عمرو موسى: في 5 يونيو 1967 توقفت عن الإيمان بعبد الناصر

قال لـ«الشرق الأوسط»: أنا قلق من غياب الحكم الرشيد في مصر منذ 70 عاماً (1 من 4)

TT

عمرو موسى: في 5 يونيو 1967 توقفت عن الإيمان بعبد الناصر

عبد الناصر في حديقة منزله عام 1968 (غيتي)
عبد الناصر في حديقة منزله عام 1968 (غيتي)

عرفتُ سياسيين غمرتهم العزلة حين فقدوا مباركة صانع المصائر وسلموا مفاتيح مكاتبهم. وعرفت قلة احتفظت بحضورها وبريقها رغم خسارة الأختام. عمرو موسى واحد من هذه القلة. يبحر في النصف الثاني من الثمانينات متابعاً للأحداث وقارئاً للتحولات.

على مدى نصف قرن كان عمرو موسى شريكاً أو شاهداً في المحطات التي هزت العالم العربي. عمل مندوباً لمصر في الأمم المتحدة، ثم وزيراً للخارجية، لينتقل بعد ذلك إلى مهمة شاقة كأمين عام لجامعة الدول العربية. وضعته هذه التجربة الطويلة على تماسٍ مع نظرائه في الإقليم وخارجه، وكان عليه أن يتعامل مع قادة من طبائع مختلفة وسياسات متباينة مثل صدام حسين وحافظ الأسد ومعمر القذافي وياسر عرفات.

قلت نزور ذاكرته الغنية لنسأله عن محطات ورجال، واتسع صدره لأسئلتنا. استوقفتني في إجاباته عبارات كثيرة. لم يخفِ قلقه من المستقبل، مشيراً إلى أن «مصر تدفع ثمن 70 عاماً من غياب الحكم الرشيد». وقال إنه توقف في الساعة التاسعة من صباح الخامس من يونيو (حزيران) 1967 عن «الإيمان بعبد الناصر» بعدما اكتشف أن «البيانات تكذب ومصر مهددة».

اعتبر أن الرئيس أنور السادات قام بعمل «سليم جداً» حين استعاد كل الأرض التي ضاعت في الحرب الشهيرة، ملاحظاً أن مرتفعات الجولان لا تزال محتلة.

لم أسأل عمرو موسى عن الجريمة الإسرائيلية المتمادية في غزة فموقفه منها معروف وعبّر عنه في تصريحاته وفي مقالاته في «الشرق الأوسط».

عمرو موسى متحدثاً إلى رئيس تحرير «الشرق الأوسط» غسان شربل (الشرق الأوسط)

لم تغب عن الحوار أغنية شعبان عبد الرحيم (شعبولا) «أنا بكره إسرائيل وبحب عمرو موسى» التي دفعت بعض المحيطين بمبارك إلى مطالبة المغني بنسخة تحمل اسم مبارك مكان موسى. ولم يغب ذكر المتنبي الذي يتذكر موسى أن وزير الخارجية الليبي الأسبق عبد الرحمن شلقم كان يحمل ديوانه في حقيبته.

«الحكم الرشيد ضرورة»

سألت عمرو موسى إن كان قلقاً على مستقبل مصر، فأجاب: «لا بد أن من أكون قلقاً، والقلق شيء جيد، وعدم القلق يعني أنك تسبح في خيالات. كل هذه المصائب التي نحن فيها، دولية وإقليمية وجوارية، ولا أكون قلقاً؟ ليس ممكناً. لا بد من أن يكون المرء قلقاً، وأنا من هؤلاء القلقين. مصر، تحديها الكبير، الكبير جداً، هو زيادة عدد السكان، وأنا من المؤمنين بشعار أراه على التلفزيون: الجمهورية الجديدة. نحن في حاجة إلى جمهورية جديدة، والجدة هذه تأتي من تطبيق الحكم الرشيد بالكامل. ماذا يعني الحكم الرشيد؟ تعرف نظرية الأواني المستطرقة، مرفق التعليم ومرفق الصحة ومرفق الدفاع ومرفق السياسة الخارجية ومرفق التموين ومرفق الكرة ومرفق الحكم المدني وغيرها، كلها يجب أن تُعطى الأهمية المناسبة المتوازية في الوقت نفسه».

وأوضح فكرته: «نحن يجب أن نهتم بالبشر وبالحجر وبالشجر، أي الثروة الزراعية. الحجر لا يعني طرقاً فقط، بل يعني طرقاً وفنادق ومباني ومدناً جميلة، نحن نرى المدن، أناقة المدن شيء عظيم جداً، والقاهرة عندما تراها، القاهرة القديمة والفسطاط وقاهرة المعز، ترى عز زمان، وعندما ترى قاهرة الخديو ترى أناقة الجزء الثاني من القرن التاسع عشر والذي استمر حتى خمسينات القرن الماضي، ولم يعد هناك اهتمام بالمدينة، والقرية. أنا لا أؤمن بأن مصر دولة فقيرة، هي دولة غير فقيرة. ما تحتاج إليه هو إدارة الثروة، واستخراج الثروة، والتجارة. هذا من الأمور المطروحة الآن أن يكون هناك مسار جديد لمصر. هناك حكومة جديدة ونرجو أن تأتي بسياسة جديدة وتعبر عن أوضاع جديدة، وهذا ممكن».

نهاية الإيمان بعبد الناصر

حديث غياب الحكم الرشيد أعادني إلى الماضي. كان يوم 5 يونيو 1967 منعطفاً مؤلماً في حياة مصر والعرب وزعامة جمال عبد الناصر. أين كان عمرو موسى وبماذا شعر؟ ها هو يروي: «أنا كنت شاباً من الأنصار المتحمسين لجمال عبد الناصر، وكنت عضواً في التنظيم الطليعي، وكنت أتابع المسيرة المصرية بصفتي شاباً له رغبة دائمة في المتابعة السياسية. عدم الانحياز. رفض الأحلاف. الصف العربي. وهذا كله تجسد فيما يقوله عبد الناصر.

