«قبور حديثة امتلأت بالجثث»... «حزب الله» يتكبد خسائر فادحة وسط انتقادات لبنانية متزايدة

مقتل الآلاف من عناصره ونزوح مئات الآلاف منذ دخوله على خط حرب إيران في مارس

مشيّعون يحملون نعوشاً خلال جنازة أربعة عناصر من «حزب الله» ومدنييْن اثنين وسط وقف مؤقت لإطلاق النار بين لبنان وإسرائيل في قرية معروب بجنوب لبنان 26 أبريل 2026 (رويترز)
مشيّعون يحملون نعوشاً خلال جنازة أربعة عناصر من «حزب الله» ومدنييْن اثنين وسط وقف مؤقت لإطلاق النار بين لبنان وإسرائيل في قرية معروب بجنوب لبنان 26 أبريل 2026 (رويترز)
TT

«قبور حديثة امتلأت بالجثث»... «حزب الله» يتكبد خسائر فادحة وسط انتقادات لبنانية متزايدة

مشيّعون يحملون نعوشاً خلال جنازة أربعة عناصر من «حزب الله» ومدنييْن اثنين وسط وقف مؤقت لإطلاق النار بين لبنان وإسرائيل في قرية معروب بجنوب لبنان 26 أبريل 2026 (رويترز)
مشيّعون يحملون نعوشاً خلال جنازة أربعة عناصر من «حزب الله» ومدنييْن اثنين وسط وقف مؤقت لإطلاق النار بين لبنان وإسرائيل في قرية معروب بجنوب لبنان 26 أبريل 2026 (رويترز)

أظهرت تقديراتٌ خسائر لم يُكشف عنها من قبل من داخل «حزب الله» اللبناني أنه تكبد ثمناً باهظاً بسبب خوض الحرب الأحدث مع إسرائيل، في الثاني من مارس (آذار) الماضي، إذ احتلت إسرائيل جزءاً من جنوب لبنان، وشرّدت مئات الآلاف، وقتلت الآلاف من مقاتلي «حزب الله».

كما أسفرت هذه الخطوة عن عواقب سياسية وخيمة، ففي بيروت زادت حدة المعارضة لتسلُّح «حزب الله»، إذ يَعدّ خصوم الجماعة في لبنان أن هذا التسلح يُعرّض الدولة لحروب متكررة مع إسرائيل، وفقاً لتقرير لوكالة «رويترز» للأنباء.

وفي أبريل (نيسان) الماضي، أجرت الحكومة اللبنانية محادثات مباشرة مع إسرائيل، لأول مرة منذ عقود، في قرارٍ عارضه «حزب الله» بشدة.

ومع ذلك، صرّح أكثر من 12 مسؤولاً في «حزب الله»، لـ«رويترز»، بأنهم يرون «فرصة لقلب الموازين»، بما يرجح كِفة الجماعة، عبر التحالف مع طهران في حربها ضد إسرائيل والولايات المتحدة. وبدأت الجماعة، التي أسسها «الحرس الثوري» الإيراني في عام 1982، إطلاق النار بعد يومين من اندلاع الحرب على إيران بضربات أميركية وإسرائيلية في 28 فبراير (شباط) الماضي.

وقال المسؤولون إن حسابات «حزب الله» تستند إلى تقييمٍ مفاده أن مشاركة الجماعة ستؤدي حتماً إلى جعل لبنان جزءاً من جدول أعمال المفاوضات الأميركية الإيرانية، وأن الضغط الإيراني يمكن أن يضمن وقف إطلاق نار أكثر تماسكاً من ذلك الذي دخل حيز التنفيذ في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024 في أعقاب صراع سابق بين «حزب الله» وإسرائيل اندلع بالتزامن مع الحرب في قطاع غزة.

وتكبدت الجماعة أيضاً خسائر فادحة في ذلك الصراع الذي أسفر عن مقتل الأمين العام لـ«حزب الله» حسن نصر الله، إلى جانب نحو خمسة آلاف مسلَّح، وأضعف من هيمنة تمتَّع بها «حزب الله» لفترة طويلة على شؤون الدولة اللبنانية، وفق «رويترز».

