البرهان يعلق عضوية السودان في «إيغاد»

«تقدم» بزعامة حمدوك انتقدت قراره «العدائي» للمحيطين الإقليمي والدولي

رئيس مجلس السيادة قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان (أرشيفية - رويترز)
رئيس مجلس السيادة قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان (أرشيفية - رويترز)
TT

البرهان يعلق عضوية السودان في «إيغاد»

رئيس مجلس السيادة قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان (أرشيفية - رويترز)
رئيس مجلس السيادة قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان (أرشيفية - رويترز)

تدهورت العلاقات بين السودان و«الهيئة الدولية الحكومية المعنية بالتنمية» (إيغاد) إلى حد القطيعة، بإعلان رئيس مجلس السيادة، قائد الجيش السوداني، عبد الفتاح البرهان، رسمياً تجميد عضوية بلاده في المنظمة، وذلك عقب قمة طارئة لـ«إيغاد»، جددت الدعوة للقاء مباشر بين طرفي الصراع؛ الجيش و«قوات الدعم السريع» في غضون أسبوعين. ووفق بيان وزارة الخارجية السودانية، بعث البرهان، السبت، برسالة إلى رئيس جمهورية جيبوتي، رئيس الدورة الحالية لـ«إيغاد» إسماعيل قيلي، أبلغه فيها بالقرار. وقالت الوزارة إن الخطوة جاءت لتجاهل «إيغاد» القرار الرسمي من السودان بوقف انخراطه وتجميد تعامله في أي مواضيع تخص الوقع الراهن في السودان.

رئيس جيبوتي إسماعيل قيلي في عنتيبي لحضور قمة «إيغاد» الخميس الماضي (أ.ب)

وأضافت الوزارة: «مع ذلك تم إدراج بند حول السودان في قمة رؤساء الدول والحكومات الاستثنائية الثانية والأربعين التي انعقدت الخميس الماضي بالعاصمة الأوغندية كمبالا وقاطعها السودان». وأشارت إلى أن البيان الختامي للقمة حمل عبارات تنتهك سيادة السودان، وتستفز مشاعر ضحايا الفظائع التي ترتكبها الميليشيا المتمردة وذويهم. وأوضحت الرسالة، التي بعث بها قائد الجيش السوداني للرئيس الجيبوتي، أن حكومة السودان غير ملزمة ولا يعنيها ما يصدر من «إيغاد» في الشأن السوداني. ودعا البيان الختامي لقمة أوغندا، الخميس الماضي، لعقد لقاء مباشر بين البرهان وقائد الدعم السريع، محمد حمدان دقلو «حميدتي» خلال أسبوعين، مؤكداً أن الدول الأعضاء في المنظمة ستستخدم جميع الوسائل والقدرات لضمان حل النزاع في السودان سلمياً.

قائد الدعم السريع محمد حمدان دقلو «حميدتي» (أرشيفية - رويترز)

ووجه رؤساء الدول والحكومات، الأمانة العامة لـ«إيغاد» والاتحاد الأفريقي، بالبدء في إجراء مشاورات مشتركة مع أطراف النزاع وأصحاب المصلحة، لإطلاق عملية سياسية في غضون شهر تنتهي بتشكيل حكومة ديمقراطية في البلاد. ورأى مجلس السيادة السوداني، برئاسة البرهان، أنه ليس هناك ما يستوجب عقد قمة أوغندا قبل تنفيذ مخرجات القمة السابقة في جيبوتي في 28 من ديسمبر (كانون الأول) الماضي. وأعلنت الخارجية السودانية، الثلاثاء الماضي، وقف الانخراط وتجميد التعامل مع «إيغاد» بشأن ملف الأزمة الراهنة في السودان.وفي وقت لاحق السبت، قالت تنسيقية القوى الديمقراطية المدنية (تقدم) برئاسة رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك، .