أنا من عائلة وفدية (منتمية إلى حزب الوفد الليبرالي). عائلة من الريف ومنها كان النواب والشيوخ والعمد والفلاحون العاديون، وكان لهم خط وطني، هناك نقاش وطني دائماً حتى في القرية، ماذا يحدث هنا؟ ماذا حصل في فلسطين؟ أول مرة أسمع بفلسطين كانت في القرية. أولاد صغار. فلسطين، فلسطين. وربما من أجل أن تعرف أثر ذلك أقول إنني بدأت أفيق. فلسطين، سمعت، وقرأت في الصحيفة كل يوم عندنا في البيت. سمعت عبد الوهاب يغني لفلسطين: أخي جاوز الظالمون المدى. لن أنساها».

وأضاف: «هذه التعبئة الكبيرة، الأدبية والفنية زائداً حقائق ما حدث في فلسطين، تربينا عليها. سمعناها ونحن في القرية، وهذا أدى إلى أن أتعاطف وأتقبل بسهولة الطرح الناصري، إلى يوم 5 يونيو في التاسعة صباحاً. كنت آتياً من البيت وأسمع في الراديو إسقاط طائرات إسرائيلية وتصريحات منها مثلاً تصريحات وزير خارجية العراق عدنان باجه جي بأننا نقترب من تل أبيب... تصريحات كبيرة جداً. وبيانات إسقاط طائرات. وأنا بالسيارة ثم صعدت إلى المكتب. كنت في مكتب وزير الخارجية. مكتب وزير الخارجية لديه الكثير من الأخبار التي تأتي. رأيت الأخبار وكانت شيئاً مختلفاً كلياً. إذاً، هناك كذب علينا، نحن نتكلم. أكذب عليك وأنت تكذب عليّ، لا. البلد في خطر. وبعد قليل، كلام في (بي بي سي) أن إسرائيل وصلت إلى القناة. الشاطئ الشرقي لقناة السويس. الحقيقة صُدمت. شاب بدأ يفهم، وهو عضو في السلك الدبلوماسي المصري. عندها توقفت عن أن أؤمن بجمال عبد الناصر. أقول لك: الساعة التاسعة من صباح 5 يونيو 1967 توقفت عن الإيمان بعبد الناصر».

عبد الناصر والزعيم السوفياتي نيكولاي بودجورني خلال زيارة الأخير إلى القاهرة بعد الهزيمة بأسابيع (غيتي)

«أنا مازلت أتابع جمال عبد الناصر وما ينشر عنه في السوشيال ميديا وما يذاع، مثل خطبه. لو سمعت خطبة لعبد الناصر أوقف كل شيء وأسمعها، وأنا عارف النتيجة. نحن في القرن الحادي والعشرين، وأعرف نتيجة ما حصل، ويقودني هذا إلى أن أتعاطف معه على أمل أن ما يقوله سيحصل. وأنا عارف أنه لم يحصل، إنما جاذبية عبد الناصر لا تزال عندي ولا أزال، لو هناك أغنية جميلة لأم كلثوم وعبد الوهاب وخطبة لعبد الناصر، أترك الاثنين وأستمع إلى عبد الناصر. هذا الجزء الأول».

«أما الجزء الثاني، فيتعلق بإيماني أو عدم إيماني بعبد الناصر. المسؤولية مسؤولية رئيس الدولة عندما تحصل كارثة من هذا النوع. لا جدال في ذلك. المسؤول هو. الجيش ثلثه على الأقل، أو جزء كبير منه في اليمن، وتلعب لعبة خطرة على المستويين الدولي والإقليمي مع إسرائيل وجيشك ليس جاهزاً؟ على الأقل، تعمل حساباً لاحتمال أن يهجم عليك. مَن سيدافع؟ الجيش في اليمن يقوم بمهمة ليست الدفاع والهجوم في الصحاري الكبيرة في سيناء. هذه مسؤولية كبيرة جداً، لا يصح أن يقامر أحد بمصير بلده. في الحرب والسلام لا يصح أن يكون القرار لشخص واحد. أنا وكثيرون نُحمّل عبد الناصر المسؤولية، ونحن حزينون جداً لما حدث، وبالتالي ما قام به أنور السادات في هذا الشأن كان الشيء السليم جداً».

عبد الناصر والطعام السويسري

تذكرت الجدل الذي أثاره تصريحه بأن عبد الناصر كان يطلب أطعمة معينة من سويسرا وهو كان دبلوماسياً فيها، فقال: «للحقيقة لو رجعت إلى الصياغة، أنا لم أقل ذلك. أنا كنت أتكلم في إطار أنه كيف يؤخذ الناس، خصوصاً البسطاء، بزعيم له هذه الكاريزما. وأنا كنت ملحقاً في سفارة مصر في سويسرا في ذلك الوقت، كان هناك مَن يأتي من أجل أن يأخذ أكلاً معيناً لجمال عبد الناصر الذي كان مصاباً بالسكري. هذا الطعام خاص بالذين لديهم سكري، وليس للمتعة. ربما تكون هناك عناصر أخرى للمتعة أضافها، إنما أساساً جاء لهذا الطعام.

عبد الناصر في حديقة منزله عام 1968 (غيتي)

هذا كان في ستينات القرن الماضي، ولم يكن هنا في القاهرة أي شيء من هذا النوع. أنت الرئيس، ولك أن تأخذ مثل هذه الحاجات الخاصة بمرض السكري، إنما كان السياق أن الشخص الذي كان يأتي ليحضرها وطريقة حديثه عن جمال عبد الناصر، وهو لا يعرف سوى هذه العظمة التي يراها أمامه، مقاربة بنيكسون وجونسون. يقول: يا أستاذ عمرو نحن عندنا أعظم رئيس في العالم. كلام من هذا النوع.

أنا كنت أتحدث في مناسبة عن كيف يتكوّن لدى الشخص البسيط هذا الانطباع المتفرد بأن زعيمه هو زعيم العالم كله. أنا قلت هذا الكلام، وأمسك به بعض أنصار تأليه عبد الناصر... (تساءلوا مستنكرين): هل عبد الناصر مناصر الفقراء يطلب أكله من سويسرا؟ لا، لم يكن يطلب طعامه من سويسرا، إنما كان يُرسَل إليه طعام خاص بمرض السكري، وهو ليس موجوداً في القاهرة. ويمكن أن تقبل فكرة أن رئيساً من الرؤساء يأخذ الطعام لأنه مريض، وهذا الطعام غير متوفر في البلد الذي هو فيه. قامت الضجة لهذا السبب، وأنا تمسّكت بموقفي وهو لم يتغير قط. هذا هو ما حدث. ومؤخراً، قال أحد زملائنا من السفراء، السفير منير زهران في حديث مع قناة (العربية): نعم طبعاً هذا كان يحصل. لا مصلحة لنا أن نقول كلاماً غير سليم».

