الفصائل الفلسطينية تتفق في موسكو على «مسار مشترك لمواجهة العدوان»

تأكيد لمرجعية منظمة التحرير وحكومة موحدة في الضفة والقطاع واتفاق على جولات حوار مقبلة

فلسطينيون يصلّون الجمعة اليوم قرب أنقاض مسجد دمّرته إسرائيلي في رفح (رويترز)
فلسطينيون يصلّون الجمعة اليوم قرب أنقاض مسجد دمّرته إسرائيلي في رفح (رويترز)
TT

الفصائل الفلسطينية تتفق في موسكو على «مسار مشترك لمواجهة العدوان»

فلسطينيون يصلّون الجمعة اليوم قرب أنقاض مسجد دمّرته إسرائيلي في رفح (رويترز)
فلسطينيون يصلّون الجمعة اليوم قرب أنقاض مسجد دمّرته إسرائيلي في رفح (رويترز)

أسفرت جولة الحوارات الفلسطينية التي استضافتها العاصمة الروسية على مدى يومي الخميس والجمعة عن صدور بيان مشترك حدّد أولويات التحرك المقبلة للفلسطينيين، وشكّل خطوة مهمة على طريق تعزيز حوارات استعادة الوحدة الفلسطينية، ووضع آليات مشتركة لمواجهة المرحلة التي وصفت بأنها الأصعب والأكثر خطورة.

وأنهت الفصائل الفلسطينية، الجمعة، جولة الحوار التي جرت وفقاً للمصادر التي تحدثت معها «الشرق الأوسط» في أجواء «إيجابية للغاية» ولم تشهد توترات خلافاً للقاءات مماثلة في السابق. وتم تنظيم اللقاء استجابة لدعوة وجّهتها موسكو التي رعت المناقشات من دون أن تتدخل في تفاصيلها.

ولعب مدير معهد الاستشراق الروسي، فيتالي نعومكين، دور الميسّر في الجلسات، التي حضرتها كل الفصائل الفلسطينية المنضوية في إطار منظمة التحرير والفصائل الأخرى التي ما زالت غير ممثلة فيها.

ومنذ لحظة افتتاح الجلسات كان ملاحظاً حرص الأطراف على إبداء قدر واسع من المرونة والتعاون في النقاشات، وطرحت كل الفصائل تقريباً أوراق عمل تم إعدادها لتسهيل الحوار، بدت في مجملها قريبة من حيث المضمون، وتضمنت بنوداً تؤكد على أولوية وقف العدوان الإسرائيلي وتسهيل دخول المساعدات العاجلة، وعلى رأسها احتياجات مثل مستلزمات الإيواء للنازحين وتوفير المواد الطبية والغذاء، وتوفير آليات لنقل الحالات الحرجة للعلاج في الخارج. كما ركّزت الأوراق المقدمة على رفض جماعي للطروحات الإسرائيلية حول «اليوم التالي» بعد انتهاء الحرب في غزة.

وحملت المناقشات تفاهمات أوسع من المتوقع، وهو أمر عكسه صدور بيان ختامي مشترك كانت توقعات برزت خلال اليوم الأول للحوار أنه قد لا يتم التوافق بشأنه.

حي الزيتون بمدينة غزة وآثار الحرب الإسرائيلية بادية على أبنيته اليوم الجمعة (رويترز)

لكن صدور البيان والأبعاد السياسية التي حملها عكست تطوراً مهماً، وصفه بعض المشاركين بأنه «مؤشر مهم إلى روح المسؤولية العالية التي سيطرت على النقاشات وساعدت فيها مواقف الأطراف المجتمعة». وبين العناصر الرئيسية التي شكّلت نقلة في الحوارات الفلسطينية الإشارة المباشرة في البيان وخلال النقاشات إلى منظمة التحرير الفلسطينية بصفتها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، علماً بأن هذه كانت نقطة مثار نقاشات في جولة سابقة أسفرت عن عدم صدور بيان مشترك.

وحدّد البيان أولويات التحرك الفلسطيني المشترك في تسعة بنود ركزت على التصدي للعدون الإسرائيلي وحرب الإبادة التي شنّتها إسرائيل على الشعب الفلسطيني بدعم ومساندة من الإدارة الأميركية، ومقاومة ووقف محاولات التهجير والعمل على فك الحصار عن قطاع غزة والضفة الغربية، والتأكيد على مقاومة الاستيطان ومنع محاولات إسرائيل لتكريس احتلال أو سيطرة عسكرية في القطاع، ورفض أي محاولات لفصل القطاع عن الضفة، وتقديم الإسناد الكامل للأسرى وتأكيد أولوية السعي للإفراج عنهم بكل الطرق.

شكّلت هذه الأولويات استجابة فلسطينية جماعية هي الأولى من نوعها منذ اندلاع حرب غزة للتحديات المتزايدة والضغوط الممارسة على الفلسطينيين. كما أن الشق المتعلق بآليات عملية للتحرك المقبل بما في ذلك على صعيد تشكيل حكومة فلسطينية موحدة شغل حيزاً من المناقشات.

وقال لـ«الشرق الأوسط» نائب الأمين العام للجبهة الديموقراطية لتحرير فلسطين، فهد سليمان: إن أجواء اللقاء «كانت إيجابية للغاية»، وبرز «حرص من جميع الأطراف على الخروج بنتائج محددة، وأن يصدر بيان في ختام الجولة يعبّر عن رؤية جماعية لسبل مواجهة العدوان الإسرائيلي».

