بشار الأسد «اللاجئ» يستعد لحياة مرفهة لا تشمل حضور حفلات الكرملين

مصادر تحدّثت عن صراع وقع بين جنود موالين لروسيا وآخرين لإيران بعد سقوط حلب

الرئيس السوري السابق بشار الأسد وزوجته أسماء عام 2010 (أ.ف.ب)
الرئيس السوري السابق بشار الأسد وزوجته أسماء عام 2010 (أ.ف.ب)
TT

بشار الأسد «اللاجئ» يستعد لحياة مرفهة لا تشمل حضور حفلات الكرملين

الرئيس السوري السابق بشار الأسد وزوجته أسماء عام 2010 (أ.ف.ب)
الرئيس السوري السابق بشار الأسد وزوجته أسماء عام 2010 (أ.ف.ب)

«تنحّى طوعاً»، كما تقول رواية روسية. وجّه أوامر قبل مغادرته بـ«نقل سلمي للسلطات»، ثم اتّجه إلى المطار مصطحباً معه عدداً كبيراً من أفراد عائلته، و«جيشاً» صغيراً من الحراس والخدم. ركب الطائرة، وغادر وطنه للمرة الأخيرة كما يبدو، إلى منفاه الأول موسكو.

لا يتحدث الروس كثيراً على المستوى الرسمي -حتى الآن على الأقل- حول الملابسات الدقيقة للحظات بشار الأسد الأخيرة في قصره، لكن الرواية الرسمية، ومعها كل تعليقات وسائل الإعلام المقربة من الكرملين، تصر على فكرة أنه «قدّم استقالته»، وتتجاهل تهمة «الهروب» في جنح الظلام على متن طائرة روسية كانت قد استعدت منذ وقت لحمله إلى خارج البلاد.

أهمية الفارق بين الحالتين، على المستوى القانوني، كبيرة، «استقال» و«سلّم السلطات طوعاً»، فهو إذن لن يكون مسموحاً له بأن يمارس أي نشاط سياسي في المستقبل، ولا أن يستخدم وجوده في روسيا أو في أي ملجأ آخر لشنّ عملية مضادة ضد «الانقلابيين» في بلاده.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره السوري بشار الأسد في سوتشي 20 نوفمبر 2017 (أ.ف.ب)

أيضاً، هناك فارق كبير في الصفة المؤقتة التي منحت له، فهو «لاجئ سياسي»، وفقاً لتقييم جهات حقوقية، واستناداً إلى تأكيدات دبلوماسيين تحدثت معهم «الشرق الأوسط»، لكنه وفق بيان أصدرته الخارجية الروسية، «مُنح حق اللجوء لأسباب إنسانية». هذا الإعلان، كما يبدو، أخذ في الاعتبار أن زوجته أسماء الأسد تخضع لجولات علاج طويل ومعقد في العاصمة الروسية.

هناك فارق مهم هنا؛ لأن موسكو لم تكن على مدى السنوات التي أعقبت انهيار الاتحاد السوفياتي قد منحت لجوءاً سياسياً إلا في حالات نادرة للغاية.

رسمياً، لم يتم بعد تحديد وضع الرئيس السوري المخلوع، لكنه قد يصبح أول صاحب حق باللجوء السياسي في روسيا منذ عام 1992، كما تُشير صحيفة «كوميرسانت». هذه الصفة تعطيه المجال لحياة طويلة في روسيا، رغم حديث بعض المصادر عن أن وجوده «مؤقت».

على مدى السنوات الـ32 الماضية، لم يحصل عليها سوى الرئيس الأول لأذربيجان، أياز مطلبوف، والمواطن الكوري الشمالي كيم ميونغ سيو، الذي كان طالباً في جامعة موسكو.

في معظم الحالات، يُمنح الأجانب الفارون إلى روسيا، حق «اللجوء المؤقت»، كما حدث مع الرئيس الأوكراني السابق فيكتور يانوكوفيتش، والموظف السابق في وكالة الأمن القومي الأميركية، إدوارد سنودن.

صورة لبشار الأسد تظهر ضمن الهدايا التذكارية الشخصية له في إحدى غرف القصر الرئاسي (رويترز)

للمقارنة، كما أوضح أناتولي كوتشيرينا، محامي سنودن، فإن اللجوء السياسي يُمنح بقرار مباشر من الرئيس الروسي، في حين اللجوء الإنساني المؤقت تقرره خدمة الهجرة التابعة لوزارة الداخلية، وهو يعطي حقوقاً أقل، ويتطلب التجديد كل عام.

