«قبور حديثة امتلأت بالجثث»... «حزب الله» يتكبد خسائر فادحة وسط انتقادات لبنانية متزايدة

مقتل الآلاف من عناصره ونزوح مئات الآلاف منذ دخوله على خط حرب إيران في مارس

مشيّعون يحملون نعوشاً خلال جنازة أربعة عناصر من «حزب الله» ومدنييْن اثنين وسط وقف مؤقت لإطلاق النار بين لبنان وإسرائيل في قرية معروب بجنوب لبنان 26 أبريل 2026 (رويترز)
مشيّعون يحملون نعوشاً خلال جنازة أربعة عناصر من «حزب الله» ومدنييْن اثنين وسط وقف مؤقت لإطلاق النار بين لبنان وإسرائيل في قرية معروب بجنوب لبنان 26 أبريل 2026 (رويترز)
TT

«قبور حديثة امتلأت بالجثث»... «حزب الله» يتكبد خسائر فادحة وسط انتقادات لبنانية متزايدة

مشيّعون يحملون نعوشاً خلال جنازة أربعة عناصر من «حزب الله» ومدنييْن اثنين وسط وقف مؤقت لإطلاق النار بين لبنان وإسرائيل في قرية معروب بجنوب لبنان 26 أبريل 2026 (رويترز)
مشيّعون يحملون نعوشاً خلال جنازة أربعة عناصر من «حزب الله» ومدنييْن اثنين وسط وقف مؤقت لإطلاق النار بين لبنان وإسرائيل في قرية معروب بجنوب لبنان 26 أبريل 2026 (رويترز)

أظهرت تقديراتٌ خسائر لم يُكشف عنها من قبل من داخل «حزب الله» اللبناني أنه تكبد ثمناً باهظاً بسبب خوض الحرب الأحدث مع إسرائيل، في الثاني من مارس (آذار) الماضي، إذ احتلت إسرائيل جزءاً من جنوب لبنان، وشرّدت مئات الآلاف، وقتلت الآلاف من مقاتلي «حزب الله».

كما أسفرت هذه الخطوة عن عواقب سياسية وخيمة، ففي بيروت زادت حدة المعارضة لتسلُّح «حزب الله»، إذ يَعدّ خصوم الجماعة في لبنان أن هذا التسلح يُعرّض الدولة لحروب متكررة مع إسرائيل، وفقاً لتقرير لوكالة «رويترز» للأنباء.

وفي أبريل (نيسان) الماضي، أجرت الحكومة اللبنانية محادثات مباشرة مع إسرائيل، لأول مرة منذ عقود، في قرارٍ عارضه «حزب الله» بشدة.

ومع ذلك، صرّح أكثر من 12 مسؤولاً في «حزب الله»، لـ«رويترز»، بأنهم يرون «فرصة لقلب الموازين»، بما يرجح كِفة الجماعة، عبر التحالف مع طهران في حربها ضد إسرائيل والولايات المتحدة. وبدأت الجماعة، التي أسسها «الحرس الثوري» الإيراني في عام 1982، إطلاق النار بعد يومين من اندلاع الحرب على إيران بضربات أميركية وإسرائيلية في 28 فبراير (شباط) الماضي.

وقال المسؤولون إن حسابات «حزب الله» تستند إلى تقييمٍ مفاده أن مشاركة الجماعة ستؤدي حتماً إلى جعل لبنان جزءاً من جدول أعمال المفاوضات الأميركية الإيرانية، وأن الضغط الإيراني يمكن أن يضمن وقف إطلاق نار أكثر تماسكاً من ذلك الذي دخل حيز التنفيذ في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024 في أعقاب صراع سابق بين «حزب الله» وإسرائيل اندلع بالتزامن مع الحرب في قطاع غزة.

