ترشيح نجل رئيس «الاتحادية العليا» لمنصب المحافظ يفجر جدلاً في العراق

العامري طرح اسم العميري للتسوية بين مرشحين من قبيلة تميم بديالى

هادي العامري زعيم «منظمة بدر» المنضوية في «الإطار التنسيقي» (وكالة الأنباء الحكومية)
هادي العامري زعيم «منظمة بدر» المنضوية في «الإطار التنسيقي» (وكالة الأنباء الحكومية)
TT

ترشيح نجل رئيس «الاتحادية العليا» لمنصب المحافظ يفجر جدلاً في العراق

هادي العامري زعيم «منظمة بدر» المنضوية في «الإطار التنسيقي» (وكالة الأنباء الحكومية)
هادي العامري زعيم «منظمة بدر» المنضوية في «الإطار التنسيقي» (وكالة الأنباء الحكومية)

فاجأ رئيس تحالف «نبني» وزعيم «منظمة بدر»، هادي العامري، القوى السياسية العراقية، بترشيحه نجل رئيس المحكمة الاتحادية العليا محافظاً لديالى (شرق).

وفجر محمد جاسم العميري، البالغ من العمر 28 عاماً، ردود فعل غاضبة في محافظة تتمتع بالتعددية المذهبية، وصلت إلى إطلاق مظاهرات واعتصامات في شوارع المدينة.

ويعتقد قيادي من «منظمة بدر» أن ترشيح العميري جاء لتسوية الخلاف بين مرشحين متنفذين من قبيلة تميم في ديالى، وهما المحافظ الحالي مثنى التميمي الذي انتهت ولايته ويسعى للتجديد بوصفه فاز بعضوية مجلس المحافظة في الانتخابات الأخيرة، وبين زياد التميمي المرشح الآخر للمنصب.

ومن الملفت أن يكون المرشحان من قبيلة واحدة وينتميان أيضاً لـ«منظمة بدر» التي قررت ترشيح شخصية ثالثة لحسم التنافس.

ووجه العامري رسالةً إلى القوى السياسية في المحافظة المختلف على نتائجها بسبب تقارب المقاعد التي حصل عليها كل من الشيعة والسنة، وقال: «نظراً للانسداد السياسي وانقسام أعضاء مجلس محافظة ديالى إلى فريقين، وحرصاً منا على استقرار أمن ديالى وعدم العودة إلى المربع الأول، قررنا ترشيح مرشح تسوية وهو الشاب الكفء (محمد جاسم العميري) وهو من العوائل المحترمة في محافظة ديالى».

ودعا العامري «كل الأطراف والكتل السياسية إلى تقديم الدعم والتأييد والإسناد في هذه المهمة الصعبة»، مطالباً المرشح العميري بأن «يكون على مسافة واحدة من جميع القوى السياسية».

رسالة بخط اليد وزعها العامري لترشيح العميري (تلغرام)

اعتراض وتوافق

بعد ساعات من إعلان العامري ترشيحه للعميري لمنصب المحافظ، قطع متظاهرون في قضاء المقدادية بمحافظة ديالى، الجمعة، الطريق الرابط بين خانقين وبعقوبة احتجاجاً على التسوية.

وطبقاً لوكالات أنباء محلية، فإن عشرات المواطنين من أهالي المقدادية خرجوا بمظاهرة ونصبوا سرادقاً للاعتصام على طريق بعقوبة-المقدادية-خانقين وقطعوا الطريق العام.

وأعلن المتظاهرون رفضهم مرشح رئيس «تحالف الفتح» هادي العامري لمنصب المحافظ، ويطالبون بالتجديد للمحافظ السابق مثنى التميمي.

اعتصام ومظاهرات

في السياق، انطلقت مظاهرة أخرى لأنصار المحافظ السابق مثنى التميمي في قضاء بلدروز للمطالبة بالتجديد له، ورفض مقترح العامري، وقطع المحتجون الطريق وحرقوا إطارات ونصبوا سرادقاً للاعتصام.

وأعلنت قوى سياسية في المحافظة والعراق تأييدها لهذا الترشيح، منها حزب «تقدم» بزعامة رئيس البرلمان السابق محمد الحلبوسي، المتحالف في ديالى مع «تحالف نبني» بزعامة العامري، وقال النائب عن المحافظة مضر الكروي إن ترشيح «العميري سيكسر جمود المفاوضات».