وفي حال منح الأسد اللجوء المؤقت، سيكون بإمكانه الحصول على بوليصة طبية وبطاقة مصرفية، وله الحق في الإقامة والعمل في روسيا وفقاً للقوانين المحلية. ويقوم حاملو هذه الصفة عادة، بإيداع جوازات سفرهم الوطنية لدى دائرة الهجرة، ويحصلون في المقابل على شهادة اللجوء المؤقت.

لكن الرئيس السوري الفار، لن يحتاج إلى كل تلك التعقيدات، إذ يكفي منحه سنداً قانونياً للإقامة فقط، وستكون أمامه حياة طويلة مرفهة وباذخة في مدينة الثلوج. وقد يقرر في الربيع والصيف، أن يقضي عطلات في منزل فاخر تقول تقارير إنه يمتلكه في منتجع سوتشي على البحر الأسود.

أسماء الأسد مع ابنها حافظ بعد مناقشة أطروحته للدكتوراه في جامعة موسكو نهاية نوفمبر (منصة لايف جورنال الإلكترونية الروسية)

ما بات معلوماً حتى الآن، أن الرئيس المخلوع يقيم حاليّاً مع زوجته وأبنائه حافظ وكريم وزين في شقة فاخرة وسط العاصمة الروسية.

ناقش حافظ، البالغ من العمر 21 عاماً، أطروحته للدكتوراه في جامعة موسكو الحكومية، نهاية شهر نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي. وحضرت أسماء الأسد حفل تسليم شهادة ابنها بدعوة خاصة من رئيس الجامعة، فيكتور سادوفنيتشي. ولم تكن العائلة تتوقع أنها قد لا تعود إلى دمشق مطلقاً بعد هذه المناسبة.

وكانت معطيات قد رددتها وسائل إعلام أجنبية في حينها، أن الأسد موجود في موسكو، وقد أقام مع عائلته في فندق فور سيزونز الشهير. وقالت لـ«الشرق الأوسط» إن الزيارة «خاصة» وليست سياسية.

المهم أنه مع تطور الأحداث ترك عائلته في العاصمة الروسية، وعاد سريعاً إلى دمشق، لكن بعد أيام قليلة غادر بلاده ليلاً، للمرة الأخيرة مع رهط من المرافقين.

موسكو سيتي وهو حي ضخم فيه مساكن فاخرة ومقرات شركات لدى عائلة الأسد ويعتقد أنهم يسكنون هنا

حياة مرفهة تنتظره

لا يحتاج الأسد للإقامة طويلاً في فندق، فهو يمتلك مع بعض أقاربه «رزمة» من الشقق الفارهة في أرقى مناطق موسكو. ووفقاً لتقارير كانت نشرتها في السابق وسائل إعلام غربية وروسية ومنظمة «غلوبال ويتنس» غير الحكومية لمكافحة الفساد، فإن أقارب الأسد من جهة الأم (آل مخلوف)، أصبحوا على مدار 6 سنوات يمتلكون 19 شقة في تجمع موسكو سيتي الفاخر، تبلغ قيمتها الإجمالية نحو 40 مليون دولار.

ووفق معطيات، تعود غالبية الممتلكات لأبناء عمومة الأسد (حافظ وإياد وإيهاب مخلوف، والأخت كندة مخلوف، ورزان عثمان، زوجة ابن عم آخر للرئيس السوري، ورجل الأعمال رامي مخلوف).

صورة لأسماء الأسد في إحدى غرف «قصر الشعب» (رويترز)

وتزعم منصات إعلامية روسية، أن أقارب الأسد لم يشتروا عقارات في موسكو، بل حصلوا عليها بصفتها جزءاً من الربح، مقابل استثمارات ضخمة في بناء برج نيفا للسكن والأعمال.

المعطى الجديد هنا، أن الأسد يُقيم في بعض هذه الشقق، ويسكن في بعضها أيضاً جيش من الخدم والمترجمين والسائقين وحراس الأمن الذين انتقلوا أيضاً إلى روسيا.