وتكبدت الجماعة أيضاً خسائر فادحة في ذلك الصراع الذي أسفر عن مقتل الأمين العام لـ«حزب الله» حسن نصر الله، إلى جانب نحو خمسة آلاف مسلَّح، وأضعف من هيمنة تمتَّع بها «حزب الله» لفترة طويلة على شؤون الدولة اللبنانية، وفق «رويترز».

وبعد إعادة التسلح بمساعدة إيرانية، استخدمت جماعة «حزب الله» أساليب جديدة وطائرات مُسيّرة، مما أثار دهشة كثيرين بقدراتها بعد هدنةٍ هشة استمرت 15 شهراً توقَّف خلالها «حزب الله» عن إطلاق النار، حتى مع استمرار إسرائيل في قتل أعضاء الجماعة.

ونفى إبراهيم الموسوي، النائب عن «حزب الله»، أن تكون الجماعة قد تصرفت نيابة عن إيران عندما استأنفت الأعمال القتالية، وهو ما يقوله مُعارضوها. وقال، لـ«رويترز»، إن «حزب الله» رأى فرصة «لكسر هذه الحلقة المفرغة... حيث يستطيع الإسرائيليون استهداف واغتيال وقصف وقتل أي شخص دون أي رد».

وأقرّ الموسوي بالخسائر والأضرار في جنوب لبنان، لكنه قال: «لا ينبغي للمرء التطرق لحسابات من قبيل عددِ مَن سيُقتلون... (عندما تكون) الكرامة والسيادة والاستقلال» على المحك.

ودخل وقف إطلاق النار، الذي توسطت فيه الولايات المتحدة، حيز التنفيذ في 16 أبريل، وأدى إلى تراجع كبير في الأعمال القتالية الكبرى، لكن إسرائيل و«حزب الله» يواصلان تبادل الضربات في الجنوب، حيث تُبقي إسرائيل قوات في «منطقة عازلة» أعلنتها بشكل أحادي الجانب.

وقال يزيد صايغ، وهو باحث كبير في مركز كارنيجي الشرق الأوسط ببيروت، إن «(حزب الله) أظهر ثباتاً أكبر مما كان يعتقد كثيرون أنه ممكن، لكن ذلك لم يكن مكسباً استراتيجياً في حد ذاته».

وأضاف لـ«رويترز»: «الشيء الوحيد الذي سيُحجّم إسرائيل هو اتفاق شامل بين الولايات المتحدة وإيران... ما لم يجرِ إبرام اتفاق، فسيعاني الجميع معاناة شديدة، وفي أحسن الأحوال سيصل الوضع إلى طريق مسدود مؤلم».

* قبور حفرت حديثاً وامتلأت سريعاً

قالت وزارة الصحة اللبنانية إن أكثر من 2600 شخص قُتلوا منذ الثاني من مارس، وإنَّ خُمسهم تقريباً من النساء والأطفال والمُسعفين. ولا تُفرّق البيانات بين المدنيين والمسلّحين.

وقالت ثلاثة مصادر، من بينهم مسؤولان في «حزب الله»، إن بيانات الوزارة لا تشمل كثيراً من قتلى الجماعة. وذكرت المصادر أن عدة آلاف من مقاتلي «حزب الله» قُتلوا، لكن الجماعة ليس لديها إحصاء نهائي بعدُ.

وفي بيان لـ«رويترز»، نفت العلاقات الإعلامية في «حزب الله» الأرقام التي ذكرتها المصادر، وقالت إن أرقام وزارة الصحة اللبنانية تشمل أعضاءه الذين قُتلوا في الغارات الإسرائيلية. وذكر أحد المصادر، وهو قائد عسكري في «حزب الله»، أن عشرات المقاتلين توجهوا إلى بلدتيْ بنت جبيل والخيام الواقعتين على خط المواجهة عازمين على القتال حتى الموت. ولم يجرِ انتشال جثثهم حتى الآن.