وزاد أن موسكو بذلت جهداً مهماً لتسيير الحوارات؛ لذلك «قرر الحاضرون توجيه رسالة إلى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين تعكس التقدير للموقف الروسي».

رسالة المشاركين في اجتماعات الفصائل الفلسطينية في موسكو إلى الرئيس فلاديمير بوتين (الشرق الأوسط)

وزاد سليمان أن الأهمية السياسية للرسالة تكمن في الإشارة التي تضمنتها إلى جولات حوار مقبلة سوف تنعقد في موسكو للبحث في آليات دفع مسار الوحدة الفلسطينية ووضع الخطوات الإجرائية المشتركة لتنفيذ ذلك.

ورأى سليمان أن بين نتائج الجولة البالغة الأهمية التأكيد على مرجعية منظمة التحرير الفلسطينية، مؤكداً أن موقف حركة «حماس» تميز بالإيجابية حيال هذا التأكيد.

وأكد أن التفاهمات نصت على ضرورات وقف النار وفتح المعابر والممرات وإدخال كل ما يلزم لتلبية احتياجات المرافق الصحية والخدمية. كما تم التأكيد على أهمية تشكل حكومة موحدة في الضفة والقطاع بمرجعية موحدة، على أن تضطلع الحكومة بمسؤولياتها في الضفة والقطاع خلافاً لفكرة تشكيل حكومة تصريف أعمال مدنية من دون صلاحيات.

ورأى المسؤول الفلسطيني أن أهمية الإنجاز الذي تحقق في موسكو تكمن في كون الاجتماعات «خرجت بنتائج سياسية ملموسة للتعامل مع القضايا المباشرة والداهمة التي يواجهها الشعب الفلسطيني حالياً»، معرباً عن ثقة بأن «الجولات المقبلة من الحوار سوف تتناول الملفات السياسية المهمة وبينها الآليات العملية لتحويل منظمة التحرير الفلسطينية إلى إطار يضم كل الأطراف».

وكان لافتاً أن وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف التقى الوفود المشاركة في مستهل الجولة الحوارية وحثّها على بذل كل الجهود لتجاوز مرحلة الانقسام وإعادة ترتيب البيت الفلسطيني. وقال لافروف للحاضرين: إن «معالجة الوضع الداخلي في أيديكم»، ملاحظاً أن بعض الأطراف تقول إنه «لا توجد جهة فلسطينية موحدة لإجراء حوارات معها».

وجدد الوزير موقف بلاده حول أن «قيام دولة فلسطين السبيل الوحيد لإحلال السلام الدائم في منطقة الشرق الأوسط».

وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف (رويترز)

وزاد: «ما يحدث في غزة يؤكد بشكل واضح ما حذّرنا منه جميع شركائنا في الشرق الأوسط منذ فترة طويلة، إن تكرار المواجهات الواسعة النطاق واندلاع العنف في المنطقة سيتكرر حتماً، حتى نتمكن معاً من خلال جهود مشتركة من معالجة السبب الجذري لهذا الصراع الطويل الأمد». وأضاف: «ويكمن الحل في إقامة الدولة الفلسطينية وفقاً لقرارات مجلس الأمن والجمعية العامة، ويجب أن يمارس الفلسطينيون حقهم في إقامة دولة داخل حدود عام 1967، عاصمتها القدس الشرقية».

وتابع: «هذا المسار عادل للطرفين ويستند إلى القانون الدولي، وهو وحده الذي يمكن أن يؤدي إلى سلام دائم في المنطقة».

نص البيان الختامي الصادر عن اجتماع الفصائل الفلسطينية في موسكو

البيان المشترك الصادر عن اجتماعات الفصائل الفلسطينية في موسكو (الشرق الأوسط)

«تعبّر الفصائل الفلسطينية المجتمعة في مدينة موسكو، عن شكرها وتقديرها للقيادة الروسية على استضافتها لاجتماعاتها، وعلى موقفها الداعم للقضية الفلسطينية، وتؤكد في ظل ما يتعرض له شعبنا من عدوان صهيوني إجرامي، على الروح الإيجابية البناءة التي سادت الاجتماع، واتفقت على أن اجتماعاتها ستسمر في جولات حوارية قادمة للوصول إلى وحدة وطنية شاملة تضم القوى والفصائل الفلسطينية كافة في إطار منظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني.

وأكدت الفصائل على توافقها على المهمات الملحة أمام الشعب الفلسطيني ووحدة عملها من أجل تحقيقها، وأرود البيان البنود التي تم الاتفاق عليها:

1- التصدي للعدوان الإسرائيلي الإجرامي وحرب الإبادة الجماعية التي تُشنّ على الشعب الفلسطيني في قطاع غزة والضفة الغربية والقدس بدعم ومساندة ومشاركة الولايات المتحدة الأميركية.

2- مقاومة ووقف وإفشال محاولات التهجير من أرض فلسطين خصوصاً في قطاع غزة أو في الضفة الغربية والقدس، والتأكيد على عدم شرعية الاستيطان والتوسع الاستيطاني وفقاً لقرارات مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة.

3- العمل على فك الحصار الهمجي في قطاع غزة والضفة الغربية وإيصال المساعدات الإنسانية والحيوية والطبية دون قيود أو شروط.

