قدَّم فيلمه «نادِني باسمك» (Call Me By Your Name) عام 2017، رغم أنه كان قد أخرج قبل ذلك أفلاماً عدّة، أولها سنة 1999 بعنوان «الأبطال» (The Protagonists).

بعد «نادِني باسمك»، جرّب غوادانينو العمل في سينما الرعب، فأنجز «سوسبيريا» (Suspiria) عام 2018، ثم «العظام والكل» (Bones and All) سنة 2022، وتبع ذلك دراما بعنوان «متحدون» (Challengers) وفيلم «Queer» في العام الماضي.

ليس من بين هذه الأعمال ما يُبرهن عن أن المخرج يتميّز بأكثر من قدر من الطموح ومقدار من الحنكة. «ما بعد الصيد» (After the Hunt) الذي قُدِّم خارج المسابقة هو دليل آخر على ذلك.

حصل أو لم يحصل

هذه المرّة هناك جوليا روبرتس في البطولة، تؤدي دور ألما، البروفسورة في جامعة ييل، إنها امرأة محترمة متزوّجة من رجل يُحبّها (مايكل ستولبارغ) أكثر مما تحبّه هي. وهناك زميلها هانك (أندرو غارفيلد) الذي ربما يطمح إلى علاقة معها، لكنها لا تبادله الرغبة.

كلمة «ربما» هذه هي جوهر الفيلم، إذ تلجأ طالبة اسمها ماغي (آيو إيدبَري) إلى ألما، طالبةً مساعدتها، وتخبرها بأن هانك تمادى معها على نحو غير لائق. المشكلة أن ماغي لا تستطيع تقديم أي دليل، ولا تفصح كثيراً، في حين يدافع هانك عن نفسه مؤكداً أن شيئاً لم يحدث. ألما تجد نفسها عاجزة، فتريد أن تقف إلى جانب الطالبة، لكنها تخشى أن تكذب الأخيرة. ولماذا تكذب، خصوصاً أن هانك يعترف بأنه دخل شقتها، لكن فقط لمناقشة نص عدّه مسروقاً، كما يقول؟

الفيلم لا يريد الإفصاح عن هذه النقطة، لأنه يبني موقف بطلته ألما عليها. غير أن هذا الغموض يبدو مصطنعاً، مثل أداء بعض الشخصيات ثقيلة الظل. يتحدّثون كثيراً ويفعلون قليلاً، حتى شخصية ألما أقرب إلى واجهة لامعة ينقصها تصميم فني أفضل.

رغبة الفيلم في تمويه ما حدث وطرحه للنقاش على أساس «وقع أو لم يقع»، تُطيح بما كان يمكن أن يصبح مصدر قوته الدرامية: تقديم الحقيقة بدلاً من تقليبها بين يديه.

جوليا روبرتس تبقى محور الفيلم، لكن الأداء الأبرز هو لإيدبَري، التي تبدو عالقة في نفق مظلم: ترفع دعوى ثم تتراجع عنها، لأسباب هلامية غير واضحة. في كل مرة يفتح الفيلم نافذة على زاوية جديدة من الموضوع، يسحب نفسه إلى الوراء، ولا يتيح للمُشاهد رؤية الصورة كاملة.

هكذا يظهر خيط من الريبة فيما يخص دعاة المساواة بين الجنسين، خيط يصعب على الحركات النسائية اليوم تقبّله لأنه، في جوهره، موجّه ضدها.

جوليا روبرتس كما تبدو في «بعد الصيد» (ذا بيغ إندي بيكتشرز)

يبدأ الفيلم كما ينتهي، رافضاً تحديد الأشياء وتسميتها بوضوح: ألما تُعبّر عن موقف السيناريو والمخرج والفيلم، وهانك عن نفسه فقط، وماغي تبدو مُدانة أكثر منها ضحية.

