«هدنة غزة»: جهود الوسطاء تصطدم بـ«شروط نتنياهو» ومخاوف من «المماطلة»

تزامناً مع تأكيدات أميركية بإحراز «تقدم» خلال المفاوضات

صبي فلسطيني يقف بين الأنقاض إثر ضربة إسرائيلية على غزة (رويترز)
صبي فلسطيني يقف بين الأنقاض إثر ضربة إسرائيلية على غزة (رويترز)
TT

«هدنة غزة»: جهود الوسطاء تصطدم بـ«شروط نتنياهو» ومخاوف من «المماطلة»

صبي فلسطيني يقف بين الأنقاض إثر ضربة إسرائيلية على غزة (رويترز)
صبي فلسطيني يقف بين الأنقاض إثر ضربة إسرائيلية على غزة (رويترز)

تحركات مكثفة للوسطاء لإتمام «هدنة» تُوقف ولو مؤقتاً «حرب غزة» التي دخلت شهرها العاشر، تقابلها بين الحين والآخر «عراقيل» من رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، دفعت حركة «حماس» للتحذير من «المماطلة» وتأثيرها على المفاوضات.

«عراقيل أو شروط نتنياهو» عدّها خبراء غير مفاجئة كونه «ذهب مجبراً» إلى المفاوضات تحت وطأة «احتجاجات داخلية واسعة، وكذلك رغبة عسكرية في إنهاء الحرب، فضلاً عن ضغوط أميركية لإتمام الاتفاق».

وشهدت القاهرة، الاثنين الماضي، جولة جديدة من المسار التفاوضي لبحث تنفيذ مقترح أعلنه الرئيس الأميركي جو بايدن، نهاية مايو (أيار) الماضي، واستكملت المفاوضات، الأربعاء، في الدوحة، قبل أن تعود لمصر، الخميس، وسط تأكيدات أميركية بإحراز «تقدم» بالمسار التفاوضي.

ووسط تسريبات إعلامية أميركية وإسرائيلية منذ انطلاق المفاوضات، تقف بين «تقدم» و«وجود فجوات»، نقلت القناة «12» الإسرائيلية، الجمعة، عن مسؤولين عسكريين أن نتنياهو «أضاف مبادئ تتجاوز الاتفاقات مع الوسطاء». وعدّوا أن «هذا قد يعطل القدرة على التوصل إلى اتفاق»، خصوصاً المطالبة بالاحتفاظ بحق الجيش الإسرائيلي في استئناف القتال بعد الانتهاء من المرحلة الأولى.

وعقب اجتماع حكومي، مساء الخميس، ناقش جهود الوسطاء، أعلن نتنياهو أيضاً احتفاظ إسرائيل بالسيطرة على المنطقة الحدودية بين مصر وقطاع غزة، بهدف منع «تهريب الأسلحة لحماس» وهو أحد الشروط لوقف إطلاق النار مع الحركة.

وتحدث نتنياهو عن أن شرط استمرار سيطرة الجيش الإسرائيلي على «ممرّ فيلادلفيا ومعبر رفح» اللذين احتلهما بداية مايو، هو أحد «4 مبادئ» طرحتها حكومته في إطار المفاوضات شملت إتاحة مواصلة القتال حتى تحقيق أهداف الحرب، وعدم السماح لآلاف المسلحين بالعودة إلى شمال غزة، وزيادة عدد المحتجزين الأحياء خلال صفقة الرهائن. أما «حماس» التي تشترط انسحاب الجيش الإسرائيلي من هذه المنطقة، فأشارت في بيان، الخميس، إلى أنها لم تبلغ من قبل الوسطاء بأي جديد بشأن المفاوضات. واتهمت إسرائيل بـ«مواصلة سياسة المماطلة» لكسب الوقت، بهدف إفشال هذه الجولة من المفاوضات مثلما فعلت في جولات سابقة.

وقال القيادي في «حماس»، عزت الرشق، إن محاولات نتنياهو لإضافة مطالب جديدة لم ترد في كل المقترحات السابقة مع الوسطاء، تؤكد أنه «ما زال يتلكأ ويماطل ويسعى لتعطيل الاتفاق».