4- إجبار الجيش الإسرائيلي على الانسحاب من قطاع غزة ومنع محاولات تكريس احتلاله أو سيطرته على أي جزء من قطاع غزة بحجة مناطق عازلة، وسائر الأراضي المحتلة، والتمسك بوحدة الأراضي الفلسطينية كافة وفق القانون الأساسي.

5- رفض أي محاولات لفصل قطاع غزة عن الضفة الغربية بما فيها القدس في إطار المساعي لسلب الشعب الفلسطيني حقه في تقرير المصير وإقامة دولته الحرة المستقلة كاملة السيادة على جميع الأراضي الفلسطينية المحتلة وعاصمتها القدس وفقاً للقرارات الدولية.

6- دعم وإسناد الصمود البطولي لشعبنا المناضل ومقاومته في فلسطين وحرصها على إسناد شعبنا في قطاع غزة والضفة الغربية وخصوصاً في القدس، ومقاومته الباسلة، لتجاوز الجراح والدمار الذي سبّبه العدوان الإجرامي، وإعمار ما دمّره الاحتلال، ودعم عائلات الشهداء والجرحى وكل من فقد بيته وممتلكاته ومصادر رزقه.

7- التصدي لمؤامرات الاحتلال وانتهاكاته المستمرة ضد المسجد الأقصى المبارك، واعتداءاته على حرية العبادة في شهر رمضان الفضيل ومنع المصلين من الوصول إليه، والإصرار على مقاومة أي مس بالمسجد الأقصى ومدينة القدس ومقدساتها الإسلامية والمسيحية.

8- الإسناد الكامل للأسرى والأسيرات في السجون الذين يتعرضون لمختلف أشكال التعذيب والقمع، والتصميم على أولوية بذل كل جهد ممكن من أجل تحريرهم.

9- التأكيد على حماية وكالة الغوث الدولية ودورها الحيوي في رعاية اللاجئين الفلسطينيين حتى تحقيق عودتهم، وتنفيذ قرار الأمم المتحدة رقم 194.

10- توجه الفصائل الفلسطينية التحية لدولة جنوب أفريقيا على دعمها للشعب الفلسطيني ودورها الأساس في رفع قضية أمام محكمة العدل الدولية لمحاسبة الاحتلال الإسرائيلي على جريمة الإبادة الجماعية.

الفصائل الفلسطينية المجتمعة في موسكو

1 مارس 2024»


مقالات ذات صلة

لماذا يتحدث الإعلام العبري عن «حرب باردة» بين إسرائيل ومصر؟

تحليل إخباري الحدود المصرية - الإسرائيلية (رويترز)

لماذا يتحدث الإعلام العبري عن «حرب باردة» بين إسرائيل ومصر؟

وصل التحريض الإسرائيلي المستمر ضد مصر، إلى درجة تحدث فيها الإعلام العبري عن «استعداد لخوض حرب»، بينما تتجاهل مصر تلك المواقف، مع تركيزها على الوساطة في ملف غزة.

محمد محمود (القاهرة)
خاص زوجة الضابط في شرطة «حماس» محمد الغندور وابنتاه يبكين خلال جنازته بمستشفى بمدينة غزة يوم الثلاثاء (رويترز)

خاص فصائل غزة تعد «خططاً دفاعية» تحسباً لاشتعال الحرب

رفعت الفصائل الفلسطينية في غزة حالة الاستنفار في أوساط عناصرها مع تنامي التهديدات الإسرائيلية بإمكانية العودة إلى الحرب مجدداً وبدأت في إعداد «خطط دفاعية».

«الشرق الأوسط» (غزة)
شؤون إقليمية يُقتاد الناشط البرازيلي تياغو أفيلا إلى المحكمة في مدينة عسقلان الساحلية الإسرائيلية يوم 5 مايو 2026 (أ.ف.ب) p-circle

محكمة إسرائيلية تمدّد اعتقال ناشطَيْ «أسطول الصمود» حتى الأحد

مدَّدت محكمة إسرائيلية، الثلاثاء، احتجاز الناشطَين الأجنبيَّين تياغو دي أفيلا، وسيف أبو كشك، اللذين كانا على متن «أسطول الصمود» المتجه إلى غزة، حتى الأحد.

«الشرق الأوسط» (عسقلان (إسرائيل))
شؤون إقليمية الناشط الإسباني سيف أبو كشك يصل إلى محكمة في عسقلان - إسرائيل - 3 مايو 2026 (أ.ف.ب)

منظمة حقوقية تندد بسوء معاملة ناشطي «أسطول الصمود» المعتقلين في إسرائيل

أدان المركز القانوني لحقوق الأقلية العربية في إسرائيل (عدالة) الاثنين، «الإيذاء النفسي وسوء المعاملة» الذي يتعرض له ناشطان من «أسطول الصمود» معتقلان في إسرائيل.

«الشرق الأوسط» (القدس)
المشرق العربي فلسطينيون في مدينة غزة يوم الاثنين خلال جنازة مواطنهم موسى الأبيض الذي قتل بنيران إسرائيلية يوم الأحد (رويترز) p-circle 05:12

التلويح باستئناف الحرب ورفض «نزع السلاح» يثيران قلق الغزيين

تواكبت تصريحات لقيادي في «حماس» عن رفض «نزع السلاح» من غزة، مع إفادات لمسؤولين إسرائيليين بتكثيف الضغوط العسكرية على الحركة، مما عزز القلق من استئناف الحرب.