لكن الأسد، كما يبدو، لم ينقل معه الخدم والحراس فقط، إذ تحدثت تقارير عن نقل مليارات الدولارات، وبأرقام مبالغ بها بشكل كبير. لكن هذا ما أكدته وسائل إعلام نقلاً عن خالد باي، ضابط المخابرات السابق، الذي يقال إنه كان مقرباً من الأسد. ونشرت هذه التفاصيل صحيفة «غازيتسي» التركية، ونقلتها عنها وسائل إعلام أوكرانية ناطقة بالروسية.

نقل الأموال

ووفق باي، فقد جرى تهريب الأموال على مراحل، لكن ضابط المخابرات لم يكشف عن تفاصيل تتعلق بآليات تحويل هذا المبلغ الكبير.

زي عسكري لجندي في الجيش السوري على سياج خارج سجن صيدنايا بعد الإطاحة بالرئيس بشار الأسد 11 ديسمبر (رويترز)

وفي الوقت نفسه، تحدث باي عن صراع وقع بين الجنود الموالين لروسيا والموالين لإيران في جيش الأسد، في الأيام الأخيرة الحاسمة، خصوصاً بعد سقوط مدينة حلب.

ووفقاً له، فقد وقعت المواجهة الأولى بين قائد حلب اللواء محمد الصفادلي واللواء سهيل حسن الموالي لروسيا، وبعد ذلك توقف تبادل المعلومات بين المخابرات العسكرية والجيش. وقال باي: «إن الهزيمة بدأت يوم سقوط حلب».

ومهما كانت درجة صحة مزاعم هذا الضابط حول المبالغ المالية التي اصطحبها الأسد إلى منفاه، لكن المعلومات التي تقدرها جهات غربية بينها وزارة الخارجية الأميركية تشير إلى أن صافي ثروة عائلة الأسد يتراوح بين مليار إلى ملياري دولار، ولكن من الصعب حسابها بشكل أكثر دقة، لأن الأصول «موزعة ومخفية في عدد من الحسابات والمحافظ العقارية والشركات الخارجية».

شيخوخة مريحة

الأكيد حالياً، أن موسكو لن تسلم الرئيس السوري السابق بشار الأسد لأي طرف، حتى لو طالبت محكمة الجنايات الدولية بالتحقيق معه، وكما قال الباحث الروسي يوري ليامين: «هناك شيخوخة مشرفة تنتظره في روسيا». مشيراً إلى أن الرئيس الأوكراني السابق، فيكتور يانوكوفيتش والموظف السابق في وكالة المخابرات المركزية إدوارد سنودن «يعيشان في روسيا منذ سنوات كثيرة، برخاء، ولم تتواصل معهما أي سلطات قضائية أجنبية».

الهدايا التذكارية الشخصية للرئيس الأسد في إحدى غرف «قصر الشعب» (رويترز)

ويضيف المستشرق كيريل سيمينوف، أن وضع الأسد لم يتغير منذ سنوات، فهو عملياً كان ملاحقاً لجهات جنائية دولية، لكنه تحرّك بحرية في بلدان عدة. ووجوده في روسيا لن يُشكل عنصراً ضاغطاً عليه، باستثناء أن عليه أن ينسى أي أفكار تتعلق بالثأر، أو محاولة تأسيس حكومة في المنفى تحارب الانقلابيين، فهذا لن يحدث مطلقاً.

وأضاف: «لذلك سيحظى الأسد بحياة هادئة ومريحة في روسيا. علاوة على ذلك، وعلى حد علمنا، فهو ملياردير بالدولار، ولا يستطيع إلى حد ما أن يفعل معه أي شيء على الإطلاق». مع الإقرار بأن الأسد بطبيعة الحال «لن يظهر كثيراً في وسائل الإعلام، ولن يشارك في أي أنشطة عامة».

في هذا الصدد، وافق معلقون روس على ما نشر في وسائل إعلام غربية: «لن تكون هناك دعوات لوجبات عشاء فاخرة في الكرملين، لكن بشار الأسد ربما لن يفتقد للرفاهية، وسوف يواصل احتساء الشمبانيا وتناول الكافيار في حياته الفارهة الجديدة في المنفى».


مقالات ذات صلة

مسؤولة أممية في مخيم شمال سوريا للاطلاع على تحديات عودة النازحين

المشرق العربي زيارة لمخيمات في إدلب بحضور المنسقة الإنسانية المقيمة للأمم المتحدة بسوريا ناتالي فوستيه وأهالي النازحين (سانا)

مسؤولة أممية في مخيم شمال سوريا للاطلاع على تحديات عودة النازحين

شملت الجولة مخيم الملعب القديم ببلدة حزانو، والاطلاع على أوضاع النازحين المعيشية والإنسانية، ومعالجة التحديات المتعلقة بملف العودة، بحسب وكالة «سانا».