وبعد إعادة التسلح بمساعدة إيرانية، استخدمت جماعة «حزب الله» أساليب جديدة وطائرات مُسيّرة، مما أثار دهشة كثيرين بقدراتها بعد هدنةٍ هشة استمرت 15 شهراً توقَّف خلالها «حزب الله» عن إطلاق النار، حتى مع استمرار إسرائيل في قتل أعضاء الجماعة.

ونفى إبراهيم الموسوي، النائب عن «حزب الله»، أن تكون الجماعة قد تصرفت نيابة عن إيران عندما استأنفت الأعمال القتالية، وهو ما يقوله مُعارضوها. وقال، لـ«رويترز»، إن «حزب الله» رأى فرصة «لكسر هذه الحلقة المفرغة... حيث يستطيع الإسرائيليون استهداف واغتيال وقصف وقتل أي شخص دون أي رد».

وأقرّ الموسوي بالخسائر والأضرار في جنوب لبنان، لكنه قال: «لا ينبغي للمرء التطرق لحسابات من قبيل عددِ مَن سيُقتلون... (عندما تكون) الكرامة والسيادة والاستقلال» على المحك.

ودخل وقف إطلاق النار، الذي توسطت فيه الولايات المتحدة، حيز التنفيذ في 16 أبريل، وأدى إلى تراجع كبير في الأعمال القتالية الكبرى، لكن إسرائيل و«حزب الله» يواصلان تبادل الضربات في الجنوب، حيث تُبقي إسرائيل قوات في «منطقة عازلة» أعلنتها بشكل أحادي الجانب.

وقال يزيد صايغ، وهو باحث كبير في مركز كارنيجي الشرق الأوسط ببيروت، إن «(حزب الله) أظهر ثباتاً أكبر مما كان يعتقد كثيرون أنه ممكن، لكن ذلك لم يكن مكسباً استراتيجياً في حد ذاته».

وأضاف لـ«رويترز»: «الشيء الوحيد الذي سيُحجّم إسرائيل هو اتفاق شامل بين الولايات المتحدة وإيران... ما لم يجرِ إبرام اتفاق، فسيعاني الجميع معاناة شديدة، وفي أحسن الأحوال سيصل الوضع إلى طريق مسدود مؤلم».

* قبور حفرت حديثاً وامتلأت سريعاً

قالت وزارة الصحة اللبنانية إن أكثر من 2600 شخص قُتلوا منذ الثاني من مارس، وإنَّ خُمسهم تقريباً من النساء والأطفال والمُسعفين. ولا تُفرّق البيانات بين المدنيين والمسلّحين.

وقالت ثلاثة مصادر، من بينهم مسؤولان في «حزب الله»، إن بيانات الوزارة لا تشمل كثيراً من قتلى الجماعة. وذكرت المصادر أن عدة آلاف من مقاتلي «حزب الله» قُتلوا، لكن الجماعة ليس لديها إحصاء نهائي بعدُ.

وفي بيان لـ«رويترز»، نفت العلاقات الإعلامية في «حزب الله» الأرقام التي ذكرتها المصادر، وقالت إن أرقام وزارة الصحة اللبنانية تشمل أعضاءه الذين قُتلوا في الغارات الإسرائيلية. وذكر أحد المصادر، وهو قائد عسكري في «حزب الله»، أن عشرات المقاتلين توجهوا إلى بلدتيْ بنت جبيل والخيام الواقعتين على خط المواجهة عازمين على القتال حتى الموت. ولم يجرِ انتشال جثثهم حتى الآن.

وفي الضاحية الجنوبية لبيروت، التي يسيطر عليها «حزب الله»، امتلأ أكثر من 20 قبراً حديث الحفر بجثث مقاتلين، في الأيام التي أعقبت سَرَيان وقف إطلاق النار. وتشير شواهد قبور بسيطة من الرخام إلى أن بعضهم قادة، والبعض الآخر من المقاتلين.