«الشرق الأوسط» (غزة)

إسرائيل توسّع دائرة النار والإنذارات في لبنان من الجنوب إلى البقاع

آليات تابعة لقوات الأمم المتحدة تسلك طريقاً في جنوب لبنان وسط التوترات الأمنية المستمرة على طول الحدود الجنوبية كما تظهر من منطقة مرجعيون (رويترز)
آليات تابعة لقوات الأمم المتحدة تسلك طريقاً في جنوب لبنان وسط التوترات الأمنية المستمرة على طول الحدود الجنوبية كما تظهر من منطقة مرجعيون (رويترز)
TT

إسرائيل توسّع دائرة النار والإنذارات في لبنان من الجنوب إلى البقاع

آليات تابعة لقوات الأمم المتحدة تسلك طريقاً في جنوب لبنان وسط التوترات الأمنية المستمرة على طول الحدود الجنوبية كما تظهر من منطقة مرجعيون (رويترز)
آليات تابعة لقوات الأمم المتحدة تسلك طريقاً في جنوب لبنان وسط التوترات الأمنية المستمرة على طول الحدود الجنوبية كما تظهر من منطقة مرجعيون (رويترز)

وسّعت إسرائيل، الأربعاء، نطاق استهدافاتها في جنوب لبنان والبقاع الغربي، عبر غارات وإنذارات طالت بلدات بعيدة نسبياً عن الحدود، في تصعيد ميداني يرافقه ضغط متزايد على السكان والدولة اللبنانية، وسط قراءة عسكرية تعدّ أن ما يجري يندرج ضمن محاولة لفرض واقع أمني جديد يمتد من جنوب الليطاني إلى الزهراني والبقاع الغربي.

وفي أبرز التطورات، أغار الطيران الإسرائيلي على منزل رئيس بلدية زلايا في البقاع الغربي، علي أحمد، ما أدّى إلى مقتله مع زوجته وولديه. وأعلنت وزارة الصحة العامة أن الغارة على بلدية زلايا أدت إلى سقوط 4 أشخاص، بينهم سيدتان ورجل مسن، إضافة إلى 5 جرحى من بينهم طفل و3 سيدات.

كما أغار الطيران الإسرائيلي على دفعتين، مستهدفاً منزلاً يقع بين بلدتي قليا وزلايا في البقاع الغربي، ما أدّى إلى تدميره بالكامل، في مؤشر إلى اتساع رقعة الاستهدافات داخل المنطقة.

وترافق التصعيد مع إنذارات إسرائيلية واسعة طالت 12 بلدة جنوبية، شملت كوثرية السياد، والغسانية، ومزرعة الداودية، وبدياس، والريحان، وزلايا، والبازورية، وحاروف، وحبوش، وأنصارية، وقلاويه، ودير الزهراني، ما دفع سكان عدد من هذه البلدات إلى النزوح خوفاً من اتساع الغارات.

مبنى متضرر في كفرجوز في الجنوب إثر غارة إسرائيلية استهدفته (الوكالة الوطنية للإعلام)

وفي هذا السياق، قال مصدر محلي جنوبي لـ«الشرق الأوسط»: «هذه هي المرة الأولى منذ إعلان وقف إطلاق النار النسبي التي تُوجَّه فيها إنذارات مباشرة إلى بلدات في قضاء الزهراني، مثل الغسانية وأنصارية»، مشيراً إلى أن «هذه البلدات تبعد نحو 40 كيلومتراً عن الحدود الجنوبية، ولم يُسجَّل منذ وقف النار إطلاق أي صاروخ أو مسيّرة منها باتجاه إسرائيل».

وأضاف المصدر أن «الإنذارات لا تبدو ذات هدف عسكري مباشر بقدر ما تُشكّل أداة ضغط سياسي ونفسي على الدولة اللبنانية والسكان، عبر توسيع دائرة المناطق المهددة ودفع الأهالي إلى النزوح»، لافتاً إلى أن «العدد التراكمي للقرى والبلدات التي طالتها الإنذارات أو الاستهدافات منذ وقف إطلاق النار ارتفع إلى 61 بلدة وقرية».

وأوضح أن قضاء النبطية تصدّر قائمة البلدات المستهدفة بـ24 بلدة شمال الليطاني، بينها كفرتبنيت، وزوطر الشرقية، وزوطر الغربية، وأرنون، ويحمر، وشوكين، وميفدون، والنبطية الفوقا، وحبوش، وحومين الفوقا، وعربصاليم، وحاروف، وعبا، وجبشيت، وعدشيت، وقعقعية الجسر، وبريقع، وكفرصير، وتول، وكفرجوز، والقصيبة، والدوير، والشرقية. وأضاف أن قضاء بنت جبيل شمل 16 بلدة، بينها الغندورية، وبرج قلاويه، وجميجمة، وصفد البطيخ، وقلاويه، وبرعشيت، وشقرا، وعيتا الجبل، وتبنين، والسلطانية، وبير السناسل، وديركيفا، وخربة سلم، وكفردونين، وسلعا، وصريفا.