«الشرق الأوسط» (دمشق - لندن)
شمال افريقيا وزير الخارجية المصري يستقبل نظيره السوري في القاهرة الأحد (الخارجية المصرية)

زيارة وزير خارجية سوريا إلى مصر... مؤشرات تقارب تتجاوز الجمود

عُقدت مشاورات مصرية - سورية في القاهرة على مستوى وزيرَي الخارجية، تعدُّ الأولى رسمياً، منذ سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر (كانون الأول) 2024.

محمد محمود (القاهرة)
المشرق العربي أنباء عن اعتقال مدير مشفى «تشرين» العسكري بدمشق في عهد الأسد

أنباء عن اعتقال مدير مشفى «تشرين» العسكري بدمشق في عهد الأسد

اعتقلت قوى الأمن الداخلي العميد الطبيب أكرم موسى، المدير السابق لمستشفى «تشرين» العسكري، وفق وسائل إعلام محلية، قالت إن ذلك تم في عملية أمنية نفّذتها قوى الأمن.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي حي القدم بدمشق يوم 29 أبريل 2026 (أ.ب)

اتهامات لخلايا «محور إيران» بـ«الاستثمار» في الفوضى بسوريا

وضعت وزارة الداخلية السورية حادث اغتيال رجل دين شيعي، يوصف بأنه قريب من الحكومة، ضمن محاولات «ممنهجة» لزعزعة الأمن والاستقرار وبثّ الفوضى.

سعاد جروس (دمشق)
المشرق العربي صورة عامة للعاصمة دمشق (أرشيفية - رويترز)

مقتل إمام مقام السيدة زينب بانفجار قنبلة قرب دمشق

قُتل رجل الدين الشيعي فرحان المنصور، وهو إمام في مقام السيدة زينب الواقع في ضواحي دمشق، بانفجار قنبلة، اليوم الجمعة.

«الشرق الأوسط» (دمشق)

قاسم: لا وقف للنار في لبنان... والحل ليس الاستسلام

الأمين العام لـ«حزب الله» نعيم قاسم (د.ب.أ)
الأمين العام لـ«حزب الله» نعيم قاسم (د.ب.أ)
TT

قاسم: لا وقف للنار في لبنان... والحل ليس الاستسلام

الأمين العام لـ«حزب الله» نعيم قاسم (د.ب.أ)
الأمين العام لـ«حزب الله» نعيم قاسم (د.ب.أ)

أكد الأمين العام لـ«حزب الله» نعيم قاسم، اليوم الاثنين، أنه «لا يوجد وقف إطلاق نار في لبنان، بل عدوان (إسرائيلي) أميركي مستمر»، مشيراً إلى أنه «لا وجود لخط أصفر ولا منطقة عازلة، ولن يكون».

وقال قاسم، في بيان صحافي، اليوم، إن «العدو لم يحقق أي خطوة على طريق (إسرائيل الكبرى)، ولن يحققها ولو اجتمع معه وحوش الأرض من مُجرمي البشر». وأضاف: «لقد اختارت المقاومة أساليب تنسجم مع المرحلة، واستفادت من الدروس والعِبر، وقد رأى الجميع إتقان المقاومة أداءها ومفاجآتها في الميدان»، مشيراً إلى أنه «لا توجد حاجة للثبات في الجغرافيا، فالمقاومون يأتون من أماكن كثيرة في لبنان ويؤمّنون أسلحتهم المناسبة ويعملون بأسلوب الكر والفر؛ لإيقاع أكبر عدد من الخسائر في جنود العدو وضباطه؛ لمنعه من الاستقرار في الأرض التي احتلها».

وأكد أن لبنان هو المعتدَى عليه، وهو الذي يحتاج إلى ضمانات لأمنه وسيادته، لافتاً إلى أنه لا توجد عبارات كافية لإدانة استهداف المدنيين والقرى والبلدات والهدم وقتل الأطفال والنساء والرجال والشيوخ. وأضاف: «فليضع العالم نصب عينيه أنه لن يكون الحل هو الاستسلام»، مؤكداً أن «المقاومة وأهلها يقدمون أداء أسطورياً أدهش العدو والصديق، فلا تطعنوها في ظهرها». وقال قاسم: «نحن لا ندعوكم إلى حمل قناعاتها، بل ندعوكم إلى ألّا تخدموا خندق الأعداء في هذه المرحلة الحساسة»، متسائلاً: «هل يوجد بلد في العالم تتفق سلطته مع العدو على مواجهة مقاومة البلد للاحتلال؟! لا يوجد».