وعن شعوره حين عبر الجيش المصري في حرب 1973 «خط بارليف»، قال: «طبيعي، السعادة الغامرة. السعادة الوطنية. ليست سعادة شخصية، بل سعادة وطنية بأن الأداء، أداء الجيش المصري، أداء الجنود والضباط، كان أداءً متميزاً. الكلام الذي قيل قبل ذلك، طعناً فيهم، وإسرائيل قالت إنها الجيش الذي لا يُقهر، وإذا به أصبح يُقهر. أول عملية أو معركة قُهر فيها الجيش الإسرائيلي كانت هذه. أولاً العبور، ثم خط بارليف. هذا كان شيئاً عظيماً جداً، وشعوري الوطني شعور بأنه على الأقل رددنا الإهانة، أو بدأنا نرد الإهانة. كان شيئاً مهماً جداً. المصريون لم يكن من الممكن أن يتسامحوا في استمرار الاحتلال أبداً».

وتابع: «لم يكن أحد يرتاح في حكم مصر قط إذا استمر الاحتلال من دون علاج. أنور السادات اتخذ القرار الصحيح واشتغل على التدريب الصحيح، والتخطيط الصحيح، والحدود التي يعمل فيها، وكيف رأى العمل العسكري الذي يجب أن يكمله العمل الدبلوماسي والسياسي. هذه كانت عملية عظيمة للغاية أدت إلى الانسحاب الإسرائيلي من سيناء. أضاعت الهزيمة أرضاً مصرية فاتخذ السادات القرار الذي أدى إلى استعادتها كاملة. أنا مصري، لا يمكن أن أقبل أبداً أن دولة صغيرة مثل إسرائيل تحتل أرضاً واسعة من مصر وهزيمة مصر أمامها. هذه مسألة لم أتقبلها قط. لم أتقبلها».

عبد الناصر والسادات

سألته عن أسلوب عبد الناصر والتنافس بين أنصاره وأنصار السادات، فقال: «طبعاً، هناك تنافس بين أنصار هذا وأنصار ذاك. وطريقة وأسلوب أنصار عبد الناصر، وأسلوب أنور السادات. أسلوب عبد الناصر قائم على الفرد. أنور السادات، قد يكون لديه نفس النزعة، أنه هو الفرعون، وهو كان يقول إنه آخر الفراعنة.

عبد الناصر والسادات قبل حرب 1967 بشهور (غيتي)

أنور السادات شعر بأن لديه مسؤولية استعادة الأرض والانتقام لهزيمة الجيش المصري، وهذا كان قوة نفسية مهمة جداً حرّكته. صديقي مصطفى الفقي، وهو أحد الدبلوماسيين ومفكر جيد، يقول إن جمال عبد الناصر كان زعيماً كبيراً إنما أنور السادات كان رجل دولة. أي أنه يفكر بالدولة وكيفية إدارتها. أهم شيء عنده، أولوياته، كان الانتقام لما حصل في 5 يونيو 1967، وهو كان محقاً في ذلك. طبعاً أنور السادات كان يفكر بمنطق الدولة ورئيس الدولة ومسؤوليته... إلخ، إنما عبد الناصر كانت الزعامة جزءاً منه. مسلّمة لديه».

دخول السادات الكنيست كغزو القمر

وعن شعوره يوم رأى السادات واقفاً في الكنيست الإسرائيلي، قال: «هذه تركيبة معقّدة جداً. مشاعرنا. أنا كنت في وزارة الخارجية في القاهرة. وأجزاء من الكلام الذي قاله كُتب في وزارة الخارجية، إنما المبادرة في ذاتها كانت كغزو القمر. أذكر أنه، في المبادرة هذه عندما ذهب الرئيس السادات، كان على مشارف عيد، وكنت في الإسكندرية، خلت الشوارع من المارة تماماً كما خلت الشوارع عندما داست أقدام أول آدمي القمر. شيء جميل. هناك جرأة لا تحتاج إلى كلام. والخطاب كان مكتوباً جيداً وليست فيه تنازلات، وفيه وفيه.

جانب من خطاب السادات في الكنيست عام 1977 (غيتي)

كتب الخطاب موسى صبري الذي كان رئيس تحرير «الأخبار» وأسامة الباز الذي كان مديراً لمكتب وزير الخارجية، وأنا كنت مع الباز في ذلك الوقت. المساهمان الرئيسيان موسى صبري وأسامة الباز، في كتابة هذا الخطاب المهم التاريخي. الطرح فيه هو أن مصر تقول لهم: مستعدون للسلام أم لا؟ أنا مستعد للسلام بدليل وجودي هنا، إنما للسلام شروط وتعريف وكذا وكذا. وهذا ما سارت عليه مصر، وكنا نتفاوض على مسارين: مصر والأراضي المصرية، وفلسطين والأراضي الفلسطينية. رأساً برأس على الدوام».

نصيحة تشاوشيسكو للسادات

نقلت إلى موسى ما سمعته من أسامة الباز الذي قال لي: «لا تصدق ما يقال: فكرة زيارة إسرائيل هي من السادات نفسه وليست اقتراحاً أميركياً»، فرد موسى: «نعم، لم تكن اقتراحاً أميركياً، وإنما الفكرة التي كانت في رأس أنور السادات جرت تنميتها بواسطته هو. هو كانت لديه هذه الفكرة أن يقوم بحدث ضخم يهزّ الدنيا ويدفع إسرائيل إلى تحويل سياستها باتجاه الوصول إلى حل سلمي. أساساً، انسحاب إسرائيل من الأراضي المصرية المحتلة.

أنا لا أستبعد أن بعض رؤساء أوروبا الشرقية الضالعين في العلاقات مع إسرائيل مثل (الزعيم الشيوعي الروماني نيكولاي) تشاوشيسكو شجّعوا أنور السادات على هذه الفكرة، أو أن السادات استشارهم لأننا قرأنا أنه سأل بالذات عن مناحيم بيغن، مَن هو بيغن؟ إنه لو زاره وتحدث معه يأخذ منه حاجة. مَن هو؟ وقرأنا أن تشاوشيسكو لاحظ أن بيغن من اليمين وأنه لو اتفق معك فلن تجد أي صعوبة، إنما لو كان شخصاً من اليسار سيفتح اليمين عليه جهنم. هذه تطورات التفكير، وإنما ليست فكرة أميركية. أنا أرى أن هذا أمر منطقي جداً، أما إذا كانت هناك مسألة تحت الطاولة ولم يعرف بها أسامة أو أنا أو غيري، فأستبعدها».

