تركيا تحدد أولوياتها في «معركة حلب»: منع النزوح... والتصدي لـ«قسد»

اعتبرت تحركات الفصائل المسلحة نتيجة لـ«الاستهداف الروسي - السوري»

TT

تركيا تحدد أولوياتها في «معركة حلب»: منع النزوح... والتصدي لـ«قسد»

أحد مقاتلي الفصائل المسلحة يتجه إلى حلب بينما الدخان يتصاعد من قلب المدينة (أ.ف.ب)
أحد مقاتلي الفصائل المسلحة يتجه إلى حلب بينما الدخان يتصاعد من قلب المدينة (أ.ف.ب)

بعد أيام من الصمت الرسمي، حدّدت تركيا أولوياتها في «معركة حلب» التي أشعلتها تحركات لفصائل سورية مسلحة، وتركزت على «منع أي موجة جديدة من النزوح إلى أراضيها»، وكذلك التصدي لـ«قوات سوريا الديمقراطية (قسد)» التي يشكل قوامها «وحدات حماية الشعب الكردي» المناوئة لأنقرة من الوجود على حدودها.

وأطلقت فصائل مسلحة أبرزها «هيئة تحرير الشام» ومجموعات أخرى بعضها موالٍ لأنقرة، قبل أيام، معركة سميت «ردع العدوان» لانتزاع السيطرة على ثانية كبرى المدن السورية من الجيش السوري، وتوسيع مناطق سيطرتها شمال غربي سوريا.

كما حدّدت تركيا ضمن أولوياتها في خضم التطورات الراهنة، الحفاظ على وضع إدلب واستقرارها وأمن الحدود التركية، ومنع أي موجة جديدة من النزوح إلى أراضيها.

واعتبر مسؤولون أتراك أن تحركات الفصائل المسلحة باتجاه حلب، نتيجة لـ«تصعيد الهجمات والاستهدافات من جانب القوات الروسية والسورية على مواقع الفصائل في إدلب»، خلال أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، التي عدتها «إضراراً بروح وعمل اتفاقيات مسار أستانة للحل السياسي في سوريا» الذي أدى عملياً إلى توقف الحرب وحافظ على الهدوء في سوريا طوال 4 سنوات تقريباً.

ورقة منبج

وكان لافتاً، أيضاً، عودة تركيا إلى إبراز ورقة منبج وتل رفعت الخاضعتين لسيطرة قوات «قسد»، والحديث عن ازدياد الهجمات الإرهابية فيها، وحديث الرئيس رجب طيب إردوغان، خلال الأسابيع الأخيرة، عن عملية عسكرية تركية محتملة ضد «قسد» في شمال سوريا.

وفيما يتعلق بعملية «ردع العدوان»، نفى وزير الخارجية التركي، هاكان فيدان، انخراط بلاده في الصراعات الدائرة في حلب، مؤكداً في الوقت ذاته أنها «تتخذ احتياطاتها»، وستتجنب أي إجراء قد يؤدي إلى «موجة هجرة جديدة».

وأكد فيدان، خلال كلمة في منتدى إعلامي في إسطنبول، السبت، أن تركيا لن تسمح أبداً لـ«البنية الإرهابية في سوريا أن تتحول إلى دولة»، وهي إشارة صريحة إلى موقف تركيا من وجود «قسد» على حدودها.

وكرر فيدان الانتقادات التركية للدعم الأميركي لوحدات حماية الشعب الكردية، قائلاً: «شريان حياة التنظيمات الإرهابية في المنطقة في أيدي الولايات المتحدة، ولا يمكن أن تستمر هذه التنظيمات حتى لثلاثة أيام من دون الدعم الأميركي».

تحريك الفصائل

وتواكب مع الإفادات التركية، إعلان الفصائل المسلحة الموالية لها في شمال غربي سوريا، السبت، أنها دشَّنت عملية عسكرية جديدة ضد «تنظيمات مسلحة كردية» والجيش السوري.