ودعا الأمين العام لـ«حزب الله» إلى مواجهة «أهداف العدو وتحرير الأرض بوحدتنا الداخلية لننجح معاً في طرد العدو وتمكين السلطة من القيام بواجباتها»، مشيراً إلى أن أربعة مؤثرات تساعد على اجتياز هذه المرحلة هي استمرار المقاومة، والتفاهم الداخلي، والاستفادة من الاتفاق الإيراني الأميركي والاستفادة من أي تحرك دولي أو إقليمي يضغط على العدو.

وشدد قاسم على أن واجب السلطة أن تحرص على الوحدة الوطنية وتحقق السيادة، وتأمر الجيش بالدفاع عن البلد وتؤمِّن الحماية لكل المواطنين وتعالج المشاكل الاقتصادية والاجتماعية.


«قبور حديثة امتلأت بالجثث»... «حزب الله» يتكبد خسائر فادحة وسط انتقادات لبنانية متزايدة

مشيّعون يحملون نعوشاً خلال جنازة أربعة عناصر من «حزب الله» ومدنييْن اثنين وسط وقف مؤقت لإطلاق النار بين لبنان وإسرائيل في قرية معروب بجنوب لبنان 26 أبريل 2026 (رويترز)
مشيّعون يحملون نعوشاً خلال جنازة أربعة عناصر من «حزب الله» ومدنييْن اثنين وسط وقف مؤقت لإطلاق النار بين لبنان وإسرائيل في قرية معروب بجنوب لبنان 26 أبريل 2026 (رويترز)
TT

«قبور حديثة امتلأت بالجثث»... «حزب الله» يتكبد خسائر فادحة وسط انتقادات لبنانية متزايدة

مشيّعون يحملون نعوشاً خلال جنازة أربعة عناصر من «حزب الله» ومدنييْن اثنين وسط وقف مؤقت لإطلاق النار بين لبنان وإسرائيل في قرية معروب بجنوب لبنان 26 أبريل 2026 (رويترز)
مشيّعون يحملون نعوشاً خلال جنازة أربعة عناصر من «حزب الله» ومدنييْن اثنين وسط وقف مؤقت لإطلاق النار بين لبنان وإسرائيل في قرية معروب بجنوب لبنان 26 أبريل 2026 (رويترز)

أظهرت تقديراتٌ خسائر لم يُكشف عنها من قبل من داخل «حزب الله» اللبناني أنه تكبد ثمناً باهظاً بسبب خوض الحرب الأحدث مع إسرائيل، في الثاني من مارس (آذار) الماضي، إذ احتلت إسرائيل جزءاً من جنوب لبنان، وشرّدت مئات الآلاف، وقتلت الآلاف من مقاتلي «حزب الله».

كما أسفرت هذه الخطوة عن عواقب سياسية وخيمة، ففي بيروت زادت حدة المعارضة لتسلُّح «حزب الله»، إذ يَعدّ خصوم الجماعة في لبنان أن هذا التسلح يُعرّض الدولة لحروب متكررة مع إسرائيل، وفقاً لتقرير لوكالة «رويترز» للأنباء.

وفي أبريل (نيسان) الماضي، أجرت الحكومة اللبنانية محادثات مباشرة مع إسرائيل، لأول مرة منذ عقود، في قرارٍ عارضه «حزب الله» بشدة.

ومع ذلك، صرّح أكثر من 12 مسؤولاً في «حزب الله»، لـ«رويترز»، بأنهم يرون «فرصة لقلب الموازين»، بما يرجح كِفة الجماعة، عبر التحالف مع طهران في حربها ضد إسرائيل والولايات المتحدة. وبدأت الجماعة، التي أسسها «الحرس الثوري» الإيراني في عام 1982، إطلاق النار بعد يومين من اندلاع الحرب على إيران بضربات أميركية وإسرائيلية في 28 فبراير (شباط) الماضي.