وفي وقت لاحق السبت، قالت تنسيقية القوى الديمقراطية المدنية (تقدم) برئاسة رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك، إنها تأسف لبيانات وتصريحات وزارة الخارجية، معتبرة أنها اتخذت «منحى عدائياً للمحيطين الإقليمي والدولي لإطالة أمد الحرب برفض كل مساعي الحلول السلمية». وأضافت في بيان أن «هناك إجماعاً إقليميا ودولياً على ضرورة إيقاف الحرب، ويجب أن نتحد نحن كسودانيين ونعمل على فرض إيقاف الحرب».

في المقابل، رحب تحالف قوى «الحرية والتغيير» بقرارات قمة أوغندا ومساعي إنهاء الحرب، بتيسير عملية سياسية سودانية تنتهي بتشكيل مؤسسات حكم مدنية ديمقراطية انتقالية. وعبر التحالف في بيان عن أسفه على مقاطعة قائد الجيش السوداني لأعمال القمة، وأمل في أن يستجيب البرهان لدعوة القمة بما يوقف استمرار معاناة الشعب السوداني في مناطق الحرب. وقال: «لا تزال هناك فرصة لإنهاء هذه الحرب، وأولى الخطوات الاتفاق على وقف إطلاق نار فوري وغير مشروط». وجدد تحالف «قوى التغيير» التمسك بموقفه المبدئي المنادي بإنهاء الحرب وتحقيق السلام، وتأسيس انتقال مدني ديمقراطي مستدام، مشدداً في الوقت ذاته على معالجة تجاوزات الحرب بإقرار تدابير العدالة الانتقالية والتعويضات وإعادة ما دمرته الحرب.

نازحون من ولايتي الخرطوم والجزيرة ينتطرون الحصول على مساعدات من منظمات خيرية في قضارف (أرشيفية - أ.ف.ب)

وأعاد التأكيد على موقفه بأهمية انطلاق عملية سياسية لا تستثني إلا حزب «المؤتمر الوطني» المنحل والحركة الإسلامية التابعة له وجميع واجهاته بمختلف أسمائها من «النظام المعزول». وأكد تحالف «قوى التغيير» الحاكم سابقاً في البلاد، استمرار اتصالاته بالشركاء لإنهاء الحرب وتحقيق السلام، والجهود التي تتطلع بها تنسيقية القوى الديمقراطية المدنية «تقدم»، برئاسة رئيس الوزراء السابق، عبد الله حمدوك، من أجل تحقيق هذه الأهداف. وشدد البيان الختامي لقمة «إيغاد» على وقف فوري وغير مشروط لإطلاق النار والأعمال العدائية بما يمهد الطريق لبدء حوار سياسي.

من جهة ثانية دعا رئيس جنوب السودان سلفا كير ميارديت، قائد قوات الدعم السريع، محمد حمدان دقلو (حميدتي) لفتح ممرات إنسانية فوراً، لتقديم الخدمات الأساسية للشعب السوداني. والتقى سلفا كير مع حميدتي، بالعاصمة الأوغندية كمبالا وبحث معه الأوضاع في السودان. وكتب حميدتي على حسابه بمنصة «إكس»، أنه طرح على رئيس جنوب السودان رؤيته لوقف الحرب وبناء دولة جديدة على أساس العدالة والمساواة وتكوين جيش قومي مهني واحد، في ظل حكومة مدنية ديمقراطية تنهض بالبلاد وتنهي الحروب السودانية. وشارك حميدتي يوم الخميس في قمة طارئة للهيئة الحكومية للتنمية (الإيغاد) في كمبالا، حيث عبر عن أمله في أن تكلل جهود رؤساء الهيئة بتحقيق السلام والاستقرار في السودان «بما ينعكس على أمن واستقرار المنطقة والعالم».ميدانياً أفاد شهود عيان «الشرق الأوسط» بإطلاق الجيش السوداني، من قاعدته العسكرية بمنطقة «وادي سيدنا» شمال أمدرمان، قذائف مدفعية طويلة المدى استهدفت مواقع لقوات الدعم السريع بمناطق متفرقة بالعاصمة الخرطوم، فيما شهدت بقية الجبهات حالة من الهدوء الحذر مع استمرار تقدم الجيش في أمدرمان