‪________________________________


مقالات ذات صلة

إلغاءات بالجُملة للمهرجانات السياحية في لبنان

يوميات الشرق مهرجانات «أعياد بيروت» قد تُعيد النظر بشأن عودتها إلى المدينة (فيسبوك)

إلغاءات بالجُملة للمهرجانات السياحية في لبنان

المهرجانات التي تنظّمها القرى والبلدات قد تُبصر النور إذا ما ساد الأمن والاستقرار في البلاد...

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق شاكيرا تحيي حفلاً مجانياً ضخماً على شاطئ كوباكابانا في البرازيل (أ.ف.ب)

أضخم الحفلات الموسيقية المجانية في التاريخ... أرباح للجمهور والفنانين والمنظّمين

أحيت شاكيرا حفلاً في البرازيل حضره مليونا شخص مجاناً، في تكريسٍ لتقليدٍ أرسته بلدية ريو دي جانيرو مستضيفةً كبار النجوم ومقدّمةً ترفيهاً مجانياً للسكان والسياح.

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق المخرج السعودي محمد الزوعري مع الفائزين بالمسابقة العربية ولجنة التحكيم (إدارة المهرجان)

«يوم سعيد» يقتنص «هيباتيا الفضية» بـ«الإسكندرية للفيلم القصير»

اقتنص الفيلم السعودي «يوم سعيد» للمخرج محمد الزوعري جائزة «هيباتيا الفضية» لأفضل فيلم بمسابقة الأفلام العربية.

انتصار دردير ((الإسكندرية) مصر)
يوميات الشرق عدد من أعضاء لجنة التحكيم على المنصة (إدارة المهرجان)

مهرجان «الكاثوليكي» المصري: فيلم «دخل الربيع يضحك» يحصد 8 جوائز

منحت جوائز الدورة الـ74 من مهرجان «المركز الكاثوليكي للسينما» 8 جوائز وشهادتَي تكريم لفريق عمل فيلم «دخل الربيع يضحك».

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق ركز الفيلم على نقل مشاعر الطلاب في مرحلة المراهقة (الشركة المنتجة)

كوسارا ميتيتش: اخترت نهاية مفتوحة لـ«17» لندرة الحياة الواقعية

فيلم «17» عُرض للمرة الأولى في «مهرجان برلين»، وهو العمل الروائي الطويل الأول للمخرجة المقدونية كوسارا ميتيتش، ويقدم دراما إنسانية تدور في فضاء المراهقة.

أحمد عدلي (القاهرة)

بدل القلق من الذكاء الاصطناعي... ما المهارات التي ينصح بها رئيس «إير بي آن بي»؟

 برايان تشيسكي الرئيس التنفيذي لشركة «إير بي آن بي» (رويترز)
برايان تشيسكي الرئيس التنفيذي لشركة «إير بي آن بي» (رويترز)
TT

بدل القلق من الذكاء الاصطناعي... ما المهارات التي ينصح بها رئيس «إير بي آن بي»؟

 برايان تشيسكي الرئيس التنفيذي لشركة «إير بي آن بي» (رويترز)
برايان تشيسكي الرئيس التنفيذي لشركة «إير بي آن بي» (رويترز)

في وقت تشهد فيه سوق العمل تحولات متسارعة، بفعل التقدم الكبير في تقنيات الذكاء الاصطناعي، تتزايد مخاوف الطلاب والخريجين الجدد بشأن مستقبلهم المهني، لا سيما مع تراجع فرص التوظيف في الوظائف المبتدئة. وبينما يركّز كثيرون على ما قد يسلبه الذكاء الاصطناعي من وظائف، يدعو بعض قادة الشركات إلى توجيه الاهتمام نحو ما لا يمكن للتكنولوجيا أن تستبدله بسهولة: المهارات الإنسانية الأساسية.

ويواجه العديد من خريجي الجامعات صعوبة في دخول سوق العمل، في ظل حالة من عدم اليقين الاقتصادي، وضيق فرص التوظيف، إلى جانب التوسُّع المتزايد في استخدام الذكاء الاصطناعي، وهو ما يدفع كثيراً من الشركات إلى إبطاء وتيرة التوظيف؛ خصوصاً في المناصب المبتدئة.