وجاء في بيان عن تلك الفصائل أنها أطلقت عملية «فجر الحرية»؛ بهدف ما قالت إنه «تحرير المناطق المغتصبة» من قبل الجيش السوري، ومسلحي «حزب العمال الكردستاني».

وأضاف البيان أنها شاركت في عملية «تحرير» مدينة حلب، مشيراً إلى أنها «خطوة نحو تحقيق الهدف الأسمى، وهو تحرير كامل الأراضي السورية».

وأكد البيان التزام الفصائل الموالية لتركيا «بوحدة واستقلال الأراضي السورية، ورفض كل أشكال الاحتلال والتقسيم».

وقبيل تلك التحركات العسكرية، قال المتحدث باسم الخارجية التركية، أونجو كيتشالي، إن «الحفاظ على السلام في إدلب والمنطقة المجاورة الواقعة عند نقطة الصفر من الحدود التركية، هو قضية ذات أولوية بالنسبة لتركيا».

وفي تحميل للمسؤولية عن التحرك الأخير لـ«تحرير الشام» والفصائل المسلحة باتجاه حلب لكل من دمشق وموسكو، قال كيتشالي، في بيان عبر حسابه الرسمي في «إكس» مساء الجمعة: «منذ عام 2017، تم التوصل إلى بعض الاتفاقيات بشأن منطقة خفض التصعيد في إدلب (اتفاق منطقة خفض التصعيد بين تركيا وروسيا المعروف باسم (بوتين - إردوغان)، وتفي تركيا (بدقة) بمتطلبات هذه الاتفاقيات، التي هي طرف فيها».

أحد مقاتلي الفصائل المسلحة يتجه إلى حلب بينما الدخان يتصاعد من قلب المدينة (أ.ف.ب)

وفيما يعد تبريراً لتحرك الفصائل، قال المتحدث: «وجهنا التحذيرات اللازمة على مختلف المنابر الدولية بأن الهجمات الأخيرة على إدلب (الغارات الجوية الروسية والهجمات السورية في أكتوبر)، قد وصلت إلى مستوى من شأنه أن يضر بروح وعمل اتفاقيات أستانة، ويتسبب في خسائر فادحة في صفوف المدنيين، وأشرنا إلى أنه يجب وقف هذه الهجمات... وفي واقع الأمر، فإن الصراعات التي وقعت في الأيام الأخيرة تسببت في زيادة غير مرغوب فيها في التوتر في المنطقة».

ووقعت تركيا تفاهمين مع كل من أميركا وروسيا تضمن إبعاد وحدات حماية الشعب الكردية عن حدودها الجنوبية مسافة 30 كيلومتراً، وبموجبهما أوقفت تركيا عملية «نبع السلام» العسكرية، التي كانت قد أطلقتها ضد مواقع «قسد» في شرق الفرات في شمال شرقي سوريا في أكتوبر 2019، وتتهم أنقرة كلاً من واشنطن وموسكو بعدم الوفاء بالتزاماتهما الواردة في التفاهمين.

مساعٍ من أجل إدلب

وعقد عسكريون روس وأتراك عدداً من الاجتماعات في إدلب الشهر الماضي، ركزت على العودة للتهدئة وفتح طرق التجارة وطريق حلب - اللاذقية الدولي (إم 4)، وحلب - دمشق الدولي (إم 5)، وذلك قبل انعقاد الاجتماع 22 لمسار أستانة في 11 و12 نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي.

وتعتبر تركيا الحفاظ على الهدوء في إدلب أولوية لعدم رغبتها في موجة نزوح واسعة جديدة من اللاجئين إلى حدودها فراراً من التصعيد العسكري.

وفي إشارة لافتة إلى التوتر في مناطق سيطرة «قسد» في شمال سوريا، قال المتحدث التركي: «من ناحية أخرى نراقب بعناية ازدياد الهجمات التي تستهدف المدنيين، وضد تركيا، من قبل التنظيمات الإرهابية (يقصد وحدات حماية الشعب الكردية أكبر مكونات «قسد») في مدينتي تل رفعت ومنبج، التي تحاول الاستفادة من بيئة عدم الاستقرار الحالية».