صورة متداولة للعميري (إكس)

وتحول الخلاف السياسي حول مقاعد المحافظة طبقاً للانتخابات الأخيرة إلى نزاع داخل قبلية بني تميم التي انقسمت بين المحافظ السابق مثنى التميمي وزياد التميمي اللذين ينتميان إلى «منظمة بدر»، لكن الأخير لا يحظى بتوافق تام لنيل المنصب، سواء داخل العشيرة أو القوى السياسية الأخرى في المحافظة.

وطبقاً لما حصل من خلافات وتداعيات في عدد من المحافظات، لا سيما الوسط والجنوب، فإن ما جرى في ديالى يعكس الخلافات المستمرة بين أطراف «الإطار التنسيقي» الشيعي التي تحاول عدم الاعتراف بالخلافات فيما بينها حفاظاً على وحدة الإطار الذي يحاول تعويض انقسامه في المحافظات الشيعية بالتوحد في المدن التي تضم قوى سنية.

ومع نجاحها في الهيمنة على القرار السياسي في كل من بغداد ونينوى وصلاح الدين، لكنها لم تتمكن من الحفاظ على تلك الوحدة في ديالى التي تعد من وجهة نظر المراقبين أكبر اختبار لوحدة «الإطار التنسيقي».

إلى ذلك، ورغم الانتقادات التي وجهت إلى رئيس المحكمة الاتحادية العليا القاضي جاسم العميري بترشيح نجله الذي فضلاً عن كونه لا يزال شاباً، بينما منصب المحافظ يحتاج فضلاً عن العمر إلى خبرة إدارية لا تقل عن 10 سنوات، فإن الانتقادات ذهبت باتجاه كيفية ضمان عدم تضارب المصالح بين الجهة السياسية ورئيس أعلى محكمة دستورية في البلاد، الذي دعته قوى وشخصيات إلى إعلان موقفه من هذا الترشيح.


مقالات ذات صلة

« غوغل جيمناي» يدخل مدرجات الكرة العربية... من الرعاية إلى تجربة المشجعين

خاص «غوغل» اختارت «جيمناي» راعياً تقنياً رسمياً للمنتخبين العراقي والمغربي لكرة القدم (الشركة)

« غوغل جيمناي» يدخل مدرجات الكرة العربية... من الرعاية إلى تجربة المشجعين

«غوغل» تختبر دور «جيمناي» في تحويل التشجيع الكروي العربي تجربةً تفاعلية مدعومة بالذكاء الاصطناعي.

نسيم رمضان (لندن)
المشرق العربي صورة وزعها المكتب الإعلامي لرئيس الوزراء العراقي تُظهر علي الزيدي وهو يتابع جانباً من التصويت على الحكومة الجديدة

المالكي يشتكي من «الغدر»... وعقد السوداني يقترب من الانفراط

برزت في العراق بوادر تفكك داخل «الإطار التنسيقي» الذي يضم أبرز القوى الشيعية الحاكمة، عقب جلسة منح الثقة لحكومة رئيس الوزراء علي فالح الزيدي.

حمزة مصطفى (بغداد) «الشرق الأوسط» (لندن)
المشرق العربي رئيس الوزراء العراقي المكلّف علي الزيدي يسير قبيل جلسة برلمانية للتصويت على الحكومة الجديدة في مقر البرلمان ببغداد في 14 مايو 2026 (رويترز)

الزيدي يعبر أول اختبار برلماني بحكومة غير مكتملة

منح البرلمان العراقي، مساء الخميس، الثقة لحكومة غير مكتملة برئاسة رئيس الوزراء المكلف علي فالح الزيدي، بعد جلسة حضرها 226 نائباً.

حمزة مصطفى (بغداد)
تحليل إخباري ترمب يلوّح من على سُلّم الطائرة الرئاسية عقب وصوله إلى قاعدة أندروز المشتركة في ولاية ماريلاند (أ.ب)

تحليل إخباري ترمب يختبر الزيدي في كبح النفوذ الإيراني بالعراق

في ندوة لمركز الخليج للأبحاث بواشنطن، ناقش خبراء التحديات الأمنية والاقتصادية والديمقراطية التي تواجه الرئيس المكلف تشكيل الحكومة العراقية

هبة القدسي (واشنطن)
المشرق العربي إحدى جلسات البرلمان العراقي في بغداد مارس 2026 (واع)

برلمان العراق لمنح حكومة الزيدي الثقة غداً

حددت رئاسة مجلس النواب العراقي يوم غد الخميس موعداً للتصويت على التشكيلة الوزارية والمنهاج الحكومي لحكومة رئيس الوزراء المُكلف علي فالح الزيدي.