مقالات ذات صلة

الأمم المتحدة تنجح في إيصال مساعدات إنسانية إلى كردفان

شمال افريقيا شاحنات برنامج الأغذية العالمي تنقل إمدادات غذائية من تشاد إلى مخيم زمزم في دارفور بالسودان 9 نوفمبر 2024 (رويترز)

الأمم المتحدة تنجح في إيصال مساعدات إنسانية إلى كردفان

وصلت قافلة مساعدات نظمتها عدّة وكالات تابعة للأمم المتحدة إلى مدينتين منعزلتين في كردفان حيث تشتدّ وطأة الحرب التي تمزّق السودان منذ ثلاث سنوات.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا حرب السودان الدائرة منذ منتصف أبريل 2023 تسببت في دمار كبير للبلاد (أ.ف.ب) p-circle

أحزاب سياسية ومدنية سودانية تقترح مبادرة بـ«هدنة رمضانية»

تقدّمت قوى سياسية ومدنية سودانية بمذكرة لقيادتي الجيش و«الدعم السريع»، تدعوهما لإعلان «هدنة إنسانية شاملة»، في رمضان تتضمن إيقافاً مؤقتاً للقتال.

أحمد يونس (كمبالا)
شمال افريقيا حرب السودان الدائرة منذ منتصف أبريل 2023 تسببت في دمار كبير للبلاد (أ.ف.ب)

محكمة سودانية تفرج عن ناشط كان محتجزاً بتهم تصل عقوبتها الإعدام

أصدرت محكمة سودانية قراراً بالإفراج عن ناشط سياسي يواجه تهماً تصل عقوبتها إلى الإعدام أو السجن المؤبد، لانتقاده استمرار الحرب والقتال ومطالبته بإحلال السلام.

أحمد يونس (كمبالا)
خاص صقر الجديان محنّطاً (الشرق الأوسط)

خاص سرقة آلاف الحيوانات والعينات النادرة من متحف السودان الطبيعي

«خلاص كل شيء انتهى» بهذه العبارة القصيرة والمؤلمة يلخص مسؤول حكومي سوداني، ضياع تاريخ يعود إلى قرن ونصف قرن من الزمان

وجدان طلحة (الخرطوم)
شمال افريقيا أقارب للضحايا ينتظرون عند حافة النهر جهود البحث عن جثث الغارقين (أ.ب)

مطالبات بالتحقيق في حادثتي غرق مراكب أودت بحياة 33 شخصاً بالسودان

«تتحمل سلطة الأمر الواقع المسؤولية المباشرة عن هذه المآسي، نتيجة الإهمال والتقصير في حماية المدنيين وضمان سلامتهم»

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)

الأمم المتحدة تنجح في إيصال مساعدات إنسانية إلى كردفان

شاحنات برنامج الأغذية العالمي تنقل إمدادات غذائية من تشاد إلى مخيم زمزم في دارفور بالسودان 9 نوفمبر 2024 (رويترز)
شاحنات برنامج الأغذية العالمي تنقل إمدادات غذائية من تشاد إلى مخيم زمزم في دارفور بالسودان 9 نوفمبر 2024 (رويترز)
TT

الأمم المتحدة تنجح في إيصال مساعدات إنسانية إلى كردفان

شاحنات برنامج الأغذية العالمي تنقل إمدادات غذائية من تشاد إلى مخيم زمزم في دارفور بالسودان 9 نوفمبر 2024 (رويترز)
شاحنات برنامج الأغذية العالمي تنقل إمدادات غذائية من تشاد إلى مخيم زمزم في دارفور بالسودان 9 نوفمبر 2024 (رويترز)

وصلت قافلة مساعدات نظمتها عدّة وكالات تابعة للأمم المتحدة إلى مدينتين منعزلتين في كردفان حيث تشتدّ وطأة الحرب التي تمزّق السودان منذ ثلاث سنوات، وفق ما أعلن برنامج الأغذية العالمي، الأربعاء.