وقال إن «حقيقة أن الاتفاقات التي تم التوصل إليها سابقاً مع أصحاب المصلحة والجهات المعنية (أميركا وروسيا)، لإنهاء الوجود الإرهابي في هذه المناطق لم يتم الوفاء بها، تزيد من مخاوفنا».

وأضاف: «نتابع التطورات من كثب، في إطار الأهمية التي نعلقها على وحدة سوريا وسلامة أراضيها، والأولوية التي نعطيها لمكافحة الإرهاب».

لماذا منبج وتل رفعت؟

والعودة إلى قضية منبج وتل رفعت، أثارها الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، أكثر من مرة في الأسابيع الأخيرة، وهدّد بشن عملية عسكرية في شمال سوريا تستهدف مواقع «قسد»، وتستهدف إكمال «الحزام الأمني» بطول الحدود مع سوريا بعمق 30 إلى 40 كيلومتراً داخل الأراضي السورية، لـ«منع أي تهديد لحدود تركيا وأمن شعبها».

وأعقب ذلك، لفت الانتباه إلى منبج وتل رفعت في خضم توغل الفصائل في حلب، لتعيد تركيا بذلك طرح مطالبها بإخراج وحدات حماية الشعب الكردية من المدينتين، وهو ما يعد استغلالاً لتغيير الوضع في ظل تقدم الفصائل.

قوات تركية تدخل شمال حلب أثناء عملية «درع الفرات» في 2016 (أرشيفية)

وتسيطر «قسد» على تل رفعت ومنبج التي يتحكم فيها مجلس منبج العسكري التابع لها، واشترطت تركيا في تفاهم سابق حول منبج مع الولايات المتحدة عندما أرادت شن عملية عسكرية للسيطرة على المدينة في 2018، إخراج «قسد» منها، وإبعادها 30 كيلومتراً عن حدودها الجنوبية، وتكرر الأمر بالنسبة لـ«تل رفعت»، التي سيطرت عليها «قسد»، مستغلة القصف الروسي على مواقع المسلحين السوريين في 2016، ولم تنجح تركيا في فرض السيطرة عليها رغم سيطرتها على عفرين (شرق حلب)، في عملية «غصن الزيتون» التي نفذتها في 2018، بضوء أخضر من روسيا.

وظلت «تل رفعت» جيباً مؤرقاً لتركيا، بعدما أخلت روسيا عفرين من جنودها الذين كانوا منتشرين فيها قبل العملية التركية وجمعتهم في تل رفعت، ما جعلها ملاذاً لمقاتلي وحدات حماية الشعب الكردية.

وبعد أيام على انطلاق عملية «نبع السلام» في شمال شرقي سوريا في 9 أكتوبر 2019، وسيطرة القوات التركية على تل أبيض ورأس العين عادت التحذيرات الأميركية والروسية، ما دفع تركيا للانخراط في مفاوضات مع واشنطن وموسكو، كل على حدة، أسفرت عن تفاهمين تضمنا تعهدات أميركية وروسية بإخلاء المنطقة الحدودية بعمق 30 كيلومتراً من مقاتلي «قسد»، وكذلك الحال بالنسبة لمنطقتي منبج وتل رفعت، وانتشار قوات من الجيش السوري في محيط منبج، لكن تركيا تقول إن التفاهمين لم يتحققا حتى الآن وأن واشنطن وموسكو لم تلتزما بما تم الاتفاق عليه.