وفي قرية ياطر وحدها بجنوب لبنان، جرى تسجيل مقتل 34 مقاتلاً من «حزب الله».

وتعمل إسرائيل على ترسيخ سيطرتها على منطقة تأمين تمتد لمسافة تصل إلى 10 كيلومترات داخل لبنان، وتهدم القرى قائلة إنها تهدف إلى حماية شمال إسرائيل من هجمات مسلّحي «حزب الله» المتمركزين في المناطق المدنية.

وقال مسؤول في الحكومة الإسرائيلية إن «حزب الله» انتهك وقف إطلاق النار المعلَن في نوفمبر 2024 بإطلاق النار على مواطنين إسرائيليين في الثاني من مارس. وأضاف أن التهديد الذي يواجه شمال إسرائيل سيجري القضاء عليه، مشيراً إلى مقتل الآلاف من مسلَّحي «حزب الله»، وأن إسرائيل تعمل بثبات على تدمير البنية التحتية للجماعة.

ويقول الجيش الإسرائيلي إن «حزب الله» أطلق مئات الصواريخ والطائرات المُسيرة على إسرائيل منذ الثاني من مارس. وأعلنت إسرائيل مقتل 17 جندياً في جنوب لبنان، إلى جانب مدنيين اثنين في شمال إسرائيل.

ويواصل «حزب الله» الهجمات قائلاً إن وقف إطلاق النار المعلَن في أبريل لا معنى له، مشيراً إلى استمرار الغارات الإسرائيلية.

* إيران «لن تبيع» أصدقاءها

وصف دبلوماسي على اتصال مع «حزب الله» قرار دخول الجماعة في الحرب بأنه مغامرة كبيرة واستراتيجية للبقاء، قائلاً إنها شعرت بأنه من الضروري أن تكون جزءاً من المشكلة حتى تصبح طرفاً في أي حل على المستوى الإقليمي، في نهاية المطاف.

ولم يتضح بعدُ ما إذا كانت هذه المجازفة ستؤتي ثمارها.

وتُطالب طهران بجعل وقف الهجمات الإسرائيلية على «حزب الله» جزءاً من أي اتفاق لإنهاء الحرب الأوسع نطاقاً، لكن الرئيس الأميركي دونالد ترمب قال، الشهر الماضي، إن أي اتفاق تتوصل إليه واشنطن مع طهران «لا يشمل لبنان بأي شكل من الأشكال».

وردّاً على أسئلة من «رويترز»، أشار المتحدث باسم وزارة الخارجية الباكستانية طاهر أندرابي إلى بيانٍ صدر في 16 أبريل قال فيه إن السلام في لبنان ضروري للمحادثات التي تتوسط فيها إسلام آباد بين الولايات المتحدة وإيران. وقال مسؤول غربي إنهم يرون احتمالاً بأن تتوصل الولايات المتحدة وإيران، في نهاية المطاف، إلى تسويةٍ لا تتطرق إلى الحرب في لبنان.

ولم تردَّ وزارة الخارجية الأميركية ولا بعثة إيران لدى الأمم المتحدة في جنيف ولا الحكومة اللبنانية بعدُ على طلبات للتعليق بهذا الشأن.

وقال الموسوي النائب عن «حزب الله» إن وقف إطلاق النار في لبنان لا يزال أولوية قصوى لإيران، مضيفاً أن طهران تُشاطر لبنان أهدافه، بما في ذلك وقف إسرائيل هجماتها والانسحاب من لبنان. وأضاف أن «(حزب الله) يثق ثقة تامة في إيران، وأن الإيرانيين لن يبيعوا أصدقاءهم».

وردّاً على أسئلة لـ«رويترز»، أشارت وزارة الخارجية الأميركية إلى مقابلةٍ أجراها الوزير ماركو روبيو مع «فوكس نيوز» في 27 أبريل، قال فيها إن لإسرائيل الحق في الدفاع عن نفسها في مواجهة هجمات «حزب الله»، وإنه يستبعد أن تكون إسرائيل راغبة في الإبقاء على المنطقة العازلة في لبنان إلى أجل غير مسمى. وقال روبيو أيضاً إن الولايات المتحدة حثت إسرائيل «على التأكد من أن ردودها متناسبة ومحددة الأهداف».