لو كنت وزيراً للخارجية يومها، هل كنت رافقت الرئيس السادات في رحلته إلى القدس؟ أجاب موسى: «لا أعرف. لا أعرف لأنني كنت مع وزير الخارجية الذي كان آنذاك، وهو إسماعيل فهمي، ولم يقبل الذهاب إلى القدس، بينما غيره قبل، بطرس غالي ومصطفى خليل الذي كان وزير خارجية ورئيس وزراء بعد ذلك. الرأي في مصر كان منقسماً. هو لم يكن ذاهباً للسياحة في إسرائيل، ولا ذاهباً للاعتراف لمجرد الاعتراف أو التطبيع إرضاء لهذا أو ذاك، كان ذاهباً لأن هناك أرضاً مصرية محتلة يريد استعادتها بعد حرب أكتوبر وبعد التعقيدات التي حصلت في هذا المسار. لا أستطيع أن أجزم بنعم أو لا».

لحظة وصول السادات إلى القدس عام 1977 (غيتي)

عرفات والأسد وفرصة كامب ديفيد

سألته إن كان ياسر عرفات خاف من الالتحاق بالسادات، فأجاب: «أعتقد نعم. أعتقد أنه خاف. لو التحق بأنور السادات كانت مصر ستحميه بالتأكيد، وربما كان سيأخذ شيئاً مهماً. أنور السادات وحده مع عدم وجود ياسر عرفات، وربما ببعض المقاطعة أو غير ذلك من القيادة الفلسطينية إزاء الرئيس السادات، الكلام الذي قلناه في كامب ديفيد، بالملحق الخاص بفلسطين أو الجزء الخاص بفلسطين، الحكم الذاتي الكامل، توطئة لمفاوضات بشأن الدولة الفلسطينية. تصور لو هذا تم في ذلك الوقت؟ طبعاً، تستطيع أن تقول لي، وأنا ما زلت أقول لنفسي، إن الخطة الإسرائيلية في منع قيام الدولة كانت منذ صدور قرار التقسيم».

تحدثت عن الجولان، سائلاً: هل تعتقد أن حافظ الأسد أخطأ لأنه لم يشارك السادات في مغامرة السلام في حينه؟ أجاب موسى: «أنور السادات لم يطلب منه المشاركة، بل طلب منه أن ينتظر ويرى ماذا سيحصل. إن لم يتمكن من الحصول على شيء، فإنه (السادات) سيكون مسؤولاً (عن ذلك) ولو تمكن من الحصول على شيء فالكل سيستفيد منه. طبعاً تردد أن الأسد راودته فكرة احتجاز السادات حين زاره في دمشق. لا، لا، لا تحصل ولو أن هناك بعض الرؤوس الحامية فكرت بذلك، طبقاً لما قرأناه، وليس معلومات. الحقيقة أن موضوع الجولان لا يزال على أجندة الكل، هل يمكن أن تنشئ نظاماً إقليمياً جديداً وإسرائيل متوسعة في الجولان أو أخذته كله أو معظمه؟ هل هذا ممكن؟ ليس ممكناً، وسيكون سبباً من أسباب القلق أو الإقلاق أو الاضطراب الإقليمي أيضاً، ونحن في الحقيقة، أنا لا أتكلم من منطلق القومية العربية الهتافية بل من منطلق منطقة هادئة تتفرغ للبناء وللتعاون الإقليمي. لا يكون هناك احتلال لا في أرض سورية ولا في أرض فلسطينية ولا في أرض لبنانية. بكل صراحة هكذا. ضروري. نحن أناس أوادم ونقول في هذه الأمور كلاماً معقولاً: هل أي منا يقبل بإهداء أرض لإسرائيل هكذا؟ لماذا؟ في أي مناسبة؟».

يوم اغتيال السادات

«تسألني عن يوم اغتيال السادات. شعرت بحزن شديد جداً. أنا كنت وقتها، لغرابة الأمر، الرجل الثاني، نائب رئيس الوفد المصري في الأمم المتحدة. كان رئيس الوفد الدكتور عصمت عبد المجيد، الله يرحمه، وذهب إلى الحج، وأصبحت أنا رئيس الوفد بالإنابة، ثم حصل الاغتيال. هناك إجراءات تتخذ. أنور السادات، كانت هناك ثورة عربية ضده، بعد كامب ديفيد، وربما ستكون هناك صعوبة في أن تحتفي الأمم المتحدة به وتقيم جلسة خاصة لتأبينه، فكلمت الأمين العام كورت فالدهايم، أنا رئيس الوفد المصري بالإنابة، وقلت له: حصل كذا وأنا غير متأكد من الوفاة، حصل اعتداء كبير على أنور السادات وليس لدي أي شيء رسمي، ولكن أرجو أن نستعد لأنه إذا حصل شيء فلتكن الجلسة بعد ظهر اليوم وليس غداً، لأنه لو حصلت غداً ستحصل تدخلات عديدة. فقال لي: حسناً، نعمل حسابنا على الثالثة بعد الظهر».

«كلمت مصر، وسألت عن الوضع، فلم أحصل على إجابة واضحة، فقلت لهم: الساعة الثالثة ستعقد جلسة لتأبين الرئيس السادات، وأريد أن أعرف الآن ما هو الوضع. في هذه الأثناء، كانت الأخبار من البيت الأبيض أن الرئيس قُتل. الذي كان يكلمني من مصر، قلت له: البيت الأبيض سرّب الخبر وسيعلن بعد قليل مصرع الرئيس السادات. فإما سآخذ بتعليماتكم بالسكوت، وأنا لن أقدر في مواجهة بيان من البيت الأبيض بهذا الشكل يعني أن الرئيس قُتل وستتم إقامة حفل تأبينه بعد الظهر. وبعد دقيقتين طلبوني من القاهرة، وقالوا: نعم توفي. هذا أولاً، ثانياً: مَن سيتكلم في هذا التأبين؟ المجموعة العربية وافقت على أن رئيس المجموعة العربية سيتكلم ويؤبن السادات. إسرائيل تريد أن تتكلم، وأنا لن أقدر على منعها، والرئيس سيعطيها الكلمة».