منازل مدمرة بعد انسحاب القوات الإسرائيلية من حي الشجاعية في أعقاب عملية برية (رويترز)

وعدّ مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، السفير علي الحفني، «شروط نتنياهو الجديدة» تأكيداً على أنه «غير جاد» في التفاوض، ولا يريد التوصل إلى صيغة توافقية.

ورغم حديث إعلام إسرائيلي عن عدم رغبة نتنياهو في اتفاق، أبدى الرئيس الأميركي نوعاً من التفاؤل، إذ قال، الخميس، إن المفاوضات «تحرز تقدماً»، وإن الاتجاه «إيجابي وهناك فرصة» لوقف الحرب، وإن إطار العمل تم الاتفاق عليه الآن بين كل من إسرائيل و«حماس».

غير أن بايدن عاد وأقر بأن «هناك قضايا صعبة ومعقدة، وهناك فجوات يجب سدها»، دون أن يكشف عن بنودها.

ورأى الحفني أن واشنطن لديها أوراق ضغط تستطيع أن تنفذها على نتنياهو لـ«إجباره على إبرام الصفقة وإيقاف تلك المماطلات، مثل تجميد صفقات أسلحة والضغط عبر قرار ملزم بمجلس الأمن بوقف الحرب».

أما المحلل السياسي الأردني، الدكتور صلاح العبادي، فأشار إلى أن بايدن يمارس هو الآخر دوراً سياسياً في إطار حملته الانتخابية، حيث تتحدث إدارته عن تقدم في المفاوضات، بينما الحرب على غزة ستستمر.

وعدّ تصريحات نتنياهو بين الحين والآخر بشأن المفاوضات؛ وأحدثها إصراره بالسيطرة على الحدود مع مصر أو الوجود بـ«فيلادلفيا ومعبر رفح»، تأكيداً على رغبته تعطيل المسار التفاوضي الذي ذهب إليه مجبراً، للإبقاء على حكومته وتحصين نفسه من أي تبعات سياسية أو قضائية في المستقبل جراء هذه الحرب.

دبابة تابعة للجيش الإسرائيلي وهي تخرج من وسط قطاع غزة لتدخل الأراضي الإسرائيلية (أ.ف.ب)

وبينما أعلن مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي، الخميس، أن المفاوضين الإسرائيليين عادوا من الدوحة، بعد اجتماع مع الوسطاء ناقش إعادة الرهائن، وسبل تنفيذ خطوطه العريضة، مع ضمان تحقيق كل أهداف الحرب. وذكرت القناة «12» الإسرائيلية، نقلاً عن ‏مصادر مطلعة على تفاصيل المفاوضات، الجمعة، أن المفاوضات «أمام يومين حاسمين لنجاح الصفقة».

وقال الحفني لـ«الشرق الأوسط»، إن مستقبل المفاوضات «سيبقى بين المماطلة من جانب نتنياهو وإلقاء اللوم على (حماس)، ووضع شروط تعجيزية، وإحراج الوسطاء، إلى أن يأتي وقت مناسب لإيقافها (أي المفاوضات) مجدداً من جانب تل أبيب، قد يكون بعد إلقاء نتنياهو خطابه أمام الكونغرس نهاية الشهر الحالي».

بينما أكد العبادي لـ«الشرق الأوسط»، أن مستقبل المفاوضات «مرهون ببقاء نتنياهو»، وأنه «لا نتائج من هذه المفاوضات في ظل وجود نتنياهو، خصوصاً أنه يتعمد استخدام اليمين الإسرائيلي المتطرف لإطلاق تصريحات مقصودة، تهدف إلى استمرار الحرب ورفض أي جهود للوساطة».

ولم تشهد الحرب المستمرة منذ 7 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، سوى هدنة واحدة استمرت أسبوعاً في نهاية نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، شملت تكثيف إدخال المساعدات والإفراج عن بعض الرهائن المحتجزين لدى «حماس»، مقابل إطلاق سراح أسرى فلسطينيين بالسجون الإسرائيلية.


مقالات ذات صلة

خياط في خان يونس يُحوّل الأنقاض إلى فساتين للفرح

يوميات الشرق من ذاكرة البيوت المهدّمة تُصنع الأحلام (أ.ف.ب)

خياط في خان يونس يُحوّل الأنقاض إلى فساتين للفرح

في محلّ للخياطة في خان يونس بقطاع غزة، تدور طفلة بفستان أبيض مُعدّ لمناسبة خاصة حول نفسها، فتنتفخ طبقات الفستان الرقيقة المصنوعة من التول من حولها.