وجاء في البيان الصادر عن البرنامج الأممي أنها «أوّل دفعة مساعدات كبيرة تصل إلى المنطقة منذ ثلاثة أشهر» وهي تشمل منتجات غذائية ومستلزمات طبية موجّهة إلى سكان الدلنج وكادقلي في جنوب كردفان، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

عانت المدينتان طوال عامين من حصار فرضته «قوات الدعم السريع» والمجموعات المتحالفة معها قبل أن يخترقه الجيش السوداني.

وأكّدت الأمم المتحدة العام الماضي أن المجاعة انتشرت في كادقلي، وأشارت إلى نقص مماثل في المواد الغذائية في الدلنج.

وبسبب المعارك بين الجيش و«قوّات الدعم السريع» والاضطرابات على طول المحور الرئيسي الممتدّ من الأبيض إلى كادقلي مرورا بالدلنج، اضطر موكب المساعدات الإنسانية إلى «التوقّف لأكثر من 40 يوماً قبل السير في طريق أطول وأكثر وعورة»، بحسب البيان.

وشدّدت ماكينا ووكر وهي المديرة بالإنابة لفرع برنامج الأغذية العالمي في السودان على ضرورة أن «تبقى الطرقات مفتوحة وحركتها متوقعة كي تصل المساعدات الحيوية إلى السكان من دون انقطاع، بمن فيهم الفئات المنقطعة عن العالم منذ فترة طال أمدها».

ويتحارب الجيش و«قوات الدعم السريع» منذ أبريل (نيسان) 2023، ما تسبب في مقتل عشرات الآلاف ونزوح أكثر من 11 مليوناً في أسوأ أزمة إنسانية في العالم، بحسب الأمم المتحدة.

وأصبحت منطقة كردفان خط المواجهة الرئيسي في السودان منذ أحكمت «قوات الدعم السريع» قبضتها على إقليم دارفور بعد سقوط الفاشر في أكتوبر (تشرين الأول) 2025، لتتوسع بعد ذلك إلى منطقة كردفان المجاورة التي تفصلها عن العاصمة الخرطوم.

وتعدّ كردفان، الغنية بالنفط والأراضي الزراعية، نقطة عبور محورية بين دارفور في الغرب الذي تسيطر عليه «الدعم السريع»، والخرطوم ومدن شرق السودان الواقعة تحت سيطرة الجيش.

وفيما لا تزال المباحثات بشأن هدنة إنسانية متعثّرة، دعت الأمم المتحدة مراراً الأطراف المتنازعة إلى احترام القانون الدولي الإنساني وتسهيل نفاذ العاملين في المجال الإنساني.


«مراسيم المنفي» تعمق التصدعات داخل المجلس الرئاسي الليبي

رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي (مكتب المنفي)
رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي (مكتب المنفي)
TT

«مراسيم المنفي» تعمق التصدعات داخل المجلس الرئاسي الليبي

رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي (مكتب المنفي)
رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي (مكتب المنفي)

عادت الخلافات داخل المجلس الرئاسي الليبي إلى الواجهة لتؤشر على تعمق التصدعات، وذلك على وقع مرسوم جديد أصدره رئيس المجلس محمد المنفي، يقضي بإسناد تبعية «الجريدة الرسمية» إلى وزارة العمل، تنفيذاً لحكم صادر عن الدائرة الدستورية بالمحكمة العليا في طرابلس.

وقوبلت خطوة المنفي برفض وانتقادات حادة من جانب عضوَي المجلس، عبد الله اللافي وموسى الكوني، بعدّها قراراً فردياً دون إجماع، وهي مسألة تكررت منذ مطلع العام الماضي.