حمزة مصطفى (بغداد)

الأزمات والحروب المتلاحقة تهدد مستوى التعليم في لبنان

وزيرة التربية ريما كرامي خلال مؤتمر صحافي يوم الجمعة (الوكالة الوطنية للإعلام)
وزيرة التربية ريما كرامي خلال مؤتمر صحافي يوم الجمعة (الوكالة الوطنية للإعلام)
TT

الأزمات والحروب المتلاحقة تهدد مستوى التعليم في لبنان

وزيرة التربية ريما كرامي خلال مؤتمر صحافي يوم الجمعة (الوكالة الوطنية للإعلام)
وزيرة التربية ريما كرامي خلال مؤتمر صحافي يوم الجمعة (الوكالة الوطنية للإعلام)

لم يكن قرار وزيرة التربية والتعليم العالي في لبنان، ريما كرامي، الذي أعلنت عنه يوم الجمعة، بإلغاء امتحانات الشهادة المتوسطة لهذا العام، واعتماد العلامات المدرسيّة وامتحان داخل المدرسة، بوصف ذلك بديلاً، أمراً مفاجئاً للطلاب وأهاليهم كما للكادر التعليمي، فهم اعتادوا في السنوات الماضية قرارات مماثلة تماشياً مع الأزمات والحروب المتتالية التي شهدها لبنان.

وقد أتى هذا الإعلان بعد أيام من إعلان مماثل لوزارة التربية الفرنسية بإلغاء شهادة البكالوريا الفرنسية في لبنان وعدد من دول الشرق الأوسط، وهي شهادة ثانوية رسمية تتبع المنهاج الفرنسي، وتُشرف عليها وزارة التربية الفرنسية عبر شبكة المدارس الفرنسية في الخارج التابعة لها.

وعلى الرغم من تأكيد الوزيرة اللبنانية الإبقاء على امتحانات الشهادة الثانوية، مع قرار بتقليص الدروس في مواد معينة واعتماد 3 دورات متتالية، فإن أكاديميين ومعنيين بالقطاع التعليمي باتوا يدقون ناقوس الخطر مع التراجع المدوي في مستوى التعليم في البلاد، مع تآكل جودة التعليم وضعف اكتساب الطلاب للمهارات والمعارف الأساسية، نتيجة تراجع عدد أيام التدريس الفعلية في المدارس اللبنانية التي تحول قسم كبير منها إلى مراكز نزوح.

الفيدرالية التعليمية

لم يعد الحديث عن التفاوت في مستوى التعليم بين المدارس الرسمية والخاصة كما بين المناطق اللبنانية، مجرّد توصيف عابر لأزمة ظرفية؛ بل بات، وفق أكاديميين وتربويين، أقرب إلى ما يشبه «فيدرالية تعليمية» غير معلنة؛ ففي وقت تتمكن فيه بعض المدارس الخاصة من الحفاظ نسبياً على برامجها التعليمية واستقرار كوادرها، تواجه مدارس رسمية، خصوصاً في المناطق التي تعدّ غير آمنة، صعوبات هائلة أدت لدمار أو إقفال العدد الأكبر منها، واعتماد بعضها التعليم عن بُعد الذي لم يتمكن عدد كبير من التلامذة الالتحاق به.

ويرى أكاديميون أن استمرار هذا الواقع يهدد وحدة النظام التربوي اللبناني، ويضرب مبدأ تكافؤ الفرص بين التلامذة، بحيث بات مستوى التحصيل العلمي مرتبطاً أكثر من أي وقت مضى بالمنطقة الجغرافية والوضع الاجتماعي والقدرة المادية للأهل؛ لا بالمناهج الرسمية أو السياسات التربوية الموحدة.