«الشرق الأوسط» (خان يونس - الأراضي الفلسطينية)
المشرق العربي مشاركون في اجتماع دعم "حل الدولتين" في باريس أمس (رويترز)

اجتماع في باريس يحشد لـ «حل الدولتين»

منذ «إعلان نيويورك»، الذي صدر قبل عام وحظي بتبنّي 142 دولة وطرح خطة طريق متكاملة لتنفيذ «حل الدولتين»، شهدت جهود تأسيس دولة فلسطينية جموداً جرّاء التطورات

ميشال أبونجم ( باريس)
المشرق العربي اهتمام عالمي بطفل فلسطيني يعاني من ضعف البصر بكى حزناً على نظارته المكسورة

اهتمام عالمي بطفل فلسطيني يعاني من ضعف البصر بكى حزناً على نظارته المكسورة

أثار مقطع فيديو لطفل فلسطيني في غزة يبلغ من العمر سبع سنوات، ويعاني من ضعف شديد في البصر، اهتماماً واسعاً عبر وسائل التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام الدولية

«الشرق الأوسط» (لندن )
رياضة سعودية رند الحلواني (الاتحاد الفلسطيني)

الشرطة الإسرائيلية تفرج عن لاعبة في المنتخب الفلسطيني لكرة القدم

أفرجت السلطات الإسرائيلية عن رند الحلواني اللاعبة في المنتخب الفلسطيني للسيدات لكرة القدم بعد احتجازها منذ الثلاثاء الماضي، حسب ما أفادت والدتها.

«الشرق الأوسط» (رام الله)
المشرق العربي صورة لأسرى فلسطينيين معصوبي الأعين في قاعدة «سدي تيمان» العسكرية نشرتها منظمة «كسر الصمت» الإسرائيلية (أ.ب)

محكمة إسرائيلية تلغي حظر زيارات «الصليب الأحمر» للمعتقلين الفلسطينيين

ألغت المحكمةُ العليا الإسرائيلية قراراً كان يحظر على ممثلي اللجنة الدولية للصليب الأحمر زيارة المعتقلين الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)

«الثلاثية المغاربية» تبحث تهديدات الإرهاب والجريمة المنظمة

عدد من المشاركين في الاجتماع الوزاري والأمني الثلاثي بطرابلس (وزارة الداخلية الليبية)
عدد من المشاركين في الاجتماع الوزاري والأمني الثلاثي بطرابلس (وزارة الداخلية الليبية)
TT

«الثلاثية المغاربية» تبحث تهديدات الإرهاب والجريمة المنظمة

عدد من المشاركين في الاجتماع الوزاري والأمني الثلاثي بطرابلس (وزارة الداخلية الليبية)
عدد من المشاركين في الاجتماع الوزاري والأمني الثلاثي بطرابلس (وزارة الداخلية الليبية)

يجري وفد من وزارة الداخلية الجزائرية في ليبيا، منذ الثلاثاء، اجتماعات في ليبيا مع مسؤولين بوزارتي الداخلية وجهازي الأمن بتونس وليبيا، تخص مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة وتهريب المخدرات والهجرة غير الشرعية بالحدود.

وتندرج الاجتماعات في إطار «القمة المغاربية التشاورية»، التي جمعت قادة الدول الثلاث الجزائر وتونس وليبيا في تونس بتاريخ 22 أبريل (نيسان) 2024؛ حيث اتفق القادة على تشكيل «فرق عمل مشتركة»، أحدها مكلف بالحدود.

البعثة الحكومية الجزائرية في اجتماع طرابلس (وزارة الداخلية الليبية)

وأفادت وزارة الداخلية بحكومة الوحدة الوطنية الليبية، في بيان، بأن العاصمة طرابلس استضافت، الثلاثاء، اجتماعاً لـ«فريق العمل الليبي الجزائري - التونسي المكلّف بتأمين الحدود المشتركة»، وذلك في إطار تعزيز التعاون الأمني بين الدول الثلاث، وتطوير آليات التنسيق الميداني لمواجهة التحديات الأمنية المتصاعدة في المنطقة.