مقالات ذات صلة

الأمم المتحدة: الرئيس السوري ووزيران كانوا هدفاً لخمس محاولات اغتيال فاشلة من «داعش»

المشرق العربي الرئيس السوري أحمد الشرع مع وزير الخارجية أسعد الشيباني ووزير الداخلية السوري أنس حسن خطاب (سانا)

الأمم المتحدة: الرئيس السوري ووزيران كانوا هدفاً لخمس محاولات اغتيال فاشلة من «داعش»

أفاد الأمين العام للأمم المتحدة، في تقرير حول التهديدات التي يشكلها «داعش»، أن الرئيس السوري ووزير الداخلية ووزير الخارجية كانوا هدفاً لخمس محاولات اغتيال فاشلة

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
خاص سوريون يحتفلون في الساحات العامة بسقوط نظام الأسد 8 ديسمبر 2025 (الشرق الأوسط)

خاص معارك الظل في سوريا... محاربة «داعش» وإعادة بناء الدولة

بين واجهة احتفالية مصقولة وعمق اجتماعي منهك وتحديات أمنية هائلة تواجه سوريا سؤالاً مفتوحاً حول قدرة الدولة الناشئة على التحول من حالة فصائلية إلى مفهوم الدولة.

بيسان الشيخ (دمشق)
المشرق العربي جانب من عملية تسليم جنود النظام السابق أسلحتهم لقوات الحكومة الجديدة في اللاذقية يوم 16 ديسمبر 2024 (نيويورك تايمز)

بناء الجيش أحد أكبر التحديات التي تواجه الحكومة السورية

يتمثل أحد أكبر التحديات التي تواجه الحكومة السورية الناشئة في إعادة بناء القوات العسكرية في البلاد.

رجاء عبد الرحيم (حلب، سوريا)
المشرق العربي جندي من وزارة الدفاع السورية خلال جولة داخل ما كانت يوماً قاعدة عسكرية إيرانية جنوب حلب (أ.ف.ب)

خفايا الانسحاب الإيراني من سوريا... أفرغوا المراكز وهربوا عبر «حميميم»

أبلغ قائد إيراني مسؤول عن ضباط وجنود سوريين يخدمون تحت إمرته أنه «بعد اليوم لن يكون هناك (حرس ثوري) إيراني في سوريا».

«الشرق الأوسط» (دمشق)
أوروبا وزير الخارجية السابق ديفيد لامي زار دمشق في يوليو الماضي والتقى الشرع وعدد من المسؤولين السوريين  (وزارة الخارجية البريطانية)

بريطانيا تحذف «هيئة تحرير الشام» السورية من قائمة المنظمات الإرهابية

قالت بريطانيا إنها قررت حذف «هيئة تحرير الشام» السورية من قائمة المنظمات الإرهابية، مشيرة إلى أن هذا القرار سيسمح بتعزيز التواصل مع الحكومة السورية الجديدة.

«الشرق الأوسط» (لندن)

العراق وروسيا يبحثان تبادل محكومين بالسجون

وزير العدل العراقي خالد شواني (واع)
وزير العدل العراقي خالد شواني (واع)
TT

العراق وروسيا يبحثان تبادل محكومين بالسجون

وزير العدل العراقي خالد شواني (واع)
وزير العدل العراقي خالد شواني (واع)

دعا وزير العدل العراقي خالد شواني، الأربعاء، حكومة روسيا إلى أهمية تنظيم ملف تبادل المحكومين بين بغداد وموسكو، ولا سيما الذين تم تسلّمهم مؤخراً من الأراضي السورية ضمن إجراءات رسمية معتمدة عبر اتفاقية قانونية واضحة.

وشدد وزير العدل العراقي، خلال استقباله سفير روسيا لدى العراق ألبروس كوتراشيف، على أهمية «تنظيم هذا الملف عبر اتفاقية قانونية واضحة وفق الضوابط المعتمدة».

من جانبه، أعرب السفير الروسي عن استعداد بلاده للمضي قدماً في إجراءات إبرام الاتفاقية، بما يشمل النزلاء الروس الموجودين في السجون العراقية، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

كما أكد حرص روسيا على تطوير علاقاتها مع العراق في مختلف المجالات، ولا سيما في الجوانب القانونية والعدلية.