أطفال نازحون من الضاحية الجنوبية إلى وسط بيروت (أ.ف.ب)

مستويان تعليميان في لبنان

تشدد الدكتورة نسرين شاهين، رئيسة رابطة الأساتذة المتعاقدين في التعليم الأساسي الرسمي بلبنان، على أنه «لا يمكن اعتماد مقاربة واحدة للتعليم في لبنان، بحيث يختلف الواقع التعليمي خلال الحرب بين المدارس الرسمية والخاصة حتى بين المدارس الرسمية نفسها؛ إذ إن هناك 15 في المائة من المدارس الرسمية خارج نظام التعليم كلياً، نتيجة الدمار والنزوح ووجودها في مناطق غير آمنة، فيما 85 في المائة من المدارس منقسمة بين تعليم حضوري وتعليم عن بُعد، ما يجعلنا بصدد (فيدرالية تعليمية) واضحة يفترض مقاربة كل الواقع التعليمي على أساسها»، متحدثة لـ«الشرق الأوسط»، عن «خلل في سير العام الدراسي، باعتبار أن التعليم عن بُعد أيضاً لم يكن ممكناً ومتاحاً للجميع».

وتعتبر شاهين أن إلغاء «الشهادة المتوسطة كان يفترض أن يحصل، خصوصاً أنها ليست أصلاً معياراً في سلم الشهادات التعليمية، إضافة إلى أنه ونتيجة الحرب الراهنة، فلا عدالة ولا مساواة في تلقي التعليم، ولا إمكانات أمنية ولوجستية تتيح إجراء الامتحانات»، مضيفة: «المدارس الخاصة تمكنت من تطبيق الخطط التعليمية التي وضعتها وأنهت المنهج السنوي، أما المدارس الرسمية فلم تتمكن إلا من إكمال جزء من المنهج، ما يؤدي إلى هوة كبيرة، وإلى وجود مستويين تعليميين في لبنان، ما يوجب التعاطي مع الواقع على هذا الأساس، لا أن تتم معاملة كل الطلاب بالطريقة نفسها، ما يؤدي لتخفيض المستويات التعليمية في البلد ككل».

مخاوف ليست في مكانها

على الرغم من المخاوف التي يعبّر عنها بعض الأهالي من أن يكون لإلغاء الشهادات الرسمية تداعيات على فرص التحاق أولادهم في جامعات خارج لبنان، فإن الباحث محمد شمس الدين يؤكد أن «إلغاء الشهادات الرسمية ليس معياراً لقياس مستوى التعليم ومستوى الطلاب، بحيث إن الجامعات الكبرى تعتمد على امتحانات محددة تختلف عن الامتحانات الرسمية»، مذكراً «الشرق الأوسط» بأنه «كانت هناك 4 شهادات رسمية في لبنان بدأ العمل على إلغائها تباعاً».

أطفال نازحون يلعبون في ملعب مدينة كميل شمعون الرياضية ببيروت التي تحولت إلى مركز للنازحين (إ.ب.أ)

وضع يُرثى له

في مقاربة أوسع للواقع التعليمي، تتحدث الدكتورة في علم النفس بالجامعة اللبنانية في بيروت، منى فياض، عن «مستقبل مأزوم لأجيال كاملة، فالدراسة متقطعة منذ سنوات، إضافة إلى عدم وجود مساواة في تأمين التعليم»، واصفة الوضع بأنه «يرثى له، ما ينعكس تلقائياً على هبوط في مستوى الطلاب اللبنانيين، وإن كان سيبقى هناك على المستوى الفردي من سيتفوقون ويبرعون في الداخل والخارج، لكن واقع الغالبية العظمى سيكون صعباً».

وتضيف فياض لـ«الشرق الأوسط»: «إذا توقفت الحرب قريباً، فسنحتاج لسنوات كي نعود إلى الوضع الذي كنا فيه، وهو أصلاً كان وضعاً سيئاً».

وتعتبر فياض أن «إلغاء الشهادات الرسمية ورمي الكرة في ملعب المدارس يفاقمان الوضع، بحيث إنه ونتيجة الفساد الذي يعصف بكل المؤسسات ومنها المدارس، فلا ثقة بإداراتها بأنها ستتعامل بشفافية مع الامتحانات الموحدة التي قد تحصل... من دون أن ننسى وضع الأساتذة السيئ جداً، الذي قد يكون أسوأ من أوضاع الطلاب أنفسهم».