حزام أمني مغاربي

بحسب الوزارة، ناقش الاجتماع «رفع مستوى التعاون الأمني المشترك بين ليبيا وتونس والجزائر، بما يشمل تأمين الحدود ومكافحة الجريمة المنظمة العابرة للحدود، إضافة إلى التصدي لخطر الإرهاب والحد من الهجرة غير الشرعية، بما ينعكس على تعزيز الأمن والاستقرار، وحماية المصالح المشتركة لشعوب المنطقة».

الوفد الرسمي الليبي في اجتماع طرابلس حول تأمين الحدود (وزارة الداخلية الليبية)

ونقل البيان نفسه عن وكيل وزارة الداخلية للشؤون العامة الليبية، اللواء محمود سعيد، قوله إن الدول الثلاث حريصة على تطوير التعاون الأمني المشترك وتوحيد الجهود الميدانية، بما يضمن رفع الجاهزية في مواجهة التهديدات الأمنية العابرة للحدود.

واللافت أنَّ الحكومتينِ الجزائرية والتونسية لم تنشرا أي تفاصيل عن هذا الاجتماع الذي يندرج في إطار سلسلة اجتماعات «القمة المغاربية الثلاثية»؛ وهي الآلية التي أثارت جدلاً واسعاً عند إطلاقها، حيث فُهمت على أنها خطوة لتعويض «اتحاد المغرب العربي»، الذي يضم إلى جانب الدول الثلاث كلاً من المغرب وموريتانيا، والذي يشهد شللاً تاماً بسبب الخلافات بين الجزائر والرباط.

وأعقب عقد «قمة 2024» اجتماعات أخرى على مستوى القادة، تم الاتفاق خلالها على إطلاق جهود لترسيخ دعائم الأمن والاستقرار الإقليمي، وتعزيز الشراكة والتكامل الأمني، بما يسهم في حماية الحدود المشتركة، والحد من مختلف أشكال الجريمة المنظمة.

صورة أرشيفية لمؤسسي الاتحاد المغاربي

وتأتي هذه الاجتماعات الثلاثية في ظل تصاعد التحديات الأمنية في منطقة شمال أفريقيا، خصوصاً مع تنامي شبكات التهريب والجريمة المنظمة والهجرة غير الشرعية، ما يدفع الدول الثلاث إلى تعزيز التعاون الأمني، وتنسيق الجهود الميدانية لضبط الحدود وتحقيق الاستقرار الإقليمي.

4 ملفات فوق الطاولة

بحسب مصادر حكومية، تدارست الوفود الأمنية رفيعة المستوى في اجتماع طرابلس التحديات الميدانية الحالية على طول الأشرطة الحدودية المشتركة، حيث جرى تفكيك معضلات الأمن والتنمية وصياغتها في أربعة ملفات أساسية: الملف الأول يتمثل في مراجعة تدابير إغلاق المنافذ، حيث بحث الاجتماع تقييم الإجراءات الميدانية المفروضة، التي نجحت في كبح تسلل الجماعات المسلحة، لكنها خلفت عبئاً اقتصادياً على السكان المحليين.

الوفد الحكومي التونسي خلال مشاركته في اجتماع طرابلس (وزارة الداخلية الليبية)

وضمن هذا الملف تدارس المسؤولون، حسب نفس المصادر، دعم مشروعات تنموية لفائدة سكان الحدود، لا سيما قبائل الطوارق في مناطق إليزي وجانت بالجزائر وما يقابلها في الغرب الليبي كغدامس وغات، والتي تضررت مداخيلها المعيشية المعتمدة تاريخياً على التجارة البينية والروابط العائلية العابرة للحدود، مع التأكيد على ضرورة حماية هذه الحواضن الاجتماعية لمنع استقطابها من شبكات الجريمة.

ويتعلق الملف الثاني بمواجهة شبكات التهريب، التي حولت نشاطها إلى جريمة منظمة عابرة للحدود، ومكافحة تدفق المخدرات والأسلحة، حيث ركزت الوفود على خطورة تحول نشاط التهريب من سلع معيشية مدعمة، إلى تجارة نوعية تهدد الأمن القومي، مع وضع خطط عملياتية لمحاصرة شبكات تهريب الأسلحة والذخيرة القادمة من مستودعات السلاح الليبية غير الخاضعة للرقابة. وأيضاً محاصرة تهريب الحبوب المهلوسة، والمخدرات الصلبة العابرة للمدن وشبكات تهريب السجائر، والمنقبين غير الشرعيين عن الذهب في عمق الصحراء.