وعندما أُعلن وقف إطلاق النار في 16 أبريل، قال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إن نزع سلاح «حزب الله» سيكون مطلباً أساسياً في أي محادثات سلام مع لبنان.

لكن «حزب الله» استبعد إلقاء سلاحه قائلاً إن مسألة التسلح تخضع فقط للحوار الوطني. ومِن شأن أي تحرك من جانب لبنان لنزع سلاح الجماعة بالقوة أن يشعل الصراع في بلدٍ عانى الحرب الأهلية من عام 1975 إلى 1990.

ويسعى الرئيس اللبناني جوزيف عون، ورئيس الوزراء نواف سلام، منذ العام الماضي، إلى نزع سلاح «حزب الله» سلمياً. وفي الثاني من مارس، حظرت الحكومة الأنشطة العسكرية لـ«حزب الله».

ويطالب «حزب الله» الحكومة بإلغاء هذا القرار وإنهاء محادثاتها المباشرة مع إسرائيل.

وقال مسؤولون لبنانيون، لـ«رويترز»، إنهم يعتقدون أن المحادثات المباشرة مع إسرائيل، برعاية الولايات المتحدة، هي أفضل سبيل لضمان وقف إطلاق نار دائم وانسحاب القوات الإسرائيلية، إذ إن واشنطن وحدها تمتلك النفوذ اللازم على إسرائيل لتحقيق هذين الهدفين.


مقالات ذات صلة

غارات إسرائيلية على جنوب لبنان وشرقه رغم تمديد وقف النار

المشرق العربي تصاعد الدخان من موقع غارة جوية إسرائيلية استهدفت قرية زبقين جنوب لبنان (أ.ف.ب)

غارات إسرائيلية على جنوب لبنان وشرقه رغم تمديد وقف النار

شنت إسرائيل غارات جديدة في جنوب لبنان وشرقه الأحد، بحسب ما أفاد الإعلام الرسمي، رغم تمديد وقف إطلاق النار عقب جولة جديدة من المحادثات ندد بها حزب الله.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي مركبة عسكرية إسرائيلية تمر بجوار مبانٍ مدمرة في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
p-circle

الجيش الإسرائيلي يعلن مقتل أحد جنوده في جنوب لبنان

أعلن الجيش الإسرائيلي، السبت، مقتل أحد جنوده خلال القتال في جنوب لبنان، ليرتفع عدد العسكريين الذين قتلوا منذ بدء الحرب على الجبهة الشمالية في أوائل مارس إلى 21.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
المشرق العربي فلسطينيون في خان يونس فوق مركبة عسكرية إسرائيلية جرى الاستيلاء عليها ضمن عملية «طوفان الأقصى» في 7 أكتوبر 2023 (د.ب.أ)

قادة «حماس» طالبوا نصر الله بالانضمام لـ«طوفان الأقصى»: ثمن التردد سيكود باهظاً

رسالة من الضيف والسنوار وعيسى لنصر الله في 7 أكتوبر 2023 تطلب منه التدخل المباشر في الهجوم، وتحذره من ثمن التردد.

كفاح زبون (رام الله)
المشرق العربي صورة التُقطت من المنطقة الجنوبية لمدينة صور تُظهر تصاعد الدخان من موقع غارة إسرائيلية استهدفت منطقة رأس العين (أ.ف.ب) p-circle

قبل شن هجوم... الجيش الإسرائيلي يدعو لإخلاء 9 قرى في جنوب لبنان

أصدر الجيش الإسرائيلي تحذيرات بالإخلاء لـ9 قرى في جنوب لبنان قبل هجمات جوية تستهدف «حزب الله».

