عادت عوائد السندات الحكومية إلى الارتفاع في الأسواق العالمية، مع تصاعد المخاوف من استمرار الضغوط التضخمية وقوة النمو وارتفاع أسعار الطاقة، ما زاد الضغوط على الأسهم ورفع تكاليف الاقتراض على الحكومات والأسر والشركات.
وتجاوز عائد سندات الخزانة الأميركية لأجل 30 عاماً 5.44 في المائة، مسجلاً أعلى مستوى له منذ عام 2004، في وقت واصلت فيه عوائد السندات لأجل 10 سنوات صعودها بعد بلوغها أعلى مستوى في 19 عاماً، بينما امتدت موجة ارتفاع تكاليف الاقتراض إلى الأسواق الآسيوية والأوروبية.
وجاءت التحركات في سوق السندات بعد بيانات أظهرت استمرار قوة النشاط الاقتصادي الأميركي وارتفاع الضغوط على الأسعار، ما عزز رهانات المستثمرين على احتمال بقاء أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول. كما زادت الحرب مع إيران من الضغوط على أسواق الطاقة، في وقت لا يزال فيه النمو العالمي متماسكاً.

ويعكس ارتفاع العائد طويل الأجل أكثر من مجرد تغير في توقعات أسعار الفائدة، إذ يعكس أيضاً استعداد المستثمرين لتمويل الاقتراض الحكومي على مدى عقود، في ظل ارتفاع مستويات الدين العام وزيادة احتياجات إعادة التمويل.
وقالت وكالة «رويترز» إن ارتفاع العوائد العالمية خلال الشهرين الماضيين لم يؤدِّ حتى الآن إلى اضطراب واسع في الأسواق، إذ لا يزال المستثمرون يستوعبون المستويات المرتفعة بدعم من متانة النمو الاقتصادي وقوة أرباح الشركات، إضافة إلى موجة الإنفاق المرتبطة بالاستثمار في الذكاء الاصطناعي.
وقال كريس سكيلونا، رئيس أبحاث الاقتصاد لدى «دايوا كابيتال»، إن ارتفاع العوائد يزيد الضغوط على الاقتصاد، من خلال رفع تكلفة الرهون العقارية، وزيادة أعباء خدمة الدين على الحكومة الأميركية، لكنه أشار إلى أن التحركات تظل قابلة للاحتواء ما دامت تتم بصورة منظمة.
وتنعكس موجة ارتفاع العوائد سريعاً على تكلفة الاقتراض للأسر الأميركية، إذ وصلت معدلات الرهن العقاري لأجل 30 عاماً إلى نحو 7 في المائة، بزيادة نقطة مئوية كاملة عن مستوياتها قبل الحرب، وبالقرب من أعلى مستوياتها في عامين.
وفي المقابل، لا يزال النمو الاقتصادي الأميركي يوفر دعماً للأسواق، إذ نما الناتج الاسمي بنحو 8 في المائة في الربع الثاني، فيما أظهرت بيانات النشاط الأخيرة استمرار قوة الطلب وارتفاع الضغوط على القدرات الإنتاجية.
وقال جون ويليامز، رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك، إن الاقتصاد الأميركي يُظهر «مرونة ملحوظة»، فيما أشار محللون إلى أن قوة مؤشرات مديري المشتريات، وتراكم الأعمال غير المنجزة، وتسارع التوظيف، كلها عوامل تضيف ضغوطاً على الأسعار.
ولم تقتصر موجة ارتفاع العوائد على الولايات المتحدة؛ إذ صعد عائد السندات اليابانية لأجل 10 سنوات إلى أعلى مستوى منذ 1996، بينما تواجه أوروبا أيضاً ارتفاعاً في تكاليف الاقتراض. وقالت وكالة «رويترز» إن وكالة التمويل الألمانية تتوقع أن يصل الاقتراض الاتحادي إلى مستوى قياسي يبلغ 525.5 مليار يورو (598 مليار دولار) في 2026، مع توقعات بارتفاعه أكثر في العام التالي، مدفوعاً بدرجة كبيرة بزيادة احتياجات إعادة التمويل ومتطلبات الصناديق الخاصة.
وفي أسواق الأسهم، بدأ ارتفاع العوائد يضغط بصورة أكبر على تقييمات الشركات، خصوصاً أسهم النمو التي تتأثر عادة بارتفاع تكلفة التمويل وارتفاع العائد الذي يمكن للمستثمرين الحصول عليه من أدوات الدخل الثابت. وانخفضت العقود الآجلة لمؤشر «ناسداك 100» بنحو 1 في المائة.
وتأتي ضغوط السندات في وقت تترقب فيه الأسواق أيضاً تطورات أسعار النفط، مع تداول خام برنت قرب مستوى 100 دولار للبرميل، وسط استمرار اضطرابات الإمدادات المرتبطة بالحرب مع إيران.