كما ناقش المجتمعون الآليات الاستخباراتية المشتركة لرصد روابط المصلحة بين بارونات التهريب والتنظيمات المتطرفة في منطقة الساحل، التي تفرض إتاوات مقابل تأمين طرق المسالك الصحراوية الوعرة.

مهاجرون غير نظاميين من بلدان الساحل على حدود الجزائر (حسابات ناشطين في مجال غوث المفقودين)

ويخص الملف الثالث إدارة تدفقات الهجرة غير النظامية، وتفكيك شبكات الاتجار بالبشر، وتأمين مسارات العبور الملغومة. وقد وقف الاجتماع عند خريطة تحرك المهاجرين غير النظاميين القادمين من دول الساحل والقرن الأفريقي عبر التضاريس الوعرة، وتحول المنطقة إلى رواق عبور رئيسي تستغله شبكات المتاجرة بالبشر نحو العمق الليبي، ثم السواحل الأوروبية.

كما تم التباحث حول سبل التنسيق البيني لتخفيف الضغط الأمني والمالي والصحي الكبير، الذي تواجهه وحدات حرس الحدود، ومراكز الإيواء في الولايات والمناطق الجنوبية للمنطقة المشتركة.

مصافحة على هامش القمة المغاربية الثلاثية التي عقدت بتونس في 22 أبريل 2024 (الرئاسة التونسية)

أما الملف الرابع فيخص تفعيل معابر التنمية الاقتصادية، وتأمين القوافل التجارية وتنشيط الصادرات؛ إذ بحثت الوفود سبل بعث الروح في المبادلات التجارية البرية واستحداث مناطق تبادل حر، والتركيز على تفعيل الاستثمار والتصدير خارج المحروقات كبديل اقتصادي أمن للمنطقة. وتطرق النقاش، وفق المصادر ذاتها، إلى آليات تجاوز العقبات الميدانية، المرتبطة بغياب التوحيد الأمني الشامل في الجانب الليبي، وبحث صيغ أمنية مرنة ومستمرة بين قطاعات وزارة الداخلية لحماية الشاحنات، والقوافل التجارية من تهديدات الفصائل المحلية المسلحة.


مبادرة بولس لتوحيد ليبيا تخرج للعلن... وخلافات تحيط بمستقبلها

من الجلسة الختامية للحوار المهيكل الذي رعته الأمم المتحدة في طرابلس (البعثة الأممية)
من الجلسة الختامية للحوار المهيكل الذي رعته الأمم المتحدة في طرابلس (البعثة الأممية)
TT

مبادرة بولس لتوحيد ليبيا تخرج للعلن... وخلافات تحيط بمستقبلها

من الجلسة الختامية للحوار المهيكل الذي رعته الأمم المتحدة في طرابلس (البعثة الأممية)
من الجلسة الختامية للحوار المهيكل الذي رعته الأمم المتحدة في طرابلس (البعثة الأممية)

خرجت مبادرة أميركية ترمي إلى توحيد السلطة المنقسمة في ليبيا من دائرة التسريبات والتكهنات إلى العلن، مع أول حديث مباشر لمستشار الرئيس الأميركي للشؤون الأفريقية مسعد بولس عن خطة تستهدف تشكيل حكومة موحدة، وإعادة توحيد المؤسسات الليبية المنقسمة، في مقاربة تربط بين التسوية السياسية، وضمان استقرار قطاع النفط وتعزيز الاستثمارات الأميركية.

وعلى مدى الأشهر الماضية، ظلّت الأوساط السياسية الليبية تتداول معلومات متفرقة عن تحركات يقودها بولس لتجاوز حالة الجمود، التي تعصف بالمسار السياسي منذ سنوات، عبر صياغة تفاهم مباشر بين مراكز النفوذ الرئيسية في شرق البلاد وغربها.

مسعد بولس والمبعوثة الأممية هانا تيتيه في لقاء سابق (البعثة الأممية)

وتقوم هذه المقاربة، وفق ما تردد في وسائل إعلام محلية ودولية، على الإبقاء على عبد الحميد الدبيبة رئيساً للحكومة في طرابلس، مقابل صعود نائب قائد «الجيش الوطني» الفريق أول صدام حفتر إلى رئاسة مجلس رئاسي جديد.