ومن منظور قانوني، فإن الخلافات داخل المجلس الرئاسي الليبي «قابلة للتكرار»، وهي رؤية عضو الهيئة التأسيسية لمشروع الدستور، ضو المنصوري، الذي يعتقد أن «تركيبة المجلس التي تشكّلت خلال مؤتمر جنيف أسهمت في استدامة الأزمات في بلد يمر بمرحلة انتقالية معقدة».

الكوني واللافي في لقاء سابق مع المبعوثة الأممية هانا تيتيه في أغسطس الماضي (البعثة الأممية)

وأوضح المنصوري لـ«الشرق الأوسط» أن القرارات الصادرة عن المجلس الرئاسي «يفترض أن تُتخذ بإجماع أعضائه، وحسب اتفاق جنيف قبل 5 أعوام»، غير أن ما حدث، حسب تعبيره، هو «نزوع من جانب إلى تصرفات انفرادية»، الأمر الذي يثير تساؤلات بشأن مقاصد الجهات التي دفعت بهذا المسار.

المرسوم أعاد فتح نقاشات قديمة حول آليات اتخاذ القرار داخل المجلس الرئاسي وحدود الصلاحيات. فقد اعتبر النائب الكوني أن السلطة تُمارَس جماعياً وفق الاتفاق السياسي، وأن أي إجراء منفرد يفتقر إلى المشروعية لغياب الاجتماع الرسمي والمحضر والتوقيع الجماعي. ورأى أن ما جرى يمثل تجاوزاً للصلاحيات المشتركة وتعطيلاً فعلياً لعمل المجلس الرئاسي.

أما اللافي فقد ذهب إلى اعتبار أن أحكام المحكمة العليا الليبية ناجزة ونافذة بذاتها، ولا تحتاج إلى أدوات تنفيذية إضافية. واعتبر أن اشتراط مراسيم لاحقة لتنفيذ أحكام باتة قد يُفهم بوصفه تقويضاً لترتيب القواعد القانونية، وإضعافاً لحجية الشيء المقضي فيه.

السياق القانوني للأزمة يرتبط أيضاً بتعديلات سابقة، أجراها مجلس النواب الليبي العام الماضي لنقل تبعية «الجريدة الرسمية» إلى ديوان المجلس، قبل أن تقضي الدائرة الدستورية في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي بعدم دستورية التعديل.

ورغم حرص المنفي على الدفاع عن المرسوم، واعتباره خطوة تستهدف الحفاظ على تماسك المؤسسة القضائية، فإن الخلاف الراهن لا يبدو محصوراً في إطار إجرائي ضيق، أو مرتبطاً بمرسوم بعينه. إذ يعكس في جوهره تراكم تباينات أعمق داخل المجلس الرئاسي.

ومنذ مطلع العام الماضي، برز ما وُصف بـ«نزال المبادرات» داخل المجلس الرئاسي؛ إذ طرح الكوني مبادرة للعودة إلى نظام الأقاليم الثلاثة التاريخية، في مقابل رؤية للافي تدعو إلى تقسيم إداري موسّع، يقوم على اللامركزية. كما اصطف النائبان سابقاً ضد مرسوم للمنفي، يقضي بوقف العمل بقانون إنشاء المحكمة الدستورية، وتشكيل «مفوضية الاستفتاء والاستعلام»، وتحديد آليات انتخاب المؤتمر العام للمصالحة الوطنية، عادين أنها لا تخدم التوافق المؤسسي.

وعقب اشتباكات دامية شهدتها العاصمة طرابلس في صيف العام الماضي، على خلفية مقتل قائد ميليشيا «دعم الاستقرار» عبد الغني الكيكلي، وجّه اللافي انتقادات لقرارين أصدرهما المنفي بشأن تشكيل لجنة أمنية وعسكرية وأخرى حقوقية، معتبراً أن «رئيس المجلس لا يملك صلاحيات اتخاذ قرارات أحادية».