الأمم المتحدة: مفاوضات لبنان وإسرائيل توفّر «فرصة حاسمة» لوقف الحرب

الدخان يتصاعد عقب غارة إسرائيلية على مدينة صور بجنوب لبنان (أ.ف.ب)
الدخان يتصاعد عقب غارة إسرائيلية على مدينة صور بجنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

الأمم المتحدة: مفاوضات لبنان وإسرائيل توفّر «فرصة حاسمة» لوقف الحرب

الدخان يتصاعد عقب غارة إسرائيلية على مدينة صور بجنوب لبنان (أ.ف.ب)
الدخان يتصاعد عقب غارة إسرائيلية على مدينة صور بجنوب لبنان (أ.ف.ب)

عدَّ منسق الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في لبنان عمران ريزا، الجمعة، أنَّ المفاوضات الجارية بين لبنان وإسرائيل تُشكِّل «فرصة حاسمة» لوقف الحرب، مندِّداً باستمرار الغارات الإسرائيلية على لبنان التي تخلّف «حصيلة غير مقبولة» من المدنيين.

وقال، في بيان نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية»: «الجهود الدبلوماسية اليوم إنما توفّر فرصةً حاسمةً لوقف أعمال العنف»، آملاً في أن «تمهِّد المفاوضات الجارية الطريق نحو حل سياسي» رغم أن «الواقع على الأرض في لبنان يبعث على قلق بالغ».

وندَّد ريزا باستمرار «الغارات الجوية وعمليات الهدم بشكل يومي، مخلَّفة حصيلة غير مقبولة من الضحايا في صفوف المدنيين، فضلاً عن الأضرار التي تلحق بالبنية التحتية المدنية»، في وقت أحصت فيه وزارة الصحة اللبنانية مقتل 2951 شخصاً على الأقل منذ بدء الحرب في الثاني من مارس (آذار).

واستأنف لبنان وإسرائيل، الجمعة، جولة المحادثات الجديدة بينهما في يومها الثاني في واشنطن، رغم تصاعد العنف مجدداً مع شن الجيش الإسرائيلي غارات جديدة على الأراضي اللبنانية.

وقال دبلوماسي إن مبعوثي البلدين اللذين لا تربطهما أي علاقات، استأنفوا المحادثات في مقر وزارة الخارجية الأميركية بُعيد الساعة التاسعة صباحاً (13:00 بتوقيت غرينتش).

وصرَّح مسؤول في وزارة الخارجية الأميركية بأن اليوم الأول من هذه الجولة الثالثة من المحادثات، الخميس، كان «مثمراً»، إلا أنَّ إسرائيل أعلنت لاحقاً مقتل أحد جنودها في جنوب لبنان، وشنّت غارات جديدة، قالت إنها ضد أهداف تابعة لـ«حزب الله».


إسرائيل ما بعد الهدنة: من الردع إلى إعادة تشكيل الحدود

رجل يتفقد سيارته المتضررة وسط أنقاض محال دمّرتها غارات إسرائيلية سابقة في حي الحوش بمدينة صور جنوب لبنان (أ.ب)
رجل يتفقد سيارته المتضررة وسط أنقاض محال دمّرتها غارات إسرائيلية سابقة في حي الحوش بمدينة صور جنوب لبنان (أ.ب)
TT

إسرائيل ما بعد الهدنة: من الردع إلى إعادة تشكيل الحدود

رجل يتفقد سيارته المتضررة وسط أنقاض محال دمّرتها غارات إسرائيلية سابقة في حي الحوش بمدينة صور جنوب لبنان (أ.ب)
رجل يتفقد سيارته المتضررة وسط أنقاض محال دمّرتها غارات إسرائيلية سابقة في حي الحوش بمدينة صور جنوب لبنان (أ.ب)

لم تعد الهدنة في جنوب لبنان فاصلاً بين الحرب والسلم؛ بل تحوّلت إلى منصة إسرائيلية لإعادة تشكيل الميدان وفرض وقائع أمنية وجغرافية جديدة بالنار، عبر توسيع الإنذارات والغارات والتحركات شمال الليطاني، بما يوحي بمحاولة رسم حدود أمنية غير معلنة داخل الجنوب.