في أول تأكيد علني لوجود مسار سياسي تدعمه واشنطن لمعالجة الانقسام القائم، نقلت صحيفة «فاينانشال تايمز» عن بولس قوله إن الخطة الأميركية تستهدف «تشكيل حكومة موحدة وتوحيد جميع المؤسسات».

ولم يُخفِ المسؤول الأميركي البعد الاقتصادي للمبادرة، إذ ربط نجاح الاستقرار السياسي بتهيئة البيئة اللازمة لدخول شركات النفط الأميركية الكبرى إلى السوق الليبية، من بينها «شيفرون» و«كونوكو فيليبس»، مع طموح لمضاعفة إنتاج النفط الليبي ليصل إلى 3 ملايين برميل يومياً بحلول نهاية العقد الحالي.

وينظر مراقبون إلى هذه المبادرة باعتبارها مقاربة تستند إلى موازين القوى القائمة على الأرض، وتعكس توجهاً أميركياً براغماتياً يربط بين ترتيبات الحكم وضمان تدفقات النفط والاستقرار الاقتصادي، من خلال التفاهم المباشر مع القوى السياسية والعسكرية الفاعلة.

ولم تصدر حتى الآن مواقف رسمية واضحة من أبرز الأطراف السياسية الليبية بشأن تصريحات بولس، غير أن الجدل حول المبادرة بدأ يتسع داخل الأوساط السياسية والإعلامية، بين من يراها فرصة لكسر حالة الانسداد السياسي، ومن يعدّها إعادة إنتاج لترتيبات سابقة، لم تحقق تقدماً ملموساً نحو الانتخابات أو إنهاء الانقسام.

وفي معسكر الرافضين، اعتبر تجمع يضم سياسيين وأكاديميين وحقوقيين ليبيين أن أي تسوية سياسية ينبغي أن تستند إلى قاعدة دستورية واضحة وإرادة شعبية مباشرة. وأعلن ما يعرف بـ«التجمع الوطني لمترشحي مجلس النواب بطرابلس»، الذي ضم 136 موقعاً على بيان مشترك، تحفظه على مبادرات، ومن بينها مبادرة بولس، مطالباً بتحديد موعد ملزم للاستفتاء على مشروع الدستور ليكون أساساً لإجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية.

كما رأى عضو المجلس الأعلى للدولة، بلقاسم دبرز، أن المبادرة تعكس تراجعاً لدور البعثة الأممية لحساب الدور الأميركي، معتبراً أن جهود الأمم المتحدة باتت تتجه إلى مواءمة مخرجات الحوار السياسي مع الطرح الذي يقوده بولس، بحسب تصريحات لإعلام محلي.

بدوره، وجّه المستشار الأمني والسياسي الليبي ورئيس اللجنة الأمنية العليا السابق في طرابلس، هاشم بشر، انتقادات حادة للمبادرة، واصفاً إياها بأنها «تحول صريح نحو دبلوماسية الصفقات البراغماتية، التي تتجاوز الشروط الدستورية، وتتعامل مباشرة مع القوى المسيطرة ميدانياً».

وبحسب رؤيته، التي نقلها لـ«الشرق الأوسط»، يبدو أن جوهر هذه المقاربة يتمثل في «شراء استقرار أمني ومالي مؤقت، يضمن مصالح شركات النفط الغربية»، محذراً من أنها قد تمنح شرعية إضافية لقوى الأمر الواقع، وتؤدي إلى إدارة الانقسام بدلاً من إنهائه، بما يضعف فرص الوصول إلى انتخابات شاملة.

في المقابل، يرى مؤيدو المبادرة أنها تمثل خياراً أكثر واقعية من المسارات السابقة التي تعثرت مراراً، ويعتقدون أنها قد تفتح نافذة لإنهاء حالة الانقسام إذا توفرت الإرادة السياسية لدى الأطراف الليبية والدعم الدولي اللازم لتنفيذها. كما تشير تقديرات سياسية إلى وجود قبول نسبي للفكرة داخل معسكر شرق ليبيا، الذي ينظر إليها باعتبارها إطاراً يمكن البناء عليه للوصول إلى تسوية أوسع.