كما طالت الاستهدافات والإنذارات في قضاء مرجعيون بلدتي الصوانة وعين عرب، فيما شملت في قضاء صور بلدات السماعية، والحنية، والقليلة، ووادي جيلو، والكنيسة، وغيرها.

وشملت الإنذارات في منطقة الزهراني بلدات كوثرية السياد، والغسانية، ومزرعة الداودية، وأنصارية، في توسّع لافت لدائرة المناطق المهددة شمال الليطاني، إضافة إلى بلدة الريحان في قضاء جزين، وزلايا في البقاع الغربي.

رغم التصعيد... الجو العام أقرب إلى التهدئة

وفي قراءة للتطورات، قال العميد المتقاعد خليل الحلو لـ«الشرق الأوسط»: إن «الجو العام في المنطقة، حتى منتصف الشهر الحالي، هو جو تهدئة لا جو تصعيد، رغم كل التصريحات التي تُسمع»، معتبراً أن ذلك يرتبط بعاملين أساسيين، أولهما التحضير لاجتماع بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب والرئيس الصيني، وثانيهما حاجة الصين إلى اتفاق مع الولايات المتحدة «لكن من دون أن تجري المفاوضات تحت ضغط عسكري، وهذا يشمل لبنان أيضاً».

ورأى الحلو أن ما يجري في جنوب لبنان «تقني - عسكري بالدرجة الأولى»، لافتاً إلى أن الحديث عن خط بعمق نحو 10 كيلومترات يهدف إلى إبعاد الأسلحة المضادة للدروع عن الأراضي الإسرائيلية، بعدما كانت هذه الأسلحة تستهدف «رادارات ومراكز وغيرهما داخل إسرائيل».

وأضاف: «أن المنطقة الممتدة شمال (الخط الأصفر) وصولاً إلى الزهراني، أي لمسافة تتجاوز 20 كيلومتراً في بعض المواقع، ترتبط أيضاً بهدف عسكري آخر يتمثل في إبعاد مواقع إطلاق أو تشغيل المسيّرات، خصوصاً المسيّرات الصغيرة من نوع (FPV) العاملة بتقنية الألياف البصرية». موضحاً أن مداها «يتراوح بين 3 و10 كيلومترات».

تصاعد الدخان من بلدة المنصوري في جنوب لبنان عقب غارة إسرائيلية استهدفت المنطقة في ظل استمرار التصعيد رغم اتفاق وقف إطلاق النار بين إسرائيل و«حزب الله» (أ.ف.ب)

التهجير أداة ضغط

وربط الحلو بين اتساع الإنذارات الإسرائيلية وحركة النزوح المتزايدة، عادّاً أن الهدف التكتيكي من الضربات «إبعاد هذا الخطر عن القوات والمواقع الإسرائيلية»، في حين يتمثل الهدف الآخر في «تهجير المنطقة بشكل كامل لزيادة الضغط على (حزب الله) والحكومة اللبنانية».

وأضاف أن الاستهدافات لم تعد تقتصر على جنوب الليطاني، بل توسعت إلى جنوب الزهراني والبقاع الغربي، لافتاً إلى أن القصف يطول أحياناً «مراكز خدماتية، أو منازل مسؤولين محليين، أو منشآت كهرباء وخزانات مياه، بما يجعل البقاء في هذه المناطق أكثر صعوبة، ويدفع السكان إلى المغادرة».

ورأى أن استهداف منزل رئيس بلدية زلايا يندرج أيضاً ضمن «الضغط على الإدارات المحلية والبلديات، لدفعها بصورة غير مباشرة إلى دفع السكان على النزوح»، معتبراً أن هذا النوع من الضربات «يتجاوز البُعد العسكري المباشر إلى الضغط الاجتماعي والخدماتي على البيئة المحلية».

غارات تمتد من الزهراني إلى البقاع

ميدانياً، توسعت الغارات الإسرائيلية من الزهراني إلى البقاع، مستهدفة أنصارية، والغسانية، وسيارة في وادي جيلو، إضافة إلى زوطر الشرقية ورشكنانيه وصفد البطيخ ويحمر الشقيف ومحيط المدرسة الرسمية في ميفدون، بالتوازي مع قصف مدفعي طال أرنون والخيام وأطراف قبريخا والمنصوري.

وأفادت «الوكالة الوطنية للإعلام» بتحليق مكثف للطيران الحربي فوق الزهراني، وصولاً إلى صيدا، فيما استهدفت غارات بلدات الريحان وكونين وبيوت السياد قرب البياضة.

تصاعد الدخان من مناطق في جنوب لبنان جرّاء القصف المتواصل كما يظهر من منطقة مرجعيون في ظل استمرار التصعيد العسكري على الحدود الجنوبية (رويترز)

وفي البقاع الغربي، أغارت الطائرات الإسرائيلية على زلايا وقليا، بالتزامن مع غارات على يحمر الشقيف وقصف مدفعي على أرنون وميفدون. كما امتد التصعيد إلى النبطية؛ حيث استهدفت غارة مزدوجة منطقة كفرجوز، ما أدّى إلى تدمير مبنى سكني وتجاري وإلحاق أضرار واسعة.

وفي قضاء صور، استهدفت غارات البازورية وحي المشاع في المنصوري، فيما نفذت القوات الإسرائيلية تفجيرات في علما الشعب وطير حرفا سُمع دويها في صور، بالتوازي مع قصف فوسفوري على مجدل زون. كذلك استهدفت غارة حسينية بلدة الريحان في جزين، وواصل الطيران المسيّر تحليقه المنخفض فوق بيروت والضاحية الجنوبية.