وفي الضاحية الجنوبية لبيروت، التي يسيطر عليها «حزب الله»، امتلأ أكثر من 20 قبراً حديث الحفر بجثث مقاتلين، في الأيام التي أعقبت سَرَيان وقف إطلاق النار. وتشير شواهد قبور بسيطة من الرخام إلى أن بعضهم قادة، والبعض الآخر من المقاتلين.

وفي قرية ياطر وحدها بجنوب لبنان، جرى تسجيل مقتل 34 مقاتلاً من «حزب الله».

وتعمل إسرائيل على ترسيخ سيطرتها على منطقة تأمين تمتد لمسافة تصل إلى 10 كيلومترات داخل لبنان، وتهدم القرى قائلة إنها تهدف إلى حماية شمال إسرائيل من هجمات مسلّحي «حزب الله» المتمركزين في المناطق المدنية.

وقال مسؤول في الحكومة الإسرائيلية إن «حزب الله» انتهك وقف إطلاق النار المعلَن في نوفمبر 2024 بإطلاق النار على مواطنين إسرائيليين في الثاني من مارس. وأضاف أن التهديد الذي يواجه شمال إسرائيل سيجري القضاء عليه، مشيراً إلى مقتل الآلاف من مسلَّحي «حزب الله»، وأن إسرائيل تعمل بثبات على تدمير البنية التحتية للجماعة.

ويقول الجيش الإسرائيلي إن «حزب الله» أطلق مئات الصواريخ والطائرات المُسيرة على إسرائيل منذ الثاني من مارس. وأعلنت إسرائيل مقتل 17 جندياً في جنوب لبنان، إلى جانب مدنيين اثنين في شمال إسرائيل.

ويواصل «حزب الله» الهجمات قائلاً إن وقف إطلاق النار المعلَن في أبريل لا معنى له، مشيراً إلى استمرار الغارات الإسرائيلية.

* إيران «لن تبيع» أصدقاءها

وصف دبلوماسي على اتصال مع «حزب الله» قرار دخول الجماعة في الحرب بأنه مغامرة كبيرة واستراتيجية للبقاء، قائلاً إنها شعرت بأنه من الضروري أن تكون جزءاً من المشكلة حتى تصبح طرفاً في أي حل على المستوى الإقليمي، في نهاية المطاف.

ولم يتضح بعدُ ما إذا كانت هذه المجازفة ستؤتي ثمارها.

وتُطالب طهران بجعل وقف الهجمات الإسرائيلية على «حزب الله» جزءاً من أي اتفاق لإنهاء الحرب الأوسع نطاقاً، لكن الرئيس الأميركي دونالد ترمب قال، الشهر الماضي، إن أي اتفاق تتوصل إليه واشنطن مع طهران «لا يشمل لبنان بأي شكل من الأشكال».

وردّاً على أسئلة من «رويترز»، أشار المتحدث باسم وزارة الخارجية الباكستانية طاهر أندرابي إلى بيانٍ صدر في 16 أبريل قال فيه إن السلام في لبنان ضروري للمحادثات التي تتوسط فيها إسلام آباد بين الولايات المتحدة وإيران. وقال مسؤول غربي إنهم يرون احتمالاً بأن تتوصل الولايات المتحدة وإيران، في نهاية المطاف، إلى تسويةٍ لا تتطرق إلى الحرب في لبنان.

ولم تردَّ وزارة الخارجية الأميركية ولا بعثة إيران لدى الأمم المتحدة في جنيف ولا الحكومة اللبنانية بعدُ على طلبات للتعليق بهذا الشأن.

وقال الموسوي النائب عن «حزب الله» إن وقف إطلاق النار في لبنان لا يزال أولوية قصوى لإيران، مضيفاً أن طهران تُشاطر لبنان أهدافه، بما في ذلك وقف إسرائيل هجماتها والانسحاب من لبنان. وأضاف أن «(حزب الله) يثق ثقة تامة في إيران، وأن الإيرانيين لن يبيعوا أصدقاءهم».