من جلسة سابقة لمجلس الأمن حول الأزمة السياسية في ليبيا (المجلس)

ويأتي هذا الجدل بالتزامن مع ترقب إحاطة مرتقبة، ستقدمها هانا تيتيه أمام مجلس الأمن الدولي، الخميس، تستعرض خلالها آخر التطورات السياسية والأمنية والاقتصادية، إضافة إلى نتائج الحوار المهيكل، الذي اختتم أعماله أخيراً، وشمل ملفات الحوكمة والأمن، والمصالحة وحقوق الإنسان والاقتصاد.

ويرى دبلوماسيون أن الإحاطة قد تكشف إلى أي مدى يمكن أن تتقاطع خريطة الطريق الأممية مع المبادرة الأميركية الجديدة، أو تدخل في منافسة معها على رسم ملامح المرحلة المقبلة في ليبيا.


قيود وملاحقة صانعي المحتوى تشعل سجالاً حقوقياً في ليبيا

اجتماع الهيئة العامة للخيالة والمسرح والفنون الليبية في بنغازي في مارس الماضي (صفحة الهيئة)
اجتماع الهيئة العامة للخيالة والمسرح والفنون الليبية في بنغازي في مارس الماضي (صفحة الهيئة)
TT

قيود وملاحقة صانعي المحتوى تشعل سجالاً حقوقياً في ليبيا

اجتماع الهيئة العامة للخيالة والمسرح والفنون الليبية في بنغازي في مارس الماضي (صفحة الهيئة)
اجتماع الهيئة العامة للخيالة والمسرح والفنون الليبية في بنغازي في مارس الماضي (صفحة الهيئة)

أثارت إجراءات أمنية وتنظيمية اتخذتها السلطات في غرب ليبيا وشرقها بحق صانعي المحتوى والأنشطة الفنية جدلاً واسعاً بين مؤيدين يرون فيها خطوة لضبط الأنشطة الإعلامية، والفنية، ومنتقدين عدّوها تضييقاً على حرية التعبير، والإبداع.

في العاصمة طرابلس، لا تزال تتصدر قضية توقيف أربع صانعات محتوى، يحملن جنسيات عربية، مواقع التواصل الاجتماعي مؤخراً، بعدما أعلن جهاز أمني في غرب البلاد ضبطهن على خلفية مخالفات قانونية الأحد الماضي، فيما تتولي النيابة العامة التحقيق معهن راهناً.

عبد الحميد الدبيبة رئيس حكومة الوحدة الوطنية (الوحدة)

وقال مصدر مسؤول في جهاز دعم المديريات الأمنية لـ«الشرق الأوسط» إن بعض المواد، التي جرى نشرها عبر منصات التواصل الاجتماعي، «تندرج ضمن أفعال تجرمها التشريعات الليبية».

وبين المصدر أن التحقيقات تتناول أربع مخالفات رئيسة، تشمل الدخول، أو الإقامة والعمل داخل ليبيا بصورة غير قانونية، وممارسة نشاط مهني دون تراخيص رسمية، وإساءة استخدام وسائل الاتصال والإنترنت بنشر محتوى يمس الأمن الاجتماعي، أو يضر بالغير، فضلاً عن ارتكاب أفعال أو نشر مواد تعد مخالفة للآداب العامة.

لكن هذه التوقيفات قوبلت بانتقادات صحافيين، وحقوقيين، إذ قال الصحافي والناشط الحقوقي محمد الطيب إن ما يجري يمثل «عنفاً اقتصادياً ممنهجاً ضد صانعات المحتوى في ليبيا»، مضيفاً: «بدلاً من تشجيع المشتغلين بصناعة المحتوى على تطوير مشاريعهم، تتم ملاحقتهم».

في المقابل، استبعد المصدر الأمني أن تكون هذه التدابير «استهدافاً لقطاع صناعة المحتوى، أو تضييقاً على الحريات العامة»، قائلاً إن «النيابة العامة تتولى التحقيق في القضية وفق الإجراءات القانونية المعمول بها»، موضحاً أن «الجهات الأمنية تدعم توجهاً لتنظيم وتقنين نشاط صانعي المحتوى، خصوصاً ما يتعلق بالأجانب العاملين في المجال الإعلاني، والإنتاج المرئي، وذلك من خلال إخضاع هذا النشاط للأطر القانونية والإجرائية السارية»، معتبراً أن تنظيم هذا المجال «معمول به في العديد من الدول العربية، وغيرها».