كما أن قرار المنفي، الصادر الشهر الماضي، بتعيين علي الصلابي، الأمين العام للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، مستشاراً لشؤون «المصالحة الوطنية» في البلاد، قوبل باعتراض نائبه موسى الكوني.

ويُلاحظ أن أعضاء المجلس الرئاسي الثلاثة لم يعقدوا اجتماعاً مكتملاً بتشكيلهم الكامل، منذ أكثر من عام ونصف العام في لقاءات معلنة، فيما اقتصر التواصل على اجتماعات ثنائية، أو على بيانات مشتركة ومنسقة صدرت عن عبد الله اللافي وموسى الكوني، عبّرا فيها عن رفضهما لقرارات محمد المنفي.

المنفي واللافي والكوني ورئيس حكومة الوحدة عبد الحميد الدبيبة خلال اجتماع سابق في طرابلس (المجلس الرئاسي)

هذه التوترات الدورية أعادت تسليط الضوء على إشكاليات هيكلية في بنية المجلس الرئاسي واختصاصاته، خصوصاً في ظل تمديد المرحلة الانتقالية، وتعقّد المشهدين السياسي والأمني. إذ يرى مراقبون أن غياب آليات حاسمة لفض النزاعات الداخلية، وتحديد نطاق الصلاحيات التنفيذية، يفتح الباب أمام تفسيرات متباينة، تنعكس مباشرة على فاعلية المؤسسة.

فالمجلس الرئاسي، الذي تأسس عام 2016 بموجب اتفاق مدينة الصخيرات المغربية لعام 2015، برئاسة فائز السراج وعضوية أربعة أعضاء آخرين، أُعيد تشكيله لاحقاً بتركيبته الراهنة في عام 2021 استناداً إلى مخرجات ملتقى الحوار السياسي في جنيف. وقد أُنيطت به منذ خمس سنوات مهام تمثيل الدولة، وقيادة المؤسسة العسكرية، وتيسير العملية الانتخابية، وإدارة ملف المصالحة الوطنية، إضافة إلى تعيين بعض المناصب السيادية. غير أن التجربة العملية أظهرت أن تحقيق التوازن بين مقتضيات القيادة الجماعية ومتطلبات الفاعلية التنفيذية لا يزال موضع اختبار مستمر.

وفي ظل الجدل الموصول بشأن تصدعات المجلس الرئاسي، لا يرى عضو «الهيئة التأسيسية لصياغة الدستور» ضو المنصوري «فارقاً يُذكر» بين تجربة المجلس الرئاسي في ليبيا ونموذج المجلس الرئاسي، الذي أفرزه اتفاق ديتون عام 1995، والذي أنهى حرباً أهلية في البوسنة والهرسك.

وحذر المنصوري من أن المجلس الرئاسي الليبي بتركيبته، التي يمثل فيها شرق ليبيا وغربها وجنوبها «يواجه شبح الشلل الدستوري، على نهج المجلس الموجود في البوسنة، الذي تأسس من قبل على قاعدة التوازن بين البوشناق والصرب والكروات، وظل أسير الجمود الدستوري والمحاصصة القومية، ما حدّ من فاعليته التنفيذية».

في المحصلة، يكشف الجدل حول مراسيم المنفي عن معضلة أعمق، تتعلق بطبيعة الحكم الانتقالي في ليبيا، تضع متابعين في حيرة بين الحفاظ على مبدأ التوافق داخل مؤسسة متعددة الأعضاء، دون أن يتحول ذلك إلى عامل شلل، أو مصدر تنازع دائم حول الشرعية والإجراءات.