وردّاً على أسئلة لـ«رويترز»، أشارت وزارة الخارجية الأميركية إلى مقابلةٍ أجراها الوزير ماركو روبيو مع «فوكس نيوز» في 27 أبريل، قال فيها إن لإسرائيل الحق في الدفاع عن نفسها في مواجهة هجمات «حزب الله»، وإنه يستبعد أن تكون إسرائيل راغبة في الإبقاء على المنطقة العازلة في لبنان إلى أجل غير مسمى. وقال روبيو أيضاً إن الولايات المتحدة حثت إسرائيل «على التأكد من أن ردودها متناسبة ومحددة الأهداف».

وعندما أُعلن وقف إطلاق النار في 16 أبريل، قال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إن نزع سلاح «حزب الله» سيكون مطلباً أساسياً في أي محادثات سلام مع لبنان.

لكن «حزب الله» استبعد إلقاء سلاحه قائلاً إن مسألة التسلح تخضع فقط للحوار الوطني. ومِن شأن أي تحرك من جانب لبنان لنزع سلاح الجماعة بالقوة أن يشعل الصراع في بلدٍ عانى الحرب الأهلية من عام 1975 إلى 1990.

ويسعى الرئيس اللبناني جوزيف عون، ورئيس الوزراء نواف سلام، منذ العام الماضي، إلى نزع سلاح «حزب الله» سلمياً. وفي الثاني من مارس، حظرت الحكومة الأنشطة العسكرية لـ«حزب الله».

ويطالب «حزب الله» الحكومة بإلغاء هذا القرار وإنهاء محادثاتها المباشرة مع إسرائيل.

وقال مسؤولون لبنانيون، لـ«رويترز»، إنهم يعتقدون أن المحادثات المباشرة مع إسرائيل، برعاية الولايات المتحدة، هي أفضل سبيل لضمان وقف إطلاق نار دائم وانسحاب القوات الإسرائيلية، إذ إن واشنطن وحدها تمتلك النفوذ اللازم على إسرائيل لتحقيق هذين الهدفين.


مقالات ذات صلة

«حزب الله»: العقوبات الأميركية لن تثنينا عن «المقاومة» ونفتخر بعلاقتنا مع إيران

المشرق العربي مناصرة لـ«حزب الله» تشارك في حراك معارض لمسار التفاوض اللبناني مع إسرائيل الذي تمضي به الدولة اللبنانية (إ.ب.أ) p-circle

«حزب الله»: العقوبات الأميركية لن تثنينا عن «المقاومة» ونفتخر بعلاقتنا مع إيران

قال «حزب الله» إن العقوبات الأميركية لن تثنيه عن التمسك بـ«خيار المقاومة» في مواجهة إسرائيل، مؤكداً اعتزازه بعلاقته مع داعمته طهران.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي رئيس الحكومة اللبناني نواف سلام خلال زيارته الجيش اللبناني في جنوب البلاد اليوم (الوكالة الوطنية للإعلام)

سلام: وجود الجيش اللبناني في الجنوب حضور للدولة لا مجرد انتشار عسكري

أكد رئيس الحكومة اللبنانية، نواف سلام، اليوم الجمعة، أن وجود الجيش في الجنوب «ليس مجرد انتشار عسكري، بل حضور للدولة».

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي مبنى وزارة الخزانة الأميركية في واشنطن العاصمة (رويترز)

وزارة الخزانة الأميركية تفرض عقوبات على شبكة تنقل أموالاً إلى «حزب الله»

أعلن مكتب مراقبة الأصول الأجنبية، التابع لوزارة الخزانة الأميركية، فرض عقوبات على 10 أفراد يشكلون جزءاً من شبكة مسؤولة عن تحويل الأموال إلى «حزب الله».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
المشرق العربي نقطة تفتيش للجيش اللبناني على مدخل بلدة زوطر الغربية أولى المناطق النموذجية في جنوب لبنان (الشرق الأوسط)

إسرائيل تحاول قضم «علي الطاهر» تدريجياً بعد رفض «حزب الله» إخلاءها

تحاول إسرائيل تنفيذ قضم تدريجي لمرتفعات «علي الطاهر» بموازاة ضغوط دبلوماسية على الدولة اللبنانية و«حزب الله» الذي يرفض بالمطلق أي نقاش حول إخلاء المنشأة.