وحسب بيان لوزارة العدل، جرى خلال اللقاء بحث إمكانية إبرام اتفاقية ثنائية لنقل المحكومين بين بغداد وموسكو، لا سيما في ظل وجود عدد من النزلاء من الجنسية الروسية داخل المؤسسات الإصلاحية العراقية فضلاً عن الذين تم تسلّمهم مؤخراً من الأراضي السورية ضمن إجراءات رسمية معتمدة بعد استكمال الإجراءات القانونية بحقهم.

وكان وكيل وزارة الخارجية العراقي هشام العلوي، صرّح، الثلاثاء، بأن بعض الدول أبدت استعدادها لتسلّم مواطنيها المنتمين إلى تنظيم «داعش» الذين نُقلوا من سوريا إلى العراق، فيما امتنعت دول أخرى من الرد على مطالب العراق.

وقال العلوي، في تصريحات صحافية: «نُجري اتصالات رسمية مع حكومات للدول المعنية عبر سفاراتها وممثلياتها الدبلوماسية لإشعارها بوجود رعاياها المحتجزين وتنظم التواصل القنصلي وتبادل المعلومات القانونية وفق الاتفاقيات الدولية».

وكان العراق قد أعلن رسمياً تسلّم 5704 من عناصر «داعش» من السلطات السورية عبر التحالف الدولي لإيداعهم في السجون العراقية يمثّلون 61 دولة بينهم 130 يحملون الجنسية الروسية.


تعيين رئيس أركان الجيش يقسم البرلمان العراقي

البرلمان العراقي صوّت على تثبيت الفريق أول عبد الأمير يار الله (الثاني من اليسار) رئيساً لأركان الجيش (وزارة الدفاع)
البرلمان العراقي صوّت على تثبيت الفريق أول عبد الأمير يار الله (الثاني من اليسار) رئيساً لأركان الجيش (وزارة الدفاع)
TT

تعيين رئيس أركان الجيش يقسم البرلمان العراقي

البرلمان العراقي صوّت على تثبيت الفريق أول عبد الأمير يار الله (الثاني من اليسار) رئيساً لأركان الجيش (وزارة الدفاع)
البرلمان العراقي صوّت على تثبيت الفريق أول عبد الأمير يار الله (الثاني من اليسار) رئيساً لأركان الجيش (وزارة الدفاع)

اندلع سجال حاد تحت قبة البرلمان العراقي، أمس (الثلاثاء)، خلال تصويت على تثبيت رئيس أركان الجيش، في مشهد عكس عمق الانقسامات السياسية التي تحيط بتعيين كبار المسؤولين، ولا سيما في المواقع العسكرية الحساسة.

وأظهر مقطع فيديو متداول على نطاق واسع رئيس مجلس النواب هيبت الحلبوسي وهو يدخل في نقاش صاخب مع نائبه الثاني فرهاد الأتروشي، تخللته عبارات حادة واعتراضات على إدراج فقرة التصويت ضمن جدول الأعمال، قبل أن يتطور التوتر إلى تدافع بالأيدي بين عدد من النواب.

وجاء الخلاف خلال جلسة خُصصت للتصويت على تثبيت الفريق الركن عبد الأمير رشيد يارالله رئيساً لأركان الجيش، إلى جانب تثبيت أمين بغداد عمار موسى، ضمن مسعى تقول قوى مؤيدة له إنه يهدف إلى إنهاء إدارة مناصب عليا بالوكالة استمرت سنوات بسبب الخلافات السياسية.

اعتراض على «الآلية»

وخلال الجلسة، اعترض الأتروشي على إضافة فقرة التصويت، قائلاً إن الخطوة «تأتي خلافاً لما تم الاتفاق عليه»، متسائلاً: «أين التوازن؟». ورد الحلبوسي بنبرة غاضبة، في مشهد اعتبره نواب دليلاً على احتدام الخلافات داخل هيئة رئاسة المجلس.

من جانبه، قال رئيس كتلة الحزب الديمقراطي الكردستاني النيابية شاخوان عبد الله إن كتلته تعترض على آلية إدراج المنصب للتصويت، معتبراً أن ما جرى «لم يكن ضمن التوافقات السياسية».