تشكيل لجنة قضائية للنظر بطعون 3 دوائر في الحسكة وعين العرب

قاعة مجلس الشعب في العاصمة السورية (أ.ف.ب)
قاعة مجلس الشعب في العاصمة السورية (أ.ف.ب)
TT

تشكيل لجنة قضائية للنظر بطعون 3 دوائر في الحسكة وعين العرب

قاعة مجلس الشعب في العاصمة السورية (أ.ف.ب)
قاعة مجلس الشعب في العاصمة السورية (أ.ف.ب)

أعلن رئيس اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب في سوريا محمد طه الأحمد، اليوم (الأربعاء)، تشكيل لجنة قضائية تشرف على انتخابات المجلس في محافظة الحسكة.

وقال الأحمد، في بيان صحافي: «قررنا تشكيل لجنة قضائية فرعية في محافظة الحسكة للدوائر الانتخابية (الحسكة - المالكية - القامشلي)، من القاضيين محمد قاسم ناصر وإبراهيم محمود الشريف». وأضاف: «تتولى اللجنة البت في الاعتراضات والطعون المتعلقة بانتخاب أعضاء مجلس الشعب المتبقين في هذه الدوائر، على أن يكون مركز المحافظة مقراً لاستقبال الطلبات وفق الأصول القانونية».

وحدّد القرار عدلية محافظة الحسكة مركزاً لاستقبال طلبات الاعتراض والطعن المتعلقة بانتخابات أعضاء مجلس الشعب المتبقين في المحافظة، ضمن الدوائر الانتخابية الثلاث.

قاعة مجلس الشعب في العاصمة السورية (أ.ف.ب)

ومع الإعلان عن تشكيل لجنة محافظة الحسكة في 3 دوائر انتخابية، تصبح جميع دوائر المحافظة قيد الانتخابات بعد إنجاز الانتخابات في دائرة رأس العين (التابعة للحسكة) في 23 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي.

وكانت اللجنة العليا للانتخابات قد أجلت إجراء الانتخابات في محافظة الحسكة عند إجراء الانتخابات في بقية المحافظات السورية، في 5 أكتوبر الماضي بسبب خروجها عن سيطرة السلطات السورية (تحت سلطة الإدارة الذاتية الكردية).

صندوق انتخابات مجلس الشعب في سوريا ينتظر دوائر الحسكة وعين العرب (سانا)

في السياق، أصدرت اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب، اليوم، قراراً يتضمن القائمة الأولية للجان الفرعية في محافظة الحسكة للدوائر الانتخابية (الحسكة – المالكية – القامشلي)، وهي اللجان التي ستشرف على اختيار ممثلين للبرلمان السوري.

ووفق القرار الذي نشرته اللجنة عبر قناتها على «تلغرام»، ضمت القائمة الأولية في دائرة الحسكة كلاً من: عبد الحافظ أحمد خليف، وعبد الرزاق أحويج العلي، ومحمد خضر اليوسف، ورمضان سعيد فتاح، وربى عبد المسيح شمعون، وزبير حسن سرحان.

وضمت القائمة الأولية في دائرة المالكية: علي حميد الكريدي، وخالد إبراهيم صالح، وروجين عبد العزيز أحمد، وعبد الأحد عبدي، وفخر الدين خليل حاجي.

أما في دائرة القامشلي، فتضمنت القائمة: حارث مطلق البليبل، وأنس حماد الجنعان، وقرياقس كورية، وباري شكري جمعة، وجواهر إبراهيم عثمان، ورضوان خليل الحسن، وبشير نواف سليمان.

ونص القرار، بحسب وكالة «سانا»، على أنه يحق لكل ذي مصلحة الطعن في هذه القوائم فيما يخص دائرته الانتخابية، وذلك أمام لجنة الطعون في مركز عدلية المحافظة، خلال يومي الخميس الموافق 7 مايو (أيار) والسبت الموافق التاسع منه.

ناحية عين العرب (كوباني) بريف حلب (سانا)

في السياق، أصدرت اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب اليوم قراراً يقضي بتشكيل لجنة قضائية فرعية في محافظة حلب للدائرة الانتخابية عين عرب (كوباني).

ووفق القرار الذي نشرته اللجنة العليا وأوردته الوكالة العربية السورية للأنباء (سانا)، تضم اللجنة كلاً من القاضي محمد قاسم ناصر رئيساً للجنة القضائية، والقاضي سليم عبد الغني الحسين والقاضي إبراهيم محمود الشريف عضوين.

وأصدرت اللجنة، اليوم، أيضاً قراراً يتضمن القائمة الأولية للجنة الفرعية في محافظة حلب للدائرة الانتخابية (عين عرب).

ووفق القرار، ضمت القائمة الأولية للجنة الفرعية في دائرة عين عرب كلاً من مصطفى يعقوب علي مستو، وعماد كرعوش كوردي، وخليل شيخ عيسى عيسى، وعبد القادر محمد إسماعيل، وفريد بكر عطي، وفرهاد أحمد لالو. وحددت اللجنة العليا مركزاً في عدلية محافظة حلب لاستقبال طلبات الاعتراض والطعن.