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي صورة وزعتها وزارة العدل الأميركية لعملية توقيف باقر السعدي (وزارة العدل الأميركية)

واشنطن توقف القيادي في «حزب الله العراقي» محمد باقر السعدي

أعلنت السلطات الأميركية، الجمعة، توقيف قيادي في كتائب «حزب الله» العراقية الموالية لإيران بتهمة التخطيط لهجمات في الولايات المتحدة وكندا وأوروبا.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)

الصدر يدعم الزيدي باتصال هاتفي... ويشيد بهمته وعزمه

مقتدى الصدر (إعلام التيار الصدري)
مقتدى الصدر (إعلام التيار الصدري)
TT

الصدر يدعم الزيدي باتصال هاتفي... ويشيد بهمته وعزمه

مقتدى الصدر (إعلام التيار الصدري)
مقتدى الصدر (إعلام التيار الصدري)

تلقى رئيس مجلس الوزراء العراقي الجديد علي فالح الزيدي، الأحد، اتصالاً هاتفياً من زعيم «التيار الصدري» مقتدى الصدر، قدّم خلاله التهنئة بمناسبة نيل حكومته الثقة في مجلس النواب، في خطوة وُصفت بالمفاجئة والداعمة للزيدي.

وذكر المكتب الإعلامي لرئيس مجلس الوزراء، في بيان، أن «الاتصال تناول بحث الأوضاع العامة في البلاد، والتأكيد على حفظ السيادة والاستقرار، وتحسين الواقع الخدمي، وتعزيز إجراءات الإصلاح ومحاربة الفساد، بما يسهم في الحفاظ على مقدرات البلد، وتأمين العيش الكريم للشعب العراقي، وحفظ حقوقه».

وأضاف البيان أن الصدر «أشاد بجهود رئيس مجلس الوزراء، وروح الهمة والعزم والإصرار التي يتمتع بها بعد تسلمه مهامه الرسمية».

من جهته، ذكر المكتب الخاص للصدر في بيان أنه بارك للزيدي تشكيل الحكومة، وحثّه على الحفاظ على سيادة البلد، وتحسين الواقع الخدمي، مشيداً بما وصفه بالهمة والعزم والإصرار على تحسين الواقع العراقي.

وأضاف البيان أن «الصدر شدد خلال الاتصال على ضرورة الوقوف بحزم في مواجهة الفساد، والحفاظ على مقدرات البلد، وتأمين العيش الكريم للشعب العراقي من خلال تحسين الخدمات، وتلبية الاحتياجات، وحفظ الحقوق».

وكان مقتدى الصدر قد أعلن اعتزاله النهائي العمل السياسي وإغلاق كافة مؤسسات «التيار»، في بيان نشره أواخر أغسطس (آب) 2022 بعد نحو شهرين من قراره انسحاب كتلته البرلمانية (73 نائباً) من مجلس النواب، على خلفية رفض قوى «الإطار التنسيقي» الشيعية مساعيه في تشكيل حكومة «وحدة وطنية» بالتحالف مع بعض القوى الكردية والسنية، لكسر حاجز التخندق الطائفي، على حد قوله.

وخلال تولي رئيس الوزراء السابق محمد السوداني في تلك الدورة البرلمانية لم يقدم الصدر الدعم له، وبقي «معارضاً صامتاً» لسياساته.

ورفض مشاركة تياره في الانتخابات العامة التي جرت في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، وأدت بعد تأخير لنحو 5 أشهر إلى ولادة حكومة علي الزيدي الحالية.

وأعلن الصدر، مطلع مايو (أيار) الحالي، عدم مشاركة أتباعه و«التيار» في الحكومة العراقية الجديدة، رافضاً بشكل قاطع وجود أي ممثل عنهم فيها.

وطبقاً لكثير من المراقبين، فإن الدعم الذي قدمه الصدر للزيدي سيكون «مكملاً لأضلاع الدعم المحلي والدولي والإقليمي الذي حظي به، وقد يسهم كثيراً في إنجاح مهمته الحكومية الصعبة».

ويُنظر إلى مبادرة الصدر بوصفها محاولة لـ«سحب البساط من خصومه في (الإطار التنسيقي) الذين رشحوا الزيدي للمنصب»، بالنظر للثقل الشعبي الذي يمثله الصدر وتياره رغم افتقارهم للتمثيل السياسي في هذه الدورة.