وفي هذا السياق، ينصح برايان تشيسكي، الرئيس التنفيذي لشركة «إير بي آن بي (Airbnb)» طلاب الجامعات الذين يشعرون بالقلق من تأثير الذكاء الاصطناعي في مستقبلهم المهني، بالتركيز على تطوير مهارات قادرة على الصمود أمام هذه التحولات. وقد شارك مجموعة من التوصيات مع الطلاب الذين يواجهون هذه التحديات، وفقاً لشبكة «سي إن بي سي».

وقال تشيسكي: «ينبغي على الأفراد دراسة ما يثير اهتمامهم، والعمل على تنمية المهارات التي سيحتاجون إليها دائماً. فمهارات حل المشكلات ستظل مطلوبة، وكذلك مهارات القيادة في معظم الوظائف. لذلك، يمكن للطلاب إنشاء نادٍ طلابي، أو الانخراط في أنشطة مختلفة لاكتساب هذه الخبرات. كما أن التفكير النقدي والقدرة على التواصل الواضح من المهارات الأساسية التي لا غنى عنها».

ورغم التوقعات بأن يُحدث الذكاء الاصطناعي تحولاً جذرياً في طبيعة العمل، يرى تشيسكي أن «هناك أموراً لن تتغير». وأوضح قائلاً: «سيظل الناس بحاجة إلى التواصل، وسيبقون متعطشين للعلاقات الإنسانية، كما ستظل القيادة عنصراً أساسياً».

العديد من خريجي الجامعات يواجهون صعوبة في دخول سوق العمل بسبب الذكاء الاصطناعي (رويترز)

وفي تعريفه للقائد الجيد، أشار إلى أن «المدير الفعّال هو مَن يتواصل بوضوح، ويحدد أهدافاً دقيقة، ويتمتع بدرجة عالية من التنظيم».

ولتنشئة جيل جديد من القادة، شدد تشيسكي على أهمية استمرار الشركات في توظيف الكفاءات في الوظائف المبتدئة، بدلاً من الاعتماد الكامل على الذكاء الاصطناعي في هذه الأدوار.

وأضاف: «إذا لم يحصل الشباب على فرص عمل في بداية مسيرتهم المهنية، فلن نجد في المستقبل مَن يشغل المناصب القيادية والاستراتيجية. لذلك، من الضروري إتاحة الفرص لهم، حتى وإن كان الذكاء الاصطناعي قادراً على تنفيذ بعض مهام المتدربين».

وأشار إلى أنه، رغم قدرة نماذج الذكاء الاصطناعي على أداء العديد من المهام ذات المستوى الأدنى، فإنها لا تزال تواجه صعوبة في استيعاب الأفكار الجديدة، كما تحتاج إلى توجيه مستمر في كل خطوة.

في المقابل، يرى بعض قادة الشركات أن تأثير الذكاء الاصطناعي قد يكون أوسع نطاقاً؛ فقد صرّح مارك زوكربيرغ، الرئيس التنفيذي لشركة «ميتا»، بأن هذه التقنيات قد تتمكن قريباً من إنجاز مهام الموظفين في المستويات الدنيا والمتوسطة، ملمحاً إلى تأثير محتمل على هيكل القوى العاملة.

كما أشار آندي جاسي، الرئيس التنفيذي لشركة «أمازون»، في تصريحات سابقة، إلى أن الشركة تتوقع تقليص عدد موظفيها مع تحقيق مكاسب في الكفاءة بفضل الاستخدام المكثف للذكاء الاصطناعي. وكانت «أمازون» قد أعلنت لاحقاً عن تسريح نحو 14 ألف موظف، مؤكدة أن هذه التقنيات تمكّن الشركات من الابتكار بوتيرة غير مسبوقة.