وأضاف، في تصريح صحافي، أن النظام الداخلي لا يجيز إضافة فقرات ذات أبعاد سياسية من دون موافقة هيئة الرئاسة كاملة، مؤكداً أن الاعتراض «لا يتعلق بشخص رئيس الأركان»، بل بتوقيت وآلية الطرح، في وقت تعمل فيه الحكومة بصيغة تصريف الأعمال.

وأشار عبد الله إلى أن منصب رئاسة الأركان كان من حصة الكرد في دورات سابقة، منذ إحالة الفريق بابكر زيباري إلى التقاعد، معتبراً أن أي تغيير في هذا السياق يستدعي حواراً سياسياً مسبقاً.

إحدى جلسات البرلمان العراقي (أرشيفية - إ.ب.أ)

اصطفافات تقليدية

ولم يقتصر الخلاف على البعد الكردي الشيعي، إذ أبدت كتلة «العزم» بزعامة مثنى السامرائي اعتراضها على آلية التثبيت، في مؤشر إلى انقسام داخل المكون السني نفسه.

ويرى محللون أن الجدل تجاوز مسألة أحقية مكون معين بالمنصب، ليعكس شبكة معقدة من التوازنات العرقية والمذهبية والمناطقية، في ظل استمرار الانسداد السياسي بعد الانتخابات الأخيرة، وتعثر التوافق على رئاستي الجمهورية والوزراء.

وبعد التصويت، أصدر يار الله بياناً شكر فيه رئاسة البرلمان وأعضاءه ورئيس الوزراء القائد العام للقوات المسلحة، مؤكداً عزمه مواصلة العمل على تطوير قدرات المؤسسة العسكرية وتعزيز جاهزيتها.

المحكمة على خط الأزمة

في موازاة ذلك، لجأ رئيس البرلمان هيبت الحلبوسي إلى المحكمة الاتحادية العليا طالباً تفسيراً دستورياً بشأن مدى جواز بقاء منصب رئيس الجمهورية شاغراً، في ظل تعذر انتخاب رئيس جديد بسبب عدم اكتمال النصاب.

ويأتي الطلب بينما يستمر الخلاف بين الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني حول مرشح كل منهما للمنصب، ما يهدد بإطالة أمد الشغور.

وقال مصدر سياسي مطلع إن التوجه إلى المحكمة جاء باتفاق أطراف شيعية مع رئيس البرلمان للضغط على الحزبين الكرديين للتوصل إلى توافق، مضيفاً أن أي قرار يجيز المضي في جلسة انتخاب قد يدفعهما إلى الاتفاق على مرشح واحد أو خوض المنافسة بمرشحين منفصلين، وهو خيار قد يعمّق الانقسام نظراً لضرورة توافر أغلبية الثلثين.

رسائل أميركية

في سياق متصل، عاد الجدل حول رئاسة الوزراء إلى الواجهة بعد تصريحات أميركية جديدة بشأن ترشيح زعيم ائتلاف دولة القانون نوري المالكي.

ونقلت وسائل إعلام مزاعم جديدة على لسان متحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية لم يُكشف اسمه، أن موقف واشنطن «ثابت وحازم»، وأن اختيار المالكي رئيساً للوزراء سيجبر الحكومة الأميركية على «إعادة تقييم» علاقتها مع العراق.

وحدد المتحدث 3 ركائز للموقف الأميركي: إنهاء هيمنة الميليشيات المدعومة من إيران، وتقليص النفوذ الإيراني في مؤسسات الدولة، وبناء شراكة اقتصادية مع شركاء يتقاطعون مع أهداف واشنطن.

ومع استمرار الخلافات بين القوى الشيعية حول مرشح رئاسة الوزراء، وتعثر التوافق الكردي على رئاسة الجمهورية، تبدو معركة تثبيت رئيس أركان الجيش وأمين بغداد حلقة في أزمة سياسية أوسع، تتشابك فيها الحسابات الداخلية مع ضغوط إقليمية ودولية.