نذير رضا (بيروت)
المشرق العربي البابا ليو الرابع عشر يستقبل الرئيس اللبناني جوزيف عون في الفاتيكان (الرئاسة اللبنانية) p-circle

الفاتيكان يعرب عن قلقه حيال «صعوبات» تطبيق اتفاق الإطار بين لبنان وإسرائيل

أعرب الفاتيكان عن قلقه حيال «صعوبات» تواجه تطبيق اتفاق الإطار بين إسرائيل ولبنان والذي تمّ التوصل إليه في يونيو (حزيران) بوساطة الولايات المتحدة.

«الشرق الأوسط» (الفاتيكان)

قبل 6 أيام من الاغتيال... خدام قال للحريري: «غادر لبنان» فرد: «لديّ انتخابات»

عبد الحليم خدام مع رفيق الحريري في يونيو 2001 (أ.ف.ب)
عبد الحليم خدام مع رفيق الحريري في يونيو 2001 (أ.ف.ب)
TT

قبل 6 أيام من الاغتيال... خدام قال للحريري: «غادر لبنان» فرد: «لديّ انتخابات»

عبد الحليم خدام مع رفيق الحريري في يونيو 2001 (أ.ف.ب)
عبد الحليم خدام مع رفيق الحريري في يونيو 2001 (أ.ف.ب)

قبل ستة أيام من اغتيال رفيق الحريري، يروي عبدالحليم خدام في مذكراته أنه جلس إلى رئيس الحكومة اللبنانية السابق في منزله ببيروت، على غداء غلب عليه القلق، وأنه كرر عليه نصيحة واحدة: غادر لبنان فوراً.

بحسب المذكرات التي حررها وقدّمها الزميل إبراهيم حميدي، رئيس تحرير الشقيقة «المجلة»، وتصدر عن دار «رف» التابعة للمجموعة السعودية للأبحاث والإعلامSRMG مطلع سبتمبر (أيلول)، تبدأ القصة قبل ذلك بأسابيع.

غلاف الكتاب

في يناير (كانون الثاني) 2005، وخلال اجتماع للقيادة القطرية لحزب «البعث» الحاكم في القصر الجمهوري السوري كان جدول أعماله تنظيميًا، قال بشار الأسد لأعضاء القيادة: «هناك مؤامرة أميركية - فرنسية على سوريا، ورفيق الحريري متورط بها». يقول خدام إنه فوجئ كما فوجئ الأعضاء بهذا الحديث الخطير، وإنه بعد يومين حمّل وزير الدفاع اللبناني الأسبق محسن دلول رسالة شفهية إلى الحريري مفادها أن وضعه معقد وعليه مغادرة لبنان فوراً.

وفي 8 فبراير (شباط) 2005، توجه خدام إلى بيروت لإجراء فحوصات طبية في مستشفى الجامعة الأميركية، ثم لبّى دعوة الحريري إلى الغداء. كان الرجل قلقاً، وسأله عن الرسالة التي نقلها دلول، فشرح له الوضع ونصحه بالمغادرة فوراً. أجاب الحريري: «لدي انتخابات... كيف أترك الناس وأغادر؟»، فردّ خدام: «حياتك أهم من الناس، وعائلتك أهم من الانتخابات».

وتسجل المذكرات تفصيلين لافتين من ذلك الغداء. الأول سؤال الحريري عن دور ماهر الأسد، إذ روى أن عوني الكعكي، صاحب جريدة «الشرق»، أبلغه أن ماهر الأسد حريص على إقامة علاقة معه ومستعد لحل الإشكالات القائمة بينه وبين الرئيس، وأنه يعدّه «صديقاً وفياً لسوريا». وكان تعليق خدام: «يجب أن تكون حذراً وتغادر لبنان». والثاني جواب الحريري عن سؤال الحماية: «كان لدي خمسون عنصر حراسة فسحبوهم وأبقوا على ستة عناصر فقط».