بعد تهديد من رجل ملثم... الأمير أندرو يطالب بإعادة حمايته الرسمية

الأمير البريطاني السابق أندرو (أ.ب)
الأمير البريطاني السابق أندرو (أ.ب)
TT

بعد تهديد من رجل ملثم... الأمير أندرو يطالب بإعادة حمايته الرسمية

الأمير البريطاني السابق أندرو (أ.ب)
الأمير البريطاني السابق أندرو (أ.ب)

في ظل تصاعد المخاوف الأمنية المحيطة به، عاد الأمير السابق، أندرو ماونتباتن - ويندسور، إلى الواجهة مجدداً، مطالباً بإعادة حمايته الشخصية الممولة من المال العام، عقب حادثة أثارت القلق بشأن سلامته. تأتي هذه المطالبة بعد مواجهة مفاجئة مع رجل ملثم بالقرب من مقر إقامته الجديد، في واقعة أعادت تسليط الضوء على الجدل الدائر حول وضعه الأمني، منذ تجريده من بعض امتيازاته الملكية.

وكشفت صحيفة «تلغراف» أن دوق يورك السابق يطالب بإعادة الحراسة التي كانت تُموّل من دافعي الضرائب، وذلك بعد تعرضه لتهديد من رجل ملثم قرب منزله في نورفولك.

ووفقاً للتقارير، اقترب رجل يُزعم أنه كان يحمل عتلة حديدية من ماونتباتن - ويندسور أثناء تنزهه مع كلبَيه، مساء الأربعاء. ورغم أن الحادث لم يُسفر عن أي أذى جسدي، فإن الأمير السابق شعر بصدمة كبيرة نتيجة الموقف.

وفي وقت لاحق، ألقت الشرطة القبض على أليكس جينكينسون (39 عاماً)، للاشتباه في ارتكابه جريمة إخلال بالنظام العام وحيازة سلاح هجومي، بعد العثور على عتلة حديدية داخل سيارته.

وأفاد أصدقاء الأمير أن الحادث يعكس مخاوف مستمرة بشأن سلامة شقيق الملك تشارلز على المدى الطويل، لا سيما في ظل الجدل الذي أُثير سابقاً حول صِلاته بجيفري إبستين، المتهم في قضايا اعتداء جنسي على قاصرين.

وكان الملك قد سحب، في عام 2024، المخصصات الشخصية والحراسة الخاصة من شقيقه الأصغر، في خطوة هدفت إلى الضغط عليه لمغادرة رويال لودج في وندسور، على خلفية تلك الفضيحة.

وأشار مصدر مقرب من ماونتباتن - ويندسور إلى ضرورة إعادة النظر في ترتيبات الحماية، في ضوء المخاطر التي قد تهدد سلامته.

وتفيد المعلومات بأن الرجل المشتبه به كان يجلس داخل سيارته على طريق فرعي، قبل أن يترجل ويتجه نحو الأمير، دون وضوح ما إذا كان يترصده. ويُزعم أنه كان يصرخ ويتصرف بسلوك عدائي.

وخلال الحادث، سارع ماونتباتن - ويندسور، الذي كان برفقة أحد أفراد حراسته الخاصة، إلى التوجه نحو سيارته المتوقفة على مقربة منه، وغادر المكان بسرعة، بينما حاول المشتبه به ملاحقته.

وعقب إبلاغ شرطة نورفولك، انتقل الضباط إلى الموقع؛ حيث ألقوا القبض على المشتبه به واقتادوه للتحقيق.

وتم توجيه تهم إلى جينكينسون، مساء الخميس، ومن المقرر أن يمثل أمام محكمة نورويتش الابتدائية، اليوم (الجمعة).

وقع الحادث بالقرب من «مزرعة مارش»، وهي العقار الكائن ضمن نطاق «ساندرينغهام استيت»، الذي انتقل إليه ماونتباتن - ويندسور عقب مغادرته رويال لودج، العام الماضي. وتشير المعلومات إلى أن الأمير السابق وحارسه الشخصي، المموَّل من نفقاته الخاصة، أدليا بإفادتيهما لشرطة نورفولك، في أعقاب الواقعة.

ومن المرجّح أن تثير هذه الحادثة تساؤلات جديدة حول ترتيبات أمنه، لا سيما منذ سحب ألقابه الملكية وانتقاله إلى مقر إقامته الريفي.