وبرز هذا التحول مع التصعيد الواسع، الجمعة، حيث شنّ الجيش الإسرائيلي غارات مكثفة من صور إلى النبطية، بالتزامن مع توسيع إنذارات الإخلاء إلى بلدات بعيدة نسبياً عن الشريط الحدودي، في مشهد استعاد بدايات الحرب، لكن بدلالات تتجاوز الضغط العسكري، إلى إعادة رسم الخريطة الأمنية للجنوب.

ووجّه المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي، إنذارات عاجلة إلى سكان عين بعال والخرايب والزرارية وعربصاليم وعرب الجل، داعياً إلى الإخلاء الفوري والابتعاد أكثر من ألف متر، بعدما سبقت ذلك صباحاً، تحذيرات مشابهة شملت شبريحا وحمادية صور وزقوق المفدي ومعشوق والحوش، في مؤشر إلى أن سياسة الإنذارات باتت جزءاً من استراتيجية ضغط نفسي وميداني، لدفع السكان تدريجياً بعيداً عن مساحات واسعة من الجنوب.

الهدنة تتحول إلى ساحة عمليات

ميدانياً، توسعت الغارات الإسرائيلية لتشمل شحور والنبطية الفوقا وميفدون وفرون والقصيبة ومجدل سلم، إضافة إلى مناطق بين تبنين والسلطانية والحمادية والشبريحا وطيرفلسيه والشعيتية وحوش - صور، فيما استهدفت غارتان صريفا وبرج قلاويه.

وترافق التصعيد مع قصف مدفعي على ميفدون والنبطية الفوقا وكونين وبرعشيت وبيت ياحون وزوطر الشرقية، واستهداف دراجة نارية في المجادل، وغارة على مركز «النجدة الشعبية» قرب مستشفى حيرام أدت إلى إصابات، بينما دُمّر حي كامل في شوكين والنبطية الفوقا يضم مبنى البلدية ومباني سكنية. وفي النبطية، قتلت غارة قرب النادي الحسيني، شخصين وأصابت ثالثاً أثناء نقل مساعدات، كما ألحقت أضراراً بـ3 سيارات إسعاف تعطلت إحداها بالكامل.

تصاعد الدخان من موقع غارة إسرائيلية استهدفت مدينة صور جنوب لبنان (أ.ف.ب)

وفي موازاة التصعيد، أعلن الجيش الإسرائيلي قتل نحو 60 مسلحاً خلال أسبوع، واستهداف أكثر من 100 بنية تحتية لـ«حزب الله»، رغم استمرار الحديث عن الهدنة.

ما يجري جنوباً لم يعد يُقرأ بوصفه خروقات متفرقة لوقف إطلاق النار؛ بل بوصفه مساراً إسرائيلياً متدرّجاً لإعادة هندسة الجغرافيا الأمنية للجنوب، عبر توسيع نطاق النار والإنذارات والتحركات العسكرية، بما يوحي بأن تل أبيب انتقلت من منطق الردع إلى محاولة فرض حدود ميدانية جديدة بالقوة.

خط نار جديد

في موازاة التصعيد الجوي، برزت التحركات العسكرية الإسرائيلية في محيط زوطر الشرقية، وسط مخاوف من محاولة توسيع نطاق العمليات شمال الليطاني، وخلق شريط ميداني جديد يتجاوز القرى الحدودية التقليدية.

وشهد محيط زوطر الشرقية ليل الخميس - الجمعة، تحركات إسرائيلية وُصفت بأنها محاولة تقدم واستكشاف ميداني في المنطقة، بالتزامن مع قصف مكثف طال الأطراف المحيطة بعلي الطاهر.

وقال مصدر محلي في جنوب لبنان لـ«الشرق الأوسط»، إن القوات الإسرائيلية «حاولت التقدم ليلاً في محيط زوطر تحت غطاء ناري كثيف واستطلاع جوي متواصل»، مشيراً إلى أن التحركات ترافقت مع نشاط للطيران المروحي والاستطلاعي فوق المنطقة.

وأوضح المصدر أن «التحرك بدا أقرب إلى عملية جس نبض ميدانية ومحاولة تثبيت نقاط نار ومراقبة في التلال المشرفة»، لافتاً إلى أن المنطقة تشهد منذ أيام، تصعيداً متدرجاً يوحي بمحاولة إسرائيلية لتوسيع نطاق عملياتها شمال الليطاني.