بعد ستة أيام، وبينما كان خدام في اجتماع للقيادة القطرية بدمشق يوم 14 فبراير، شاهد على شاشة التلفزيون في مكتب أحد رفاقه خبراً عاجلاً عن انفجار كبير في بيروت قرب البنك البريطاني، ثم أذيع أن الانفجار استهدف موكب الحريري وأنه قضى مع حراسه وعدد من المواطنين.

يروي خدام أنه أبلغ الرئاسة عزمه التوجه إلى بيروت للتعزية، فجاءه الرد عبر مدير مكتب الرئيس: «إذا أردت أن تذهب فاذهب بصفتك الشخصية».

عبد الحليم خدام مشاركاً في تشييع الحريري في 16 فبراير 2005 (أ.ف.ب)

وذهب فعلًا مع زوجته وولديه، فيما قرر النظام مقاطعة الجنازة ومجلس العزاء، وصدرت الصحف الرسمية السورية بعنوان «انفجار كبير في بيروت» من دون أن يتصدر اسم الحريري صفحاتها الأولى، مكتفية في متن الخبر بالإشارة إلى أنه كان «من بين» الضحايا - تفصيل يقول خدام إنه زاد في توجيه الاتهام إلى بشار الأسد.

وتضيء المذكرات على محطة سبقت الغداء بأربعة أشهر: محاولة اغتيال الوزير مروان حمادة، حليف وليد جنبلاط، في مطلع أكتوبر (تشرين الأول) 2004، التي يصفها خدام بأنها كانت «إنذاراً موجهاً لكل المعارضين للرئيس لحود في لبنان».

عبد الحليم خدام مع وليد جنبلاط أمام المستشفى الذي نقل إليه مروان حمادة إثر محاولة اغتياله مطلع 2004 (أ.ف.ب)

ويروي أنه اتصل في اليوم التالي بالعميد رستم غزالة، رئيس الاستخبارات العسكرية السورية في لبنان، ليبلغه أنه قادم إلى بيروت لزيارة حمادة، ثم توجه إلى مستشفى الجامعة الأميركية حيث استقبله جنبلاط وأركان حزبه ومعهم جبران تويني، فيما كان المصاب في غرفة العمليات.

ويلفت خدام إلى أن اتصاله المباشر بالرئيس كان قد انقطع عملياً منذ أواخر أكتوبر 2004، وصارت الاتصالات تجري عبر مدير مكتبه أو بالرسائل الخطية.

عبد الحليم خدام إلى جانب بشار الأسد خلال اجتماع في يونيو 2005 (أ.ف.ب)

قوة هذه الشهادة في موقعها من سلسلة وقائع موثقة علناً: التمديد للحود، القرار 1559، ومحاولة اغتيال مروان حمادة التي يروي خدام أنه زار على أثرها المستشفى برفقة وليد جنبلاط، ثم الحملة السياسية والإعلامية على الحريري، فالاغتيال.

المذكرات لا تضيف حكماً. تضيف حلقة من داخل الغرفة، وعدّاً تنازلياً مكتملاً: اتهام في القيادة، فرسالة تحذير، فغداء أخير، فانفجار 14 فبراير. تفاصيل الغداء الأخير والرسائل التي سبقته ترد كاملة في فصل «اغتيال رفيق الحريري» من الكتاب.