وفي هذا السياق، قال مصدر مقرّب من ماونتباتن - ويندسور: «على الرغم من أن أندرو لم يعد عضواً عاملاً في العائلة المالكة، فإن التهديد الذي يواجه سلامته الشخصية لم يتراجع، بل ربما ازداد. ويمكن القول إنه بات أكثر عرضة للمخاطر، ليس فقط من تهديدات إرهابية محتملة، بل أيضاً من أفراد تأثروا بشكل مفرط بالتغطية الإعلامية المكثفة التي رافقته في السنوات الأخيرة».

وأضاف المصدر: «تُظهر هذه الحادثة بوضوح الحاجة إلى أن تكون ترتيباته الأمنية متناسبة مع وضعه كشخصية عامة بارزة؛ ما يستدعي إجراء مراجعة شاملة تأخذ في الحسبان المستجدات الأخيرة».

ويُذكر أن ملف الأمن الشخصي ظل مصدر قلق بالغ لماونتباتن - ويندسور، منذ موافقته على مغادرة رويال لودج، والانتقال إلى ساندرينغهام.


نبيل نحاس بتجهيز «تعدُّد بلا حدود» يُمثّل لبنان في «بينالي البندقية»

نبيل نحاس ومنسّقة الجناح اللبناني ندى غندور (بإذن من الفنان والجمعية اللبنانية للفنون البصرية)
نبيل نحاس ومنسّقة الجناح اللبناني ندى غندور (بإذن من الفنان والجمعية اللبنانية للفنون البصرية)
TT

نبيل نحاس بتجهيز «تعدُّد بلا حدود» يُمثّل لبنان في «بينالي البندقية»

نبيل نحاس ومنسّقة الجناح اللبناني ندى غندور (بإذن من الفنان والجمعية اللبنانية للفنون البصرية)
نبيل نحاس ومنسّقة الجناح اللبناني ندى غندور (بإذن من الفنان والجمعية اللبنانية للفنون البصرية)

يُخيّل إليك، للوهلة الأولى، وأنت تتأمّل تجهيز الفنان اللبناني المُكرَّس نبيل نحاس، الذي يُمثّل لبنان هذه الأيام في المعرض الدولي للفنون - «بينالي البندقية»، في دورته الـ61، أنك أمام عمل مُحيّر لا تعرف من أين تبدأ قراءته. لكنك تحتاج إلى قليل من التأمّل في هذه الجداريات التي تلف الجناح اللبناني في المعرض من جميع أنحائه، مرتفعةً عن الأرض بعلو يزيد على 200 متر، لترى في هذه اللوحات المتلاصقة ما يجمع أكثر مما يُفرّق. قد تظنها مواضيع وأرواحاً لا جامع بينها، لا سيما أنّ الفنان تقصّد أن ينقلك من لوحة بالأبيض والأسود ذات أشكال هندسية تجريدية متداخلة مثلاً، إلى لوحة أخرى تكملها وملاصقة لها رُصّعت بنجوم يختلط فيها الأزرق بالأخضر والأبيض والرمادي، ثم أخرى بأرضية بنفسجية تداخلت فيها خطوط لولبية من أعلاها إلى أسفلها.

يريد نبيل نحاس لزوّار الجناح أن يعيشوا تجربة تأمّلية أمام هذه الجدارية المركّبة، قبل أن ينشغلوا بفهم فحواها، الذي يستلهم من عنوانها الدال والملهم «تعدُّد بلا حدود».

الحضور الرسمي والفنّي في افتتاح الجناح اللبناني (بإذن من الفنان والجمعية اللبنانية للفنون البصرية)

وهو موضوع لم يُختَر جزافاً ليمثّل لبنان في مناسبة دولية كبرى، في مثل هذه الأيام العصيبة بالذات، بل أريد لهذه الثيمة أن تُقدَّم بجماليتها وتجلّيها التشكيلي فحوى المشاركة وجوهرها، وهي تعكس روح لبنان ونعمته الكبرى في عيشه التسامحي المشترك.