«لدى الإسرائيليين أيضاً نوع من السلوك الشرقي، ورئيس الوفد الإسرائيلي سيأتي ليسلم عليّ. توقعت ذلك، وكان يجلس أمامنا بعدد من الصفوف.

أتيت بشخص من الوفد وقلت له أنت تقف على بُعد 3-4 أمتار مني، وعندما ترى السفير الإسرائيلي آتياً سلم عليه. وفعلاً أتى وسلم عليه واحتضنه. كل هذا كان سيحصل معي. فرغ مشاعره لدى الشخص وعندما وصل إليّ سلمت عليه بيد ناشفة لمنعه من احتضاني، والكاميرات موجودة، وبالتالي قدّم عزاءه ورجع».


مقالات ذات صلة

عمرو موسى: عرفات كان «عفريتاً» وهاجسه الفرار من الوصايات

خاص عرفات مستقبلاً عمرو موسى عام 1993 (أ.ف.ب) p-circle 03:53

عمرو موسى: عرفات كان «عفريتاً» وهاجسه الفرار من الوصايات

في الحلقة الأخيرة من مقابلته مع «الشرق الأوسط»، يشارك عمرو موسى لمحات عن قادة ووزراء عرب عمل معهم.

غسان شربل (القاهرة)
خاص جانب من الصورة التذكارية لآخر قمة جمعت عمرو موسى بمعمر القذافي في سرت الليبية عام 2010 (أ.ف.ب) p-circle 08:37

خاص عمرو موسى: عاملني القذافي في البداية بوصفي جاسوساً أميركياً ثم تغيرت الأمور

عمرو موسى يروي في الحلقة الثالثة من مقابلته مع «الشرق الأوسط» قصة لقاء أخير مع صدام حسين، وكيف كان القذافي صعباً ومتقلباً.

غسان شربل (القاهرة)
خاص حديث بين حسني مبارك وعمرو موسى خلال قمة للدول النامية في القاهرة عام 2000 (أ.ف.ب) p-circle 02:23

خاص عمرو موسى: مبارك كان وطنياً جداً وليس بالسوء الذي صُوّر به

عمرو موسى يرسم لـ«الشرق الأوسط» صورة عن قرب للرئيس المصري الراحل حسني مبارك العاشق للأناقة والنكات، ويروي كواليس لقائه بالأسد بعد اغتيال الحريري.

غسان شربل (القاهرة)

عراقيل إسرائيلية تقيّد عبور العدد المتفق عليه يومياً من «رفح»

فلسطينيون في طريقهم إلى المستشفيات المصرية لتلقى العلاج (الهلال الأحمر المصري)
فلسطينيون في طريقهم إلى المستشفيات المصرية لتلقى العلاج (الهلال الأحمر المصري)
TT

عراقيل إسرائيلية تقيّد عبور العدد المتفق عليه يومياً من «رفح»

فلسطينيون في طريقهم إلى المستشفيات المصرية لتلقى العلاج (الهلال الأحمر المصري)
فلسطينيون في طريقهم إلى المستشفيات المصرية لتلقى العلاج (الهلال الأحمر المصري)

ما زالت إسرائيل تفرض قيوداً على حركة عبور الأفراد من معبر «رفح» البري، بما يمنع مرور «العدد المتفق عليه» في خطة وقف إطلاق النار بقطاع غزة.

ويقتصر المرور اليومي للأفراد من المعبر على المرضى والمصابين، في حين يتم منع فئات أخرى مثل الطلاب ورجال الأعمال، حسب مصادر في جمعيات الإغاثة تحدثت لـ«الشرق الأوسط»، مؤكدة أن «الجانب الإسرائيلي يفرض اشتراطات أمنية على من يُسمح بمروره عبر معبر رفح ما خفض أعداد المسموح بعبورهم إلى النصف».

ويشكل معبر رفح البري (على الحدود المصرية الشرقية مع قطاع غزة) الشريان الرئيسي لعبور المساعدات الإنسانية للفلسطينيين منذ بداية العدوان الإسرائيلي على غزة، بعد عملية «طوفان الأقصى» في 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، واستقبل المعبر مئات شاحنات المساعدات المقدمة من مصر، ودول عربية وأجنبية، فيما أعلنت القاهرة «إعادة تأهيل المعبر لتسهيل عبور المساعدات بعد تعرضه للقصف الإسرائيلي عدة مرات».

ومن بين اشتراطات اتفاق وقف إطلاق النار بين «حماس» وإسرائيل، الذي دخل حيز التنفيذ في أكتوبر الماضي استجابة لخطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب «إعادة فتح معبر رفح والسماح بمرور حركة المساعدات والأفراد»، إلا أن تل أبيب «فرضت قيوداً جديدة على حركة المساعدات الإنسانية، وحصرت عبور الأفراد على المرضى والجرحى، رغم النداءات الدولية بضرورة دعم القطاع، الذي يعاني من أزمات إنسانية».

حركة عبور الأفراد من معبر رفح مقصورة على المرضى والجرحى فقط (الهلال الأحمر المصري)

ويواصل «الهلال الأحمر المصري» استقبال المرضى والمصابين الفلسطينيين من معبر رفح، وأشار في إفادة، الأربعاء، إلى «استقبال الدفعة رقم 46 من الجرحى والمرضى، إلى جانب مرافقيهم»، ونوه إلى «تقديم الدعم والرعاية اللازمة لهم» إلى جانب «توديع فلسطينيين آخرين عائدين إلى القطاع».

وتشمل الخدمات المقدمة للجرحى والمصابين الفلسطينيين، حسب «الهلال»، تيسير إجراءات العبور، وتوزيع الوجبات الغذائية الساخنة والملابس ومستلزمات العناية الشخصية بما يضمن تلبية الاحتياجات الأساسية للمصابين ومرافقيهم خلال فترة وجودهم.

ورفعت مصر حالة الاستعداد القصوى بمستشفيات شمال سيناء والمحافظات المجاورة لتكون جاهزة لاستقبال الجرحى والمرضى الفلسطينيين، وأكدت وزارة الصحة في وقت سابق توافر الفرق الطبية والأجهزة والمستلزمات لاستقبال وإحالة المصابين، وأشارت إلى «إمداد محافظة شمال سيناء بـ150 سيارة إسعاف لاستقبال المصابين، لضمان سرعة نقل الحالات الحرجة وتقديم الرعاية الصحية لها».