ورأى الإعلامي عبد الهادي مهودر، في تدوينة عبر «إكس»، أن اتصال الصدر برئيس الوزراء بمنزلة «دعم قوي وصريح ومشروط، أهميته أنه جاء في وقت لا تبدو للزيدي مرجعية سياسية تقف خلفه وتسانده في مشواره الصعب، وفي القرارات الصعبة التي عليه اتخاذها».


حكومة الزيدي تواجه أول اختبار لها في العلاقة مع واشنطن

رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي (أ.ف.ب)
رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي (أ.ف.ب)
TT

حكومة الزيدي تواجه أول اختبار لها في العلاقة مع واشنطن

رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي (أ.ف.ب)
رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي (أ.ف.ب)

في الوقت الذي لم تعلق فيه الحكومة العراقية الجديدة التي باشرت عملها، السبت، على قضية اعتقال القيادي في كتائب «حزب الله» محمد باقر السعدي في تركيا، وتسليمه إلى الولايات المتحدة الأميركية، فإن البرلمان العراقي منقسم على نفسه بشأن هذه المسألة. فالحكومة العراقية التي اعترفت على لسان وزير خارجيتها فؤاد حسين بتضرر علاقة العراق مع دول الخليج العربي نتيجة الضربات التي وجهتها العديد من الفصائل المسلحة الموالية لإيران لهذه الدول من داخل الأراضي العراقية، لم تعلن موقفاً بعد سواء مع تركيا التي تتهمها الأوساط البرلمانية المقربة من قوى السلاح بأنها قامت بعمل يتناقض مع مبادئ حسن الجوار، أو الولايات المتحدة الأميركية التي نقل إليها السعدي والذي يواجه تهماً تتعلق بالإرهاب.

وزير الخارجية العراقي فؤاد حسين الذي عاد إلى منصبه وزيراً للخارجية في حكومة علي الزيدي قال في تصريح صحافي إن «تجديد الثقة يعني الثقة بشخص الوزير وبسياسة الوزارة»، مبيناً أن «علاقة العراق مع الدول الخليجية أصبحت ضحية الحرب الجارية».

وأضاف أن «وزارة الخارجية ستبدأ فوراً العمل على ترميم وتعزيز العلاقات مع الدول الخليجية، بما يخدم مصالح العراق، ويعزز استقرار المنطقة».

في السياق نفسه، دعم رئيس الوزراء العراقي الجديد علي الزيدي رؤية وزير الخارجية فؤاد حسين لجهة وضع برنامج طموح لهذه الحكومة يقضي بتعزيز «علاقات العراق العربية والإقليمية والدولية على أساس الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة، بما يحفظ مكانة العراق ودوره التاريخي في المنطقة»، على حد قول الزيدي في أول خطاب له بعد تسلمه المسؤولية؛ ما يعكس من وجهة نظر المراقبين السياسيين رغبة العراق في بدء مرحلة جديدة في علاقاته الخارجية، كما يؤكد رغبة الحكومة في وضع حد لقوى السلاح التي لم تحصل على أي مقعد وزاري في هذه الحكومة رغم وصول نحو 80 نائباً منها إلى البرلمان العراقي.

وطبقاً للمراقبين السياسيين في بغداد، فإن الصمت الحكومي الرسمي حيال مسالة اعتقال السعدي بقدر ما يمثل اختباراً لمدى قدرة الحكومة على تخطي الاعتراضات البرلمانية التي تطالبها باتخاذ موقف رسمي من عملية الاعتقال على أساس أنها تطول مواطناً عراقياً يحمل جواز سفر «خدمة»، وهو عادة يُمنح للشخصيات من الخط الأول، بقدر ما يعني ضمناً أن عملية الحصول على مثل هذا الجواز من قِبل قياديين في الفصائل المسلحة هو اختراق لمفاصل مهمة في الحكومة السابقة، ومنها وزارة الخارجية.