ومع إتمام إجراء الانتخابات في محافظة الحسكة من جهة، وعين العرب في ريف حلب من جهة أخرى ، تكتمل مقاعد مجلس الشعب، عدا محافظة السويداء التي ستبقى مؤجلة.

ويأتي القرار استناداً إلى أحكام الإعلان الدستوري والمراسيم التشريعية ذات الصلة، في إطار استكمال الإجراءات التنظيمية والقانونية للعملية الانتخابية.


انقسام لبناني بخلفية طائفية حول قانون العفو العام

جلسة سابقة للبرلمان اللبناني (الوكالة الوطنية للإعلام)
جلسة سابقة للبرلمان اللبناني (الوكالة الوطنية للإعلام)
TT

انقسام لبناني بخلفية طائفية حول قانون العفو العام

جلسة سابقة للبرلمان اللبناني (الوكالة الوطنية للإعلام)
جلسة سابقة للبرلمان اللبناني (الوكالة الوطنية للإعلام)

يتصدّر قانون العفو العام الاهتمام السياسي في لبنان، بوصفه واحداً من أكثر الملفات تعقيداً، ليس فقط من زاوية تشريعية، بل أيضاً من حيث أبعاده السياسية، والطائفية. وفيما يُفترض أن يشكّل هذا القانون مدخلاً لمعالجة أزمة إنسانية مرتبطة باكتظاظ السجون، ورفع الظلم اللاحق بآلاف السجناء، تحوّل إلى ساحة تجاذب حاد بين الكتل النيابية، ما يضع البرلمان أمام اختبار دقيق في قدرته على إنتاج تسوية متوازنة.

تتعدّد مشاريع واقتراحات قوانين العفو المطروحة، وتتباين مقارباتها بشكل يعكس الانقسام السياسي اللبناني العميق، كل فريق سياسي ينظر إلى القانون من زاوية مصالحه، وحساباته، ما يجعل الوصول إلى صيغة جامعة أمراً بالغ الصعوبة.

ومع غياب الإطار الوطني الشامل المُفترض أن يحكم قانوناً بهذا الحجم من الحساسية، ينتظر آلاف السجناء هذا القانون بفارغ الصبر، في ظل أوضاع مأساوية داخل السجون اللبنانية التي باتت أقرب إلى «قنبلة موقوتة»، لا سيما أن الاكتظاظ بلغ مستويات خطيرة، وتفاقم الظروف الصحية والإنسانية المتدهورة من صعوبتها، والتي تنذر بانفجار إنساني، واجتماعي، خصوصاً مع محدودية الإمكانات الرسمية. وعليه، لا يُنظر إلى العفو العام على أنه خيار سياسي فقط، بل إنه حاجة ملحّة لتخفيف الضغط عن نظام سجني عاجز عن الاستيعاب.

نقاشات عاصفة في جلسات مناقشة القانون

والانقسام في مقاربة الموضوع يظهر جلياً في جلسات اللجان النيابية المكثفة التي تعقد في الأسابيع الأخيرة، مع تسجيل «نقاشات عاصفة بين النواب تعكس الخلاف حول مضامين القانون، وما هي الجرائم المشمولة به، والمستثناة منه». وهذه الخلافات أدت إلى عدم انعقاد جلسة اللجان التي كانت مقررة الأربعاء لمناقشة «استثناءات العفو العام»، وقال نائب رئيس البرلمان إلياس بو صعب إنه تم رفع الجلسة بسبب «التشنّج».

كما أشارت المعلومات إلى أن نقطة الخلاف التي فجّرت الجلسة تمثّلت في اتهامات بالطائفية طالت الجيش اللبنانيّ، حيث أتى قرار تأجيل الجلسة بالتنسيق مع رئيس البرلمان نبيه بري قبل نحو نصف ساعة من انعقادها.

نائب رئيس البرلمان إلياس بوصعب (الوكالة الوطنية - أرشيفية)

وفيما لفت بوصعب إلى أنه سيتم الانتهاء من البحث في القانون في الجلسة التي دعا إليها رئيس البرلمان يوم الاثنين، لفت إلى أن هناك نقطتين تحتاجان إلى نقاش «وارتأينا اليوم أن نشكل لجنة صغيرة تمثل معظم القوى السياسية لمناقشة المواضيع المتبقية».

وأتى ذلك بعدما شهد الاجتماع قبل الأخير للجان مشادة كلامية بين نواب ووزير الدفاع الوطني ميشال منسّى، بسبب اعتراض الأخير على استفادة الموقوفين الإسلاميين من هذا العفو، بسبب «الاتهامات المنسوبة إلى بعض منهم بالتورط بقتل جنود من الجيش اللبناني»، ما أدى إلى مغادرة الوزير الجلسة، لكن ما لبث أن عاد للمشاركة في الجلسة.

الخلفية الطائفية... عقبة أساسية

وتكمن العقبة الأساسية في الطابع الطائفي الذي يطغى على مقاربة القانون. إذ يبدي الشارع السني تخوّفاً من أن يستثني القانون الموقوفين الإسلاميين، استجابة لرغبة كتل نيابية بذريعة أن بعض هؤلاء متورطون في مواجهات مع المؤسسة العسكرية، ومتهمون بقتل جنود من الجيش اللبناني، ما يجعل شمولهم بالعفو مسألة حساسة، الأمر الذي يعكس انعدام الثقة بين الكتل النيابية، ويعيد إنتاج الانقسامات بينها.