وقال رئيس الهيئة الدولية لدعم الشعب الفلسطيني، صلاح عبد العاطي: «لا تزال إسرائيل تفرض عراقيل على عبور الفلسطينيين من معبر رفح عبر الاتجاهين». ويضيف أن «الأعداد لا تتجاوز 70 فرداً من المرضى والمصابين، رغم أن اتفاق وقف إطلاق النار يقضي بمرور 150 شخصاً يومياً».

ويشير عبد العاطي إلى أن «حركة عبور الأفراد من معبر رفح مقصورة على المرضى والجرحى فقط»، ويوضح أن «هناك أصحاب الحاجة من الطلاب ورجال الأعمال تمنع إسرائيل عبورهم»، ونوه إلى أن «عملية مرور الأفراد تخضع لاشتراطات من الجانب الإسرائيلي من بينها الحصول على موافقات أمنية، ما يضاعف الأعباء الإنسانية داخل القطاع».

وأكد أن «حركة العبور اليومية لا تلبي احتياجات سكان قطاع غزة»، وأوضح أن «هناك عالقين يريدون العودة إلى القطاع ويتم منعهم»، وأشار إلى أن «العراقيل المفروضة تشكل عبئاً وضغطاً على المنظمات الإغاثية العاملة في القطاع».

الهلال الأحمر المصري يستقبل دفعة من المرضى والجرحى الفلسطينيين (الهلال)

وحسب المتحدث باسم «اللجنة المصرية في غزة»، محمد منصور، فإن «مصر لا تغلق معبر رفح أمام حركة الأفراد»، ويقول إن «من يعيق العبور هو الجانب الإسرائيلي، الذي يحتل منطقة رفح الفلسطينية، ويمنع وصول الفلسطينيين إلى معبر رفح من الجانب الفلسطيني».

ويرى منصور أن «القيود الإسرائيلية تمتد أيضاً إلى نسبة المساعدات الإغاثية المقدمة للقطاع، فعدد الشاحنات اليومية لا يلبي احتياجات القطاع، ولا يلبي الاستحقاق المتفق عليه في اتفاق وقف إطلاق النار».

وينص اتفاق «وقف إطلاق النار» على إدخال 600 شاحنة مساعدات يومياً إلى غزة، بينها 50 شاحنة وقود، وتُخصّص 300 شاحنة منها لشمال القطاع. وأعلن «الهلال الأحمر المصري»، الأربعاء، تسيير القافلة رقم 207 من سلسلة قوافل «زاد العزة»، وقال إن «القافلة تضم عدداً من الشاحنات محملة بنحو 2415 طناً من المساعدات الإنسانية الشاملة».


ليبيا توسِّع الملاحقات الأمنية للمهاجرين غير النظاميين

الأمن الليبي خلال دورية لملاحقة مهاجرين غير نظاميين (جهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية في شرق ليبيا)
الأمن الليبي خلال دورية لملاحقة مهاجرين غير نظاميين (جهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية في شرق ليبيا)
TT

ليبيا توسِّع الملاحقات الأمنية للمهاجرين غير النظاميين

الأمن الليبي خلال دورية لملاحقة مهاجرين غير نظاميين (جهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية في شرق ليبيا)
الأمن الليبي خلال دورية لملاحقة مهاجرين غير نظاميين (جهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية في شرق ليبيا)

وسّعت السلطات الليبية في شرق البلاد وغربها خلال الأيام الأخيرة إجراءاتها الأمنية والتنظيمية، الرامية إلى الحد من الهجرة غير النظامية، في وقت تتصاعد فيه المخاوف الشعبية والرسمية من التداعيات الأمنية والديمغرافية للظاهرة، وسط رفض متزايد لأي مشاريع يُنظر إليها على أنها تمهيد لتوطين المهاجرين داخل البلاد.

وتواصلت الأربعاء في شرق ليبيا حملة أمنية واسعة النطاق، جرى خلالها ضبط مئات المهاجرين غير النظاميين، تنفيذاً لتعليمات أصدرها الفريق صدام حفتر، نائب القائد العام لـ«الجيش الوطني»، تقضي باتخاذ إجراءات عاجلة لإنهاء مظاهر الوجود غير القانوني للأجانب في المناطق الخاضعة لسيطرة القيادة العامة.

ونقلت وسائل إعلام محلية عن مصادر أمنية أن «الأجهزة المختصة تمكنت من ضبط أكثر من 2000 مهاجر غير نظامي في مدينة طبرق (شرق) خلال ثلاثة أيام، في إطار عمليات تفتيش ومداهمة، شملت عدداً من الأحياء والمواقع التي يشتبه في استخدامها لإيواء مهاجرين لا يحملون وثائق قانونية».

وحسب توجيهات صدام حفتر، فإن الحملة تركز على «ملاحقة وضبط المخالفين الذين لا يمتلكون وثائق رسمية، أو تصاريح إقامة أو عمل، مع اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة بحقهم وفق القوانين النافذة، تمهيداً لترحيلهم أو إحالتهم إلى الجهات المختصة».

كما أطلقت مديرية أمن البطنان، تحذيراً إلى ملاك العقارات ومؤجري المساكن من «إيواء أو تأجير وحدات سكنية لأجانب أو مهاجرين دون استيفاء الإجراءات القانونية المطلوبة»، متوعدةً بـ«اتخاذ تدابير صارمة بحق المخالفين، تشمل المساءلة القانونية واتخاذ إجراءات بحق العقارات، التي يثبت استخدامها لإيواء مقيمين بصورة غير مشروعة».

اجتماع وزيري الداخلية والعمل بحكومة «الوحدة» مع رئيس هيئة الرقابة الإدارية لبحث ملف الهجرة غير النظامية (حكومة الوحدة)

وفي درنة، أعلنت السلطات المحلية ضبط نحو 800 مهاجر غير قانوني، فيما أسفرت حملات نفذها «جهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية» في البيضاء عن ضبط عدد من المهاجرين غير النظاميين من جنسيات مختلفة، بالإضافة إلى رصد حالات مصابة ببعض الأوبئة والأمراض، وفق بيان للجهاز، الأربعاء.