برلمان منقسم

وطبقاً لمعلومات حصلت عليها «الشرق الأوسط» من مصادر مطلعة، فإن البرلمان العراقي الذي منح، الأسبوع الماضي، حكومة علي الزيدي الثقة مع أنها لا تزال ناقصة بسبب الخلافات بين بعض الأطراف السياسية بشأن الحقائب الوزارية، وترشيح وزراء لم يتمكنوا من المرور من قبل البرلمان من جهة، وبسبب عدم الاتفاق على منح وزارات لوزراء مقربين من قوى السلاح رغم تمثيلها البرلماني خشية الفيتو الأميركي، «تحاول تقديم ضمانات بنزع السلاح، والتحول إلى العمل الميداني بلا سلاح، فضلاً عن الانخراط في العمل السياسي من بوابة البرلمان، ومن ثم تنتظر على مدى الأسبوعين المقبلين؛ ما يمكن أن تسفر عنه محادثات سرية تقودها أطراف بعضها مقربة من الحكومة بهدف إقناع الأميركان بمشاركة قسم من الجهات السياسية التي كان لديها أجنحة مسلحة، ولم تعد تملك سوى ألوية في «الحشد الشعبي».

مبينة في الوقت نفسه أن «الجهود الحكومية الخاصة بحصر السلاح سوف تبدأ سريعاً، وتشمل الفصائل التي لا تزال تعلن مواقف رسمية معلنة ضد الأميركان، خصوصاً فصيلي كتائب (حزب الله) التي ينتمي إليها السعدي والنجباء التي رفضت نزع سلاحها طبقاً لبرنامج الزيدي الحكومي في موقف رسمي عبرت عنه، السبت».

وفي الوقت الذي لم تعلن فيه وزارة الخارجية موقفاً رسمياً حيال اعتقال السعدي، فإن لجنة العلاقات الخارجية في البرلمان العراقي لم تعلن هي الأخرى موقفاً رسمياً غير أن برلمانيين مقربين من الفصائل المسلحة هم من طالب الحكومة عبر وزارة الخارجية بتقديم تفسير رسمي حول اعتقال السعدي، وفي هذا السياق وجهت النائبة عن كتلة بدر، نور عادل العتابي 5 أسئلة إلى وزارة الخارجية، حول احتجاز محمد باقر السعدي في تركيا وتسليمه إلى الولايات المتحدة الأميركية، وقالت إن الإجراءات تمت بصورة مخالفة.


تقرير: إسرائيل تدير قاعدتين عسكريتين سريتين في صحراء العراق منذ أشهر

راعٍ عراقي يقود قطيعاً من الأغنام مع غروب الشمس في بلدة مشخاب العراقية جنوب النجف (أ.ف.ب)
راعٍ عراقي يقود قطيعاً من الأغنام مع غروب الشمس في بلدة مشخاب العراقية جنوب النجف (أ.ف.ب)
TT

تقرير: إسرائيل تدير قاعدتين عسكريتين سريتين في صحراء العراق منذ أشهر

راعٍ عراقي يقود قطيعاً من الأغنام مع غروب الشمس في بلدة مشخاب العراقية جنوب النجف (أ.ف.ب)
راعٍ عراقي يقود قطيعاً من الأغنام مع غروب الشمس في بلدة مشخاب العراقية جنوب النجف (أ.ف.ب)

أفاد تقرير نشرته صحيفة «نيويورك تايمز» بوجود قاعدتين عسكريتين سريتين تديرهما إسرائيل داخل الصحراء الغربية العراقية منذ أكثر من عام، في تطور وصفه مسؤولون عراقيون بأنه يمثل انتهاكاً خطيراً للسيادة العراقية، بينما أثار مقتل راعٍ عراقي بعد اكتشافه إحدى القاعدتين غضباً واسعاً داخل البلاد.

وبحسب التقرير، بدأت القضية في الثالث من مارس (آذار) الماضي، عندما خرج الراعي العراقي عوض الشمري، البالغ من العمر 29 عاماً، في رحلة اعتيادية لشراء احتياجات أسرته قرب بلدة النخيب الصحراوية، قبل أن يعثر بالصدفة على موقع عسكري يضم جنوداً ومروحيات وخياماً ومدرجاً للطائرات.