في المقلب الآخر، يطالب المكوّن الشيعي بأن يشمل القانون الموقوفين، والملاحقين غيابياً في قضايا تتصل بزراعة وتصنيع وتجارة المخدرات، باعتبار أن هذه الملفات تحمل أبعاداً اجتماعية واقتصادية تتجاوز الطابع الجرمي البحت. ما يطرح إشكالية تتعلق بحدود العفو، وإمكانية شموله جرائم يُنظر إليها على أنها خطيرة، وتتخطّى الجغرافيا اللبنانية، إلى حدّ التأثير على علاقات لبنان بدول عربية، خصوصاً الدول الخليجية التي كانت تصدّر إليها شحنات الكبتاغون.

«سجن رومية المركزي» حيث ينتظر مئات الموقوفين محاكماتهم (الوكالة الوطنية للإعلام - أرشيفية)

أما القوى المسيحية فتضع في صلب أولوياتها أن يتضمن القانون معالجة أوضاع اللبنانيين الذين فرّوا إلى إسرائيل بعد تحرير الجنوب عام 2000، وتعتبر أن تسوية هذا الملف باتت ضرورة إنسانية ووطنية بعد مرور 26 عاماً على تلك المرحلة، غير أن هذا الطرح يواجه بدوره اعتراضات من قوى أخرى، ما يزيد من تعقيد المشهد.

اقتراب التوافق على صيغة تشمل كل الجرائم

ويعتبر النائب أشرف ريفي، الذي يشارك في جلسات النقاش حول قانون العفو، والذي قدّم مع زملاء له من النواب المستقلين اقتراح قانون قال إنه «يضيّق مساحة الخلافات» ما بين هذه القوى، أنه «لا مفرّ من تحقيق إقرار قانون عفو ينهي أزمة السجون، ويحقق العدالة، والمساواة، خصوصاً المطالب المحقّة للموقوفين الإسلاميين، والتصدّي لكل محاولات عرقلة شمولهم بقانون العفو». وتحدّث لـ«الشرق الأوسط» عن «تعديلات أُدخلت على القانون»، مشيراً إلى أن «الكتل النيابية اقتربت من التوافق على صيغة شبه نهائية تشمل كل الجرائم، وتقضي بأن تُحدَّد عقوبة الإعدام والمؤبد بعشرين سنة، وأن تكون السنة السجنية ستة أشهر، ولمرة واحدة». ورداً على سؤال مقاربة القانون من بعد طائفي، ومذهبي، لم يخفِ ريفي أن «كل المكونات الثلاثة في البلد، أي الشيعة، والسنة، والمسيحيون يفعلون». وقال «لا شك أن المسيحيين لديهم رغبة بأن يشمل القانون المبعدين إلى إسرائيل، فيما تدفع الطائفة الشيعية باتجاه شمول المتهمين بقضايا المخدرات، والملفات الجنائية، مثل الخطف، والسطو، والسرقة، إضافة إلى المكوّن السني الذي يصرّ على ضرورة أن يشمل العفو الموقوفين الإسلاميين». وأضاف: «هناك كباش قبل الجولة النهائية، لكن القانون سيُقرّ في نهاية المطاف، لما فيه مصلحة للجميع».

إقراره أو انفجار في السجون

ويرتفع منسوب القلق في الشارع اللبناني من إسقاط قانون العفو، أو ترحيله مجدداً، ما يعني ضياع فرصة ثمينة لمعالجة أزمة السجون المتفاقمة، الأمر الذي سيترجم بتحركات واسعة في الشارع. ورأى عضو كتلة «الجمهورية القوية»، النائب غياث يزبك، أن قانون العفو العام «سيُقرّ لا محالة، لأن البديل عنه انفجار كبير في السجون»، مؤكداً أن «أزمة السجون لا يمكن حلّها إلا بالعفو العام». وعبر يزبك في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، عن أسفه «لتسييس هذا القانون من قبل مختلف الأطراف السياسية»، لافتاً إلى وجود آلاف الموقوفين من دون محاكمة. وكشف أن «هناك نحو 1800 موقوف في المخافر والنظارات لم يخضعوا حتى للتحقيقات الأولية، وهذا يعكس عمق الأزمة الإنسانية المتعلقة بالسجناء».

سجن رومية المركزي في لبنان (أرشيفية - غيتي)

وبانتظار تسوية عادلة لهذه القضية الإنسانية، وإخراجها من أتون التجاذبات السياسية، اعتبر النائب غياث يزبك أن «إصدار قانون العفو وإطلاق السجناء لا يكفي، بل المطلوب إقامة نظام قضائي عادل بحيث لا تكون التوقيفات اعتيادية، وأن تُدرس الملفات من قبل النيابات العامة قبل اتخاذ قرار التوقيف، وإلا فإن السجون ستمتلئ مجدداً، وفي غضون شهرين». وشدد على ضرورة «معالجة هذا الملف بطريقة قضائية، وأمنية، وإنسانية»، وداعياً إلى «وضع السجون تحت سلطة مؤسسات مدنية متخصصة بإدارتها، كما هو معمول به في دول العالم»، وداعياً إلى توفير «توافق سياسي شامل، وإصدار قانون عادل ينصف الجميع».