وقال المسؤولون إن حسابات «حزب الله» تستند إلى تقييمٍ مفاده أن مشاركة الجماعة ستؤدي حتماً إلى جعل لبنان جزءاً من جدول أعمال المفاوضات الأميركية الإيرانية، وأن الضغط الإيراني يمكن أن يضمن وقف إطلاق نار أكثر تماسكاً من ذلك الذي دخل حيز التنفيذ في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024 في أعقاب صراع سابق بين «حزب الله» وإسرائيل اندلع بالتزامن مع الحرب في قطاع غزة.

وتكبدت الجماعة أيضاً خسائر فادحة في ذلك الصراع الذي أسفر عن مقتل الأمين العام لـ«حزب الله» حسن نصر الله، إلى جانب نحو خمسة آلاف مسلَّح، وأضعف من هيمنة تمتَّع بها «حزب الله» لفترة طويلة على شؤون الدولة اللبنانية، وفق «رويترز».

وبعد إعادة التسلح بمساعدة إيرانية، استخدمت جماعة «حزب الله» أساليب جديدة وطائرات مُسيّرة، مما أثار دهشة كثيرين بقدراتها بعد هدنةٍ هشة استمرت 15 شهراً توقَّف خلالها «حزب الله» عن إطلاق النار، حتى مع استمرار إسرائيل في قتل أعضاء الجماعة.

ونفى إبراهيم الموسوي، النائب عن «حزب الله»، أن تكون الجماعة قد تصرفت نيابة عن إيران عندما استأنفت الأعمال القتالية، وهو ما يقوله مُعارضوها. وقال، لـ«رويترز»، إن «حزب الله» رأى فرصة «لكسر هذه الحلقة المفرغة... حيث يستطيع الإسرائيليون استهداف واغتيال وقصف وقتل أي شخص دون أي رد».

وأقرّ الموسوي بالخسائر والأضرار في جنوب لبنان، لكنه قال: «لا ينبغي للمرء التطرق لحسابات من قبيل عددِ مَن سيُقتلون... (عندما تكون) الكرامة والسيادة والاستقلال» على المحك.

ودخل وقف إطلاق النار، الذي توسطت فيه الولايات المتحدة، حيز التنفيذ في 16 أبريل، وأدى إلى تراجع كبير في الأعمال القتالية الكبرى، لكن إسرائيل و«حزب الله» يواصلان تبادل الضربات في الجنوب، حيث تُبقي إسرائيل قوات في «منطقة عازلة» أعلنتها بشكل أحادي الجانب.

وقال يزيد صايغ، وهو باحث كبير في مركز كارنيجي الشرق الأوسط ببيروت، إن «(حزب الله) أظهر ثباتاً أكبر مما كان يعتقد كثيرون أنه ممكن، لكن ذلك لم يكن مكسباً استراتيجياً في حد ذاته».

وأضاف لـ«رويترز»: «الشيء الوحيد الذي سيُحجّم إسرائيل هو اتفاق شامل بين الولايات المتحدة وإيران... ما لم يجرِ إبرام اتفاق، فسيعاني الجميع معاناة شديدة، وفي أحسن الأحوال سيصل الوضع إلى طريق مسدود مؤلم».

* قبور حفرت حديثاً وامتلأت سريعاً

قالت وزارة الصحة اللبنانية إن أكثر من 2600 شخص قُتلوا منذ الثاني من مارس، وإنَّ خُمسهم تقريباً من النساء والأطفال والمُسعفين. ولا تُفرّق البيانات بين المدنيين والمسلّحين.

وقالت ثلاثة مصادر، من بينهم مسؤولان في «حزب الله»، إن بيانات الوزارة لا تشمل كثيراً من قتلى الجماعة. وذكرت المصادر أن عدة آلاف من مقاتلي «حزب الله» قُتلوا، لكن الجماعة ليس لديها إحصاء نهائي بعدُ.

وفي بيان لـ«رويترز»، نفت العلاقات الإعلامية في «حزب الله» الأرقام التي ذكرتها المصادر، وقالت إن أرقام وزارة الصحة اللبنانية تشمل أعضاءه الذين قُتلوا في الغارات الإسرائيلية. وذكر أحد المصادر، وهو قائد عسكري في «حزب الله»، أن عشرات المقاتلين توجهوا إلى بلدتيْ بنت جبيل والخيام الواقعتين على خط المواجهة عازمين على القتال حتى الموت. ولم يجرِ انتشال جثثهم حتى الآن.