كما أعلنت مديرية أمن أجدابيا (شرق) مواصلة حملاتها الأمنية لضبط المهاجرين غير الشرعيين، مؤكدةً «وضع آليات تنظيمية وقانونية، تهدف إلى حصر المخالفين لقوانين الإقامة، وإحالتهم إلى الجهات المختصة لاستكمال إجراءات إعادتهم إلى بلدانهم عبر القنوات الرسمية».

وفي غرب ليبيا، تزامنت التحركات الأمنية مع مساعٍ حكومية لإعادة تنظيم ملف الهجرة والعمالة الأجنبية. وأعلنت حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس عن اجتماع موسع ضم وزيري الداخلية والعمل ورئيس هيئة الرقابة الإدارية، خُصص لبحث خطة وطنية متكاملة لمعالجة الملف.

وقالت «الوحدة» إن «الخطة ترتكز على ثلاثة محاور رئيسية تشمل: تعزيز أمن الحدود، وتنظيم العمالة الوافدة، وتفعيل برامج ترحيل المهاجرين غير النظاميين، مع التأكيد على رفض أي ترتيبات أو مقترحات تتعلق بتوطين المهاجرين داخل ليبيا، باعتبار أن ذلك يمس الأمن القومي للبلاد».

وفي إطار الإجراءات المحلية، فرضت «لجنة حصر وتنظيم أوضاع الأجانب في بلدية زوارة»، المدينة الساحلية الواقعة غرب ليبيا قرب الحدود التونسية، حظراً مؤقتاً على حركة وتجول الأجانب والمقيمين والزائرين خلال ساعات الليل، من الحادية عشرة مساءً حتى الخامسة صباحاً.

وأدرجت «اللجنة» هذا القرار في إطار «تدابير احترازية تهدف إلى حماية الأمن والسلامة العامة، والحد من المخاطر المرتبطة بالتجمعات والتحركات الليلية»، داعيةً أصحاب الشركات والمصانع إلى «إبلاغ العمالة الأجنبية بالقرار، والتأكد من حملهم الوثائق الثبوتية اللازمة».

تأتي هذه الإجراءات في وقت يشهد فيه الشارع الليبي تصاعداً ملحوظاً في حدة النقاش حول ملف الهجرة غير النظامية، مع ازدياد الأصوات التي تُحذر من انعكاساتها على الأوضاع الاقتصادية والأمنية والتركيبة السكانية للبلاد.

وأعلن ما يعرف بـ«حراك أبناء سوق الجمعة»، في بلدية سوق الجمعة، إحدى كبرى بلديات العاصمة طرابلس، رفضه المطلق لأي مشاريع لتوطين المهاجرين، داعياً السلطات إلى «اتخاذ خطوات حاسمة لمعالجة الملف». كما أصدر أهالي وأعيان عين زارة، الواقعة جنوب شرقي طرابلس، بيانات مماثلة حذروا فيها من مخاطر التوطين، مطالبين بتشديد الرقابة على الحدود ومكافحة شبكات تهريب البشر.

وتتزامن هذه التطورات مع دعوات لتنظيم احتجاجات شعبية، أخيراً، تحت شعار «الانتفاضة الكبرى ضد الهجرة غير الشرعية ومحاولات التوطين»، وسط مخاوف من أن تؤثر التحركات المرتقبة على عمل بعثة المفوضية الأممية لشؤون اللاجئين.

وتحدثت وسائل إعلام محلية، مساء الثلاثاء، عن رصد عمليات نقل وثائق ومعدات من مقر مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في منطقة السراج غرب العاصمة طرابلس، بالتزامن مع الاستعدادات للاحتجاجات المرتقبة، وهو ما أثار تساؤلات بشأن الإجراءات الاحترازية التي تتخذها المنظمة الدولية.

وكانت بعثة المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين قد شددت، مساء الثلاثاء، على أن «عمل المفوضية في ليبيا يقتصر على تقديم المساعدات الإنسانية، والحماية للفئات الأكثر هشاشة من اللاجئين والمهاجرين، نافيةً وجود أي دور للمنظمة في تنفيذ مشاريع لتوطين المهاجرين داخل البلاد، وفق بيان نقله إعلام محلي».

وأعادت التأكيد على موقفها بأن «الجهود الدولية تركز على إيجاد حلول دائمة، من خلال إعادة التوطين في دول ثالثة أو دعم برامج العودة الطوعية الآمنة إلى بلدان المنشأ»، مشيرةً إلى أنها «تمارس أنشطتها الإنسانية داخل ليبيا منذ عام 1991 بالتنسيق مع السلطات المختصة».

Your Premium trial has ended


مصر: جهود حصار التضخم لم تنقذ القطاع الخاص من فخ الركود

رئيس الوزراء المصري خلال افتتاحه أحد المشروعات الصناعية بمحافظة الجيزة الشهر الماضي (مجلس الوزراء المصري)
رئيس الوزراء المصري خلال افتتاحه أحد المشروعات الصناعية بمحافظة الجيزة الشهر الماضي (مجلس الوزراء المصري)
TT

مصر: جهود حصار التضخم لم تنقذ القطاع الخاص من فخ الركود

رئيس الوزراء المصري خلال افتتاحه أحد المشروعات الصناعية بمحافظة الجيزة الشهر الماضي (مجلس الوزراء المصري)
رئيس الوزراء المصري خلال افتتاحه أحد المشروعات الصناعية بمحافظة الجيزة الشهر الماضي (مجلس الوزراء المصري)

رغم التأكيدات الرسمية المستمرة بتكثيف جهود حصار معدلات التضخم في مصر، التي بدأت في الارتفاع مجدداً منذ اندلاع الحرب الإيرانية، فإن ذلك لم ينعكس إيجاباً على القطاع الخاص غير النفطي، الذي يعد الأكثر تأثراً وفقاً لمؤشر «ستاندرد أند بورز غلوبال» لمديري المشتريات في مصر الصادر الأربعاء عن شهر مايو (أيار) الماضي.

وبحسب مسح الأعمال الخاص بالمؤشر فإن «القطاع الخاص غير النفطي في مصر ظل غارقاً في حالة الانكماش خلال شهر ​مايو، بعد أن أدى الارتفاع الجديد في تكاليف ‌المدخلات إلى تراجع الطلب، ما أجبر الشركات على رفع الأسعار بشدة، وأدى إلى أكبر موجة من تخفيضات الوظائف منذ ما يقرب من ست سنوات».

