يقف اللبنانيون على مشارف تعميق الهوّة حول من يمثّل بلدهم في المفاوضات برعاية أميركية، وهي محصورة بين فريق أكثري يؤيد دعوة رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون للتفاوض المباشر مع إسرائيل، وآخر يقتصر على «الثنائي الشيعي» (أمل وحزب الله) أخذ يرفع من منسوب اعتراضه على المبادرة الرئاسية التي تحظى بأوسع تأييد محلي وعربي ودولي، وهو يتمسك بأن تكون غير مباشرة، ويراهن على معاودة المفاوضات الأميركية - الإيرانية بوساطة باكستانية تستضيفها إسلام آباد، اعتقاداً منه أن لبنان سيكون مشمولاً بالتسوية التي سيتوصل إليها البلدان، بخلاف إصرار عون على فصل المسارين الإيراني واللبناني عن بعضهما، خصوصاً أن مبادرته ما زالت تحظى بأوسع تأييد داخلي من أكثرية القوى السياسية والمرجعيات الروحية، آخرها تأييد النواب السُّنّة بمبادرة من نائب بيروت فؤاد مخزومي، للتفاوض المباشر ما شكّل رافعة للرئيس للمضي قدماً بغياب أي خيار آخر وتحديداً الخيار العسكري.
وكان لبنان الرسمي قد أبلغ واشنطن رفضه ربط مصيره بالمفاوضات الإيرانية - الأميركية، وهذا ما نقله الوفد الأميركي المفاوض إلى نظيره الإيراني عبر الوسيط الباكستاني، ويراهن حالياً، كما علمت «الشرق الأوسط» من مصدر وزاري، على الاتصالات التي تتولاها الإدارة الأميركية لتهيئة الأجواء أمام انعقاد الاجتماع التحضيري الثالث بين سفيرة لبنان ندى حمادة معوض ونظيرها الإسرائيلي يحيئيل ليتر المخصص لبدء المفاوضات المباشرة بين البلدين.
استقبل رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون في قصر بعبدا ظهر اليوم السفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى بعد عودته من واشنطن وعرض معه التطورات الراهنة لا سيما ملف تثبيت وقف اطلاق النار ووقف استهداف المدنيين والمنشآت المدنية تمهيدا لاستكمال الاجتماعات في واشنطن ما يؤدي إلى تحقيق انجاز... pic.twitter.com/g4nuQlj0FF
— Lebanese Presidency (@LBpresidency) May 1, 2026
ولفت المصدر الوزاري إلى أن واشنطن تبذل قصارى جهدها لأن تستضيف اللقاء الثالث هذا الأسبوع، ربما يكون الخميس المقبل. وقال إن تحديد الموعد النهائي لانعقاده يتوقف على مدى استعداد إسرائيل للالتزام بتثبيت وقف النار بضغط أميركي، كأساس لبدء المفاوضات، مقابل تجاوب «حزب الله» بالامتناع عن إطلاق الصواريخ. يأتي ذلك في ظل استمرار الحرب المشتعلة في الجنوب حتى مع تمديد الهدنة التي أطاح بها طرفا المواجهة وسط ارتفاع منسوب المخاوف لدى اللبنانيين من تحويل «حزب الله» الجنوب لـ«مضيق هرمز - 2» بمعنى أن يكون ورقة ضغط في يد إيران لتحسين شروطها في المفاوضات، بدلاً من أن يبدي انفتاحاً على مبادرة عون، ويمنحه فرصة لأن تحقق المفاوضات ما يصبو إليه تحت سقف التمسك بالثوابت الوطنية ما قد يعيد الحرارة لعلاقة الرئيس برئيس مجلس النواب نبيه بري، وإن كان التواصل غير المباشر لم ينقطع بينهما عملياً.
وأكد المصدر أن تثبيت وقف النار بين البلدين يحتاج الآن إلى موافقة طرفي المواجهة في الجنوب الذي يكاد يكون اليوم خالياً من سكانه، ليس جنوب نهر الليطاني فحسب، وإنما في شماله أيضاً امتداداً إلى قرى قضاءي النبطية والزهراني، بمواصلة إسرائيل تحذيرها للمقيمين فيهما بوجوب إخلائهما على وجه السرعة.