أسامة حماد رئيس الحكومة المكلفة من البرلمان (الاستقرار)

الاتحاد العام النسائي في ليبيا، ورغم تأييده لقضايا المرأة، وتمكينها، ومناهضة العنف ضدها، فإنّ رئيسة الاتحاد فتحية البخبخي قالت لـ«الشرق الأوسط» إن تقنين ظهور صانعي المحتوى، وخصوصاً النساء، بات ضرورة في ظل ظهور بعض السلوكيات التي تبدو وافدة على عادات المجتمع الليبي، وتقاليده المحافظة.

وفي شرق البلاد، أثار تعميم صادر عن «الهيئة العامة للخيالة والمسرح والفنون»، التابعة للحكومة المكلفة من البرلمان بمدينة بنغازي، نقاشاً مماثلاً، بعدما شددت الهيئة الثلاثاء على ضرورة حصول الفرق الفنية والأفراد العاملين في المجال الفني وصناع المحتوى على اعتمادات، وأذونات مسبقة لممارسة أنشطتهم.

وسلطت الهيئة الضوء على أن هذه الإجراءات تأتي بالتنسيق مع وزارة الداخلية، والأجهزة الأمنية المختصة، داعية جميع الفرق الفنية إلى تسوية أوضاعها القانونية، والحصول على التراخيص اللازمة، وحذرت من اتخاذ إجراءات قانونية بحق أي جهة تمارس نشاطاً فنياً خارج الأطر التنظيمية المعتمدة.

وبررت «الهيئة العامة للخيالة» هذه الخطوة بكونها جزءاً من «واجب وطني وتنفيذي لحفظ الأمن الوطني، والذوق الفني العام»، مؤكدة أنها الجهة المخولة قانوناً بإصدار الأذونات الخاصة بالأنشطة الفنية، والمشاركات الخارجية، وأوضحت أن التنظيم الجديد «لا يستهدف تقييد الفن، أو المبدعين، وإنما يهدف إلى الحد من العشوائية، والابتذال، وحماية الهوية الفنية الليبية»، غير أن رئيس المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان، أحمد عبد الحكيم حمزة، انتقد هذه التوجهات، معتبراً أن البيانات الصادرة عن الهيئة «تعكس لغة وصاية واحتكار»، وتتعارض مع الحق في الإبداع المكفول قانوناً. وقال إن «الحديث عن الأمن الفني للدولة كمبرر لتقييد الفنانين يطرح تساؤلات جوهرية حول حدود التنظيم الإداري، ومشروعية فرض قيود على حرية الإبداع»، مضيفاً أن «أي جهة إدارية لا تملك إنشاء قيود على الحقوق والحريات العامة إلا في حدود ما ينص عليه القانون».

عنصران تابعان لجهاز أمني في غرب ليبيا (جهاز دعم مديريات الأمن بالمناطق)

ورأى حمزة أن تحويل النشاط الفني إلى امتياز تمنحه الجهات الإدارية، أو تمنعه «يفتح الباب أمام التعسف، ويجعل مصير الفن مرهوناً بقرارات إدارية بدلاً من قيمة العمل الإبداعي نفسه».

ووسط هذا الجدل، قالت نادية الراشد، عضو المؤتمر الوطني العام السابق، إن حماية حرية الإبداع تمثل ضرورة لا تقبل الجدل، لكنها رأت في الوقت ذاته أن تنظيم عمل صناع المحتوى والأنشطة الفنية يكتسب أهمية خاصة في ظل ما وصفته بهشاشة بعض مؤسسات الدولة الليبية، والحاجة إلى الحد من مظاهر الفوضى، وضبط المجال العام.

واعتبرت نادية الراشد، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن هذه الإجراءات يمكن النظر إليها بوصفها تدابير مؤقتة تستهدف احتواء تداعيات بعض أشكال الظهور غير المنضبط على منصات التواصل الاجتماعي، شريطة ألا تتحول إلى قيود دائمة تمس الحريات العامة، أو تحد من الإبداع الفني، والثقافي.