وأشار المصدر إلى أن القصف المكثف والاستطلاع الجوي المستمر يتركزان على زوطر «في محاولة توحي بتحضير تحرك ما نحو علي الطاهر»، لافتاً إلى أن الجيش الإسرائيلي «يحاول إحراق المناطق المفتوحة والمشرفة لمنع أي تحرك أو تموضع في تلك التلال والأودية».

لا إعادة ترسيم... بل منطقة عازلة بالنار

رغم تصاعد الخطاب الإسرائيلي حول إعادة رسم الحدود بالنار، يؤكد العميد المتقاعد خليل الحلو، أن ما يجري يرتبط باعتبارات أمنية وعسكرية فرضتها الحرب الأخيرة، وليس بأي تعديل قانوني للحدود اللبنانية.

رجل يتفقد سيارته المتضررة وسط أنقاض محال دمّرتها غارات إسرائيلية سابقة في حي الحوش بمدينة صور جنوب لبنان (أ.ب)

وقال الحلو لـ«الشرق الأوسط»، إن «الحديث الإسرائيلي عن إعادة رسم الحدود مع لبنان، لا يستند إلى أي أساس قانوني»، موضحاً أن «الحدود الدولية الوحيدة المرسّمة والمعترف بها بين لبنان وفلسطين رُسمت عام 1923، ثم ثُبّتت مجدداً في اتفاقية الهدنة عام 1949، وهذه الحدود لا تزال قائمة ومعترفاً بها دولياً».

وأضاف أن «كل ما يُثار اليوم عن خطوط جديدة لا علاقة له بترسيم الحدود؛ بل يرتبط باعتبارات أمنية وعسكرية فرضتها الحرب الأخيرة»، مشيراً إلى أن «خط التماس الحالي مع إسرائيل، يبلغ نحو 140 كيلومتراً بسبب احتلال الجولان السوري، بينما الحدود الدولية الفعلية بين لبنان وفلسطين لا تتجاوز 70 كيلومتراً».

وأوضح الحلو أن «الخط الأصفر الذي يجري الحديث عنه حالياً ليس حدوداً جديدة؛ بل منطقة أمنية تبعد نحو 10 كيلومترات عن الحدود، هدفها إبعاد الأسلحة المضادة للدروع التي يستخدمها (حزب الله) ضد الداخل الإسرائيلي».

وأضاف أن «إسرائيل أقامت جنوب هذا الخط مواقع وتحصينات ونقاط تمركز فعلية، فيما تعمل شماله على خلق منطقة عازلة غير معلنة عبر الضغط على السكان ودفعهم إلى المغادرة، بسبب استمرار استخدام المسيّرات والصواريخ من تلك المناطق».

وفيما يتعلق بالتحركات الإسرائيلية في محيط زوطر وأرنون وقلعة الشقيف، رأى الحلو أن «ما يجري لا علاقة له بإعادة ترسيم الحدود؛ بل هو احتلال ميداني مؤقت تفرضه الحسابات العسكرية».

وقال إن «هذه المنطقة تُعدّ استراتيجية لأنها تطل على الداخل الإسرائيلي، ولأن استمرار وجود (حزب الله) فيها يسمح باستهداف مواقع إسرائيلية، لذلك تلجأ إسرائيل إلى عمليات تسلل تنفذها وحدات خاصة صغيرة بدلاً من الاجتياحات التقليدية الواسعة».

آلية عسكرية إسرائيلية عند الحدود مع لبنان (رويترز)

عمليات الحزب

في المقابل، أعلن «حزب الله» تنفيذ سلسلة عمليات الجمعة، شملت التصدّي لطائرات ومسيّرات إسرائيلية بصواريخ أرض - جو، وتفجير عبوات ناسفة بقوات وآليات إسرائيلية في الطيبة وحداثا، ما أدى إلى «تدمير جرافتي D9 وإصابات مؤكدة». كما استهدف الحزب قوة قرب موقع البياضة ودبابة «ميركافا» بصليات صاروخية وصاروخ موجّه، إضافة إلى قصف قوة في بيدر الفقعاني، واستهداف دبابة في رشاف بمحلّقة انقضاضية، و3 آليات «بوكلين» في الخيام بقذائف المدفعية، في إطار استمرار المواجهات على المحاور الجنوبية.