أحزاب سياسية ومدنية سودانية تقترح مبادرة بـ«هدنة رمضانية»

حرب السودان الدائرة منذ منتصف أبريل 2023 تسببت في دمار كبير للبلاد (أ.ف.ب)
حرب السودان الدائرة منذ منتصف أبريل 2023 تسببت في دمار كبير للبلاد (أ.ف.ب)
TT

أحزاب سياسية ومدنية سودانية تقترح مبادرة بـ«هدنة رمضانية»

حرب السودان الدائرة منذ منتصف أبريل 2023 تسببت في دمار كبير للبلاد (أ.ف.ب)
حرب السودان الدائرة منذ منتصف أبريل 2023 تسببت في دمار كبير للبلاد (أ.ف.ب)

تقدّمت مجموعة واسعة من القوى السياسية والمدنية السودانية بمذكرة عاجلة إلى قيادتي الجيش و«قوات الدعم السريع»، دعتهما فيها إلى إعلان «هدنة إنسانية شاملة» خلال شهر رمضان المبارك. وتتضمن المبادرة وقفاً مؤقتاً للقتال، وضمان حماية المدنيين، وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية من دون معوّقات، في ظل أوضاع إنسانية بالغة القسوة يعيشها السودانيون، وهم يصومون للعام الرابع على التوالي على وقع القذائف وأزيز المسيّرات.

ووقّع على المذكرة أكثر من 10 أحزاب سودانية، بعضها ينضوي تحت «التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة» (صمود) الذي يتزعمه رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك، ومن أبرزها «حزب الأمة القومي»، و«التجمع الاتحادي»، و«المؤتمر السوداني». كما شملت أحزاباً من خارج «صمود»، أبرزها «البعث العربي الاشتراكي» و«الاتحادي الديمقراطي (الأصل)»، إلى جانب قوى مدنية ونقابية.

ودعت المذكرة طرفي القتال، الجيش و«قوات الدعم السريع»، إلى إعلان هدنة إنسانية تبدأ مع اليوم الأول من شهر رمضان، تتضمن وقفاً لإطلاق النار، وتأمين المرافق المدنية، وفتح ممرات آمنة أمام المنظمات الإغاثية، والإفراج الفوري عن المعتقلين المدنيين، والشروع في ترتيبات لتبادل الأسرى تحت إشراف دولي يضمن احترام القانون الإنساني. كما طالبت بوضع آليات واضحة للرصد ومتابعة التنفيذ، بما يضمن عدم استغلال الهدنة لتحقيق مكاسب عسكرية لأي من الطرفين.

وأكدت المذكرة أن هذه المبادرة تأتي استجابة لتفاقم الأوضاع الإنسانية، خصوصاً وسط الفئات الأضعف من النساء والأطفال وكبار السن، والأخطار التي تُهدد حياة الملايين، وتتطلب تدخلاً عاجلاً.

وتُعد مبادرة القوى السياسية والمدنية الرامية لوقف الحرب هي الثانية التي تقدمت بها لطرفي الحرب منذ اندلاعها، تمخضت الأولى عن توقيع ما عرف بـ«إعلان أديس أبابا» بين «تحالف القوى المدنية الديمقراطية» (تقدم) و«قوات الدعم السريع»، وهو الإعلان الذي وجه لقيادة الجيش، ولم ترفضه ولم توقعه.

ومنذ سقوط مدينتي الفاشر وبابنوسة وبلدة «هجليج» بولاية غرب كردفان، تصاعدت حدة المواجهات بين الجيش و«قوات الدعم السريع» في ولايتي جنوب وشمال كردفان، قبل أن تتراجع في الأسابيع الأخيرة وتتحول إلى قتال «تقني» تُستخدم فيه المسيّرات القتالية، وأجهزة التشويش، والمدفعية الموجّهة، والقنابل الطائرة، ما أدّى إلى ارتفاع أعداد القتلى والجرحى في صفوف المدنيين.

وأمام هذا التصعيد، تسعى القوى السياسية والمدنية الرافضة لاستمرار الحرب إلى دفع الطرفين لإعلان «هدنة رمضانية»، أملاً في أن تتطور إلى وقف شامل لإطلاق النار يُخفف المعاناة. وتعلّق هذه القوى آمالاً على استجابة طرفي القتال لتحويل شهر الصيام الرابع منذ اندلاع الحرب إلى شهر حوار يضع حدّاً للحرب ومعاناة المواطنين.