المعارضة الشيعية تواجه «حزب الله» انتخابياً في 3 دوائر انتخابية

مناصرون لـ«حزب الله» يتجمعون في منطقة الروشة على الكورنيش البحري لبيروت سبتمبر الماضي إحياءً لذكرى اغتيال نصر الله وصفيّ الدين (أرشيفية - أ.ب)
مناصرون لـ«حزب الله» يتجمعون في منطقة الروشة على الكورنيش البحري لبيروت سبتمبر الماضي إحياءً لذكرى اغتيال نصر الله وصفيّ الدين (أرشيفية - أ.ب)
TT

المعارضة الشيعية تواجه «حزب الله» انتخابياً في 3 دوائر انتخابية

مناصرون لـ«حزب الله» يتجمعون في منطقة الروشة على الكورنيش البحري لبيروت سبتمبر الماضي إحياءً لذكرى اغتيال نصر الله وصفيّ الدين (أرشيفية - أ.ب)
مناصرون لـ«حزب الله» يتجمعون في منطقة الروشة على الكورنيش البحري لبيروت سبتمبر الماضي إحياءً لذكرى اغتيال نصر الله وصفيّ الدين (أرشيفية - أ.ب)

تتركز معركة كسر احتكار «الثنائي الشيعي» للتمثيل النيابي الشيعي، والتي تشكل إحدى أبرز المعارك التي يخوضها خصوم «حزب الله» وحركة «أمل» في الانتخابات النيابية المقبلة، على 3 دوائر انتخابية من أصل 15، إذ قد يسهم تنوع الناخبين طائفياً كما التحالفات، في تحقيق الخرق الذي يطمح إليه المعارضون الشيعة.

إلا أن الاعتداءات الإسرائيلية المتواصلة، كما احتلال تل أبيب نقاطاً وأراضي في جنوب لبنان، جعلت البيئة الشيعية تشعر بأنها هي المستهدفة وليس «حزب الله» حصراً، وهو ما يرجح باحثون معنيون بالملف أن يؤدي إلى التفاف هذه البيئة مجدداً حول «الثنائي»، مما سينعكس في صناديق الاقتراع احتفاظه بالحصة الشيعية كاملة.

مجسّم لصاروخ رفعه «حزب الله» في منطقة قلاويه جنوب لبنان فوق شعار «لن نترك السلاح» (أرشيفية - إ.ب.أ)

كذلك قد يشكل إسقاط حق المغتربين بالتصويت من بلدان انتشارهم عاملاً سلبياً للمعارضة الشيعية التي ترى أن صوت المغترب الشيعي محرَّر من أي ضغوط يتعرض لها الناخبون في بلداتهم وقراهم.

ويتمثل شيعة لبنان بـ27 مقعداً نيابياً من أصل 128 مقعداً، ويتوزع النواب على 8 دوائر انتخابية من أصل 15 دائرة. وقد نجح الثنائي «أمل» و «حزب الله» خلال السنوات الماضية في السيطرة على المقاعد النيابية الشيعية كاملةً نتيجة التحالف المتين بينهما.

صعوبة الحواصل المرتفعة

ويرى الباحث في «الدولية للمعلومات» محمد شمس الدين، أن ذلك «لا يخفي وجود معارضة شيعية حصلت في انتخابات عام 2022 على نسبة 8.5 في المائة من الأصوات الشيعية مقابل 91.5 في المائة لـ(الثنائي الشيعي)»، لافتاً إلى أن «هذه النسبة لم تمكّنها من الفوز بأي مقعد نيابي نظراً لأن الحواصل الانتخابية (عدد الأصوات المطلوب للفوز بمقعد نيابي) في الدوائر الشيعية عالية جداً، ولا قدرة للشخصيات المعارضة الشيعية راهناً على الوصول إلى هكذا حواصل قد تصل إلى 19 ألف صوت من دون تحالفات».