وفي الضاحية الجنوبية لبيروت، التي يسيطر عليها «حزب الله»، امتلأ أكثر من 20 قبراً حديث الحفر بجثث مقاتلين، في الأيام التي أعقبت سَرَيان وقف إطلاق النار. وتشير شواهد قبور بسيطة من الرخام إلى أن بعضهم قادة، والبعض الآخر من المقاتلين.

وفي قرية ياطر وحدها بجنوب لبنان، جرى تسجيل مقتل 34 مقاتلاً من «حزب الله».

وتعمل إسرائيل على ترسيخ سيطرتها على منطقة تأمين تمتد لمسافة تصل إلى 10 كيلومترات داخل لبنان، وتهدم القرى قائلة إنها تهدف إلى حماية شمال إسرائيل من هجمات مسلّحي «حزب الله» المتمركزين في المناطق المدنية.

وقال مسؤول في الحكومة الإسرائيلية إن «حزب الله» انتهك وقف إطلاق النار المعلَن في نوفمبر 2024 بإطلاق النار على مواطنين إسرائيليين في الثاني من مارس. وأضاف أن التهديد الذي يواجه شمال إسرائيل سيجري القضاء عليه، مشيراً إلى مقتل الآلاف من مسلَّحي «حزب الله»، وأن إسرائيل تعمل بثبات على تدمير البنية التحتية للجماعة.

ويقول الجيش الإسرائيلي إن «حزب الله» أطلق مئات الصواريخ والطائرات المُسيرة على إسرائيل منذ الثاني من مارس. وأعلنت إسرائيل مقتل 17 جندياً في جنوب لبنان، إلى جانب مدنيين اثنين في شمال إسرائيل.

ويواصل «حزب الله» الهجمات قائلاً إن وقف إطلاق النار المعلَن في أبريل لا معنى له، مشيراً إلى استمرار الغارات الإسرائيلية.

* إيران «لن تبيع» أصدقاءها

وصف دبلوماسي على اتصال مع «حزب الله» قرار دخول الجماعة في الحرب بأنه مغامرة كبيرة واستراتيجية للبقاء، قائلاً إنها شعرت بأنه من الضروري أن تكون جزءاً من المشكلة حتى تصبح طرفاً في أي حل على المستوى الإقليمي، في نهاية المطاف.

ولم يتضح بعدُ ما إذا كانت هذه المجازفة ستؤتي ثمارها.

وتُطالب طهران بجعل وقف الهجمات الإسرائيلية على «حزب الله» جزءاً من أي اتفاق لإنهاء الحرب الأوسع نطاقاً، لكن الرئيس الأميركي دونالد ترمب قال، الشهر الماضي، إن أي اتفاق تتوصل إليه واشنطن مع طهران «لا يشمل لبنان بأي شكل من الأشكال».

وردّاً على أسئلة من «رويترز»، أشار المتحدث باسم وزارة الخارجية الباكستانية طاهر أندرابي إلى بيانٍ صدر في 16 أبريل قال فيه إن السلام في لبنان ضروري للمحادثات التي تتوسط فيها إسلام آباد بين الولايات المتحدة وإيران. وقال مسؤول غربي إنهم يرون احتمالاً بأن تتوصل الولايات المتحدة وإيران، في نهاية المطاف، إلى تسويةٍ لا تتطرق إلى الحرب في لبنان.

ولم تردَّ وزارة الخارجية الأميركية ولا بعثة إيران لدى الأمم المتحدة في جنيف ولا الحكومة اللبنانية بعدُ على طلبات للتعليق بهذا الشأن.

وقال الموسوي النائب عن «حزب الله» إن وقف إطلاق النار في لبنان لا يزال أولوية قصوى لإيران، مضيفاً أن طهران تُشاطر لبنان أهدافه، بما في ذلك وقف إسرائيل هجماتها والانسحاب من لبنان. وأضاف أن «(حزب الله) يثق ثقة تامة في إيران، وأن الإيرانيين لن يبيعوا أصدقاءهم».

وردّاً على أسئلة لـ«رويترز»، أشارت وزارة الخارجية الأميركية إلى مقابلةٍ أجراها الوزير ماركو روبيو مع «فوكس نيوز» في 27 أبريل، قال فيها إن لإسرائيل الحق في الدفاع عن نفسها في مواجهة هجمات «حزب الله»، وإنه يستبعد أن تكون إسرائيل راغبة في الإبقاء على المنطقة العازلة في لبنان إلى أجل غير مسمى. وقال روبيو أيضاً إن الولايات المتحدة حثت إسرائيل «على التأكد من أن ردودها متناسبة ومحددة الأهداف».