عون: لا مبرر للقاء نتنياهو
قال المصدر الوزاري بأن لا مجال لبدء المفاوضات ما لم يتلازم، فعلاً لا قولاً، تثبيت وقف الأعمال العدائية.
وهذا يفسّر إصرار عون الذي كرر موقفه أمام السفير الأميركي في بيروت ميشال عيسى لدى استقباله فور عودته من واشنطن، وكان أبلغه تباعاً لكل من الرئيس دونالد ترمب ووزير خارجيته ماركو روبيو، وأكد أنهما أبديا تفهماً لشروحات عون بعدم استعداده للقاء رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو كشرط لبدء المفاوضات.
ونقل عن عون، استناداً للمداولات الهاتفية التي جمعته بترمب وروبيو، بأن بدء المفاوضات معلق على تثبيت وقف النار، وليس تحت ضغط إسرائيل. ولفت إلى أنه شرح لهما الأسباب الكامنة وراء عدم حماسته للقاء نتنياهو لأنه لم يحن أوانه بعد، ويفضّل التريث ريثما تتوصل المفاوضات لخواتيمها باتفاق يأخذ بالثوابت الوطنية التي لن يكون بوسع «الثنائي» الاعتراض عليها.
وبكلام آخر فإن عون أبلغهما، بحسب المصدر، بأن لا مبرر للقاء نتنياهو بالتلازم مع بدء المفاوضات، ونقل عنه قوله لهما بأن مستوى التمثيل في المفاوضات بين أي بلدين متخاصمين يتدرّج مع بلوغها مراحل من التقدم، وهذا ما يُعمل به عالمياً بين الدول المتنازعة، على أن يأتي اللقاء، في حال تقرر، تتويجاً للتوصل لاتفاق شامل لإنهاء الحرب بين البلدين دونه اتفاقية سلام، تحت سقف تمسكه بمبادرة السلام العربية التي أجمعت عليها القمة التي استضافها لبنان عام 2002.

كشف المصدر أن ترمب تعهّد لعون بتلازم اللقاء فور انعقاده بالإعلان عن وقف النار وتثبيته، وقال إن وقفه لا يكفي لتبرير اللقاء ما دام انسحاب إسرائيل وإطلاق الأسرى، وتثبيت الحدود الدولية بين البلدين يبقى معلقاً على ما ستتوصل إليه المفاوضات، هذا في حال التزم بها نتنياهو ضمن اتفاق شامل، ولم ينقلب عليها مكتفياً بالتقاط صورة له مع عون تجمعهما بترمب.
العيون على إسلام آباد
أكد المصدر أن عون يتحسب لكل الاحتمالات للحفاظ على السلم الأهلي وعدم تعريضه لانتكاسة من جراء الانقسام حول طبيعة التفاوض، وهو يحاول ردم الهوّة بدلاً من تعميقها بينه وبين رئيس المجلس النيابي نبيه بري بالإنابة عن نفسه، وبالتضامن مع «حزب الله» الذي لا يترك مناسبة إلا ويؤكد فيها عدم التزامه بما ستتوصل إليه المفاوضات بذريعة أنها لا تعنيه، ولن يكون طرفاً في تطبيقها. وفي الوقت نفسه يدعو برّي، كما يقول مصدر في «الثنائي الشيعي»، لـ«بقاء العيون مشدودة إلى إسلام آباد»، لما لديه من معطيات تدعوه للاطمئنان حيال ما تبلّغه من عضو الوفد الإيراني المفاوض، وزير الخارجية عباس عراقجي، وفيها جرعة من التطمينات والضمانات، بأن لبنان سيكون مشمولاً بمفاوضات إيران مع الولايات المتحدة، وأن ملفه يتصدّر جدول الأعمال.
ولفت المصدر إلى أنه يتوقع التوصل لاتفاق إيراني - أميركي قبل نهاية شهر مايو (أيار) الحالي، وربما استباقاً لزيارة ترمب للصين، رغم أنه تجنّب الإجابة بوضوح على ما سيكون عليه الوضع في جنوب لبنان امتداداً إلى بيروت والضاحية الجنوبية، في حال لم تصب هذه التوقعات خصوصاً مع إصرار نتنياهو على التفلُّت من تعهداته لواشنطن. كذلك ليس واضحاً ما إذا سيكون في مقدور «الثنائي» تحمل موجة جديدة من النزوح، مع تحوّل الجنوب إلى مكان يصعب العيش فيه بتمادي إسرائيل بتوجيه إنذاراتها بإخلاء بلداته من سكانها ومنعهم الدخول إليها.

ولدى استيضاح المصدر الوزاري عن رأيه باطمئنان «الثنائي» للضمانات الإيرانية، سأل في المقابل: «من يبدّد مخاوفنا من تحويل الجنوب ساحة لنزاع الآخرين ولتصفية حساباتهم، ومن ثم يترك لإيران الإمساك بقرار الحرب والسلم بدلاً من أن يضع أوراقه، وتحديداً سلاحه، بعهدة الدولة ليكون بمقدورها التفاوض من موقع قوة، فتأتي التسوية إن حصلت، بما يتطلع إليه اللبنانيون ببسط سيادة بلدهم على جميع أراضيه؟».