ويشير شمس الدين في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إلى أن «استبعاد اقتراع الاغتراب في الانتخابات المقبلة يُفقد المعارضة الشيعية أصواتاً ممكن أن تصب في مصلحتها سواء كانت أصوات شيعية أو غير ذلك»، موضحاً أن «الحرب الإسرائيلية أوجدت حالة من التماسك والتشدد الشيعي، بحيث إنه حتى ولو كان هناك شيعة معارضون لـ(حزب الله) و(أمل)، فإنه إزاء الشعور بأن هناك تهديداً وخطراً وبالتالي في بلد طوائف مثل لبنان يتحول هذا الأمر إلى تكتل طائفي، مما يجعل نجاح المعارضة الشيعية بتحقيق خرق أمر صعب وإن كان ذلك لا يمنع من الترشح وتأكيد الحضور».

التعويل على التحالفات

ويربط شمس الدين احتمال تحقيق المعارضة الشيعية خروقات بـ«دعمها من طوائف أخرى، لا سيما السنة والمسيحيين... وفي ظل تشتت الصوت السني مع غياب تيار (المستقبل) يبقى تعويلها على الصوت الماروني وتحديداً أصوات (القوات اللبنانية) التي يمكن إذا قررت قيادتها تجيير أصوات لمرشحين معارضين شيعة في 3 دوائر هي بعلبك الهرمل، وكسروان - جبيل، وبعبدا، أن ترفع احتمال فوز هؤلاء، إلا أنها بذلك تكون تخاطر بفقدان مقعد ماروني مقابل الفوز بمقعد شيعي، وهو ما لا يبدو أن رئيس «القوات» مستعد له».

«حالة وطنية»

ويسعى المعارضون الشيعة لخوض الانتخابات في إطار «حالة وطنية»، فلا تكون الترشيحات عشوائية وفردية. ويوضح جاد الأخوي، المعارض الشيعي اللبناني، ورئيس «ائتلاف الديمقراطيين اللبنانيين» أنهم كمعارضين ومرشحين شيعة، يتعاملون مع الاستحقاق الانتخابي بوصفه «محطة سياسية وطنية لا مجرد مواجهة داخل الطائفة. لذلك، نحاول قدر الإمكان أن تكون مشاركتنا ضمن حالة وطنية عابرة للطوائف، وليست ترشيحات فردية معزولة، خصوصاً أن التجربة أثبتت أن أي مرشح يخوض المعركة منفرداً، ومن دون تحالفات واضحة، ستكون مهمته صعبة للغاية، سواء من حيث القدرة التنظيمية أو مواجهة ماكينة الثنائي».

صورة لأمين عام «حزب الله» الأسبق حسن نصر الله على مدخل بلدة قناريت (شمال الليطاني) التي تعرضت لقصف إسرائيلي عنيف أواخر الشهر الماضي جنوب لبنان (أ.ف.ب)

ويلفت الأخويّ في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إلى أن هدفهم من خوض الانتخابات هو «بناء جبهة سياسية متماسكة حول مشروع واضح: دولة واحدة، وسلاح شرعي واحد، وإدارة شفافة للمال العام. من هنا، نحن منفتحون على التنسيق مع قوى سيادية وإصلاحية تتقاطع معنا في هذا المشروع، لأن المعركة ليست (شيعياً ضد شيعي)، بل مشروع دولة في مواجهة واقع الهيمنة. ونؤمن بأن الحل يجب أن يكون عابراً للطوائف وليس فقط ضمن الطائفة الشيعية».

الخرق غير مضمون

أما على مستوى الدوائر، فيوضح أن تركيزهم سيكون على إحداث خروقات في دوائر الجنوب الثالثة (النبطية - بنت جبيل - مرجعيون - حاصبيا)، وبعبدا وجبيل كسروان، ومع إقراره بأن الخرق ليس سهلا، يؤكد: «لكننا نعتقد أن المعركة هذه المرة ليست فقط على مقعد نيابي، بل على تثبيت حضور سياسي اعتراضي منظم. فمجرد رفع نسبة التصويت المعارض بشكل ملموس يشكّل في حد ذاته تحولاً سياسياً».