وعندما أُعلن وقف إطلاق النار في 16 أبريل، قال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إن نزع سلاح «حزب الله» سيكون مطلباً أساسياً في أي محادثات سلام مع لبنان.

لكن «حزب الله» استبعد إلقاء سلاحه قائلاً إن مسألة التسلح تخضع فقط للحوار الوطني. ومِن شأن أي تحرك من جانب لبنان لنزع سلاح الجماعة بالقوة أن يشعل الصراع في بلدٍ عانى الحرب الأهلية من عام 1975 إلى 1990.

ويسعى الرئيس اللبناني جوزيف عون، ورئيس الوزراء نواف سلام، منذ العام الماضي، إلى نزع سلاح «حزب الله» سلمياً. وفي الثاني من مارس، حظرت الحكومة الأنشطة العسكرية لـ«حزب الله».

ويطالب «حزب الله» الحكومة بإلغاء هذا القرار وإنهاء محادثاتها المباشرة مع إسرائيل.

وقال مسؤولون لبنانيون، لـ«رويترز»، إنهم يعتقدون أن المحادثات المباشرة مع إسرائيل، برعاية الولايات المتحدة، هي أفضل سبيل لضمان وقف إطلاق نار دائم وانسحاب القوات الإسرائيلية، إذ إن واشنطن وحدها تمتلك النفوذ اللازم على إسرائيل لتحقيق هذين الهدفين.


اجتماع تحضيري في واشنطن لمفاوضات لبنان وإسرائيل

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مستضيفاً السفيرين اللبنانية ندى حمادة معوض والإسرائيلي يحيئيل ليتر في المكتب البيضاوي بحضور نائب الرئيس جي دي فانس ووزير الخارجية ماركو روبيو والسفيرين الأميركيين لدى لبنان ميشال عيسى وإسرائيل مايك هاكابي (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب مستضيفاً السفيرين اللبنانية ندى حمادة معوض والإسرائيلي يحيئيل ليتر في المكتب البيضاوي بحضور نائب الرئيس جي دي فانس ووزير الخارجية ماركو روبيو والسفيرين الأميركيين لدى لبنان ميشال عيسى وإسرائيل مايك هاكابي (أ.ف.ب)
TT

اجتماع تحضيري في واشنطن لمفاوضات لبنان وإسرائيل

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مستضيفاً السفيرين اللبنانية ندى حمادة معوض والإسرائيلي يحيئيل ليتر في المكتب البيضاوي بحضور نائب الرئيس جي دي فانس ووزير الخارجية ماركو روبيو والسفيرين الأميركيين لدى لبنان ميشال عيسى وإسرائيل مايك هاكابي (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب مستضيفاً السفيرين اللبنانية ندى حمادة معوض والإسرائيلي يحيئيل ليتر في المكتب البيضاوي بحضور نائب الرئيس جي دي فانس ووزير الخارجية ماركو روبيو والسفيرين الأميركيين لدى لبنان ميشال عيسى وإسرائيل مايك هاكابي (أ.ف.ب)

علمت «الشرق الأوسط» من مصدر وزاري أن واشنطن تبذل جهدها لأن تستضيف اللقاء التحضيري الثالث بين سفيرة لبنان ندى حمادة معوض، ونظيرها الإسرائيلي يحيئيل ليتر، لبدء المفاوضات المباشرة بين البلدين خلال الأسبوع الحالي وربما يوم الخميس.

وفيما ينقسم الرأي العام اللبناني بين فريق أكثري يؤيد دعوة الرئيس جوزيف عون للتفاوض المباشر مع إسرائيل، وآخر يقتصر على «الثنائي الشيعي» الرافض لأي مفاوضات مباشرة، قال المصدر إنه لا مجال لبدء المفاوضات إلا «بتلازم تثبيت وقف الأعمال العدائية»، وهو ما أكده الرئيس عون بالقول إنه غير متحمس للقاء رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ما لم تتوصل المفاوضات لخواتيمها باتفاق لن يتمكن «الثنائي» من الاعتراض عليه.

إلى ذلك، نقل مصدر في «الثنائي» عن رئيس مجلس النواب نبيه برّي ضرورة «بقاء العيون مشدودة إلى إسلام آباد»، لما لديه من معطيات تدعوه للاطمئنان بأن لبنان سيكون مشمولاً بمفاوضات إيران.