ويشير خبراء اقتصاد لـ«الشرق الأوسط» إلى أن المؤشر، رغم أنه ارتفع قليلاً عن شهر أبريل (نيسان) الماضي، فإن ذلك لا يخفف من صعوبة المشكلات التي يعانيها القطاع الخاص، الذي لا يزال يعاني من توفير الفرص التي تحرك الطاقات الإنتاجية، وأن الجهود الحكومية لمواجهة التضخم لم تفلح في إنقاذه من الركود مع الاعتماد بشكل كبير على الاستيراد من الخارج.

واتخذت الحكومة والبنك المركزي المصري، وفق خبراء، قرارات من شأنها تخفيف وطأة معدلات التضخم المرتفعة، بينها قرارات مصرفية مثل تثبيت أسعار الفائدة، وأخرى تنفيذية من جراء توفير السلع وإتاحتها بأسعار مخفضة في بعض المنافذ على معدلات التضخم، مشيرين في الوقت ذاته إلى محدودية تأثير هذه القرارات.

وارتفع ​مؤشر «مديري المشتريات» في مصر إلى ​47.1 في مايو من 46.6 في أبريل، ⁠لكنه ظل دون عتبة 50.0 التي تفصل بين النمو ​والانكماش للشهر الخامس على التوالي، ما يشير إلى تباطؤ وتيرة نمو ​الناتج المحلي الإجمالي في الربع الثاني مقارنة بنهاية 2025.

وأشارت نتائج المسح إلى أن أسعار مستلزمات الإنتاج ارتفعت بأسرع وتيرة لها منذ يناير (كانون الثاني) 2023، مدفوعة بشكل أساسي بارتفاع تكاليف الوقود والديزل والكهرباء، إلى جانب تأثير انخفاض قيمة العملة المحلية، وضغوط الأجور التي بلغت ذروتها منذ يناير 2018.

أحد مصانع القطاع الخاص العام الماضي (مجلس الوزراء المصري)

وقالت الباحثة في الاقتصاد الدولي، سمر عادل، إن انكماش القطاع الخاص يعود مباشرة لارتفاع معدلات التضخم، وهي ناتجة عن ارتفاع مدخلات الإنتاج مع اعتماد الشركات والمصانع بشكل كبير على الاستيراد، سواء فيما يتعلق بالمواد الخام أو السلع التي ارتفع الكثير منها عالمياً بفعل حالة عدم اليقين، التي سببتها الاضطرابات السياسية والأمنية، وكان لديها تأثير قوي على بعض الاقتصاديات الكبرى.

وأضافت سمر عادل في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «يمكن القول إن التضخم في مصر مستورد، والتعامل معه يبقى صعباً بسبب الاعتماد على استيراد كثير من السلع الأساسية، وتبقى القرارات المصرفية التي يتخذها (البنك المركزي) عبر تثبيت أسعار الفائدة أو خفضها، وكذلك توفير السلع بأسعار مخفضة في بعض المنافذ إجراءات ليست كافية».

وأبقى البنك المركزي المصري أسعار الفائدة دون تغيير، خلال ثاني اجتماع للجنة السياسة النقدية في 2026، خلال الشهر الماضي، وسط مخاطر صعودية تحيط بالتضخم محلياً وعالمياً. وقررت لجنة السياسة النقدية الإبقاء على أسعار الفائدة للإيداع عند 19 في المائة، وسعر الإقراض عند 20 في المائة.

وتباطأ معدل التضخم في مصر على نحو طفيف في أبريل، وسجل معدل التضخم السنوي في المدن المصرية 14.9 في المائة خلال أبريل الماضي، مقارنة بـ15.2 في المائة في مارس (آذار) المنصرم.

وسبق أن توقع «المركزي» المصري ارتفاع متوسط معدلات التضخم في عام 2026 إلى ما بين 16 في المائة و17 في المائة، مقابل 11 في المائة في توقعاته السابقة، كما توقع البنك أن يصل معدل التضخم في مصر إلى ما بين 12 في المائة و13 في المائة في عام 2027، بدلاً من 8 في المائة بتوقعاته السابقة.

رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي في زيارة لأحد مصانع القطاع الخاص العام الماضي (مجلس الوزراء المصري)

من جانبها، أكدت أستاذة الاقتصاد بجامعة عين شمس، الدكتورة يمن الحماقي، أن مؤشر «مدير المشتريات» يشير إلى أن القطاع الخاص لا يجد الفرص الكافية لتحريك الطاقات الإنتاجية، وهو ينخفض بثلاث نقاط كاملة عن الوصول إلى 50.0 التي تفصل بين النمو ​والانكماش، ويبرهن ذلك على أن فرص الاستثمار ضعيفة، وقد انعكس ذلك على تسريح أكبر عدد من العمالة خلال الشهر الماضي، وهو مؤشر خطير يمكن أن يؤدي إلى زيادة معدلات الفقر.

وأشارت الحماقي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن معدلات التضخم المرتفعة تضغط على المواطنين، ومن ثم يتأثر بها القطاع الخاص، وهو ما يتطلب إجراءات حكومية سريعة للتعامل مع الوضعية الراهنة، وفي مقدمتها التركيز على التمكين الاقتصادي للفقراء، وتحسين المناخ الاستثماري وعلاج مشاكل المصانع المتعثرة، وتفعيل الآليات المجتمعية التي تحمي المواطنين، مثل إتاحة السلع بأسعار مخفضة، والتأكد من وصول الدعم إلى مستحقيه في حال جرى الانتقال إلى الدعم النقدي، والتأكد من كفاية ما يحصل عليه المواطنون لسد احتياجاتهم.

وتفاقمت اضطرابات سلاسل التوريد في مصر بشكل كبير خلال مايو الماضي، حيث طالت فترات تسليم الموردين بأسرع معدل منذ قرابة أربع سنوات نتيجة تقلبات الأسعار والآثار المستمرة للصراع والاضطرابات، التي تواجه حركة الشحن العالمي في المنطقة، وفقاً لمؤشر «مديري المشتريات».

وهذا الخلل في الإمدادات، بالتوازي مع تقليص القوى العاملة، أدى إلى تراكم الأعمال المعلقة بأسرع وتيرة منذ سبتمبر (أيلول) 2023. وفي محاولة للتحوط ضد القفزات السعرية المتوقعة مستقبلاً، سجلت الشركات أكبر زيادة في مخزون المشتريات منذ نحو ثلاث سنوات، رغم ضعف الطلب الحالي.