وأفادت مصادر عراقية بأن الشمري أبلغ القيادة العسكرية العراقية بما شاهده، لكن رحلته انتهت بشكل مأساوي بعدما تعرضت شاحنته لإطلاق نار كثيف من مروحية لاحقته في الصحراء؛ ما أدى إلى مقتله وحرق مركبته بالكامل.

وقال ابن عمه، أمير الشمري، إن العائلة عثرت على جثمانه متفحماً بجوار سيارته بعد يومين من البحث، مضيفاً: «أُبلغنا بوجود شاحنة محترقة تشبه شاحنة عوض، لكن لم يجرؤ أحد على الاقتراب منها. وعندما وصلنا وجدنا السيارة والجثة محترقتين».

وأكد مسؤولون عراقيون وإقليميون رفيعو المستوى لـ«نيويورك تايمز» أن إسرائيل تدير قاعدة هناك لدعم عملياتها العسكرية ضد إيران.

قاعدة ثانية

وسبق أن نشرت «صحيفة وول ستريت جورنال» تقريراً، الأسبوع الماضي، نقلاً عن مسؤولين أميركيين، جاء فيه أن «إسرائيل أنشأت موقعاً عسكرياً سرياً في الصحراء العراقية لدعم حملتها الجوية ضد إيران، وأنها شنَّت غارات جوية على قوات عراقية كادت تكتشف الموقع العسكري السري في وقت مبكر من الحرب».

وأبلغ المسؤولون العراقيون صحيفة «نيويورك تايمز» بوجود قاعدة ثانية غير معلنة في الصحراء الغربية للعراق أيضاً.

وأفاد مسؤولون أمنيون إقليميون بأن القاعدة التي عثر عليها الشمري كانت قائمة قبل الحرب الحالية بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، وقد استُخدمت خلال حرب الأيام الـ12 ضد طهران في يونيو (حزيران) 2025، للدعم الجوي والتزود بالوقود وتقديم العلاج الطبي.

وذكر أحد المسؤولين الإقليميين أن القوات الإسرائيلية بدأت الاستعداد لبناء هذه القاعدة المؤقتة منذ أواخر عام 2024، عبر اختيار مواقع نائية يمكن استخدامها في أي مواجهة مستقبلية مع إيران.

«تواطؤ أميركي»

وتشير المعلومات التي تم تبادلها إلى أن إحدى القواعد على الأقل - تلك التي عثر عليها السيد الشمري بالصدفة - كانت معروفة لدى واشنطن منذ يونيو (حزيران) 2025، أو ربما قبل ذلك. وهذا يعني أن الولايات المتحدة أخفت عن العراق حقيقة وجود قوات معادية على أراضيه.

وقال وعد القدو، وهو نائب عراقي حضر جلسة إحاطة برلمانية سرية حول تلك القاعدة: «هذا يُظهر استهتاراً صارخاً بالسيادة العراقية وحكومتها وقواتها، فضلاً عن كرامة الشعب العراقي».

ورفض الجيش الإسرائيلي مراراً التعليق على التقارير الخاصة بهذه القواعد أو على مقتل الشمري.

من جهته، قال اللواء علي الحمداني، قائد «عمليات الفرات الأوسط» في هيئة «الحشد الشعبي»، إن الجيش كان يشك منذ أسابيع بوجود قوات إسرائيلية في المنطقة، موضحاً: «حتى الآن، الحكومة صامتة بشأن الأمر».

إلا أن رئيس خلية الإعلام الأمني بالعراق، سعد معن، صرح لـ«نيويورك تايمز» بأن العراق «لا يملك أي معلومات بشأن مواقع أي قواعد عسكرية إسرائيلية».

وأثارت القضية مخاوف متزايدة من تصاعد التوتر داخل العراق، خصوصاً مع احتمال استغلال الفصائل المسلحة الموالية لإيران لهذه التطورات لتبرير رفضها نزع السلاح أو توسيع نفوذها العسكري.