يتألّف التجهيز الفنّي الممتدّ على طول 45 متراً والموجود في موقع «آرسنال»، من 26 لوحة أكريليك على قماش بارتفاع 3 أمتار، بحيث تشكّل هذه الأعمال المتلاصقة جنباً إلى جنب إفريزاً ضخماً يطوّق زواره ويدعوهم إلى الإبحار في رموزه وأجوائه.

ونبيل نحاس هو أحد أكثر التشكيليين اللبنانيين حرصاً على إبراز التعدّدية في بلاده. عاش متنقلاً بين مدينة جبيل طفلاً، والقاهرة يافعاً، ومن ثم في نيويورك حيث عمل وحَضَر في كبرى المعارض والمتاحف.

غاب عن لبنان 18 سنة متواصلة قبل أن يعود، ومنذ ذلك الوقت لم ينقطع عن مسقطه أبداً. وهو حين يتحدّث عن عمله التركيبي في البندقية، يرى أنه جاء من وحي بيئته التي كانت مختلطة باستمرار. عاش طفولته في مدينة بيبلوس ولعب بين أطلالها الأثرية التي تنام على طبقات من الثقافات القديمة وحضارات تمتدّ من العصر الحجري الحديث وحضارة الأموريين والهكسوس والفينيقيين والمصريين واليونانيين والرومان والبيزنطيين والمماليك حتى العثمانيين. يقول نحاس إنه كان يعثر هناك «مع تآكل الطبقات المختلفة في فصل الشتاء، على ما لا عدَّ له من تمائم وأشياء صغيرة متفرقة... كلّ شيء في هذا المكان ممتزج في تدفُّق خصب من أرض خام عمرها آلاف السنوات. كان هذا الرابط بالأزمنة الغابرة يُثير إعجابي منذ ذلك الحين».

وُلد نبيل نحاس في بيروت عام 1949، ونشأ في القاهرة قبل أن يهاجر إلى الولايات المتحدة عام 1968. تخرّج في «جامعة ولاية لويزيانا» ثم «جامعة ييل». وينتمي إلى الجيل الثاني من التعبيرية التجريدية الأميركية، وهي مدرسة نيويوركية تزامن صعودها في أوائل الخمسينات مع إعادة اكتشاف الزخارف الكبرى.

نبيل نحاس في محترفه في لبنان (خاص الشرق الأوسط)

عمله المعروض اليوم في «الآرسنال»، مُمثّلاً لبنان، تختلط فيه معالم كلّ هذه المراحل التاريخية التي شكلت هويته اللبنانية وصولاً إلى اليوم. ورغم أنه مقيم غالباً في نيويورك، فإنّ محترفه في لبنان، في بلدة عين عار الجبلية في المتن الشمالي، شكّل البوتقة التي اختمر فيها ونُفّذ هذا التجهيز. وكان لنا حظ زيارته هناك خلال الإعداد، وقبل انتقال اللوحات إلى البندقية، لمعايشة الأجواء التي أحاطت بالفنان. فالمحترف يقع في منزل جميل وقديم كان معملاً للحرير، وهو أشبه بمتحف لأعماله وما جمعه من لوحات لكبار الفنانين الذين أحبَّهم.

ويعدُّ نبيل نحاس نفسه أشبه بجسر بين ثقافات كثيرة، لكنه يقول لـ«الشرق الأوسط»: «رغم 55 سنة عشتها في أميركا، بقيت لبنانياً خالصاً، أنتمي إلى هذه البقعة من بلاد الشام. وأعمالي تتحدّث عن الانتماء القوي الذي يسكن نفسي». وهو مدرك تماماً أن الوحي يأتيه من هذه الأشجار المحيطة بمنزله اللبناني، ومن تلك الحقول التي قطعها صغيراً، والشواطئ التي لعب بصدفياتها، والسماء التي تأمّل نجماتها، وها هو يرسمها في جداريته. «تُظهر أعمالي تعلقاً واضحاً بالأرض، من رسم الجذور إلى الجذوع والأغصان التي تتعالى صوب السماء». فالشجر من مكوّنات العمل، وخصوصاً الأرزة التي أعطاها بُعداً آخر، وهو يترك الحرّية لأغصانها تتمدّد أفقياً وتختلط خضرتها بزرقة السماء، كأنهما في عناق.