لبنان: غارات إسرائيلية على كفررمان وعلي الطاهر وقصف وتدمير منازل بقرى جنوبية

تصاعد الدخان بعد قصف دبابات إسرائيلية لمبنى في منطقة وادي السلوكي... كما يُرى من قرية شقرا جنوب لبنان (إ.ب.أ)
تصاعد الدخان بعد قصف دبابات إسرائيلية لمبنى في منطقة وادي السلوكي... كما يُرى من قرية شقرا جنوب لبنان (إ.ب.أ)
TT

لبنان: غارات إسرائيلية على كفررمان وعلي الطاهر وقصف وتدمير منازل بقرى جنوبية

تصاعد الدخان بعد قصف دبابات إسرائيلية لمبنى في منطقة وادي السلوكي... كما يُرى من قرية شقرا جنوب لبنان (إ.ب.أ)
تصاعد الدخان بعد قصف دبابات إسرائيلية لمبنى في منطقة وادي السلوكي... كما يُرى من قرية شقرا جنوب لبنان (إ.ب.أ)

شن الطيران الحربي الإسرائيلي صباح اليوم (السبت)، سلسلة غارات على دوحة كفررمان جنوب لبنان، كما شن غارة على محيط مرتفعات علي الطاهر.

وفجراً، شهدت بلدة المنصوري ومحيط بلدة بيوت السياد وأطراف مجدل زون في جنوب لبنان، قصفاً مدفعياً إسرائيلياً عنيفاً.

وواصل الجيش الإسرائيلي اعتداءاته على الجنوب، بحيث قام ليلاً بعمليات تفجير واسعة شملت قرى وبلدات المنصوري ومجدل زون وبيوت السياد التي لم يبقَ فيها منزل واحد من دون تدمير.

وشهدت بلدات حداثا وييت ياحون وعيتا الجبل عمليات تفجير مماثلة، بالإضافة إلى عمليات تمشيط بالأسلحة الرشاشة مع الأودية المجاورة لها، ترافقت مع تحليق متواصل للطيران المسير في أجواء قرى وبلدات القطاعين الغربي والأوسط.

وكان الطيران الإسرائيلي قد شنّ مساء الجمعة، سلسلة غارات على مناطق في جنوب لبنان، مستهدفاً تلة علي الطاهر وحي الدير في النبطية الفوقا ومنطقة الدبشة.


عقوبات على «حزب الله» تختبر الدولة اللبنانية


صورة تُظهِر حجم الدمار في إحدى مدارس لبنان (الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان)
صورة تُظهِر حجم الدمار في إحدى مدارس لبنان (الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان)
TT

عقوبات على «حزب الله» تختبر الدولة اللبنانية


صورة تُظهِر حجم الدمار في إحدى مدارس لبنان (الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان)
صورة تُظهِر حجم الدمار في إحدى مدارس لبنان (الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان)

تضع العقوبات الأميركية الجديدة على «حزب الله» الدولة اللبنانية ومؤسساتها أمام اختبار دقيق، بعدما استهدفت شبكة متهمة بنقل ملايين الدولارات إلى الحزب، في إطار مقاربة أميركية جديدة لطبيعة الحزب وعلاقته بالدولة. وتفرض الخطوة تحديات على المؤسسات المالية والأمنية والقضائية لجهة ضبط حركة الأموال والتحويلات، وتطبيق الالتزامات من دون تعميق الأزمة الداخلية.

وفي الجنوب، ربط رئيس الحكومة نواف سلام استعادة الدولة سلطتها بمسار يتجاوز الانتشار العسكري، مؤكداً أنَّ المطلوب أن يكون الجنوب «تحت السلطة الواحدة»، وأنَّ «السيادة التي نستعيدها أمنياً يجب ترسيخها اقتصادياً واجتماعياً».

وتتقدم «عودة الدولة» عبر برامج للتعافي، وإعادة تشغيل المدارس، ودعم المزارعين، ومساعدة العائلات المتضررة، لكنَّها لا تزال تصطدم بفجوة كبيرة بين حجم الأضرار والتمويل المتاح، في حين تعمل الحكومة على تثبيت حضور مؤسساتها وخدماتها وإعادة الإعمار في الجنوب.