منسقة الجناح ندى غندور، التي واكبت تطوّر العمل منذ كان فكرة وطوال سنة من الإعداد، ترى أنّ التجهيز له أبعاد عدّة. «فهو عمل فلسفي ورمزي في وقت واحد، والزائر يعيش معه على أنه تجربة قبل أن يدخل في التفسيرات. ففي اللوحات خلفيات ثقافة وفنّ وروحانية في وقت واحد».

إحدى اللوحات الـ26 المكوِّنة للتجهيز (بإذن من الفنان والجمعية اللبنانية للفنون البصرية)

فما يعني نحاس ليس الجانب الديني بمعناه التقليدي، بل المدى الروحاني. ولهذا فإنّ رموزه التي تتكرّر بأشكال مختلفة في التجهيز تُذكّر بكونية وأفق مفتوحَيْن، من نجماته اللمّاعة إلى لولبيات الخطوط التي تُعيدنا إلى الرقصة المولوية، والدوائر اللامتناهية، وصولاً إلى الأشكال الهندسية التجريدية. «هي رقصة كونية، فكما تدور الكواكب حول الشمس، نرى في بعض اللوحات تأثير يد الدرويش وهو يوجّه واحدة للأسفل وأخرى للأعلى. لأن الإنسان هو صلة الوصل بين الأرض والسماء»، تقول لنا ندى غندور.

يمكنك أن تقرأ اللوحات بالاتجاه الذي تريد، كأن تبدأ من لوحة وسط التجهيز. ففي الأصل وُضعت الرسوم متفرّقة، ورُتّبت وفق ما أراد لها الفنان. وكان يمكن تركيبها إلى جانب بعضها بعضاً بنظام مختلف، من دون أن يبدّل ذلك من روح التجهيز شيئاً. فكيفما اختلف الترتيب سيُعيدك إلى انسجامية الاختلافات التي بُني عليها العمل. فليس هدف الجدارية أن تحكي قصة، وإنما أراد الفنان أن يحرّرها من الخطّ الزمني المتتابع والمتسلسل. واستند إلى المنمنمات الفارسية التي تقرأها من حيث تريد. «نبيل ليس منشغلاً بأن يحكي قصة، بل بأن يقدّم رؤى يترك للمتفرج أن يجمعها على هواه»، وفق غندور.

جانب من تجهيز «تعدُّد بلا حدود» (بإذن من الفنان والجمعية اللبنانية للفنون البصرية)

ومن العناصر التي تلفت في اللوحات الشكل الهندسي الواحد الذي يتكرّر بأحجام متناهية في الصغر والكبر، ليذكرنا بكونية تعيدنا إلى صوفية ابن الرومي وقوله: «أنت لست قطرة في محيط، أنت المحيط كلّه في قطرة». وهي ليست تجريدية هندسية غربية خالصة، وإنما تأتي منكّهة بروح الزخرف الإسلامي، بأسلوب تركيبي وتفكيكي في آن.

«يستخدم نبيل نحاس الرموز ليساعدنا على فهم رؤيته، فهو منهمك بتفسير رؤيته للعالم من خلال الرسم. ففي رأيه أن أصداف البحر على شكل نجوم هي انعكاس لتلك التي نراها في السماء، حتى إن الفرق يتلاشى»، تشرح غندور التي واكبت العمل.

الجناح اللبناني في «بينالي البندقية» يستمر حتى 22 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، برعاية وزارة الثقافة وتنظيم «الجمعية اللبنانية للفنون البصرية» وإنتاجها. أما سينوغرافيا الجناح، فصمّمها شارل كتّانة ونيكولا فيّاض.